فَصْلٌ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْضُرَ الْإِمَامُ أَوْ أَمِيرُ الْحَجِيجِ
أسنى المطالب في شرح روض الطالبShafi'imasa’il 5198 to 5238
-
1/4851/485
الْحَجَّ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ إذَا لَمْ يَحْضُرْ أَنْ يُنَصِّبَ أَمِيرًا عَلَيْهِمْ يُطِيعُونَهُ فِيمَا يَنُوبُهُمْ فَقَدْ «أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ وَفِي التَّاسِعَةِ أَبَا بَكْرٍ وَفِي الْعَاشِرَةِ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَفْسِهِ حِجَّةَ الْوَدَاعِ» وَإِذَا حَضَرَ أَحَدُهُمَا خَطَبَ كَمَا قَالَ (فَيَخْطُبُ هُوَ أَوْ مَنْصُوبُهُ) بِهِمْ (يَوْمَ السَّابِعِ) وَيُسَمَّى يَوْمَ الزِّينَةِ؛
-
لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُزَيِّنُونَ فِيهِ حَوَامِلَهُمْ وَهَوَادِجَهُمْ لِلْخُرُوجِ (بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ أَوْ الْجُمُعَةِ) إنْ كَانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ (بِمَكَّةَ) قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ (خُطْبَةً وَاحِدَةً) وَأُفْرِدَتْ عَنْ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ فِيهَا التَّأْخِيرُ عَنْ الصَّلَاةِ؛ وَلِأَنَّ الْقَصْدَ بِهَا التَّعْلِيمُ لَا الْوَعْظُ وَالتَّخْوِيفُ فَلَمْ تُشَارِكْ خُطْبَةَ الْجُمُعَةِ
-
بِخِلَافِ خُطْبَةِ الْكُسُوفِ (يَأْمُرهُمْ فِيهَا بِالْعَدْوِ إلَى مِنًى) بِالصَّرْفِ وَعَدَمِهِ وَالتَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَا يُمْنَى فِيهِمَا مِنْ الدِّمَاءِ أَيْ يُرَاقُ، وَيَفْتَحُ الْخُطْبَةَ بِالتَّلْبِيَةِ إنْ كَانَ مُحْرِمًا وَإِلَّا فَبِالتَّكْبِيرِ نَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ وَأَقَرَّهُ (يُعَلِّمُهُمْ) فِيهَا (الْمَنَاسِكَ) «قَالَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - كَانَ رَسُولُ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا كَانَ قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ خَطَبَ النَّاسَ وَأَخْبَرَهُمْ بِمَنَاسِكِهِمْ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ.
-
فَإِنْ كَانَ فَقِيهًا قَالَ هَلْ مِنْ سَائِلٍ وَقَدَّمْتُ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ أَنَّ خُطَبَ الْحَجِّ أَرْبَعٌ هَذِهِ وَخُطَبُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَيَوْمِ النَّحْرِ وَيَوْمِ النَّفْرِ الْأَوَّلِ، وَكُلُّهَا فُرَادَى وَبَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ إلَّا يَوْمَ عَرَفَةَ فَثِنْتَانِ وَقَبْلَ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا مَعَ مَا يَأْتِي، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يُخْبِرُهُمْ فِي كُلِّ خُطْبَةٍ بِمَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مِنْ الْمَنَاسِكِ، وَهُوَ مَا اقْتَضَاهُ الْخَبَرُ السَّابِقُ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْإِمْلَاءِ لَكِنْ ذَكَرَ الْأَصْلُ بَعْدُ أَنَّهُ يُخْبِرُهُمْ فِي كُلِّ خُطْبَةٍ بِمَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مِنْ الْمَنَاسِكِ إلَى الْخُطْبَةِ الْأُخْرَى قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ، وَهُوَ خِلَافُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَسَاقَ نَصَّهُ فِي الْإِمْلَاءِ، وَالْحَقُّ الَّذِي اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ إذْ الْإِطْلَاقُ بَيَانٌ لِلْأَكْمَلِ وَالتَّقْيِيدُ بَيَانٌ لِلْأَقَلِّ (وَيَأْمُرُ) فِيهِمَا (الْمُتَمَتِّعِينَ) قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَالْمَكِّيِّينَ (بِطَوَافِ الْوَدَاعِ) قَبْلَ خُرُوجِهِمْ وَبَعْدَ إحْرَامِهِمْ كَمَا اقْتَضَاهُ نَقْلُ الْمَجْمُوعِ لَهُ عَنْ الْبُوَيْطِيِّ وَالْأَصْحَابِ، وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ الْمُفْرِدَ الْقَارِنَ الْآفَاقِيَّيْنِ لَا يُؤْمَرَانِ بِطَوَافِ الْوَدَاعِ؛
-
لِأَنَّهُمَا لَمْ يَتَحَلَّلَا مِنْ مَنَاسِكِهِمَا وَلَيْسَتْ مَكَّةُ مَحَلَّ إقَامَتِهَا
-
(، ثُمَّ يُبَكِّرُ بِهِمْ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقَدَّمْت أَنَّهُ يُسَمَّى أَيْضًا يَوْمَ النَّقْلَةِ فَيَخْرُجُ بِهِمْ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ بِحَيْثُ يُصَلُّونَ الظُّهْرَ بِمِنًى (فَإِنْ كَانَ يَوْمُ جُمُعَةٍ خَرَجَ) بِهِمْ (قَبْلَ الْفَجْرِ) نَدْبًا؛ لِأَنَّ السَّفَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَقَبْلَ الزَّوَالِ إلَى حَيْثُ لَا يُصَلِّي الْجُمُعَةَ حَرَامٌ فِيمَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ إقَامَتُهَا بِمِنًى كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي (وَيُصَلِّي بِهِمْ الظُّهْرَ وَسَائِرَ الْخَمْسِ) أَيْ بَاقِيهَا (بِمِنًى) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (إلَّا إنْ حَدَثَ) ثَمَّ (قَرْيَةٌ) وَاسْتَوْطَنَهَا أَرْبَعُونَ كَامِلُونَ (فَيُصَلُّونَ) فِيهَا (الْجُمُعَةَ) لِتَمَكُّنِهِمْ مِنْ إقَامَتِهَا وَإِنْ جَرُمَ الْبِنَاءُ،
-
ثُمَّ يَجُوزُ خُرُوجُهُمْ بَعْدَ الْفَجْرِ «، وَلَمْ
-
1/4861/486
يُصَلِّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْجُمُعَةَ بِعَرَفَةَ» مَعَ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ الَّذِي وَقَفَ فِيهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ» (وَيَبِيتُونَ) نَدْبًا بِمِنًى لَيْلَةَ التَّاسِعِ وَقَوْلُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ: الْمَبِيتُ بِهَا لَيْسَ بِنُسُكٍ مُرَادُهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ (وَحِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ) وَتُشْرِقُ (عَلَى ثَبِيرَ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ جَبَلٌ كَبِيرٌ بِمُزْدَلِفَةَ عَلَى يَمِينِ الذَّاهِبِ مِنْ مِنًى إلَى عَرَفَةَ (يَسِيرُ) بِهِمْ مُتَوَجِّهًا (إلَى عَرَفَةَ) قَائِلًا اللَّهُمَّ إلَيْك تَوَجَّهْت وَلِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ أَرَدْت فَاجْعَلْ ذَنْبِي مَغْفُورًا وَحَجِّي مَبْرُورًا وَارْحَمْنِي،
-
وَلَا تُخَيِّبْنِي إنَّك عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
-
وَيُنْدَبُ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ التَّلْبِيَةِ وَأَنْ يَسِيرَ بِهِمْ عَلَى طَرِيقٍ ضَبٍّ، وَيَعُودَ عَلَى طَرِيقِ الْمَأْزِمَيْنِ اقْتِدَاءً بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنْ يَعُودَ فِي طَرِيقٍ غَيْرِ الَّتِي ذَهَبَ فِيهَا فَإِذَا وَصَلَ نَمِرَةَ سُنَّ أَنْ يُضْرَبَ بِهَا قُبَّةُ الْإِمَامِ،
-
وَمَنْ كَانَ لَهُ قُبَّةٌ ضَرَبَهَا اقْتِدَاءً بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فَيَقِفُ) أَيْ فَيُقِيمُ بِهِمْ (بِنَمِرَةَ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَيَجُوزُ إسْكَانُهَا مَعَ فَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِهَا مَوْضِعٌ بَيْنَ طَرَفَيْ الْحِلِّ وَعَرَفَةَ وَيَسْتَمِرُّ إلَى أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ وَيَغْتَسِلُ لِلْوُقُوفِ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَوَقْتُ الزَّوَالِ يَسِيرٌ) بِهِمْ (إلَى مَسْجِدِ إبْرَاهِيمَ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَبَعْضُهُ مِنْ عَرَفَةَ) .
-
عِبَارَةُ الْأَصْلِ صَدْرُهُ مِنْ عَرَفَةَ وَآخِرُهُ مِنْ عَرَفَةَ وَيُمَيِّزُ بَيْنَهُمَا صَخَرَاتٌ كِبَارٌ فُرِشَتْ هُنَاكَ (فَيَخْطُبُ بِهِمْ) بَعْدَ الزَّوَالِ (خُطْبَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ يُعَلِّمُهُمْ) فِي الْأُولَى (الْمَنَاسِكَ وَيَحُثُّهُمْ عَلَى) إكْثَارِ (الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ) بِالْوَقْفِ وَيَجْلِسُ بَعْدَ فَرَاغِهَا بِقَدْرِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ (وَحِينَ يَقُومُ إلَى) الْخُطْبَةِ (الثَّانِيَةِ وَهِيَ أَخَفُّ) مِنْ الْأُولَى (يُؤَذِّنُ لِلظُّهْرِ وَيَفْرُغَانِ) أَيْ الْأَذَانُ وَالْخُطْبَةُ (مَعًا) وَاسْتُشْكِلَ هَذَا بِأَنَّ الْأَذَانَ يَمْنَعُ سَمَاعَ الْخُطْبَةِ أَوْ أَكْثَرَهَا فَيَفُوتُ مَقْصُودُهَا، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْخُطْبَةِ مِنْ التَّعْلِيمِ إنَّمَا هُوَ فِي الْأُولَى وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَهِيَ ذِكْرٌ وَدُعَاءٌ فَشُرِعَتْ مَعَ الْأَذَانِ قَصْدًا لِلْمُبَادَرَةِ بِالصَّلَاةِ (وَيَجْمَعُ بِهِمْ) بَعْدَ فَرَاغِ الْخُطْبَتَيْنِ (الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ) تَقْدِيمًا لِلِاتِّبَاعِ فِي ذَلِكَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَيَقْصُرُونَ) ، وَالْجَمْعُ وَالْقَصْرُ هُنَا وَفِيمَا يَأْتِي بِالْمُزْدَلِفَةِ لِلسَّفَرِ لَا لِلنُّسُكِ فَيَخْتَصَّانِ بِسَفَرِ الْقَصْرِ كَمَا مَرَّ فِي بَابِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ هُنَا بِقَوْلِهِ (لَا) وَفِي نُسْخَةٍ إلَّا (الْمَكِّيُّونَ وَنَحْوُهُمْ) مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغْ سَفَرُهُ مَسَافَةَ الْقَصْرِ (فَيَأْمُرهُمْ بِالْإِتْمَامِ) بِأَنْ يَقُولَ لَهُمْ بَعْدَ السَّلَامِ يَا أَهْلَ مَكَّةَ - وَمَنْ سَفَرُهُ قَصِيرٌ -: أَتِمُّوا فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ فَيَأْمُرُهُمْ بِالْإِتْمَامِ وَعَدَمِ الْجَمْعِ.
-
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ:
-
وَإِذَا دَخَلَ الْحُجَّاجُ مَكَّةَ وَنَوَوْا أَنْ يُقِيمُوا بِهِمَا أَرْبَعًا لَزِمَهُمْ الْإِتْمَامُ فَإِذَا أُخْرِجُوا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ إلَى مِنًى وَنَوَوْا الذَّهَابَ إلَى أَوْطَانِهِمْ عِنْدَ فَرَاغِ مَنَاسِكِهِمْ كَانَ لَهُمْ الْقَصْرُ مِنْ حِينِ خَرَجُوا؛ لِأَنَّهُمْ أَنْشَئُوا سَفَرًا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ.
-
(فَرْعٌ، ثُمَّ) بَعْدَ جَمْعِهِمْ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ (يَذْهَبُونَ إلَى الْمَوْقِفِ) وَيَجْعَلُونَ السَّيْرَ إلَيْهِ (وَأَفْضَلُهُ) لِلذِّكْرِ مَوْقِفُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهُوَ (عِنْدَ الصَّخَرَاتِ) الْكِبَارِ الْمُفْتَرِشَةِ فِي أَسْفَلِ جَبَلِ الرَّحْمَةِ، وَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي بِوَسَطِ أَرْضِ عَرَفَةَ وَيُقَالُ لَهُ الْإِلَالُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ بِوَزْنِ هِلَالٍ وَذَكَرَ الْجَوْهَرِيُّ أَنَّهُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَقَالَ نَقْلًا عَنْ الْأَصْحَابِ فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوُصُولُ إلَيْهَا لِلزَّحْمَةِ قَرُبَ مِنْهَا بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَبَيْنَ مَوْقِفِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَسْجِدِ إبْرَاهِيمَ نَحْوُ مِيلٍ أَمَّا الْأُنْثَى فَيُنْدَبُ لَهَا الْجُلُوسُ فِي حَاشِيَةِ الْمَوْقِفِ كَمَا تَقِفُ فِي آخِرِ الْمَسْجِدِ نَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ وَأَقَرَّهُ، قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَقِيَاسُهُ نَدْبُ ذَلِكَ لِلْخُنْثَى وَيَكُونُ عَلَى تَرْتِيبِ الصَّلَاةِ قَالَ:
-
ثُمَّ يَتَعَدَّى النَّظَرُ إلَى الصِّبْيَانِ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمْ مَعَ الْبَالِغِينَ (وَ) أَنْ يَكُونَ الْوَقْفُ (بِوُضُوءٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ وَعَبَّرَ فِي الرَّوْضَةِ بِالتَّطَهُّرِ، وَهُوَ أَعَمُّ،
-
وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ سَتْرُ الْعَوْرَةِ (وَيَسْتَقْبِلُونَ) فِي وُقُوفِهِمْ الْقِبْلَةَ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّهَا أَشْرَفُ الْجِهَاتِ (وَالرُّكُوبُ) فِيهِ (أَفْضَلُ) مِنْ الْمَشْيِ اقْتِدَاءً بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِأَنَّهُ أَعْوَنُ عَلَى الدُّعَاءِ، وَهُوَ الْمُهِمُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
-
(وَيُكْثِرُونَ الذِّكْرَ وَالتَّهْلِيلَ وَالدُّعَاءَ) وَالتَّلْبِيَةَ وَقِرَاءَةَ الْقُرْآنِ (إلَى الْغُرُوبِ) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرُوِيَ «أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَأَفْضَلُ مَا قُلْت أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ
-
1/4871/487
لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا وَفِي سَمْعِي نُورًا وَفِي بَصَرِي نُورًا اللَّهُمَّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي اللَّهُمَّ لَك الْحَمْدُ» كَاَلَّذِي نَقُولُ وَخَيْرًا مِمَّا نَقُولُ «اللَّهُمَّ لَك صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي، وَإِلَيْك مَآبِي وَلَك تُرَاثِي اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَوَسْوَسَةِ الصَّدْرِ وَشَتَاتِ الْأَمْرِ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ مَا تَجِيءُ بِهِ الرِّيحُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ اللَّهُمَّ اُنْقُلْنِي مِنْ ذُلِّ الْمَعْصِيَةِ إلَى عِزِّ الطَّاعَةِ وَاكْفِنِي بِحَلَالِك عَنْ حَرَامِك وَأَغْنَنِي بِفَضْلِك عَمَّنْ سِوَاك وَنَوِّرْ قَلْبِي وَقَبْرِي وَأَعِذْنِي مِنْ الشَّرِّ كُلِّهِ، وَاجْمَعْ لِي الْخَيْرَ إنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى» وَيَكُونُ كُلُّ دُعَاءٍ ثَلَاثًا وَيَفْتَتِحُهُ بِالتَّحْمِيدِ وَالتَّمْجِيدِ وَالتَّسْبِيحِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَخْتِمُهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ مَعَ التَّأْمِينِ وَيُكْثِرُ الْبُكَاءُ مَعَ ذَلِكَ فَهُنَاكَ تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ وَتُقَالُ الْعَثَرَاتُ.
-
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ قَالَ أَصْحَابُنَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْحَشْرِ فِي عَرَفَةَ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ذَلِكَ (يَرْفَعُ الْيَدَ) أَيْ يَدَيْهِ لِخَبَرِ «تُرْفَعُ الْأَيْدِي فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ: عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ وَاسْتِقْبَالِ الْبَيْتِ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَالْمَوْقِفَيْنِ وَالْجَمْرَتَيْنِ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ إنَّهُ مَعْلُولٌ (وَلَا يُجَاوِزُونَهَا) أَيْ الْيَدَ وَفِي نُسْخَةٍ،
-
وَلَا يُجَاوِزْ بِهَا (الرَّأْسَ،
-
وَلَا يُفْرِطُ فِي الْجَهْرِ) بِالدُّعَاءِ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكُنَّا إذَا أَشْرَفْنَا عَلَى وَادٍ هَلَّلْنَا وَكَبَّرْنَا وَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَرْبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ، وَلَا غَائِبًا إنَّهُ مَعَكُمْ إنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ قَرِيبٌ» وَالْأَفْضَلُ لِلْوَاقِفِ أَنْ لَا يَسْتَظِلَّ بَلْ يَبْرُزَ لِلشَّمْسِ إلَّا لِعُذْرٍ بِأَنْ يَتَضَرَّرَ أَوْ يَنْقُصَ دُعَاؤُهُ وَاجْتِهَادُهُ فِي الْأَذْكَارِ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَظَلَّ بِعَرَفَاتٍ مَعَ أَنَّهُ ثَبَتَ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ «أَنَّهُ ظُلِّلَ عَلَيْهِ بِثَوْبٍ، وَهُوَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ» (، وَحَيْثُ تَغْرُبُ) الشَّمْسُ (يُسْتَحَبُّ لَهُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ) أَيْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ إنْ أَرَادَ الْمَصِيرَ إلَى مُزْدَلِفَةَ لِيَجْمَعَهَا فِيهَا مَعَ الْعِشَاءِ كَمَا سَيَأْتِي.
-
(وَيَدْفَعُونَ) مِنْ عَرَفَةَ مُكْثِرِينَ لِذِكْرِ اللَّهِ وَالتَّلْبِيَةِ (طَرِيقَ) أَيْ فِي طَرِيقِ (الْمَأْزِمَيْنِ) بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الْمِيمِ وَبِتَرْكِهَا مَعَ كَسْرِ الزَّايِ فِيهِمَا وَهُمَا جَبَلَانِ بَيْنَ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ فَالْمُرَادُ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي بَيْنَهُمَا (بِسَكِينَةٍ) تَحَرُّزًا مِنْ الْإِيذَاءِ وَلِلْأَمْرِ بِهِ فِي خَبَرِ مُسْلِمٍ «رَاكِبًا كَانَ أَوْ مَاشِيًا» (وَمِنْ وَجَدَ فُرْجَةً أَسْرَعَ) فِيهَا نَدْبًا لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (إلَى الْمُزْدَلِفَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِيَدْفَعُونَ (فَيَجْمَعُ بِهِمْ) فِيهَا (الْمَغْرِبَ الْعِشَاءَ) تَأْخِيرًا لِلِاتِّبَاعِ كَمَا مَرَّ فِي بَابِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَأَطْلَقَ كَأَصْلِهِ اسْتِحْبَابَ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ إلَى مُزْدَلِفَةَ وَقَيَّدَهُ الدَّارِمِيُّ وَالْبَنْدَنِيجِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِمَا إذَا لَمْ يَخْشَ فَوْتَ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ لِلْعِشَاءِ فَإِنْ خَشِيَهُ صَلَّى بِهِمْ فِي الطَّرِيقِ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ عَنْ النَّصِّ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَلَعَلَّ إطْلَاقَ الْأَكْثَرِينَ مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا وَفِيهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَالسُّنَّةُ أَنْ يُصَلُّوا قَبْلَ حَطِّ رِحَالِهِمْ،
-
ثُمَّ يُنِيخَ كُلُّ إنْسَانٍ جَمَلَهُ وَيَعْقِلَهُ،
-
ثُمَّ يُصَلُّونَ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا جَاءَ مُزْدَلِفَةَ تَوَضَّأَ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الْعِشَاءُ فَصَلَّاهَا، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا» (وَيُصَلِّي) كُلُّ أَحَدٍ (الرَّوَاتِبَ) الَّتِي لِلصَّلَوَاتِ الْمَذْكُورَةِ كَمَا مَرَّ فِي بَابِ الْجُمَعِ (وَلَا يَتَنَفَّلُونَ) أَيْ لَا يُسَنُّ لَهُمْ النَّفَلُ الْمُطْلَقُ لَا بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ،
-
وَلَا عَلَى إثْرِهِمَا لِئَلَّا يَنْقَطِعُوا عَنْ الْمَنَاسِكِ، اعْلَمْ إنَّ الْمَسَافَةَ مِنْ مَكَّةَ إلَى مِنًى وَمِنْ مُزْدَلِفَةَ إلَى كُلٍّ مِنْ عَرَفَةَ وَمِنًى فَرْسَخٌ ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ.
-
(فَرْعٌ مِنْ حَصَلَ فِي عَرَفَةَ بِنِيَّةِ الْوُقُوفِ أَوْ) بِنِيَّةِ (غَيْرِهِ مِنْ طَلَبِ غَرِيمٍ أَوْ ضَائِعٍ أَوْ) حَصَلَ فِيهَا (مَارًّا أَوْ جَاهِلًا) بِهَا،
-
وَلَوْ ظَنَّهَا غَيْرَهَا (أَجْزَأَهُ) لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «وَقَفْت هَاهُنَا وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» (وَيُجْزِئُ النَّائِمَ) حُصُولُهُ فِيهِمَا وَلَوْ اسْتَغْرَقَ الْوَقْتَ بِالنَّوْمِ كَمَا فِي الصَّوْمِ (لَا الْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالسَّكْرَانُ وَالْمَجْنُونُ) كَمَا فِي الصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ (فَيَقَعُ) حَجُّ الْمَجْنُونِ (نَفْلًا) كَحَجِّ الصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ وَاسْتَشْكَلَ بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُغْمَى عَلَيْهِ فَاتَهُ الْحَجُّ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْجُنُونَ لَا يُنَافِي الْوُقُوعَ نَفْلًا فَإِنَّهُ إذَا جَازَ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُحْرِمَ عَنْ الْمَجْنُونِ ابْتِدَاءً فَفِي الدَّوَامِ أَوْلَى أَنْ يُتِمَّ حَجَّهُ فَيَقَعُ نَفْلًا
-
بِخِلَافِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ إذَا لَيْسَ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُحْرِمَ عَنْهُ ابْتِدَاءً فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُتِمَّ حَجَّهُ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فَاتَهُ الْحَجُّ حَجُّهُ الْوَاجِبُ فَيَكُونُ كَالْمَجْنُونِ
-
وَمِثْلُهَا السَّكْرَانُ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ شَامِلٌ لِلثَّلَاثَةِ وَالتَّصْرِيحُ بِعَدَمِ صِحَّةِ وُقُوفِ السَّكْرَانِ مِنْ زِيَادَتِهِ وَبِهِ صَرَّحَ النَّوَوِيُّ فِي مَجْمُوعِهِ وَمَنَاسِكِهِ وَحَدُّ عَرَفَةَ
-
1/4881/488
مَا جَاوَزَ وَادِي عَرَفَةَ إلَى الْجِبَالِ الْمُقَابِلَةِ مِمَّا يَلِي بَسَاتِينَ ابْنِ عَامِرٍ وَلَيْسَ مِنْهَا وَادِي عَرَفَةَ،
-
وَلَا نَمِرَةَ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ
-
(فَرْعٌ وَوَقْتُهُ) أَيْ الْوُقُوفُ (مِنْ زَوَالِ) شَمْسِ (يَوْمِ عَرَفَةَ إلَى) طُلُوعِ (فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ) «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَفَ بَعْدَ الزَّوَالِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ خَبَرَ «الْحَجُّ عَرَفَةَ وَمَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ» وَفِي رِوَايَةِ مَنْ «جَاءَ عَرَفَةَ لَيْلَةَ جَمْعٍ أَيْ لَيْلَةَ مُزْدَلِفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ» وَرَوَوْا أَيْضًا بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ «عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ قَالَ أَتَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمُزْدَلِفَةِ حِينَ خَرَجَ إلَى الصَّلَاةِ أَيْ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي جِئْت مِنْ جَبَلِ طَيِّئٍ أَكْلَلْتُ رَاحِلَتِي وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي وَاَللَّهِ مَا تَرَكْتُ مِنْ جَبَلٍ إلَّا وَقَفْت عَلَيْهِ فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ وَأَتَى عَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» وَالتَّفَثُ مَا يَفْعَلُهُ الْمُحْرِمُ عِنْدَ تَحَلُّلِهِ مِنْ إزَالَةِ شُعْثٍ وَوَسَخٍ وَحَلْقِ شَعْرٍ وَقَلْمِ ظُفْرٍ.
-
(، وَلَا دَمَ عَلَى مَنْ دَفَعَ) مِنْ عَرَفَةَ (قَبْلَ الْغُرُوبِ) وَإِنْ لَمْ يَعُدْ إلَيْهَا لِقَوْلِهِ فِي خَبَرِ عُرْوَةَ «فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» فَلَوْ وَجَبَ الدَّمُ لَكَانَ حَجُّهُ نَاقِصًا مُحْتَاجًا إلَى الْجَبْرِ وَلِأَنَّهُ أَدْرَكَ مِنْ الْوُقُوفِ مَا أَجْزَأَهُ فَلَمْ يَجِبْ الدَّمُ كَمَا لَوْ وَقَفَ لَيْلًا (بَلْ يُسْتَحَبُّ إنْ لَمْ يَعُدْ) إلَيْهَا (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْغُرُوبِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ لِتَرْكِهِ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَإِنْ عَادَ فَلَا اسْتِحْبَابَ (وَيُجْزِئُهُ الْوُقُوفُ لَيْلًا) لِخَبَرِ عُرْوَةَ، وَهَذَا يُغْنِي عَنْهُ مَا مَرَّ.
-
(فَرْعٌ وَإِنْ غَلِطَ الْجَمُّ الْغَفِيرُ) ضَمَّ الْغَفِيرَ إلَى الْجَمِّ سَهْوًا، وَإِنَّمَا يُضَمُّ إلَى الْجَمَّاءِ بِالْمَدِّ فَفِي الصِّحَاحِ فِي بَابِ الْمِيمِ: الْجَمُّ الْكَثِيرُ وَفِي بَابِ الرَّاءِ يَقُولُ جَاءُوا جَمَّاءَ غَفِيرًا وَالْجَمَّاءُ الْغَفِيرُ أَيْ جَاءُوا بِجَمَاعَتِهِمْ الشَّرِيفُ وَالْوَضِيعُ، وَلَمْ يَتَخَلَّفْ أَحَدٌ وَكَانَتْ فِيهِمْ كَثْرَةُ الْجَمَّاءِ الْغَفِيرِ يُنْصَبُ كَمَا تُنْصَبُ الْمَصَادِرُ الَّتِي فِي مَعْنَاهُ كَجَاءُونِي جَمِيعًا وَقَاطِبَةً وَكَافَّةً وَطُرًّا وَأَدْخَلُوا فِيهِ أَلْ كَمَا أَدْخَلُوهَا فِي قَوْلِهِمْ أَوْرَدَهَا الْعِرَاكَ أَيْ عِرَاكًا فَكَانَ الْوَجْهُ أَنْ يَقُولَ:
-
وَإِنْ غَلِطَ الْجَمُّ أَوْ جَمٌّ أَيْ كَثِيرُونَ (لَا قَلِيلُونَ) عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ فِي الْحَجِيجِ (فَوَقَفُوا يَوْمَ الْعَاشِرِ) بِأَنْ ظَنُّوهُ التَّاسِعَ كَأَنْ غُمَّ عَلَيْهِمْ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ فَأَكْمَلُوا عِدَّةً ذِي الْقِعْدَةِ ثَلَاثِينَ،
-
ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ الْهِلَالَ أُهِلَّ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ (وَلَوْ) كَانَ وُقُوفُهُمْ (بَعْدَ التَّبَيُّنِ) أَيْ تَبَيُّنِ أَنَّهُ الْعَاشِرُ (كَمَا إذَا ثَبَتَ) أَنَّهُ الْعَاشِرُ (لَيْلًا، وَلَمْ يَتَمَكَّنُوا) مِنْ الْوُقُوفِ (صَحَّ) الْوُقُوفُ لِلْإِجْمَاعِ وَلِخَبَرِ أَبِي دَاوُد مُرْسَلًا «يَوْمُ عَرَفَةَ الْيَوْمُ الَّذِي يُعَرِّفُ النَّاسُ فِيهِ» وَلِأَنَّهُمْ لَوْ كُلِّفُوا بِالْقَضَاءِ لَمْ يَأْمَنُوا وُقُوعَ مِثْلِهِ فِيهِ وَلِأَنَّ فِيهِ مَشَقَّةٌ عَامَّةٌ
-
بِخِلَافِ مَا إذَا قَلُّوا وَلَيْسَ مِنْ الْغَلَطِ الْمُرَادُ لَهُمْ مَا إذَا وَقَعَ ذَلِكَ بِسَبَبِ الْحِسَابِ كَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ قَالَ الدَّارِمِيُّ وَإِذَا وَقَفُوا الْعَاشِرَ غَلَطًا حُسِبَتْ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا عَلَى حِسَابِ وُقُوفِهِمْ وَعَلَيْهِ فَلَا يُقِيمُونَ بِمِنًى إلَّا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ خَاصَّةً (لَا) إنْ وَقَفُوا الْيَوْمَ (الثَّامِنَ) فَلَا يَصِحُّ وَفَارَقَ الْغَلَطُ بِالْعَاشِرَةِ بِأَنَّ تَأْخِيرَ الْعِبَارَةِ عَنْ وَقْتِهَا أَقْرَبُ إلَى الِاحْتِسَابِ مِنْ تَقْدِيمِهَا عَلَيْهِ وَبِأَنَّ الْغَلَطَ بِالتَّقْدِيمِ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ؛
-
لِأَنَّهُ إنَّمَا يَقَعُ لِغَلَطٍ فِي الْحِسَابِ أَوْ لِخَلَلٍ فِي الشُّهُودِ الَّذِينَ شَهِدُوا بِتَقْدِيمِ الْهِلَالِ، وَالْغَلَطُ بِالتَّأْخِيرِ قَدْ يَكُونُ بِالْغَيْمِ الْمَانِعِ مِنْ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَهُوَ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ،
-
ثُمَّ إنْ عَلِمُوا قَبْلَ فَوْتِ الْوَقْتِ وَجَبَ الْوُقُوفُ فِيهِ لِتَمَكُّنِهِمْ مِنْهُ أَوْ بَعْدَهُ وَجَبَ الْقَضَاءُ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي (وَلَا) إنْ وَقَفُوا (الْحَادِيَ عَشَرَ،
-
وَلَا إنْ غَلِطُوا فِي الْمَكَانِ) فَوَقَفُوا بِغَيْرِ عَرَفَةَ فَلَا يَصِحُّ لِنُدْرَةِ ذَلِكَ (فَيَقْضُونَ لِلْفَوَاتِ) أَيْ لِأَجْلِهِ (وَمَنْ رَأَى الْهِلَالَ وَحْدَهُ) أَوْ مَعَ غَيْرِهِ وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ (وَوَقَفَ قَبْلَهُمْ لَا مَعَهُمْ أَجْزَأَهُ) إذْ الْعِبْرَةُ فِي دُخُولِ وَقْتِ عَرَفَةَ وَخُرُوجِهِ بِاعْتِقَادِهِ، وَهَذَا كَمَنْ شَهِدَ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ.