كِتَابُ الْقَضَاءِ
أسنى المطالب في شرح روض الطالبShafi'imasa’il 21469 to 21493
-
4/2774/277
بِالْمَدِّ أَيْ الْحُكْمُ وَجَمْعُهُ أَقْضِيَةٌ كَقَبَاءٍ وَأَقْبِيَةٍ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ يُقَالُ لِإِتْمَامِ الشَّيْءِ وَإِحْكَامِهِ وَإِمْضَائِهِ وَالْفَرَاغِ مِنْهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ يَسْتَتِمُّ الْأَمْرَ وَيُحْكِمُهُ وَيُمْضِيهِ وَيَفْرُغُ مِنْهُ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ آيَاتٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} وقَوْله تَعَالَى {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} وقَوْله تَعَالَى {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ} وَأَخْبَارٌ كَخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ، وَإِنْ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ» وَفِي رِوَايَةٍ صَحَّحَ الْحَاكِمُ إسْنَادَهَا فَلَهُ عَشَرَةُ أُجُورٍ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ خَبَرَ «إذَا جَلَسَ الْحَاكِمُ لِلْحُكْمِ بَعَثَ اللَّهُ لَهُ مَلَكَيْنِ يُسَدِّدَانِهِ وَيُوَفِّقَانِهِ فَإِنْ عَدَلَ أَقَامَا، وَإِنْ جَارَ عَرَجَا وَتَرَكَاهُ» وَمَا جَاءَ فِي التَّحْذِيرِ مِنْ الْقَضَاءِ كَقَوْلِهِ «مَنْ جُعِلَ قَاضِيًا ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ» مَحْمُولٌ عَلَى عِظَمِ الْخَطَرِ فِيهِ أَوْ عَلَى مَنْ يُكْرَهُ لَهُ الْقَضَاءُ أَوْ يَحْرُمُ عَلَى مَا سَيَأْتِي (وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ: الْأَوَّلُ: فِي التَّوْلِيَةِ وَالْعَزْلِ وَفِيهِ طَرَفَانِ الْأَوَّلُ فِي التَّوْلِيَةِ وَ) فِي (الْفَتْوَى وَالْقَضَاءِ) أَيْ تَوَلِّيهِ (فَرْضُ كِفَايَةٍ) فِي حَقِّ الصَّالِحِينَ لَهُ (كَالْإِمَامَةِ) بِالْإِجْمَاعِ وَلِمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ
-
(وَمَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ) بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ فِي نَاحِيَتِهِ صَالِحٌ لِلْقَضَاءِ غَيْرُهُ (لَزِمَهُ طَلَبُهُ وَقَبُولُهُ) إذَا وَلِيَ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ فِيهَا (وَلَا يُعْذَرُ) الْمُتَعَيِّنُ (لِخَوْفِ مَيْلٍ) مِنْهُ أَيْ جَوْرٍ بَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَطْلُبَ وَيَقْبَلَ وَيَحْتَرِزَ مِنْ الْمَيْلِ كَسَائِرِ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ (وَلَا يَفْسُقُ بِالِامْتِنَاعِ) مِنْ ذَلِكَ (لِتَأَوُّلِهِ) فِي امْتِنَاعِهِ،
-
وَإِنْ أَخْطَأَ (وَيُجْبَرُ) عَلَى الْقَبُولِ لِاضْطِرَارِ النَّاسِ إلَيْهِ كَإِطْعَامِ الْمُضْطَرِّ وَسَائِرِ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ عِنْدَ التَّعَيُّنِ،
-
وَأُمَّا خَبَرُ «أَنَّا لَا نُكْرِهُ عَلَى الْقَضَاءِ أَحَدًا» فَحَمَلُوهُ عَلَى حَالِ عَدَمِ التَّعَيُّنِ مَعَ أَنَّهُ غَرِيبٌ (فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ أَفْضَلُ مِنْهُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ) مِنْ الْقَبُولِ (كُرِهَ) لِلْمَفْضُولِ (الطَّلَبُ)
-
4/2784/278
لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ «عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ حَيْثُ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ» (وَجَازَ) لَهُ (الْقَبُولُ) إذْ وَلِيَ مَعَ كَرَاهَتِهِ فَلَوْ قَالَ وَالْقَبُولُ كَانَ أَوْلَى وَيُكْرَهُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَبْتَدِئَهُ بِالتَّوْلِيَةِ أَمَّا إذَا كَانَ الْأَفْضَلُ يَمْتَنِعُ مِنْ الْقَبُولِ فَكَالْمَعْدُومِ وَاسْتَثْنَى الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ كَرَاهَةِ مَا ذُكِرَ مَا إذَا كَانَ الْمَفْضُولُ أَطْوَعَ وَأَقْرَبَ إلَى الْقَبُولِ وَالْبُلْقِينِيُّ مَا إذَا كَانَ أَقْوَى فِي الْقِيَامِ فِي الْحَقِّ (وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ مِثْلُهُ وَكَانَ هَذَا مَشْهُورًا) يُنْتَفَعُ بِعِلْمِهِ (مُكَفِّيًا) بِغَيْرِ بَيْتِ الْمَالِ (كُرِهَ لَهُ طَلَبُهُ وَقَبُولُهُ) وَعَلَى هَذَا حُمِلَ امْتِنَاعُ السَّلَفِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا أَوْ مَكْفِيًّا (اُسْتُحِبَّ) لَهُ ذَلِكَ (لِيُنْتَفَعَ بِعِلْمِهِ أَوْ لِيَكْتَفِيَ) مِنْ بَيْتِ الْمَالِ (وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ دُونَهُ اُسْتُحِبَّ لَهُ الْقَبُولُ
-
وَكَذَا الطَّلَبُ) ، وَإِنَّمَا يُسْتَحَبَّانِ (إذَا وَثِقَ بِنَفْسِهِ) أَمَّا عِنْدَ الْخَوْفِ عَلَيْهَا فَيَحْتَرِزُ؛ لِأَنَّ أَهَمَّ الْعَزَائِمِ حِفْظُ السَّلَامَةِ وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّهُ لَوْ حُذِفَ لَفْظَةُ كَذَا كَانَ أَوْلَى
-
(وَحَرُمَ) عَلَى الصَّالِحِ (لِلْقَضَاءِ طَلَبٌ) لَهُ (وَبَذْلُ مَالٍ لِعَزْلِ) قَاضٍ (صَالِحٍ) لَهُ (وَلَوْ) كَانَ (دُونَهُ وَبَطَلَتْ) بِذَلِكَ (عَدَالَتُهُ) فَلَا تَصِحُّ تَوْلِيَتُهُ وَالْمَعْزُولُ بِهِ عَلَى قَضَائِهِ حَيْثُ لَا ضَرُورَةَ كَمَا سَيَأْتِي؛ لِأَنَّ الْعَزْلَ بِالرِّشْوَةِ حَرَامٌ وَتَوْلِيَةُ الْمُرْتَشِي لِلرَّاشِي حَرَامٌ (وَلَوْ وَجَبَ أَوْ اُسْتُحِبَّ طَلَبُهُ جَازَ بَذْلُ الْمَالِ وَ) لَكِنَّ (آخِذُهُ ظَالِمٌ) كَمَا إذَا تَعَذَّرَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ إلَّا بِبَذْلِ مَالٍ فَإِنْ لَمْ يَجِبْ وَلَمْ يُسْتَحَبَّ لَمْ يَجُزْ لَهُ بَذْلُ الْمَالِ لِيُوَلَّى وَيَجُوزُ لَهُ بَذْلُهُ لِئَلَّا يُعْزَلَ وَوَقَعَ فِي الرَّوْضَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ بَذْلُهُ لِيُوَلَّى، وَهُوَ سَبْقُ قَلَمٍ
-
(وَكَذَا يُسْتَحَبُّ بَذْلُهُ لِعَزْلِ) قَاضٍ (غَيْرِ صَالِحٍ) لِلْقَضَاءِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَخْلِيصِ النَّاسِ مِنْهُ لَكِنَّ آخِذَهُ ظَالِمٌ (وَلَا يَجِبُ) عَلَى مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ (طَلَبٌ وَ) لَا (قَبُولٌ) لَهُ (فِي غَيْرِ بَلَدِهِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْهِجْرَةِ وَتَرْكِ الْوَطَنِ وَفَارَقَ سَائِرَ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ الْقِيَامُ بِهَا وَالْعَوْدُ إلَى الْوَطَنِ وَالْقَضَاءُ لَا غَايَةَ لَهُ مَعَ قِيَامِ حَاجَةِ بَلَدِ الْمُتَعَيِّنِ إلَيْهِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِبَلَدٍ صَالِحَانِ وَوَلِيَ أَحَدُهُمَا مَا لَمْ يَجِبْ عَلَى الْآخَرِ ذَلِكَ فِي بَلَدٍ آخَرَ لَيْسَ بِهِ صَالِحٌ وَالْأَوْجَهُ الْوُجُوبُ عَلَيْهِ لِئَلَّا تَتَعَطَّلَ الْبَلَدُ الْأُخْرَى إنْ لَمْ يَشْمَلْهَا حُكْمُ الْأَوَّلِ مَعَ انْتِفَاءِ حَاجَةِ بَلَدِهِ إلَيْهِ هَذَا وَاقْتِصَارُهُ عَلَى الْبَلَدِ مِنْ تَصَرُّفِهِ وَاَلَّذِي فِي الْأَصْلِ اعْتِبَارُ الْبَلَدِ وَالنَّاحِيَةِ وَفِي الْحَقِيقَةِ الْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ النَّاحِيَةُ فَقَطْ كَمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهَا الْمِنْهَاجُ (وَإِنْ صَلَحَ) لَهُ بِفَتْحِ اللَّامِ وَضَمِّهَا (جَمَاعَةٌ وَقَامَ) بِهِ (أَحَدُهُمْ سَقَطَ بِهِ الْفَرْضُ) عَنْ الْجَمِيعِ (وَإِنْ امْتَنَعُوا) مِنْهُ (أَثِمُوا) كَسَائِرِ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ (وَأَجْبَرَ الْإِمَامُ وَاحِدًا) مِنْهُمْ عَلَيْهِ لِئَلَّا تَتَعَطَّلَ الْمَصَالِحُ هَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ قَاضٍ (،
-
وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ قَاضٍ) فَإِنْ كَانَ (غَيْرَ مُسْتَحِقٍّ) لِلْقَضَاءِ (فَكَالْمَعْدُومِ،
-
وَإِنْ كَانَ مُسْتَحِقًّا) لَهُ (فَطَلَبُ عَزْلِهِ حَرَامٌ) ،
-
وَإِنْ كَانَ مَفْضُولًا (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ عَزَلَ (وَوَلَّى) غَيْرَهُ (نَفَذَ لِلضَّرُورَةِ) أَيْ عِنْدَهَا،
-
وَأُمَّا عِنْدَ تَمَهُّدِ الْأُصُولِ الشَّرْعِيَّةِ فَلَا يَنْفُذُ صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ فِيمَا إذَا بَذَلَ مَالًا لِذَلِكَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بِدُونِهِ كَذَلِكَ
-
(وَيُشْتَرَطُ) فِيمَنْ يَتَوَلَّى الْقَضَاءَ (أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا حُرًّا ذَكَرًا إذَا رَأَى مُجْتَهِدًا) أَيْ (غَيْرَ مُقَلِّدٍ) فَلَا يُوَلَّاهُ كَافِرٌ وَلَوْ عَلَى كُفَّارٍ كَمَا سَيَأْتِي لِعَدَمِ عَدَالَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا} وَلَا مَنْ فِيهِ رِقٌّ لِنَقْصِهِ وَلَا أُنْثَى وَلَوْ فِيمَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهَا فِيهِ إذْ لَا يَلِيقُ بِهَا مُجَالَسَةُ الرِّجَالِ وَرَفْعُ صَوْتِهَا بَيْنَهُمْ وَلِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً» وَلَا خُنْثَى كَالْأُنْثَى وَلَا مُقَلِّدًا كَمَا فِي الْإِفْتَاءِ وَسَيَأْتِي أَنَّ الْقَضَاءَ يَنْفُذُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ مِنْ الْمُقَلِّدِ وَقَوْلُهُ إذَا رَأَى يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ بَعْدُ وَأَنْ يَكُونَ كَافِيًا مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ إنَّمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَنْدُوبَاتِ الْآتِيَةِ.
-
(وَالْمُجْتَهِدُ مَنْ عَلِمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَعَرَفَ) مِنْهُمَا (الْخَاصَّ
-
4/2794/279
وَالْعَامَّ وَالْمُطْلَقَ وَالْمُقَيَّدَ وَالْمُجْمَلَ وَالْمُبَيَّنَ) وَالنَّصَّ وَالظَّاهِرَ (وَالنَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ) وَعَرَفَ (مِنْ السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَ وَالْآحَادَ وَالْمُرْسَلَ وَالْمُتَّصِلَ وَعَدَالَةَ الرُّوَاةِ وَجَرْحَهُمْ) ؛ لِأَنَّ أَهْلِيَّةَ الِاجْتِهَادِ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ (وَ) عَرَفَ (أَقَاوِيلَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ إجْمَاعًا وَغَيْرَهُ) لِئَلَّا يُخَالِفَهُمْ فِي اجْتِهَادِهِ (وَ) عَرَفَ (الْقِيَاسَ جَلِيَّهُ وَخَفِيَّهُ) وَسَيَأْتِي بَيَانُهُمَا فِي الْبَابِ الثَّانِي (وَصَحِيحَهُ وَفَاسِدَهُ) لِمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ (وَ) عَرَفَ (لِسَانَ الْعَرَبِ لُغَةً وَإِعْرَابًا) لِوُرُودِ الشَّرِيعَةِ بِهِ؛
-
وَلِأَنَّ بِهِ يُعْرَفُ عُمُومُ اللَّفْظِ وَخُصُوصُهُ وَإِطْلَاقُهُ وَتَقْيِيدُهُ وَإِجْمَالُهُ وَبَيَانُهُ (وَ) عَرَفَ (أُصُولَ الِاعْتِقَادِ) قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَعِنْدِي أَنَّهُ يَكْفِي اعْتِقَادٌ جَازِمٌ وَلَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَتُهَا عَلَى طُرُقِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَأَدِلَّتِهِمْ؛ لِأَنَّهَا صِنَاعَةٌ لَمْ يَكُنْ الصَّحَابَةُ يَنْظُرُونَ فِيهَا (وَلَا يُشْتَرَطُ حِفْظُ جَمِيعِ الْقُرْآنِ) وَلَا بَعْضُهُ عَنْ ظَهْرِ الْقَلْبِ بَلْ يَكْفِي أَنْ يَعْرِفَ مَظَانَّ أَحْكَامِهِ فِي أَبْوَابِهَا فَيُرَاجِعَهَا وَقْتَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا (وَلَا) يُشْتَرَطُ (التَّبَحُّرُ فِي هَذِهِ الْعُلُومِ بَلْ يَكْفِي جُلٌّ) أَيْ مَعْرِفَةُ جُلٍّ مِنْهَا.
-
(وَ) أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ أَصْلٌ (مُصَحِّحٌ يَجْمَعُ أَحَادِيثَ الْأَحْكَامِ) أَيْ غَالِبَهَا كَسُنَنِ أَبِي دَاوُد فَيَعْرِفَ كُلَّ بَابٍ فَيُرَاجِعَهُ إذَا احْتَاجَ إلَى الْعَمَلِ بِهِ (وَلَا يُشْتَرَطُ ضَبْطُ كُلِّ مَوَاضِعِ الْإِجْمَاعِ) وَالِاخْتِلَافِ (وَيَكْفِيهِ) الْأَوْلَى بَلْ يَكْفِيهِ (أَنْ يَعْرِفَ أَوْ يَظُنَّ) فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي يُفْتِي فِيهَا (أَنَّ قَوْلَهُ لَا يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ لِمُوَافَقَتِهِ غَيْرَهُ) أَوْ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهَا الْأَوَّلُونَ بَلْ تَوَلَّدَتْ فِي عَصْرِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ (وَيَكْتَفِي) عَنْ الْبَحْثِ فِي الْأَحَادِيثِ (بِمَا قَبِلَهُ) مِنْهَا (السَّلَفُ وَتَوَاتَرَتْ أَهْلِيَّةُ رُوَاتِهِ) مِنْ الْعَدَالَةِ وَالضَّبْطِ وَمَا عَدَاهُ يَكْتَفِي فِي أَهْلِيَّةِ رُوَاتِهِ بِتَأْهِيلِ إمَامٍ مَشْهُورٍ عُرِفَتْ صِحَّةُ مَذْهَبِهِ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَالضَّبْطِ ثُمَّ اجْتِمَاعِ هَذِهِ الْعُلُومِ إنَّمَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ الَّذِي يُفْتِي فِي جَمِيعِ أَبْوَابِ الشَّرْعِ (وَيَجُوزُ أَنْ يَتَبَعَّضَ الِاجْتِهَادُ) بِأَنْ يَكُونَ الْعَالِمُ مُجْتَهِدًا فِي بَابٍ دُونَ بَابٍ فَيَكْفِيهِ عِلْمُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَابِ الَّذِي يَجْتَهِدُ فِيهِ (وَيُشْتَرَطُ) فِيمَنْ يَتَوَلَّى أَيْضًا (أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا مُكَلَّفًا عَدْلًا فَلَا يُوَلَّى فَاسِقٌ) وَلَا أَعْمَى وَلَا غَيْرُ مُكَلَّفٍ كَمَا فِي الشَّهَادَةِ (وَلَا كَافِرٌ) وَلَوْ (فِي كُفَّارٍ) لِمَا مَرَّ.
-
(وَمَنْ نُصِّبَ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ الْكُفَّارِ عَلَيْهِمْ كَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْوُلَاةِ مِنْ نَصْبِ حَاكِمٍ لَهُمْ (فَهُوَ تَقْلِيدُ رِيَاسَةٍ لَا) تَقْلِيدُ (حُكْمٍ) ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُمْ حُكْمُهُ بِالْتِزَامِهِمْ لَا بِإِلْزَامِهِ (وَ) يُشْتَرَطُ (أَنْ يَكُونَ نَاطِقًا سَمِيعًا) فَلَا يَكْفِي كَوْنُهُ أَصَمَّ (وَلَا أَخْرَسَ) ،
-
وَإِنْ فُهِمَتْ إشَارَتُهُ (وَلَا يَضُرُّ ثِقَلُ سَمْعِهِ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مَعَهُ (وَ) يُشْتَرَطُ (أَنْ يَكُونَ كَافِيًا) فِي الْقَضَاءِ (وَلَوْ) كَانَ (أُمِّيًّا) لَا يَكْتُبُ وَلَا يَحْسِبُ وَلَا يَقْرَأُ الْمَكْتُوبَ وَتَعْبِيرُهُ كَالرَّافِعِيِّ بِالْأُمِّيِّ أَعَمُّ مِنْ قَوْلِ الرَّوْضَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يُحْسِنَ الْكِتَابَةَ عَلَى الْأَصَحِّ وَاخْتَارَ الْأَذْرَعِيُّ مُقَابِلَ الْأَصَحِّ لِلْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ ثُمَّ قَيَّدَ مَحَلَّ الْخِلَافِ بِمَا إذَا كَانَ مَنْ يَتَوَلَّى بِمَحَلٍّ فِيهِ مَنْ يَقُومُ بِذَلِكَ مِمَّنْ يَثِقُ هُوَ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعَدَالَةِ وَإِلَّا لَضَاعَتْ حُقُوقٌ وَمَصَالِحُ كَثِيرَةٌ (وَلَا) الْأَوْلَى فَلَا (يُجْزِئُ ضَعِيفُ رَأْيٍ) لِتَغَفُّلٍ أَوْ اخْتِلَالِ رَأْيٍ بِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ نَحْوِهِ (وَنُدِبَ) لِتَوَلِّي الْقَضَاءِ (قُرَشِيٌّ وَمُرَاعَاةُ الْعِلْمِ وَالتُّقَى أَوْلَى مِنْ) مُرَاعَاةِ (النَّسَبِ) وَنُدِبَ (ذُو حِلْمٍ وَتَثَبُّتٍ وَلِينٍ وَفَطِنَةٍ وَتَيَقُّظٍ وَكِتَابَةٍ) وَالتَّصْرِيحُ بِنَدْبِ الْكِتَابَةِ مِنْ زِيَادَتِهِ (وَ) نُدِبَ (صِحَّةُ حَوَاسَّ) وَأَعْضَاءٍ (وَمَعْرِفَةٌ بِلُغَةِ الْبَلَدِ) الَّذِي يَقْضِي لِأَهْلِهِ (قَنُوعٌ سَلِيمٌ مِنْ الشَّحْنَاءِ صَدُوقٌ) وَافِرُ الْعَقْلِ ذُو وَفَاءٍ وَسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ كَمَا صَرَّحَ بِهَا الْأَصْلُ.
-
وَإِذَا عَرَفَ الْإِمَامُ
-
4/2804/280
أَهْلِيَّةَ أَحَدٍ وَلَّاهُ وَإِلَّا بَحَثَ عَنْ حَالِهِ (وَبِتَوْلِيَةِ مَنْ لَا يَصْلُحُ) لِلْقَضَاءِ (مَعَ وُجُودِ الصَّالِحِ) لَهُ وَالْعِلْمِ بِالْحَالِ (يَأْثَمُ الْوَلِيُّ) أَيْ وَلِيُّ الْأَمْرِ، وَهُوَ الْمُوَلِّي بِكَسْرِ اللَّامِ (وَالْمُوَلَّى) بِفَتْحِهَا (وَلَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ،
-
وَإِنْ أَصَابَ) فِيهِ (هَذَا هُوَ الْأَصْلُ) فِي الْبَابِ (لَكِنْ مَعَ عَدَمِهِ) أَيْ الصَّالِحِ لِلْقَضَاءِ كَمَا فِي زَمَنِنَا لِخُلُوِّهِ عَنْ الْمُجْتَهِدِ (نَفَّذُوا) أَيْ الْأَصْحَابُ (لِلضَّرُورَةِ قَضَاءَ مَنْ وَلَّاهُ) سُلْطَانٌ (ذُو شَوْكَةٍ،
-
وَإِنْ جَهِلَ وَفَسَقَ) لِئَلَّا تَتَعَطَّلَ الْمَصَالِحُ وَلِهَذَا يَنْفُذُ قَضَاءُ قَاضِي الْبُغَاةِ كَمَا مَرَّ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ وَيُسْتَفَادُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ زَالَتْ شَوْكَةُ مَنْ وَلَّاهُ بِمَوْتٍ وَنَحْوِهِ انْعَزَلَ لِزَوَالِ الضَّرُورَةِ وَأَنَّهُ لَوْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى وِلَايَةِ الْقَضَاءِ أَوْ جَوَامِكَ فِي نَظَرِ الْأَوْقَافِ اُسْتُرِدَّ مِنْهُ؛
-
لِأَنَّ قَضَاءَهُ إنَّمَا نَفَذَ لِلضَّرُورَةِ وَلَا كَذَلِكَ فِي الْمَالِ الَّذِي يَأْخُذُهُ فَيُسْتَرَدُّ مِنْهُ قَطْعًا انْتَهَى وَفِيهِ وَقْفَةٌ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ كَأَصْلِهِ قَدْ يَقْتَضِي أَنَّ الْقَضَاءَ يَنْفُذُ مِنْ الْمَرْأَةِ وَالْكَافِرِ إذَا وَلِيَا بِالشَّوْكَةِ وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ مِنْهُمَا (وَلِلْقَاضِي الْعَادِلِ) الْأَوْلَى وَلِلْعَادِلِ (تَوَلِّي الْقَضَاءِ مِنْ) الْأَمِيرِ (الْبَاغِي) فَقَدْ سُئِلَتْ عَائِشَةُ عَنْ ذَلِكَ لِمَنْ اسْتَقْضَاهُ زِيَادٌ فَقَالَتْ إنْ لَمْ يَقْضِ لَهُمْ خِيَارُكُمْ قَضَى لَهُمْ شِرَارُهُمْ
-
(فَرْعٌ يَحْرُمُ) بِمَعْنَى لَا يَحِلُّ وَلَا يَصِحُّ (تَقْلِيدُ مُبْتَدِعٍ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ) الْقَضَاءَ (وَ) كَذَا تَقْلِيدُ (مَنْ يُنْكِرُ الْإِجْمَاعَ وَأَخْبَارَ الْآحَادِ وَالِاجْتِهَادَ) الْمُتَضَمِّنَ إنْكَارُهُ إنْكَارَ الْقِيَاسِ وَالْمُرَادُ مَنْ يُنْكِرُ وَاحِدًا مِنْهَا