فَصْلٌ الْمَوْهُوبُ لَهُ لَا يَمْلِكُ
أسنى المطالب في شرح روض الطالبShafi'imasa’il 11914 to 11924
-
2/4822/482
الْهِبَةَ الصَّادِقَةَ بِأَنْوَاعِهَا (إلَّا إذَا قَبَضَ) هَا فَلَا يَمْلِكُهَا بِالْعَقْدِ، وَإِلَّا لَمَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي مَرَضِهِ لِعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فِيمَا نَحَلَهَا فِي صِحَّتِهِ مِنْ عِشْرِينَ وَسْقًا وَدِدْتُ أَنَّكِ حُزْتِهِ، أَوْ قَبَضْتِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَالُ الْوَارِثِ وَرَوَى الْحَاكِمُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْدَى إلَى النَّجَاشِيِّ، ثُمَّ قَالَ لِأُمِّ سَلَمَةَ إنِّي لَأَرَى النَّجَاشِيَّ قَدْ مَاتَ وَلَا أَرَى الْهَدِيَّةَ الَّتِي أَهْدَيْت إلَيْهِ إلَّا سَتُرَدُّ فَإِذَا رُدَّتْ إلَيَّ فَهِيَ لَكِ فَكَانَ كَذَلِكَ» وَفِي رِوَايَةٍ «أَنَّهُ أَهْدَى إلَى النَّجَاشِيِّ مِسْكًا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَيْهِ فَقَسَمَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ نِسَائِهِ» وَلِأَنَّهُ عَقْدُ إرْفَاقٍ كَالْقَرْضِ فَلَا يُمْلَكُ إلَّا بِالْقَبْضِ (بِالْإِذْنِ) فِيهِ إنْ لَمْ يَقْبِضْهُ الْوَاهِبُ فَلَوْ قَبَضَ بِلَا إذْنٍ وَلَا إقْبَاضٍ لَمْ يَمْلِكْهُ وَدَخَلَ فِي ضَمَانِهِ سَوَاءٌ أَقَبَضَهُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ أَمْ بَعْدَهُ وَلَا بُدَّ مِنْ إمْكَانِ السَّيْرِ إلَيْهِ إنْ كَانَ غَائِبًا كَمَا مَرَّ فِي الرَّهْنِ (فَالزِّيَادَةُ الْحَادِثَةُ) مِنْ الْمَوْهُوبِ قَبْلَ الْقَبْضِ مِلْكٌ (لِلْوَاهِبِ) لِبَقَائِهِ عَلَى مِلْكِهِ (وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ الْقَبْضِ) فِي بَابِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ (إلَّا أَنَّهُ لَا يَكْفِي هُنَا) الْإِتْلَافُ كَمَا سَيَأْتِي وَلَا (الْوَضْعُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِلَا إذْنِهِ) وَفِي نُسْخَةٍ بِلَا إذْنٍ؛
-
لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحَقِّ الْقَبْضِ كَقَبْضِ الْوَدِيعَةِ فَاعْتُبِرَ تَحْقِيقُهُ
-
بِخِلَافِ الْمَبِيعِ فَجُعِلَ التَّمْكِينُ مِنْهُ قَبْضًا وَقَوْلُهُ بِلَا إذْنِهِ مِنْ زِيَادَتِهِ (وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ لَمْ يَنْفَسِخْ) عَقْدُ الْهِبَةِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَوَّلُ إلَى اللُّزُومِ كَالْبَيْعِ
-
بِخِلَافِ نَحْوِ الشَّرِكَةِ، وَالْوَكَالَةِ وَكَالْمَوْتِ الْجُنُونُ، وَالْإِغْمَاءُ لَكِنْ لَا يَقْبِضَانِ إلَّا بَعْدَ الْإِفَاقَةِ قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَظَاهِرٌ أَنَّ لِمَوْلَى الْمُتَّهِبِ الْقَبْضَ قَبْلَهَا فِي الْجُنُونِ (وَقَامَ الْوَارِثُ) أَيْ وَارِثُ الْوَاهِبِ فِي الْإِقْبَاضِ وَالْإِذْنِ فِي الْقَبْضِ وَوَارِثُ الْمُتَّهِبِ فِي الْقَبْضِ (مَقَامَهُ) أَيْ مَقَامَ الْمُوَرِّثِ (فَإِنْ رَجَعَ) الْوَاهِبُ، أَوْ وَارِثُهُ (فِي الْإِذْنِ) فِي الْقَبْضِ (أَوْ مَاتَ) هُوَ، أَوْ الْمُتَّهِبُ (قَبْلَ الْقَبْضِ) فِيهِمَا (بَطَلَ الْإِذْنُ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ جُنُونُ الْوَاهِبِ وَإِغْمَاؤُهُ، وَالْحَجْرُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ.
-
(فَرْعٌ وَإِنْ مَاتَ الْمُهْدِي أَوْ الْمُهْدَى إلَيْهِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَلَيْسَ لِلرَّسُولِ إيصَالُهَا) أَيْ الْهَدِيَّةِ إلَى الْمُهْدَى إلَيْهِ، أَوْ وَارِثِهِ إلَّا بِإِذْنٍ جَدِيدٍ وَهَذَا عُلِمَ مِمَّا قَبْلَ الْفَرْعِ.
-
(فَرْعٌ قَبْضُ الْمُشَاعِ) يَحْصُلُ (بِقَبْضِ الْجَمِيعِ) مَنْقُولًا كَانَ، أَوْ غَيْرَهُ (فَإِنْ كَانَ مَنْقُولًا وَمَنَعَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْقَبْضِ (الشَّرِيكُ) فِيهِ (وَوَكَّلَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ فِي الْقَبْضِ) لَهُ (جَازَ) فَيَقْبِضُهُ لَهُ الشَّرِيكُ (فَإِنْ امْتَنَعَ) الْمَوْهُوبُ لَهُ (مِنْ تَوْكِيلِهِ) أَيْ الشَّرِيكِ (قَبَضَ لَهُ الْحَاكِمُ) وَلَوْ بِنَائِبِهِ (وَيَكُونُ فِي يَدِهِ لَهُمَا) لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي ذَلِكَ عَلَيْهِمَا أَمَّا إذَا لَمْ يَمْنَعْ الشَّرِيكُ مِنْ الْقَبْضِ بِأَنْ رَضِيَ بِتَسْلِيمِ نَصِيبِهِ أَيْضًا إلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ فَقَبَضَ الْجَمِيعَ فَيَحْصُلُ الْمِلْكُ وَيَكُونُ نَصِيبُهُ تَحْتَ يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَدِيعَةً.
-
(فَرْعٌ لَيْسَ الْإِتْلَافُ) مِنْ الْمُتَّهِبِ لِلْمَوْهُوبِ (قَبْضًا)
-
2/4832/483
بِخِلَافِ الْمُشْتَرِي إذَا أَتْلَفَ الْمَبِيعَ لِمَا مَرَّ فِي الْفَصْلِ السَّابِقِ وَلِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ أَتْلَفَ مِلْكَهُ
-
بِخِلَافِ الْمُتَّهِبِ، سَوَاءٌ أَتْلَفَهُ بِإِذْنِ الْوَاهِبِ أَمْ لَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْخُوَارِزْمِيَّ وَهُوَ قَضِيَّةُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ (إلَّا إنْ أَذِنَ لَهُ فِي الْأَكْلِ، أَوْ الْعِتْقِ) عَنْهُ فَأَكَلَهُ، أَوْ أَعْتَقَهُ، أَوْ أَمَرَ الْمُتَّهِبُ الْوَاهِبَ بِإِعْتَاقِهِ فَأَعْتَقَهُ عَنْهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ فَيَكُونُ قَبْضًا وَيُقَدَّرُ أَنَّهُ مَلَكَهُ قَبْلَ الِازْدِرَادِ، وَالْعِتْقِ (وَيَصِحُّ بَيْعُ الْوَاهِبِ) لِلْمَوْهُوبِ (قَبْلَ الْقَبْضِ،
-
وَإِنْ ظَنَّ لُزُومَ الْهِبَةِ) وَحُصُولَ الْمِلْكِ بِالْعَقْدِ وَتَبْطُلُ الْهِبَةُ وَلَا عِبْرَةَ بِالظَّنِّ الْبَيِّنِ خَطَؤُهُ (وَلَيْسَ الْإِقْرَارُ بِالْهِبَةِ) وَلَوْ مَعَ الْمِلْكِ (إقْرَارًا بِالْقَبْضِ) لِلْمَوْهُوبِ لِجَوَازِ أَنْ يَعْتَقِدَ لُزُومَهَا بِالْعَقْدِ، وَالْإِقْرَارُ يُحْمَلُ عَلَى الْيَقِينِ (إلَّا إنْ قَالَ وَهَبْته لَهُ وَخَرَجْت مِنْهُ إلَيْهِ) فَيَكُونُ إقْرَارًا؛
-
لِأَنَّهُ نَسَبَ إلَى نَفْسِهِ مَا يُشْعِرُ بِالْإِقْبَاضِ (وَهَذَا إنْ كَانَ فِي يَدِ الْمُتَّهِبِ، وَإِلَّا فَلَا) يَكُونُ إقْرَارًا كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ فِي الْبَابِ الثَّالِثِ مِنْ كِتَابِ الْإِقْرَارِ (وَقَوْلُهُ وَهَبْته لَهُ وَأَقْبَضْته) لَهُ (إقْرَارٌ بِالْجَمِيعِ) أَيْ بِالْهِبَةِ، وَالْقَبْضِ.