صيغة العقد المقترنة بالشرط
فقه السنةComparativemasa’il 10471 to 10542
-
2/502/50
إذا قرن عقد الزواج بالشرط،
-
فإما أن يكون هذا الشرط من مقتضيات
-
2/512/51
العقد أو يكون منافيا له، أو يكون ما يعود نفعه على المرأة، أو يكون شرطا نهى الشارع عنه.
-
ولكل حالة من هذه الحالات حكم خاص بها نجمله فيما يلي:
-
(١) الشروط التي يجب الوفاء بها: من الشروط ما يجب الوفاء به، وهي ما كانت من مقتضيات العقد ومقاصده (١) ولم تتضمن تغييرا لحكم الله ورسوله، كاشتراط العشرة بالمعروف والانفاق عليها وكسوتها وسكناها بالمعروف، وأنه لا يقصر في شئ من حقوقها ويقسم لها كغيرها، وأنها لا تخرج من بيته إلا باذنه،
-
ولا تنشز عليه ولا تصوم تطوعا بغير إذنه،
-
ولا تأذن في بيته إذا بإذنه،
-
ولا تتصرف في متاعه إلا برضاه ونحو ذلك.
-
(٢) الشروط التي لا يجب الوفاء بها: ومنها ما لا يجب الوفاء به مع صحة العقد، وهو ما كان منافيا لمقتضى العقد (٢) كاشتراط ترك الانفاق والوطء أو كاشتراط أن لا مهر لها، أو يعزل عنها، أو اشتراط أن تنفق عليه، أو تعطيه شيئا، أو لا يكون عندها في الاسبوع إلا ليلة، أو شرط لها النهار دون الليل.
-
فهذه الشروط كلها باطلة في نفسها، لانها تنافي العقد.
-
ولانها تتضمن إسقاط حقوق تجب بالعقد قبل انعقاده، فلم يصح، كما لو أسقط الشفيع شفعته قبل البيع.
-
أما العقد في نفسه فهو صحيح، لان هذه الشروط تعود إلى معنى زائد في العقد لا يشترط ذكره ولا يضر الجهل به، فلم يبطل، كما لو شرط في العقد صداقا محرما، ولان الزواج يصح مع الجهل بالعوض، فجاز أن ينعقد مع الشرط الفاسد.
-
(٣) الشروط التي فيها نفع للمرأة:
-
ومن الشروط ما يعود نفعه وفائدته الى المرأة، مثل أن يشترط لها ألا
-
2/522/52
يخرجها من دارها أو بلدها، أو لا يسافر بها أو لا يتزوج عليها ونحو ذلك.
-
فمن العلماء من رأي أن الزواج صحيح وأن هذه الشروط ملغاة ولا يلزم الزوج الوفاء بها.
-
ومنهم من ذهب الى وجوب الوفاء بما اشترط للمرأة،
-
فان لم يف لها فسخ الزواج.
-
والاول مذهب أبي حنيفة والشافعي وكثير من أهل العلم، واستدلوا بما يأتي:
-
١ - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (المسلمون على شروطهم، إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا) .
-
قالوا وهذا الشرط الذي اشترط يحرم الحلال، وهو التزوج والتسري والسفر. وهذه كلها حلال.
-
٢ - وقوله صلى الله عليه وسلم: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وان كان مائة شرط) . قالوا: وهذا ليس في كتاب الله لان الشرع لا يقتضيه.
-
٣ - قالوا: إن هذه الشروط ليست من مصلحة العقد ولا مقتضاه، والرأي الثاني مذهب عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص ومعاوية وعمرو بن العاص وعمر بن عبد العزيز وجابر بن زيد وطاووس والاوزاعي واسحاق والحنابلة، واستدلوا بما يأتي:
-
١ - يقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) .
-
٢ - وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (المسلمون على شروطهم) .
-
٣ - روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج) (١)
-
٤ - روى الاثرم بإسناده: أن رجلا تزوج امرأة وشرط لها دارها،
-
ثم أراد نقلها، فخاصموه إلى عمر بن الخطاب فقال لها شرطها (مقاطع الحقوق عند الشروط) .
-
2/532/53
٥ - ولانه شرط لها فيه منفعة ومقصود، لا يمنع المقصود من الزواج فكان لازما كما لو شرطت عليه زيادة المهر.
-
قال ابن قدامة مرجحا هذا الرأي ومفندا الرأي الاول: ان قول من سمينا من الصحابة، لا نعلم له مخالفا في عصرهم، فكان اجماعا.
-
وقول الرسول عليه الصلاة والسلام: (كل شرط ... الخ) .
-
أي ليس في حكم الله وشرعه، وهذا مشروع، وقد ذكرنا ما دل على مشروعيته، على أن الخلاف في مشروعيته،
-
ومن نفى ذلك فعليه الدليل.
-
وقولهم: إن هذا يحرم الحلال، قلنا: لا يحرم حلالا، وانما يثبت للمرأة خيار الفسخ ان لم يف لها به.
-
وقولهم: ليس من مصلحته، قلنا: لا نسلم بذلك.
-
فانه من مصلحة المرأة، وما كان من مصلحد العاقد كان من مصلحة عقده.
-
وقال ابن رشد (١) : وسبب اختلافهم معارضة العموم للخصوص،
-
فأما العموم فحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال في خطبته: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل،
-
ولو كان مائة شرط) .
-
وأما الخصوص، فحديث عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج) .
-
والحديثان صحيحان، خرجهما البخاري ومسلم.
-
إلا أن المشهور عند الاصوليين القضاء بالخصوص على العموم، وهو (لزوم الشروط) .
-
وقال ابن تيمية (٢) : ومقاصد العقلاء إذا دخلت في العقود، وكانت من الصلاح الذي هو المقصود لم تذهب عفوا ولم تهدر رأسا، كالاجال في الاعواض، ونقود الاثمان المعينة ببعض البلدان، والصفات في المبيعات، والحرفة المشروطة في أحد الزوجين.
-
وقد تفيد الشروط ما لا يفيده الاطلاق، بل ما يخالف الاطلاق.
-
2/542/54
(٤) الشروط التي نهى الشارع عنها:
-
ومن الشروط ما نهى الشارع عنها ويحرم الوفاء بها: وهي اشتراط المرأة عند الزواج طلاق ضرتها.
-
فعن أبي هريرة أن النبي عليه السلام: (نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه أو يبيع على بيعه،
-
ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفئ ما في صحفتها أو إنائها (١) فإنما رزقها على الله تعالى) متفق عليه.
-
وفي لفظ متفق عليه: نهى أن تشترط المرأة طلاق أختها.. وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله عليه السلام قال: (لا يحل أن تنكح امرأة بطلاق أخرى) رواه أحمد.
-
فهذا النهي يقتضي فساد المنهي عنه، ولانها شرطت عليه فسخ عقده وإبطال حقه وحق امرأته، فلم يصح، كما لو شرطت عليه فسخ بيعه.
-
فان قيل: فما الفارق بين هذا وبين اشتراطها أن لا يتزوج عليها، حتى صححتم هذا، وأبطلتم شرط طلاق الضرة.
-
أجاب ابن القيم عن هذا فقال: قيل: الفرق بينهما أن في اشتراط طلاق الزوجة من الاضرار بها وكسر قلبها وخراب بيتها وشماتة أعدائها ما ليس في اشتراط عدم نكاحها ونكاح غرها، وقد فرق النص بينهما، فقياس أحدهما على الاخر فاسد.
-
ومعنى الحديث: نهي المرأة الاجنبية أن تسأل رجلا طلاق زوجته،
-
وإن يتزوجها فيصير لها من نفقته ومعونته ومعاشرته ما كان للمطلقة.
-
(٥) ومن صور الزواج المقترن بشرط غير صحيح زواج الشغار: وهو أن يزوج الرجل وليته رجلا، على أن يزوجه الاخر وليته، وليس بينهما صداق، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا الزواج فقال: (لا شغار (٢) في الاسلام) .
-
رواه مسلم عن ابن عمر، ورواه (٢) الشغار أصله الخلو، يقال: بلدة شاغرة إذا خلت عن السلطان، والمراد به هنا الخلو عن المهر.
-
وقيل: إنما سمي شغارا لقبحه، تشبيها برفع الكلب رجله ليبول في القبح. يقال شغر الكلب إذا رفع رجله ليبول.
-
وكان هذا النوع من الزواج معروفا زمن الجاهلية.
-
2/552/55
ابن ماجه من حديث أنس بن مالك.
-
قال في الزوائد: اسناده صحيح، ورجاله ثقات، وله شواهد صحيح.
-
٢ - وعن ابن عمر قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشغار) .
-
والشغار: أن يقول الرجل للرجل: زوجني ابنتك أو أختك، على أن أزوجك ابنتي أو أختي، وليس بينهما صداق (١) ) رواه ابن ماجه.
-
رأي العلماء فيه: استدل جمهور العلماء بهذين الحديثين على أن عقد الشغار لا ينعقد أصلا وأنه باطل.
-
وذهب أبو حنيفة الى أنه يقع صحيحا،
-
ويجب لكل واحدة من البنتين مهر مثلها على زوجها، إذ أن الرجلين سميا ما لا تصلح تسميته مهرا، إذ جعل المرأة مقابل المرأة ليس بمال.
-
فالفساد فيه من قبل المهر، وهو لا يوجب فساد العقد، كما لو تزوج على خمر أو خنزير.
-
فان العقد لا يفسخ، ويكون فيه مهر المثل.
-
علة النهي عن نكاح الشغار: واختلف العلماء في علة النهي: فقيل: هي التعليق والتوقيف، كأنه يقول (لا ينعقد زواج ابنتي حتى ينعقد زواج ابنتك) .
-
وقيل: ان العلة التشريك في البضع، وجعل بضع كل واحدة مهرا للاخرى.
-
وهي لا تنتفع به، فلم يرجع إليها المهر، بل عاد المهر إلى الولي، وهو ملكه لبضع زوجته بتمليكه لبضع موليته.
-
وهذا ظلم لكل واحدة من المرأتين وخلاء لنكاحها عن مهر تنتفع به.
-
قال ابن القيم: وهذا موافق للغة العرب.