شروط إقامة الحد
فقه السنةComparativemasa’il 15166 to 15221
-
2/3972/397
يشترط في إقامة حد الخمر الشروط الآتية: ١ - العقل: لانه مناط التكليف،
-
فلا يحد المجنون بشرب الخمر، ويلحق به المعتوه.
-
٢ - البلوغ: فإذا شرب الصبي، فإنه لايقام عليه الحد، لانه غير مكلف.
-
٣ - الاختيار: فإن شربها مكرها فلاحد عليه، سواء أكان هذا الاكراه بالتهديد بالقتل، أو بالضرب المبرح، أو بإتلاف المال كله، لان الاكراه رفع عنه الاثم.
-
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه " .
-
وإذا كان الاثم مرفوعا فلاحد عليه، لان الحد من أجل الاثم والمعصية.
-
ويدخل في دائرة الاكراه الاضطرار فمن لم يجد ماء وعطش عطشا شديدا يخشى عليه منه التلف، ووجد خمرا، فله أن يشربها.
-
وكذلك من أصابه الجوع الشديد الذي يخشى عليه منه الهلاك، لان الخمر حينئذ ضرورة يتوقف عليها الحياة، والضرورات تبيح المحظورات.
-
يقول الله تعالى: " فمن اضطر غير باغ ولا عاد إثم عليه. إن الله غفور رحيم " .
-
وفي المغني: " أن عبد الله بن حذافة أسره الروم، فحبسه طاغيتهم في بيت فيه ماء ممزوج بخمر، ولحم خنزير مشوي، ليأكل الخنزير، ويشرب الخمر، وتركه ثلاثة أيام، فلم يفعل، ثم أخرجوه خشية موته، فقال: والله لقد كان الله أحله لي، فإني مضطر.
-
ولكن لم أكن لاشمتكم بدين الاسلام ".
-
٤ - العلم بأن ما يتناوله مسكر.
-
فلو تناول خمرا مع جهله بأنها خمر،
-
2/3982/398
فإنه يعذر بجهله، ولا يقام عليه الحد.
-
فلو لفت نظره أحد من الناس، فتمادى في شربه، فإنه لا يكون معذورا حينئذ، لارتفاع الجهالة عنه، وإصراره على ارتكاب المعصية بعد معرفته، فيستوجب العقاب ويقام عليه الحد.
-
وإذا تناول من الشراب ما هو مختلف في كونه خمرا بين الفقهاء، فإنه لايقام عليه الحد: لان الاختلاف شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات.
-
وكذلك لايقام الحد على من تناول النئ من ماء العنب إذا غلا واشتد وقذف بالربد، الذي أجمع الفقهاء على تحريمه إذا كان جاهلا بالتحريم، لكونه بدار الحرب أو قريب عهد بالاسلام، لان جهله يعتبر عذرا من الاعذار المسقطة للحد،
-
بخلاف من كان مقيما بدار الاسلام، وليس قريب عهد بالدخول في الاسلام، فإنه يقام عليه الحد،
-
ولا يعذر بجهله، لان هذا مما علم من الدين بالضرورة.
-
عدم اشتراط الحرية والاسلام في إقامة الحد: والحرية والاسلام ليسا شرطا في إقامة الحد، فالعبد إذا شرب الخمر فإنه
-
يعاقب، لانه مخاطب بالتكاليف التي أمر الله بها ونهى عنها.
-
إلا في بعض التكاليف التي يشق عليه القيام بها لانشغاله بأمره سيده، مثل صلاة الجمعة والجماعة.
-
والله سبحانه أمر باجتناب الخمر، وهذا الامر موجه إلى الحر والعبد،
-
ولا يشق عليه اجتنابها، ويلحقه من ضررها ما يلحق الحر.
-
وليس ثمة من فرق بينهما إلا في العقوبة،
-
فإن عقوبة العبد على النصف من عقوبة الحر، فيكون حده عشرين جلدة أو أربعين: " حسب الخلاف في تقدير العقوبة " .
-
وكما لا تشترط الحرية في إقامة الحد، فإنه لا يشترط الاسلام كذلك، فالكتابيون من اليهود والنصارى الذين يتجنسون بجنسية الدولة المسلمة ويعيشون معهم مواطنون (١) ، مثل الاقباط في مصر،
-
وكذلك الكتابيون الذين يقيمون
-
2/3992/399
مع المسلمين بعقد أمان إقامة موقوتة (١) مثل الاجانب، هؤلاء يقام عليهم الحد إذا شربوا الخمر في دار الاسلام، لان لهم ما لنا وعليهم ما علينا.
-
ولان الخمر محرمة في دينهم، كما سبقت الاشارة إلى ذلك، ولآثارها السيئة وضررها البالغ في الحياة العامة والخاصة.
-
والاسلام يريد صيانة المجتمع الذي تظله راية الاسلام، ويحتفظ به نظيفا قويا متماسكا، لا يتطرق إليه الضعف من أي جانب، لامن ناحية المسلمين،
-
ولا من ناحية غير المسلمين.
-
وهذا مذهب جمهور الفقهاء، وهو الحق الذي لا ينبغي العدول عنه.
-
ولكن الاحناف - رضي الله عنهم - رأوا أن الخمر،
-
وإن كانت غير مال عند المسلمين لتحريم الاسلام لها، إلا أنها مال له قيمة عند أهل الكتاب،
-
وأن من أهرقها من المسلمين يضمن قيمتها لصاحبها،
-
وإن شربها مباح عندهم.
-
وإننا أمرنا بتركهم وما يدينون.
-
وعلى هذا فلا عقوبة على من يشربها من الكتابيين.
-
وعلى فرض تحريمها في كتبهم، فإننا نتركهم، لانهم لا يدينون بهذا التحريم، ومعاملتنا لهم تكون بمقتضى ما يعتقدون، لا بمقتضي الحق من حيث هو.
-
التداوي بالخمر: كان الناس في الجاهلية قبل الاسلام يتناولون الخمر للعلاج، فلما جاء الاسلام نهاهم عن التداوي بها وحرمه.
-
فقد روى الامام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، عن طارق ابن سويد الجعفي أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخمر، فنهاه عنها، فقال: " إنما أصنعها للدواء " ، فقال: " إنه ليس بدواء، ولكنه داء " .
-
وروى أبو داود، عن أبي الدرداء، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله أنزل الداء والدواء، فجعل لكم داء دواء، فتداووا، ولا تتداووا بحرام " .
-
2/4002/400
وكانوا يتعاطون الخمر في بعض الاحيان قبل الاسلام إتقاء لبرودة الجو، فنهاهم الاسلام عن ذلك أيضا.
-
فقد روى أبو داود أن ديلم الحميري سأل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: " يا رسول الله، إنا بأرض باردة، نعالج فيها عملا شديدا، وإنا نتخذ شرابا من هذا القمح نتقوى به على أعمالنا وعلى برد بلادنا؟ قال رسول الله: هل يسكر؟
-
قال: نعم.
-
قال: فاجتنبوه.
-
قال: إن الناس غير تاركيه.
-
قال: " فإن لم يتركوه فقاتلوهم ".
-
وبعض أهل العلم أجاز التداوي بالخمر بشرط عدم وجود دواء من الحلال يقوم مقام الحرام،
-
وأن لا يقصد المتداوي به اللذة، والنشوة،
-
ولا يتجاوز مقدار ما يحدده الطبيب، كما أجازوا تناول الخمر في حال الاضطرار.
-
ومثل الفقهاء لذلك بمن غص بلقمة فكاد يختنق ولم يجد ما يسيغها به سوى الخمر.
-
أو من أشرف على الهلاك من البرد، ولم يجد ما يدفع به هذا الهلاك غير كوب أو جرعة من خمر.
-
أو من أصابته أزمة قلبية وكاد يموت، فعلم أو أخبره الطبيب بأنه لا يجد ما يدفع به الخطر سوى شرب مقدار معين بن الخمر.
-
فهذا من باب الضرورات التي تبيح المحظورات.