شروط وجوب القصاص
فقه السنةComparativemasa’il 16856 to 16980
-
2/5242/524
ولا يجب القصاص إلا إذا توفرت الشروط الآتية: ١ - أن يكون المقتول معصوم الدم.
-
فلو كان حربيا، أو زانيا محصنا، أو مرتدا، فإنه لا ضمان على القاتل،
-
لا بقصاص ولابدية، لان هؤلاء جميعا مهدور والدم.
-
روى البخاري ومسلم عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يحل دم امرئ مسلم: يشهد أن لاإله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاثة: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة " .
-
٢ - أن يكون القاتل بالغا.
-
٣ - أن يكون عاقلا.
-
فلا قصاص على صغير،
-
ولا مجنون، ولا معتوه، لانهم غير مكلفين، وليس لهم قصد صحيح أو إرادة حرة.
-
فإذا كان المجنون يفيق أحيانا، فقتل وقت إفاقته، اقتص منه.
-
وكذلك من زال عقله بسكر وهو متعد في شربه.
-
2/5252/525
فعن مالك أنه بلغه " أن مروان بن الحكم كتب إلى معاوية بن أبي سفيان، يذكر أنه أتي بسكران قد قتل رجلا، فكتب إليه معاوية: أن اقتله به " .
-
فإن كان شرب شيئا ظنه غير مسكر، فزال عقله فقتل في هذه الحال، فلا قصاص عليه.
-
وفي الحديث يقول الرسول صلوات الله وسلامه عليه.
-
" رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ " .
-
وقال مالك: " الامر المجمع عليه عندنا: أن لاقود بين الصبيان، وأن قتلهم خطأ ما لم تجب الحدود، ويبلغوا الحلم، وان قتل الصبي لا يكون إلا خطأ " .
-
٤ - أن يكون القاتل مختارا،
-
فإن الاكراه يسلبه الارادة،
-
ولا مسئولية على من فقد إرادته،
-
فإذا أكره صاحب سلطان (١) غيره على القتل، فقتل آدميا بغير حق، فإنه يقتل الآمر دون المأمور. ويعاقب المأمور.
-
وبهذا أخذ أبو حنيفة، وداود، وهو أحد قولي الشافعي.
-
وقال الاحناف: وإن أكره على إتلاف مال مسلم بأمر يخاف منه على نفسه، أو على عضو من أعضائه، وسعه أن يفعل ذلك، ولصاحب المال أن يضمن المكره.
-
وإن أكرهه بقتل على قتل غيره، لم يسعه أن يقدم عليه، ويصبر حتى يقتل،
-
فإن قتله كان آثما.
-
والقصاص على المكره إن كان القتل عمدا.
-
وقال قوم: يقتل المأمور دون الآمر.
-
وهو القول الآخر للشافعي.
-
وقال قوم: منهم مالك والحنابلة: يقتلان جميعا، إن لم يعف ولي الدم،
-
فإن عفا ولي الدم وجبت الدية، لان القاتل قصد استبقاء نفسه بقتل غيره، والمكره تسبب في القتل بما يفضي إليه غالبا.
-
وإذا أمر مكلف غير مكلف بأن يقتل غيره: مثل الصغير والمجنون.
-
فالقصاص على الآمر، لان المباشر للقتل آلة في يده،
-
فلا يجب القصاص عليه، وإنما يجب على المتسبب.
-
2/5262/526
وإذا أمر الحاكم بالقتل ظلما،
-
فإما أن يكون المأمور عالما بأنه ظلم، أو لا يكون له علم به.
-
فإن كان عالما بأنه ظلم ونفذ أمره، وجب عليه القصاص، إلا أن يعفو الولي، فتجب الدية عليه، لانه مباشر للقتل مع علمه بأنه ظلم،
-
فلا يعذر ولا يقال إنه مأمور من الحاكم، لان قاعدة الاسلام: أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، كما قال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
-
وإن لم يكن عالما بعدم استحقاقه القتل، فقتله، فالقصاص - إن لم يعف الولي، أو الدية - على الآمر بالقتل، دون المباشر، لانه معذور لوجوب طاعة الحاكم في غير معصية الله.
-
ومن دفع إلى غير مكلف آلة قتل، ولم يأمره به، فقتل، لم يلزم الدافع شئ.
-
٥ - ألا يكون القاتل أصلا للمقتول،
-
فلا يقتص من والد بقتل ولده، وولد ولده وإن سفل إذا قتله، بأي وجه من أوجه العمد،
-
بخلاف ما إذا قتل الابن أحد أبويه فإنه يقتل اتفاقا، لان الوالد سبب في حياة ولده،
-
فلا يكون ولده سببا في قتله وسلبه الحياة،
-
بخلاف ما إذا قتل الولد أحد والديه فإنه يقتص منه لهما.
-
أخرج الترمذي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يقتل الوالد بالولد " .
-
قال ابن عبد البر: " هو حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق، مستفيض عندهم، وهو عمل أهل المدينة، ومروي عن عمر " .
-
وروى يحيى بن سعيد عن عمرو بن شعيب: أن رجلا من بني مدلج يقال له " قتادة " حدف ابنا له بالسيف فأصاب ساقه، فنزى جرحه فمات. فقدم سراقة بن جعشم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فذكر ذلك له.
-
فقال له عمر: " اعدد على " ماء قديد " عشرين ومائة بعير حتى أقدم عليك. فلما قدم عليه عمر، أخذ من تلك الابل ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة. ثم قال:
-
2/5272/527
أين أخو المقتول؟ فقال هأنذا.
-
قال خذها، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ليس لقاتل شئ " .
-
وخالف في ذلك الامام مالك، فرأى أنه يقاد الولد بالوالد، إذا أضجعه وذبحه، لان ذلك عمد حقيقة، لا يحتمل غيره،
-
فإن الظاهر في استعمال الجارح في القتل هو العمد.
-
والعمدية أمر خفي، لا يحكم بإثباتها إلا بما يظهر من قرائن الاحوال،
-
وأما إذا كان على غير هذه الصفة، فيما يحتمل عدم إزهاق الروح، بل قصد التأديب من الاب.
-
وإن كان في حق غيره، يحكم فيه بالعمد.
-
وإنما فرق بين الاب وغيره، لما للاب من الشفقة على ولده، وعليه قصد التأديب عند فعله ما يغضب الاب، فيحمل على عدم قصد القتل، لقوة المحبة التي بين الاب والابن.
-
٦ - أن يكون المقتول مكافئا للقاتل حال جنايته، بأن يساويه في الدين، والحرية،
-
فلا قصاص على مسلم قتل كافرا.
-
أو حر قتل عبدا، لانه لا تكافؤ بين القاتل والمقتول،
-
بخلاف ما إذا قتل الكافر المسلم، أو قتل العبد الحر، فإنه يقتص منهما.
-
والاسلام وإن كان قد ألغى الفوارق بين المسلمين في هذا الباب، فلم يفرق بين شريف ووضيع، ولابين جميل ودميم، ولابين غني وفقير،
-
ولا بين طويل وقصير، ولابين قوي وضعيف، ولابين سليم ومريض، ولابين كامل الجسم وناقصه، ولابين صغير وكبير ولا بين ذكر وأنثى (١)
-
إلا أنه اعتبر الفارق بين المسلم والكافر، والحر والعبد، فلم يجعلهما متكافئين في الدم.
-
فلو قتل مسلم كافر أو قتل حر عبدا فلا قصاص على واحد منهما.
-
وأصل ذلك حديث علي كرم الله وجهه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
-
2/5282/528
" ألا لا يقتل مؤمن بكافر " .
-
أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم. وصححه.
-
وروى البخاري عن علي كرم الله وجهه أيضا أن أبا جحيفة قال له: " هل عندكم شئ من الوحي ما ليس في القرآن.
-
قال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن، وما في هذه الصحيفة.
-
قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: المؤمنون تتكافأ دماؤهم (١) ، وفكاك الاسير، وألا يقتل مسلم بكافر.
-
وهذا مجمع عليه بالنسبة للكافر الحربي:
-
فإن المسلم إذا قتله، فإنه لا يقتل به إجماعا.
-
وأما بالنسبة للذمي والمعاهد، فقد اختلفت فيهما أنظار الفقهاء.
-
فذهب الجمهور منهم إلى أن المسلم لا يقتل بهما لصحة الاحاديث في ذلك، ولم يأت ما يخالفها.
-
وقالت الاحناف وابن أبي ليلى: لا يقتل المسلم إذا قتل الكافر الحربي، كما قال الجمهور. وخالفوهم في الذمي، والمعاهد.
-
فقالوا: " إن المسلم إذا قتل الذمي أو المعاهد بغير حق، فإنه يقتل بهما، لان الله تعالى يقول: " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس " .
-
وأخرج البيهقي من حديث عبد الرحمن البيلماني (٢) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قتل مسلما بمعاهد.
-
وقال: " أنا أكرم من وفى بذمته " .
-
وقالوا أيضا: ان المسلمين أجمعوا على أن يد المسلم تقطع إذا سرق من مال الذمي.
-
فإذا كانت حرمة ماله كحرمة مال المسلم، فحرمة دمه كحرمة دمه.
-
رفع إلى أبي يوسف القاضي: مسلم قتل ذميا كافرا، فحكم عليه بالقود، فأتاه رجل برقعة فألفاها إليه.
-
فإذا فيها:
-
2/5292/529
يا قاتل المسلم بالكافر - جرت، وما العادل كالجائر يا من ببغداد وأطرافها - من علماء الناس أو شاعر استرجعوا وابكوا على دينكم - واصطبروا، فالاجر للصابر جار على الدين أبو يوسف - بقتله المؤمن بالكافر فدخل أبو يوسف على الرشيد وأخبره الخبر، وأقرأه الرقعة.
-
فقال الرشيد: " تدارك هذا الامر لئلا تكون فتنة " .
-
فخرج أبو يوسف، وطالب أصحاب الدم ببينة على صحة الذمة وثبوتها، فلم يأتوا بها، فأسقط القود.
-
وقال مالك والليث: " لا يقتل المسلم بالذمي، إلا أن يقتله غيلة.
-
وقتل الغيلة أن يضجعه فيذبحه، وبخاصة على ماله ".
-
هذا بالنسبة للكافر، وأما العبد،
-
فإن الحر لا يقتل به إذا قتله،
-
بخلاف ما إذا قتل العبد الحر، فإنه يقتل به.
-
لما رواه الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: " أن رجلا قتل عبده صبرا (١) متعمدا، فجلده النبي صلى الله عليه وسلم مائة جلدة، ونفاه سنة، ومحاسهمه من المسلمين، ولم يقد به، وأمره أن يعتق رقبة " .
-
ولان الله تعالى يقول: " الحر بالحر " .
-
وهذا التعبير يفيد الحصر، فيكون معناه: أنه لا يقتل الحر بغير الحر.
-
وإذا كان لا يقتل به فإنه يلزمه قيمته، بالغة ما بلغت،
-
وإن جاوزت دية الحر.
-
هذا إذا قتل عبد غيره.
-
أما إذا كان السيد هو الذي قتل عبده فعقوبته ما ذكر في الحديث.
-
وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء، منهم مالك والشافعي، وأحمد، والهادوية.
-
وقال أبو حنيفة: " يقتل الحر إذا قتل العبد، إلا إذا كان سيده " .
-
وذلك أن الآية الكريمة تقول:
-
2/5302/530
" وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس " .
-
وهذا عام في كل الحالات، إلا إذا خصص، وقد خصصته السنة بحديث
-
البيهقي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يقاد مملوك من مالكه.
-
ولا ولد من والده ".
-
ولو صح هذا لكان قويا، إلا أن الحديث من رواية عمر بن عيسى، وقد ذكر البخاري أنه منكر الحديث.
-
وقال النخعي: يقتل الحر بالعبد مطلقا، أخذا بعموم قوله تعالى: " أن النفس بالنفس " .
-
٧ - ألا يشارك القاتل غيره في القتل، ممن لا يجب عليه القصاص،
-
فإن شاركه غيره ممن لا يجب عليه القصاص كأن اشترك في القتل، عامد ومخطئ، أو مكلف وسبع، أو مكلف وغير مكلف: مثل الصبي والمجنون، فإنه لاقصاص على واحد منهما، وعليهما الدية، لوجود الشبهة التي تندرئ بها الحدود،
-
فإن القتل لا يتجزأ، ويمكن أن يكون حدوثه من فعل الذي لا قصاص عليه - كما يمكن أن يكون ممن يجب عليه القصاص - وهذه الشبهة تسقط القود.
-
وإذا سقط وجب بدله، وهو الدية.
-
وخالف في ذلك مالك والشافعي رضي الله عنهما.
-
فقالا: على المكلف القصاص، وعلى غير المكلف نصف الدية.
-
ومالك يجعلها على العاقلة، والشافعية يجعلونها في ماله.
-
قتل الغيلة: وقتل الغيلة عند مالك أن يخدع الانسان غيره، فيدخل بيته ونحوه، فيقتل أو يأخذ المال.
-
قال مالك: " الامر عندنا أن يقتل به، وليس لولي الدم أن يعفو عنه، وذلك إلى السلطان " .
-
وقال غيره من الفقهاء: لافرق بين قتل الغيلة وغيره، فهما سواء في
-
القصاص والعفو، وأمرهما راجع إلى ولي الدم.
-
وإذا قتلته جماعة كان لولي الدم أن يقتل منهم من شاء، ويطالب بالدية
-
2/5312/531
من شاء وهو مروي عن ابن عباس، وبه يقول سعيد بن المسيب، والشعبي، وابن سيرين، وعطاء، وقتادة.
-
وهو مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق.
-
" فقد قتلت امرأة هي وخليلها ابن زوجها فكتب يعلى بن أمية إلى عمر ابن الخطاب - وكان يعلى عاملا له - يسأله رأيه في هذه القضية؟ فتوقف رضي الله عنه في القضية، وكان أن قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: " يا أمير المؤمنين: أرأيت لو أن نفرا اشتركوا في سرقة جزور، فأخذ هذا عضوا، وهذا عضوا، أكنت قاطعهم؟
-
قال: نعم. قال: وذلك ".
-
وكان أن كتب أمير المؤمنين إلى يعلى بن أمية عامله: " أن اقتلهما، فلو اشترك فيه أهل ضنعاء كلهم لقتلتهم ".
-
وذهب الشافعي إلى أن لولي المقتول أن يقتل الجميع به،
-
وأن يقتل أيهم أراد، ويأخذ من الآخرين حصتهم من الدية.
-
فإن كانوا اثنين وأقاد من واحد، فله أخذ نصف الدية من الثاني.
-
وإن كانوا ثلاثة، فأقاد من اثنين، فله من الآخر ثلث الدية ".