فَصْلٌ
روضة الطالبين وعمدة المفتينالشافعيةالمسائل ٥٣٬٦٥٣ إلى ٥٣٬٧٢١
-
٩/٢٢١٩/٢٢١
لَيْسَ لِمُسْتَحِقِّ الْقِصَاصِ اسْتِيفَاؤُهُ إِلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ وَمَنْصُورٍ التَّمِيمِيِّ أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ يَسْتَقِلُّ بِالِاسْتِيفَاءِ كَالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ وَسَائِرِ الْحُقُوقِ.
-
وَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ الْأَوَّلُ، وَسَوَاءٌ فِيهِ قِصَاصُ النَّفْسِ وَالطَّرَفِ،
-
وَإِذَا اسْتَقَلَّ بِهِ عُزِّرَ، لَكِنَّهُ لَا غُرْمَ عَلَيْهِ، وَيَقَعُ عَنِ الْقِصَاصِ،
-
وَلَوِ اسْتَقَلَّ الْمَقْذُوفُ بِاسْتِيفَاءِ حَدِّ الْقَذْفِ بِإِذْنِ الْقَاذِفِ، أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَفِي الِاعْتِدَادِ بِهِ وَجْهَانِ.
-
فَإِنْ قُلْنَا: لَا يُعْتَدُّ بِهِ، تُرِكَ حَتَّى يَبْرَأَ ثُمَّ يُحَدُّ،
-
وَلَوْ مَاتَ مِنْهُ، وَجَبَ الْقِصَاصُ إِنْ جَلَدَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ،
-
وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ، فَلَا قِصَاصَ.
-
وَفِي الدِّيَةِ خِلَافٌ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ بِإِذْنِهِ،
-
ثُمَّ إِذَا طَلَبَ الْمُسْتَحِقُّ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْقِصَاصَ بِنَفْسِهِ،
-
فَإِنْ لَمْ يَرَهُ أَهْلًا لَهُ كَالشَّيْخِ وَالزَّمِنِ وَالْمَرْأَةِ، لَمْ يُجِبْهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ،
-
وَإِنْ رَآهُ أَهْلًا لَهُ،
-
فَإِنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ قِصَاصَ النَّفْسِ، وَالطَّالِبُ الْوَلِيَّ، فَوَّضَهُ إِلَيْهِ
-
بِخِلَافِ الْجَلْدِ فِي الْقَذْفِ لَا يُفَوَّضُ إِلَى الْمَقْذُوفِ، لِأَنَّ تَفْوِيتَ النَّفْسِ مَضْبُوطٌ، وَالْجَلَدَاتُ يَخْتَلِفُ مَوْقِعُهَا.
-
وَالتَّعْزِيرُ كَحَدِّ الْقَذْفِ، وَإِنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ قِصَاصَ الطَّرَفِ، وَالطَّالِبُ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ، فَوَجْهَانِ.
-
أَحَدُهُمَا: يُفَوِّضُهُ إِلَيْهِ كَالنَّفْسِ، لِأَنَّ إِبَانَةَ الطَّرَفِ مَضْبُوطَةٌ، وَأَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ، لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يُرَدِّدَ الْحَدِيدَةَ، وَيَزِيدَ فِي الْإِيلَامِ.
-
فَرْعٌ.
-
يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُحْضِرَ الِاقْتِصَاصَ عَدْلَيْنِ مُتَيَقِّظَيْنِ، لِيَشْهَدَا إِنْ أَنْكَرَ الْمُقْتَصُّ،
-
وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى الْقَضَاءِ بِعِلْمِهِ إِنْ كَانَ التَّرَافُعُ إِلَيْهِ.
-
٩/٢٢٢٩/٢٢٢
فَرْعٌ.
-
يَتَفَقَّدُ الْإِمَامُ السَّيْفَ، وَيَقْتَصُّ بِصَارِمٍ لَا كَالٍّ،
-
فَلَوْ كَانَ الْجَانِي قَتَلَ بِكَالٍّ، فَهَلْ يَقْتَصُّ بِكَالٍّ أَمْ يَتَعَيَّنُ الصَّارِمُ؟ وَجْهَانِ.
-
أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ، وَإِذَا لَمْ نُجَوِّزْ بِالْكَالِّ، فَبَانَ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ كَلَالُهُ، عُزِّرَ الْمُسْتَوْفِي.
-
فَرْعٌ.
-
يَضْبِطُ الْجَانِي فِي قِصَاصِ الطَّرَفِ، لِئَلَّا يَضْطَرِبَ، فَيُؤَدِّيَ إِلَى اسْتِيفَاءِ زِيَادَةٍ.
-
فَرْعٌ.
-
إِذَا أُذِنَ لِلْوَلِيِّ فِي ضَرْبِ الرَّقَبَةِ، فَأَصَابَ غَيْرَهَا، وَاعْتَرَفَ بِأَنَّهُ تَعَمَّدَ، عُزِّرَ،
-
وَكَذَا لَوِ ادَّعَى الْخَطَأَ فِيمَا لَا يَقَعُ الْخَطَأُ بِمِثْلِهِ، بِأَنْ ضَرَبَ رِجْلَهُ أَوْ وَسَطَهُ، لَكِنْ لَا يُمْنَعُ مِنَ الِاسْتِيفَاءِ،
-
وَلَا يُعْزَلُ، لِأَنَّهُ أَهْلٌ لَهُ،
-
وَإِنْ تَعَدَّى بِفِعْلِهِ، كَمَا لَوْ جَرَحَهُ قَبْلَ الِارْتِفَاعِ إِلَى الْحَاكِمِ، لَا يُمْنَعُ مِنَ الِاسْتِيفَاءِ، وَفِيهِ وَجْهٌ، أَوْ قَوْلٌ ضَعِيفٌ: أَنَّهُ يُعْزَلُ، وَيُؤْمَرُ بِالِاسْتِنَابَةِ، لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَتَعَدَّى ثَانِيًا،
-
وَلَوِ ادَّعَى الْخَطَأَ فِيمَا يُمْكِنُ فِيهِ الْخَطَأُ، بِأَنْ ضَرَبَ كَتِفَهُ، أَوْ رَأْسَهُ مِمَّا يَلِي الرَّقَبَةَ، حَلَفَ،
-
وَلَا يُعَزَّرُ إِذَا حَلَفَ، لَكِنْ يُعْزَلُ، لِأَنَّ حَالَهُ يُشْعِرُ بِعَجْزِهِ وَخَرْقِهِ.
-
وَحُكِيَ قَوْلٌ، أَوْ وَجْهٌ: أَنَّهُ يُعَذَّرُ بِالْخَطَأِ وَلَا يُعْزَلُ، قَالَ الْإِمَامُ: وَهَذَا الْوَجْهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِمَا إِذَا لَمْ يَتَكَرَّرِ الْخَطَأُ مِنْهُ، وَلَمْ يَظْهَرْ خَرْقُهُ.
-
فَإِنْ ظَهَرَ فَلْيُمْنَعْ بِلَا خِلَافٍ، قَالَ: وَعَزْلُهُ عَلَى الصَّحِيحِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِمَنْ لَمْ تُعْرَفْ مَهَارَتُهُ فِي ضَرْبِ الرِّقَابِ،
-
فَأَمَّا الْمَاهِرُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُعْزَلَ بِخَطَأٍ اتَّفَقَ لَهُ بِلَا خِلَافٍ.
-
فَرْعٌ.
-
هَلْ يُمْنَعُ مِنَ الِاسْتِيفَاءِ بِالسَّيْفِ الْمَسْمُومِ، وَجْهَانِ.
-
الصَّحِيحُ: الْمَنْعُ، هَكَذَا أَطْلَقَهُمَا مُطْلِقُونُ، وَخَصَّهُمَا الْإِمَامُ بِمَا إِذَا كَانَ تَأْثِيرُ السُّمِّ
-
٩/٢٢٣٩/٢٢٣
فِي التَّقَطُّعِ، وَاكْتُفِيَتْ بِتَأَخُّرٍ عَنِ الدَّفْنِ،
-
فَإِنْ كَانَ يُؤَثِّرُ قَبْلَ الدَّفْنِ، مُنِعَ بِلَا خِلَافٍ لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ الْحُرْمَةِ وَعُسْرِ الْغَسْلِ وَالدَّفْنِ، وَحَيْثُ يُمْنَعُ،
-
فَلَوْ بَانَ بَعْدَ الْقَطْعِ أَنَّهُ كَانَ مَسْمُومًا، عُزِّرَ.
-
وَأَمَّا فِي قِصَاصِ الطَّرَفِ، فَيُمْنَعُ مِنَ الْمَسْمُومِ بِلَا خِلَافٍ،
-
فَلَوِ اسْتَوْفَاهُ بِمَسْمُومٍ، فَمَاتَ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ،
-
فَلَا قِصَاصَ، لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ مُسْتَحَقٍّ وَغَيْرِهِ، وَتَجِبُ نِصْفُ الدِّيَةِ.
-
وَهَلْ تَكُونُ عَلَى الْمُسْتَوْفِي، أَمْ عَلَى عَاقِلَتِهِ؟ وَجْهَانِ.
-
أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ، وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ وَجْهًا غَرِيبًا أَنَّهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ، قَالَ:
-
وَلَوْ كَانَ السُّمُّ مُوحِيًا، وَجَبَ الْقِصَاصُ بِلَا خِلَافٍ.
-
فَرْعٌ.
-
لِيُنَصِّبَ الْإِمَامُ مَنْ يُقِيمُ الْحُدُودَ وَيَسْتَوْفِي الْقِصَاصَ بِإِذْنِ الْمُسْتَحِقِّينَ لَهُ، وَيَرْزُقُهُ مِنْ خُمُسِ خُمُسِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ الْمُرْصَدِ لِلْمَصَالِحِ،
-
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ شَيْءٌ، أَوْ كَانَ وَاحْتَاجَ إِلَيْهِ لِأَهَمَّ مِنْهُ، فَأُجْرَةُ الِاقْتِصَاصِ عَلَى الْمُقْتَصِّ مِنْهُ، لِأَنَّهَا مُؤْنَةُ حَقٍّ لَزِمَهُ أَدَاؤُهُ.
-
وَقِيلَ: عَلَى الْمُقْتَصِّ، وَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ الْأَوَّلُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَفِي أُجْرَةِ الْجَلَّادِ فِي الْحُدُودِ، وَالْقَاطِعِ فِي السَّرِقَةِ، وَجْهَانِ.
-
أَصَحُّهُمَا: عَلَى الْمَجْلُودِ وَالسَّارِقِ، لِأَنَّهَا تَتِمَّةُ الْحَدِّ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، وَالثَّانِي: فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّ الْإِيجَابَ فِي بَيْتِ الْمَالِ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْجَانِي مَالٌ، وَأُجْرَةُ الْجَلَّادِ فِي الْقَذْفِ كَأُجْرَةِ الِاقْتِصَاصِ،
-
وَإِذَا قُلْنَا: تَجِبُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا يُمْكِنُ صَرْفُهُ إِلَيْهِ، اقْتَرَضَ الْإِمَامُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ إِلَى أَنْ يَجِدَ سِعَةً.
-
قَالَ الرُّويَانِيُّ: أَوْ يَسْتَأْجِرُ بِأُجْرَةٍ مُؤَجَّلَةٍ، أَوْ يَسَّخِرُ مَنْ يَقُومُ بِهِ عَلَى مَا يَرَاهُ، وَالِاسْتِئْجَارُ قَرِيبٌ وَالتَّسْخِيرُ بَعِيدٌ، وَبِتَقْدِيرِ جَوَازِهِ يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ الْأُجْرَةَ مِمَّنْ يَرَاهُ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ وَيَسْتَأْجِرَ بِهَا.
-
وَلَوْ قَالَ الْجَانِي: أَنَا أَقْتَصُّ مِنْ نَفْسِي،
-
وَلَا أُؤَدِّي الْأُجْرَةَ، فَهَلْ يُقْبَلُ مِنْهُ؟ وَجْهَانِ.
-
قَالَ الدَّارَكِيُّ: نَعَمْ، وَأَصَحُّهُمَا: لَا، فَعَلَى هَذَا
-
٩/٢٢٤٩/٢٢٤
لَوْ قَتَلَ نَفْسَهُ، أَوْ قَطَعَ طَرَفَهُ بِإِذْنِ الْمُسْتَحِقِّ، فَفِي الِاعْتِدَادِ بِهِ عَنِ الْقِصَاصِ وَجْهَانِ.
-
أَحَدُهُمَا: لَا، كَمَا لَوْ جَلَدَ نَفْسَهُ فِي الزِّنَى بِإِذْنِ الْإِمَامِ، وَفِي الْقَذْفِ بِإِذْنِ الْمَقْذُوفِ، لَا يَسْقُطُ الْحَدُّ عَنْهُ، وَكَمَا لَوْ قَبَضَ الْمَبِيعُ مِنْ نَفْسِهِ بِإِذْنِ الْمُشْتَرِي، لَا يُعْتَدُّ بِهِ.
-
وَالثَّانِي: نَعَمْ، لِحُصُولِ الزُّهُوقِ، وَإِزَالَةِ الطَّرَفِ،
-
بِخِلَافِ الْجَلْدِ فَإِنَّهُ قَدْ لَا يُؤْلِمُ نَفْسَهُ، وَيُوهِمُ الْإِيلَامَ،
-
فَلَا يَتَحَقَّقُ حُصُولُ الْمَقْصُودِ، وَفِي الْبَيْعِ الْمَقْصُودُ إِزَالَةُ يَدِ الْبَائِعِ، وَلَمْ تَزُلْ، قَالَ الْبَغَوِيُّ:
-
وَلَوْ قَطَعَ السَّارِقُ يَدَ نَفْسِهِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ اعْتُدَّ بِهِ عَنِ الْحَدِّ، وَهَلْ يُمْكِنُهُ إِذَا قَالَ: أَقْطَعُ بِنَفْسِي؟ وَجْهَانِ.
-
أَقْرَبُهُمَا: نَعَمْ، لِأَنَّ الْغَرَضَ التَّنْكِيلُ، وَيَحْصُلُ بِذَلِكَ.
-
الطَّرَفُ الثَّانِي: فِي وَقْتِ الِاقْتِصَاصِ.
-
لِمُسْتَحَقِّ الْقِصَاصِ اسْتِيفَاؤُهُ عَلَى الْفَوْرِ إِذَا أَمْكَنَ،
-
فَلَوِ الْتَجَأَ الْجَانِي إِلَى الْحَرَمِ، جَازَ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْهُ فِي الْحَرَمِ، سَوَاءٌ فِيهِ قِصَاصُ النَّفْسِ وَالطَّرَفِ،
-
وَلَوِ الْتَجَأَ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
-
قَالَ الْإِمَامُ: أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ، أُخْرِجَ مِنْهُ وَقُتِلَ، لِأَنَّ هَذَا تَأْخِيرٌ يَسِيرٌ، وَفِيهِ صِيَانَةٌ لِلْمَسْجِدِ، وَفِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَنَّهُ تُبْسَطُ الْأَنْطَاعُ، وَيُقْتَلُ فِي الْمَسْجِدِ تَعْجِيلًا لِتَوْفِيَةِ الْحَقِّ وَإِقَامَةِ الْهَيْبَةِ.
-
قُلْتُ: وَلَوِ الْتَجَأَ إِلَى الْكَعْبَةِ، أَوْ إِلَى مِلْكِ إِنْسَانٍ، أُخْرِجَ قَطْعًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.