فَصْلٌ
روضة الطالبين وعمدة المفتينالشافعيةالمسائل ٢٦٬٤٦٦ إلى ٢٦٬٥٠٦
-
٤/٤٣٧٤/٤٣٧
إِعَارَةُ الْأَرْضِ لِلْبِنَاءِ أَوِ الْغِرَاسِ، ضَرْبَانِ: مُطْلَقَةٌ لَمْ يُبَيِّنْ لَهَا مُدَّةً، وَمُقَيَّدَةٌ بِمُدَّةٍ.
-
الْأَوَّلُ: الْمُطْلَقَةُ، وَلِلْمُسْتَعِيرِ فِيهَا أَنْ يَبْنِيَ وَيَغْرِسَ مَا لَمْ يَرْجِعِ الْمُعِيرُ،
-
فَإِذَا رَجَعَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْبِنَاءُ وَالْغِرَاسُ.
-
وَلَوْ فَعَلَ وَهُوَ عَالِمٌ بِالرُّجُوعِ، قَلَعَ مَجَّانًا، وَكَلَّفَ تَسْوِيَةَ الْأَرْضِ كَالْغَاصِبِ.
-
وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا، فَوَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِيمَا إِذَا حَمَلَ السَّيْلُ نَوَاةً إِلَى أَرْضِهِ فَنَبَتَتْ.
-
وَأَمَّا مَا بُنِيَ وَغُرِسَ قَبْلَ الرُّجُوعِ،
-
فَإِنْ أَمْكَنَ رَفْعُهُ مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ يَدْخُلُهُ، رُفِعَ، وَإِلَّا فَيُنْظَرُ، إِنْ شَرَطَ عَلَيهِ الْقَلْعَ مَجَّانًا عِنْدَ رُجُوعِهِ، وَتَسْوِيَةَ الْحَفْرِ، لَزِمَهُ،
-
فَإِنِ امْتَنَعَ، قَلَعَهُ الْمُعِيرُ مَجَّانًا،
-
وَإِنْ شَرَطَ الْقَلْعَ دُونَ التَّسْوِيَةِ،
-
٤/٤٣٨٤/٤٣٨
لَمْ تَلْزَمْهُ التَّسْوِيَةُ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْقَلْعِ رِضًى بِالْحَفْرِ.
-
وَإِنْ لَمْ يَشْرُطِ الْقَلْعَ، نُظِرَ، إِنْ أَرَادَهُ الْمُسْتَعِيرُ، مُكِّنَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، وَيَلْزَمُهُ تَسْوِيَةُ الْحَفْرِ عَلَى الْأَصَحِّ.
-
قُلْتُ: كَذَا صَحَّحَهُ الْجُمْهُورُ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَسْوِيَةُ الْحَفْرِ هُنَا، مِنْهُمُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ وَصَاحِبُ الِانْتِصَارِ وَغَيْرُهُمَا، وَبِهِ قَطَعَ الْمُحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ وَالرُّويَانِيُّ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ.
-
وَلَا يَغْتَرُّ بِتَصْحِيحِ الرَّافِعِيِّ فِي «الْمُحَرَّرِ» : أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ، فَإِنَّهُ ضَعِيفٌ، نَبَّهْتُ عَلَيهِ فِي مُخْتَصَرِ «الْمُحَرَّرِ» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَإِنْ لَمْ يَرُدَّهُ، لَمْ يَكُنْ لِلْمُعِيرِ قَلْعُهُ مَجَّانًا؛ لِأَنَّهُ مُحْتَرَمٌ، وَلَكِنْ يَتَخَيَّرُ الْمُعِيرُ. وَفِيمَا يَتَخَيَّرُ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ. أَحَدُهَا، وَبِهِ قَطَعَ الْإِمَامُ، وَأَبُو الْحَسَنِ الْعَبَّادِيُّ، وَالْغَزَالِيُّ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ ثَلَاثِ خِصَالٍ. إِحْدَاهَا: أَنْ يُبْقِيَهِ بِأُجْرَةٍ يَأْخُذُهَا.
-
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَقْلَعَ وَيَضْمَنَ أَرْشَ النَّقْصِ، وَهُوَ قَدْرُ التَّفَاوُتِ بَيْنَ قِيمَتِهِ نَابِتًا وَمَقْلُوعًا.
-
وَالثَّالِثَةُ: أَنْ يَتَمَلَّكَهُ بِقِيمَتِهِ،
-
فَإِنِ اخْتَارَ خَصْلَةً، أَجْبَرَ عَلَيْهَا الْمُسْتَعِيرَ.
-
وَالثَّانِي، وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ: لَا بُدَّ فِي الْخَصْلَةِ الْأُولَى وَالثَّالِثَةِ مِنْ رِضَا الْمُسْتَعِيرِ؛ لِأَنَّ الْأُولَى إِجَارَةٌ وَالثَّالِثَةَ بَيْعٌ.
-
وَالثَّالِثُ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ خَصْلَتَيْنِ: الْقَلْعِ وَضَمَانِ الْأَرْشِ، وَالتَّمَلُّكِ بِالْقِيمَةِ، وَبِهَذَا قَطَعَ أَبُو عَلِيٍّ الزَّجَّاجِيُّ وَأَكْثَرُ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرُهُمْ، وَهَذَا أَصَحُّ فِي الْمَذْهَبِ. فَعَلَى هَذَا، لَوِ امْتَنَعَ مِنَ الْخَصْلَتَيْنِ، وَبَذَلَ الْمُسْتَعِيرُ الْأُجْرَةَ، لَمْ يَكُنْ لِلْمُعِيرِ الْقَلْعُ مَجَّانًا.
-
وَإِنْ لَمْ يَبْذُلْهَا، فَكَذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُخَيَّرُونَ بَيْنَ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ إِذَا امْتَنَعَ مِنْهَا جَمِيعًا. وَمَا الَّذِي يَفْعَلُ فِيهِ؟ وَجْهَانِ:
-
أَحَدُهُمَا: وَبِهِ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الزَّجَّاجِيُّ: يَبِيعُ الْحَاكِمُ الْأَرْضَ مَعَ الْبِنَاءِ أَوِ الْغِرَاسِ لِفَصْلِ الْخُصُومَةِ. وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ، مِنْهُمُ الْمُزَنِيُّ: يُعْرِضُ الْحَاكِمُ عَنْهُمَا إِلَى أَنْ يَخْتَارَا شَيْئًا،
-
وَيَجُوزُ لِلْمُعِيرِ دُخُولُ الْأَرْضِ، وَالِانْتِفَاعُ بِهَا، وَالِاسْتِظْلَالُ بِالْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ؛ لِأَنَّهُ جَالِسٌ فِي مِلْكِهِ، وَلَيْسَ لِلْمُسْتَعِيرِ دُخُولُهَا لِلتَّفَرُّجِ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمُعِيرِ،
-
وَيَجُوزُ لِسَقْيِ الْأَشْجَارِ وَإِصْلَاحِ الْجِدَارِ عَلَى الْأَصَحِّ، صِيَانَةً لِمِلْكِهِ عَنِ
-
٤/٤٣٩٤/٤٣٩
الضَّيَاعِ. وَوَجْهُ الْمَنْعِ: أَنَّهُ يَشْغَلُ مِلْكَ غَيْرِهِ إِلَى أَنْ يَصِلَ إِلَى مِلْكِهِ. وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ تَعَطَّلَتِ الْمَنْفَعَةُ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ بِدُخُولِهِ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: لَا يُمْكِنُ إِلَّا بِالْأُجْرَةِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُعِيرِ وَالْمُسْتَعِيرِ بَيْعُ مِلْكِهِ لِلْآخَرِ، وَلِلْمُعِيرِ بَيْعُ مِلْكِهِ لِثَالِثٍ،
-
ثُمَّ يَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي تَخَيُّرَ الْمُعِيرِ، وَهَلْ لِلْمُسْتَعِيرِ بَيْعُ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ لِثَالِثٍ؟ وَجْهَانِ.
-
أَصَحُّهُمَا: الْجَوَازُ. فَعَلَى هَذَا، يَتَنَزَّلُ الْمُشْتَرِي مَنْزِلَةَ الْمُسْتَعِيرِ، وَلِلْمُعِيرِ الْخِيَارُ كَمَا سَبَقَ، وَلِلْمُشْتَرِي فَسْخُ الْبَيْعِ إِنْ جَهِلَ الْحَالَ.
-
وَلَوِ اتَّفَقَ الْمُعِيرُ وَالْمُسْتَعِيرُ عَلَى بَيْعِ الْأَرْضِ بِمَا فِيهَا بِثَمَنٍ وَاحِدٍ، فَقَدْ قِيلَ: هُوَ كَمَا لَوْ كَانَ لِهَذَا عَبْدٌ، وَلِهَذَا عَبْدٌ، فَبَاعَاهُمَا بِثَمَنٍ وَاحِدٍ،
-
وَالْمَذْهَبُ: الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ لِلْحَاجَةِ.
-
ثُمَّ كَيْفَ يُوَزِّعُ الثَّمَنَ هُنَا، وَفِيمَا إِذَا بَاعَهُمَا الْحَاكِمُ عَلَى أَحَدِ الَوَجْهَيْنِ؟ قَالَ الْمُتَوَلِّي: هُوَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِيمَا إِذَا غَرَسَ الرَّاهِنُ الْأَرْضَ الْمَرْهُونَةَ. وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: يُوَزِّعُ عَلَى الْأَرْضِ مَشْغُولَةً بِالْغِرَاسِ أَوِ الْبِنَاءِ، وَعَلَى مَا فِيهَا وَحْدَهُ، فَحِصَّةُ الْأَرْضِ لِلْمُعِيرِ، وَحِصَّةُ مَا فِيهَا لِلْمُسْتَعِيرِ، وَحُكْمُ الدُّخُولِ وَالِانْتِفَاعِ وَالْبَيْعِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي ابْتِدَاءِ الرُّجُوعِ إِلَى الِاخْتِيَارِ، وَفِيمَا إِذَا امْتَنَعَا مِنَ الِاخْتِيَارِ وَأَعْرَضَ الْقَاضِي عَنْهُمَا - سَوَاءٌ.
-
الضَّرْبُ الثَّانِي: الْمُقَيَّدَةُ بِمُدَّةٍ. وَلِلْمُسْتَعِيرِ الْبِنَاءُ وَالْغِرَاسُ فِي الْمُدَّةِ، إِلَّا أَنْ يَرْجِعَ الْمُعِيرُ، وَلَهُ أَنْ يُجَدِّدَ كُلَّ يَوْمٍ غَرْسًا، وَبَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ لَيْسَ لَهُ إِحْدَاثُ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ.
-
وَإِذَا رَجَعَ الْمُعِيرُ قَبْلَ الْمُدَّةِ أَوْ بَعْدَهُ، فَالْحُكْمُ كَمَا لَوْ رَجَعَ فِي الضَّرْبِ الْأَوَّلِ، لَكِنْ هُنَا وَجْهٌ: أَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الرُّجُوعِ قَبْلَ الْمُدَّةِ، وَقَوْلٌ: أَنَّهُ إِذَا رَجَعَ بَعْدَ الْمُدَّةِ، فَلَهُ الْقَلْعُ مَجَّانًا، نَقَلَهُ السَّاجِيُّ، وَاخْتَارَهُ الرُّويَانِيُّ.
-
وَالْمَذْهَبُ: الْأَوَّلُ.
-
٤/٤٤٠٤/٤٤٠
فَرْعٌ
-
قَالَ الْمُتَوَلِّي: إِذَا بَنَى أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ، أَوْ غَرَسَ فِي الْأَرْضِ الْمُشْتَرِكَةِ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ،
-
ثُمَّ رَجَعَ صَاحِبُهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْقَلْعُ بِأَرْشِ النَّقْصِ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ قَلْعَ بِنَاءِ الْمَالِكِ فِي مِلْكِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَ بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ لِلْبَانِي فِي الْأَرْضِ مِثْلَ حَقِّهِ، لَكِنْ لَهُ الْإِبْقَاءُ بِأُجْرَةٍ.
-
فَإِنْ لَمْ يَبْذُلْهَا الْبَانِي، فَهَلْ يُبَاعُ أَوْ يُعْرِضُ عَنْهُمَا؟ فِيهِ مَا سَبَقَ.
-
قُلْتُ: كَذَا قَالَ الْمُتَوَلِّي:
-
فَإِنْ لَمْ يَبْذُلْهَا الْبَانِي، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ:
-
فَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِهَا الشَّرِيكُ،
-
فَإِنْ بَذَلَ الْبَانِي لَيْسَ بِشَرْطٍ عَلَى الْمُخْتَارِ كَمَا تَقَدَّمَ،
-
وَلَوْ بَنَى أَوْ غَرَسَ بِغَيْرِ إِذْنِ شَرِيكِهِ، قَلَعَهُ مَجَّانًا، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي بِنَاءِ الْمُشْتَرِي فِي الْمَشْفُوعِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.