قِسْمُ الصَّدَقَاتِ.
روضة الطالبين وعمدة المفتينالشافعيةالمسائل ١٠٬٢٤٠ إلى ١٠٬٤٦٤
-
٢/٣٠٧٢/٣٠٧
اعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَ الرَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَخَّرَ هَذَا الْبَابَ إِلَى آخِرِ رُبْعِ الْمُعَامَلَاتِ فَعَطَفَهُ عَلَى قِسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ، وَهُنَاكَ ذَكَرَهُ الْمُزَنِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَالْأَكْثَرُونَ. وَذَكَرَهُ هَاهُنَا الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي (الْأُمِّ) وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَاتٌ، فَرَأَيْتُ هَذَا أَنْسَبَ وَأَحْسَنَ فَقَدَّمْتُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
٢/٣٠٨٢/٣٠٨
أَصْنَافُ الزَّكَاةِ ثَمَانِيَةٌ.
-
الْأَوَّلُ: الْفَقِيرُ، وَهُوَ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ وَلَا كَسْبَ، يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ حَاجَتِهِ، فَالَّذِي لَا يَقَعُ مَوْقِعًا، كَمَنْ يَحْتَاجُ عَشَرَةً وَلَا يَمْلِكُ إِلَّا دِرْهَمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً،
-
فَلَا يَسْلُبُهُ ذَلِكَ اسْمَ الْفَقِيرِ.
-
وَكَذَا الدَّارُ الَّتِي يَسْكُنُهَا، وَالثَّوْبُ الَّذِي يَلْبَسُهُ مُتَجَمِّلًا بِهِ، ذَكَرَهُ صَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» وَغَيْرُهُ. وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِعَبْدِهِ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى خِدْمَتِهِ، وَهُوَ فِي سَائِرِ الْأُمُورِ مُلْحَقٌ بِالْمَسْكَنِ.
-
قُلْتُ: قَدْ صَرَّحَ ابْنُ كَجٍّ فِي كِتَابِهِ «التَّجْرِيدِ» : بِأَنَّهُ كَالْمَسْكَنِ وَهُوَ مُتَعَيِّنٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْقَدْرُ الَّذِي يُؤَدَّى بِهِ الدَّيْنُ لَا عِبْرَةَ بِهِ فِي مَنْعِ الِاسْتِحْقَاقِ، كَمَا لَا عِبْرَةَ لَهُ فِي وُجُوبِ نَفَقَةِ الْقَرِيبِ،
-
وَكَذَا فِي الْفِطْرَةِ كَمَا سَبَقَ.
-
وَفِي فَتَاوَى صَاحِبِ «التَّهْذِيبِ» : أَنَّهُ لَا يُعْطَى سَهْمُ الْفُقَرَاءِ حَتَّى يُصْرَفَ مَا عِنْدَهُ إِلَى الدَّيْنِ. قَالَ:
-
وَيَجُوزُ أَخْذُ الزَّكَاةِ - لِمَنْ مَالُهُ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ - إِلَى أَنْ يَصِلَ إِلَى مَالِهِ.
-
وَلَوْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ، فَلَهُ أَخْذُ كِفَايَتِهِ إِلَى حُلُولِ الْأَجَلِ. وَقَدْ يَتَرَدَّدُ النَّاظِرُ فِي اشْتِرَاطِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ.
-
فَرْعٌ
-
الْمُعْتَبَرُ فِي عَجْزِهِ عَنِ الْكَسْبِ، عَجْزُهُ عَنْ كَسْبٍ يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ حَاجَتِهِ، لَا عَنْ أَصْلِ الْكَسْبِ. وَالْمُعْتَبَرُ كَسْبٌ يَلِيقُ بِحَالِهِ وَمُرُوءَتِهِ.
-
وَلَوْ قَدَرَ عَلَى الْكَسْبِ، إِلَّا أَنَّهُ مُشْتَغِلٌ بِبَعْضِ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ،
-
وَلَوْ أَقْبَلَ عَلَى الْكَسْبِ، لَانْقَطَعَ عَنِ التَّحْصِيلِ، حَلَّتْ لَهُ الزَّكَاةُ. أَمَّا الْمُعَطَّلُ الْمُعْتَكِفُ فِي الْمَدْرَسَةِ،
-
وَمَنْ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ التَّحْصِيلُ،
-
فَلَا تَحِلُّ لَهُمَا الزَّكَاةُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْكَسْبِ.
-
٢/٣٠٩٢/٣٠٩
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْمُشْتَغِلِ بِالْعِلْمِ، هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا. وَذَكَرَ الدَّارِمِيُّ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ. أَحَدُهَا: يَسْتَحِقُّ، وَالثَّانِي: لَا، وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ نَجِيبًا يُرْجَى تَفَقُّهُهُ وَنَفْعُ النَّاسِ بِهِ، اسْتَحَقَّ، وَإِلَّا، فَلَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَمَنْ أَقْبَلَ عَلَى نَوَافِلِ الْعِبَادَاتِ، وَالْكَسْبُ يَمْنَعُهُ مِنْهَا، أَوِ اسْتِغْرَاقِ الْوَقْتِ بِهَا، لَا تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ،
-
وَإِذَا لَمْ يَجِدِ الْكَسُوبُ مَنْ يَسْتَعْمِلُهُ، حَلَّتِ الزَّكَاةُ لَهُ.
-
فَرْعٌ
-
لَا يُشْتَرَطُ فِي الْفَقْرِ الزَّمَانَةُ وَالتَّعَفُّفُ عَنِ السُّؤَالِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُعْتَبِرُونَ.
-
وَقِيلَ: قَوْلَانِ. الْجَدِيدُ: كَذَلِكَ، وَالْقَدِيمُ: يُشْتَرَطُ.
-
فَرْعٌ
-
الْمَكْفِيُّ بِنَفَقَةِ أَبِيهِ أَوْ غَيْرِهِ، مِمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، وَالْفَقِيرَةُ الَّتِي يُنْفِقُ عَلَيْهَا زَوْجٌ غَنِيٌّ، هَلْ يُعْطَيَانِ مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ؟ يُبْنَى عَلَى مَسْأَلَةٍ، وَهِيَ لَوْ وَقَفَ عَلَى فُقَرَاءِ أَقَارِبِهِ، أَوْ أَوْصَى لَهُمْ، وَكَانَا فِي أَقَارِبِهِ، هَلْ يَسْتَحِقَّانِ سَهْمًا مِنَ الْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ؟ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ.
-
أَصَحُّهَا: لَا، قَالَهُ أَبُو زَيْدٍ وَالْخُضَرِيُّ، وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ وَغَيْرُهُ، وَالثَّانِي: نَعَمْ، قَالَهُ ابْنُ الْحَدَّادِ، وَالثَّالِثُ: يَسْتَحِقُّ الْقَرِيبُ دُونَ الزَّوْجَةِ، لِأَنَّهَا تَسْتَحِقُّ عِوَضَهَا، وَتَسْتَقِرُّ فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ، قَالَهُ الْأَوْدَنِيُّ، وَالرَّابِعُ: عَكْسُهُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْقَرِيبَ تَلْزَمُ كِفَايَتُهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، حَتَّى الدَّوَاءِ وَأُجْرَةِ الطَّبِيبِ، فَانْدَفَعَتْ حَاجَاتُهُ، وَالزَّوْجَةُ لَيْسَ لَهَا إِلَّا مُقَدَّرٌ، وَرُبَّمَا لَا يَكْفِيهَا.
-
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الزَّكَاةِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا حَقَّ لَهُمَا فِي الْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ، فَالزَّكَاةُ أَوْلَى، وَإِلَّا فَيُعْطَيَانِ عَلَى الْأَصَحِّ.
-
٢/٣١٠٢/٣١٠
وَقِيلَ: لَا يُعْطَيَانِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ فِي الْوَقْفِ، بِاسْمِ الْفَقْرِ،
-
وَلَا يَزُولُ اسْمُ الْفَقْرِ بِقِيَامِ غَيْرِهِ بِأَمْرِهِ.
-
وَفِي الزَّكَاةِ الْحَاجَةُ، وَلَا حَاجَةَ مَعَ تَوَجُّهِ النَّفَقَةِ، فَأَشْبَهَ مَنْ يَكْسِبُ كُلَّ يَوْمٍ كِفَايَتَهُ، حَيْثُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ مِنَ الزَّكَاةِ،
-
وَإِنْ كَانَ مَعْدُودًا فِي الْفُقَرَاءِ.
-
وَالْخِلَافُ فِي مَسْأَلَةِ الْقَرِيبِ إِذَا أَعْطَاهُ غَيْرُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ أَوِ الْمَسَاكِينِ،
-
وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ غَيْرِهِمَا بِلَا خِلَافٍ.
-
وَأَمَّا الْمُنْفَقُ عَلَيْهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، لِغِنَاهُ بِنَفَقَتِهِ، وَلِأَنَّهُ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ النَّفَقَةَ، وَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ سَهْمِ الْعَامِلِ، وَالْغَارِمِ، وَالْغَازِي، وَالْمُكَاتَبِ، إِذَا كَانَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ،
-
وَكَذَا مِنْ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فَقِيرًا،
-
فَلَا يُعْطِيهِ، لِأَنَّهُ يُسْقِطُ النَّفَقَةَ عَنْ نَفْسِهِ.
-
وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ سَهْمِ ابْنِ السَّبِيلِ مُؤْنَةَ السَّفَرِ دُونَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ سَفَرًا وَحَضَرًا،
-
فَإِنَّ هَذَا الْقَدْرَ هُوَ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ.
-
وَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الزَّوْجَةِ، فَالْوَجْهَانِ يَجْرِيَانِ فِي الزَّوْجِ كَغَيْرِهِ، لِأَنَّهُ بِالصَّرْفِ إِلَيْهَا لَا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ النَّفَقَةَ، بَلْ نَفَقَتُهَا عِوَضٌ لَازِمٌ، غَنِيَّةً كَانَتْ أَمْ فَقِيرَةً، فَصَارَ كَمَنِ اسْتَأْجَرَ فَقِيرًا، فَلَهُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَيْهِ مَعَ الْأُجْرَةِ.
-
فَإِنْ مَنَعْنَا، فَلَوْ كَانَتْ نَاشِزَةً، فَفِي «التَّهْذِيبِ» . أَنَّهُ يَجُوزُ إِعْطَاؤُهَا، لِأَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا.
-
وَالصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْأَكْثَرُونَ: الْمَنْعُ، لِأَنَّهَا قَادِرَةٌ عَلَى النَّفَقَةِ بِتَرْكِ النُّشُوزِ، فَأَشْبَهَتِ الْقَادِرَ عَلَى الْكَسْبِ. وَلِلزَّوْجِ أَنْ يُعْطِيَهَا مِنْ سَهْمِ الْمُكَاتَبِ وَالْغَارِمِ قَطْعًا،
-
وَمِنْ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَبِهِ قُطِعَ فِي «التَّتِمَّةِ» . .
-
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: لَا تَكُونُ الْمَرْأَةُ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ،
-
وَلَا تَكُونُ الْمَرْأَةُ عَامِلَةً وَلَا غَازِيَةً.
-
وَأَمَّا سَهْمُ ابْنِ السَّبِيلِ،
-
فَإِنْ سَافَرَتْ مَعَ الزَّوْجِ، لَمْ تُعْطَ مِنْهُ، سَوَاءٌ سَافَرَتْ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، لِأَنَّ نَفَقَتَهَا عَلَيْهِ فِي الْحَالَيْنِ، لِأَنَّهَا فِي قَبْضَتِهِ،
-
وَلَا تُعْطَى مُؤْنَةَ السَّفَرِ إِنْ سَافَرَتْ مَعَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، لِأَنَّهَا عَاصِيَةٌ.
-
قُلْتُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: مُؤْنَةُ سَفَرِهَا مَعَهُ إِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ، فَهِيَ عَلَيْهِ، فَلَا تُعْطَى،
-
٢/٣١١٢/٣١١
وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ،
-
فَلَا تُعْطَى الْحَمُولَةَ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّهَا عَاصِيَةٌ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: تُعْطَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَإِنْ سَافَرَتْ وَحْدَهَا، فَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ، وَأَوْجَبْنَا نَفَقَتَهَا، أُعْطِيَتْ مُؤْنَةَ السَّفَرِ فَقَطْ مِنْ سَهْمِ ابْنِ السَّبِيلِ،
-
وَإِنْ لَمْ نُوجِبْهَا، أُعْطِيَتْ جَمِيعَ كِفَايَتِهَا،
-
وَإِنْ خَرَجَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، لَمْ تُعْطَ مِنْهُ، لِأَنَّهَا عَاصِيَةٌ.
-
وَيَجُوزُ أَنْ تُعْطَى هَذِهِ مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ،
-
بِخِلَافِ النَّاشِزَةِ، لِأَنَّهَا تَقْدِرُ عَلَى الْعَوْدِ إِلَى طَاعَتِهِ، وَالْمُسَافِرَةُ لَا تَقْدِرُ.
-
فَإِنْ تَرَكَتْ سَفَرَهَا وَعَزَمَتْ عَلَى الْعَوْدِ إِلَيْهِ، أُعْطِيَتْ مِنْ سَهْمِ ابْنِ السَّبِيلِ.
-
الصِّنْفُ الثَّانِي: الْمِسْكِينُ، وَهُوَ الَّذِي يَمْلِكُ مَا يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ وَلَا يَكْفِيهِ، بِأَنِ احْتَاجَ إِلَى عَشَرَةٍ وَعِنْدَهُ سَبْعَةٌ أَوْ ثَمَانِيَةٌ.
-
وَفِي مَعْنَاهُ، مَنْ يَقْدِرُ عَلَى كَسْبِ مَا يَقَعُ مَوْقِعًا،
-
وَلَا يَكْفِي، وَسَوَاءٌ كَانَ مَا يَمْلِكُهُ مِنَ الْمَالِ نِصَابًا أَوْ أَقَلَّ، أَوْ أَكْثَرَ،
-
وَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْمِسْكِينِ السُّؤَالُ، قَطَعَ بِهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَقَلَ عَنِ الْقَدِيمِ اعْتِبَارَهُ.
-
وَإِذَا عَرَفْتَ الْفَقِيرَ وَالْمِسْكِينَ، عَرَفْتَ أَنَّ الْفَقِيرَ أَشَدُّ حَالًا مِنَ الْمِسْكِينِ. هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَعَكَسَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ.
-
فَرْعٌ
-
الْمُعْتَبَرُ مِنْ قَوْلِنَا، يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ وَحَاجَتِهِ، الْمَطْعَمُ، وَالْمَشْرَبُ، وَالْمَلْبَسُ، وَالْمَسْكَنُ، وَسَائِرُ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِالْحَالِ، مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا تَقْتِيرٍ لِلشَّخْصِ، وَلِمَنْ هُوَ فِي نَفَقَتِهِ.
-
٢/٣١٢٢/٣١٢
فَرْعٌ
-
سُئِلَ الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنِ الْقَوِيِّ مِنْ أَهْلِ الْبُيُوتَاتِ، الَّذِينَ لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُمْ بِالتَّكَسُّبِ بِالْبَدَنِ، هَلْ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَهَذَا جَارٍ عَلَى مَا سَبَقَ، أَنَّ الْمُعْتَبَرَ حِرْفَةٌ تَلِيقُ بِهِ.
-
قُلْتُ: بَقِيَتْ مَسَائِلُ تَتَعَلَّقُ بِالْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ.
-
إِحْدَاهَا: قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي «الْإِحْيَاءِ» : لَوْ كَانَ لَهُ كُتُبُ فِقْهٍ، لَمْ تُخْرِجْهُ عَنِ الْمَسْكَنَةِ،
-
وَلَا تَلْزَمْهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ.
-
وَحُكْمُ كُتُبِهِ حُكْمُ أَثَاثِ الْبَيْتِ، لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَيْهَا، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَحْتَاطَ فِي مُهِمِّ الْحَاجَةِ إِلَى الْكِتَابِ. فَالْكِتَابُ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لِثَلَاثَةِ أَغْرَاضٍ، مِنَ التَّعْلِيمِ، وَالتَّفَرُّجِ بِالْمُطَالَعَةِ، وَالِاسْتِفَادَةِ.
-
فَالتَّفَرُّجُ لَا يُعَدُّ حَاجَةً، كَاقْتِنَاءِ كُتُبِ الشِّعْرِ وَالتَّوَارِيخِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا يَنْفَعُ فِي الْآخِرَةِ،
-
وَلَا فِي الدُّنْيَا، فَهَذَا يُبَاعُ فِي الْكَفَّارَةِ وَزَكَاةِ الْفِطْرِ، وَيُمْنَعُ اسْمُ الْمَسْكَنَةِ.
-
وَأَمَّا حَاجَةُ التَّعْلِيمِ، فَإِنْ كَانَ لِلتَّكَسُّبِ، كَالْمُؤَدِّبِ، وَالْمُدَرِّسِ بِأُجْرَةٍ، فَهَذِهِ آلَتُهُ،
-
فَلَا تُبَاعُ فِي الْفِطْرَةِ كَآلَةِ الْخَيَّاطِ،
-
وَإِنْ كَانَ يَدْرُسُ لِلْقِيَامِ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ، لَمْ يَبِعْ،
-
وَلَا تَسْلُبْهُ اسْمَ الْمَسْكَنَةِ، لِأَنَّهَا حَاجَةٌ مُهِمَّةٌ.
-
وَأَمَّا حَاجَةُ الِاسْتِفَادَةِ وَالتَّعْلِيمِ مِنَ الْكِتَابِ، كَادِّخَارِهِ كِتَابَ طِبٍّ لِيُعَالِجَ بِهِ نَفْسَهُ، أَوْ كِتَابَ وَعْظٍ لِيُطَالِعَهُ وَيَتَّعِظَ بِهِ،
-
فَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ طَبِيبٌ وَوَاعِظٌ، فَهُوَ مُسْتَغْنٍ عَنِ الْكِتَابِ.
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَهُوَ مُحْتَاجٌ.
-
ثُمَّ رُبَّمَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى مُطَالَعَتِهِ إِلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ تُضْبَطَ فَيُقَالُ: مَا لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي السَّنَةِ، فَهُوَ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ. فَتُقَدَّرُ حَاجَةُ أَثَاثِ الْبَيْتِ وَثِيَابِ الْبَدَنِ بِالسَّنَةِ،
-
فَلَا تُبَاعُ ثِيَابُ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ،
-
وَلَا ثِيَابُ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ، وَالْكُتُبُ بِالثِّيَابِ أَشْبَهُ.
-
وَقَدْ يَكُونُ لَهُ مِنْ كِتَابٍ نُسْخَتَانِ،
-
فَلَا حَاجَةَ لَهُ إِلَى إِحْدَاهُمَا فَإِنْ قَالَ: إِحْدَاهُمَا أَصَحُّ، وَالْأُخْرَى أَحْسَنُ، قُلْنَا: اكْتَفِ بِالْأَصَحِّ، وَبِعِ الْأَحْسَنَ،
-
وَإِنْ كَانَ نُسْخَتَانِ مِنْ عِلْمٍ وَاحِدٍ، إِحْدَاهُمَا مَبْسُوطَةٌ، وَالْأُخْرَى
-
٢/٣١٣٢/٣١٣
وَجِيزَةٌ، فَإِنْ كَانَ مَقْصُودُهُ الِاسْتِفَادَةَ، فَلْيَكْتَفِ بِالْبَسِيطِ،
-
وَإِنْ كَانَ التَّدْرِيسَ احْتَاجَ إِلَيْهِمَا. هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ، وَهُوَ حَسَنٌ، إِلَّا قَوْلُهُ فِي كِتَابِ الْوَعْظِ أَنَّهُ يَكْتَفِي بِالْوَاعِظِ، فَلَيْسَ بِمُخْتَارٍ، لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ وَاحِدٍ يَنْتَفِعُ بِالْوَاعِظِ كَانْتِفَاعِهِ فِي خَلْوَتِهِ وَعَلَى حَسَبِ إِرَادَتِهِ.
-
الثَّانِيَةُ: إِذَا كَانَ لَهُ عَقَارٌ يَنْقُصُ دَخْلُهُ عَنْ كِفَايَتِهِ، فَهُوَ فَقِيرٌ أَوْ مِسْكِينٌ، فَيُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ تَمَامَهَا،
-
وَلَا يُكَلَّفُ بَيْعَهُ. ذَكَرَهُ الْجُرْجَانِيُّ فِي «التَّحْرِيرِ» وَالشَّيْخُ نَصْرٌ وَآخَرُونَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
الصِّنْفُ الثَّالِثُ: الْعَامِلُ، يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ بَعْثُ السُّعَاةِ لِأَخْذِ الصَّدَقَاتِ، وَيَدْخُلُ فِي اسْمِ الْعَامِلِ، السَّاعِي، فَالْكَاتِبُ، وَالْقَسَّامُ، وَالْحَاشِرُ، وَهُوَ الَّذِي يَجْمَعُ أَرْبَابَ الْأَمْوَالِ، وَالْعَرِّيفُ، وَهُوَ كَالنَّقِيبِ لِلْقَبِيلَةِ، وَالْحَاسِبُ وَحَافِظُ الْمَالِ، قَالَ الْمَسْعُودِيُّ:
-
وَكَذَا الْجُنْدِيُّ، فَهَؤُلَاءِ لَهُمْ سَهْمٌ مِنَ الزَّكَاةِ،
-
وَلَا حَقَّ فِيهَا لِلْإِمَامِ،
-
وَلَا لِوَالِي الْإِقْلِيمِ وَالْقَاضِي، بَلْ رِزْقُهُمْ إِذَا لَمْ يَتَطَوَّعُوا، فِي خُمُسِ الْخُمُسِ الْمُرْصَدِ لِلْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ،
-
وَإِذَا لَمْ تَقَعِ الْكِفَايَةُ بِعَامِلٍ وَاحِدٍ مِنْ سَاعٍ وَكَاتِبٍ وَغَيْرِهِمَا، زِيدَ قَدْرَ الْحَاجَةِ.
-
وَفِي أُجْرَةِ الْكَيَّالِ، وَالْوَزَّانِ، وَعَادِّ الْغَنَمِ وَجْهَانِ.
-
أَحَدُهُمَا: مِنْ سَهْمِ الْعَامِلِينَ، وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّهَا عَلَى الْمَالِكِ، لِأَنَّهَا لِتَوْفِيَةِ مَا عَلَيْهِ، فَهِيَ كَأُجْرَةِ الْكَيَّالِ فِي الْبَيْعِ، فَإِنَّهَا عَلَى الْبَائِعِ.
-
قُلْتُ: هَذَا الْخِلَافُ فِي الْكَيَّالِ وَنَحْوِهِ، مِمَّنْ يُمَيِّزُ نَصِيبَ الْفُقَرَاءِ مِنْ نَصِيبِ الْمَالِكِ.
-
فَأَمَّا الَّذِي يُمَيِّزُ بَيْنَ الْأَصْنَافِ، فَأَجْرَتُهُ مِنْ سَهْمِ الْعَامِلِينَ بِلَا خِلَافٍ.
-
وَأَمَّا أُجْرَةُ الرَّاعِي وَالْحَافِظِ بَعْدَ قَبْضِهَا، فَهَلْ هِيَ مِنْ سَهْمِ الْعَامِلِينَ، أَوْ فِي جُمْلَةِ الصَّدَقَاتِ؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا فِي «الْمُسْتَظْهِرِيِّ» . أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي، وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبُ «الْعُدَّةِ» .
-
وَأُجْرَةُ النَّاقِلِ وَالْمُخَزِّنِ، فِي الْجُمْلَةِ.
-
وَأَمَّا مُؤْنَةُ إِحْضَارِ الْمَاشِيَةِ لِيَعُدَّهَا السَّاعِي، فَعَلَى الْمَالِكِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
الصِّنْفُ الرَّابِعُ: الْمُؤَلَّفَةُ، وَهُمْ ضَرْبَانِ، كُفَّارٌ وَمُسْلِمُونَ، فَالْكَفَّارُ قِسْمَانِ، قِسْمٌ يَمِيلُونَ إِلَى الْإِسْلَامِ وَيَرْغَبُونَ فِيهِ بِإِعْطَاءِ مَالٍ، وَقِسْمٌ يُخَافُ شَرُّهُمْ، فَيُتَأَلَّفُونَ
-
٢/٣١٤٢/٣١٤
لِدَفْعِ شَرِّهِمْ، فَلَا يُعْطَى الْقِسْمَانِ مِنَ الزَّكَاةِ قَطْعًا،
-
وَلَا مِنْ غَيْرِهَا عَلَى الْأَظْهَرِ. وَفِي قَوْلِ: يُعْطَوْنَ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ.
-
وَأَشَارَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُمْ لَا يُعْطَوْنَ إِلَّا إِنْ نَزَلَ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ.
-
وَأَمَّا مُؤَلَّفَةُ الْمُسْلِمِينَ فَأَصْنَافٌ، صِنْفٌ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَنِيَّتُهُمْ ضَعِيفَةٌ، فَيَتَأَلَفُونَ لِيَثْبُتُوا، وَآخَرُونَ لَهُمْ شَرَفٌ فِي قَوْمِهِمْ يُطْلَبُ بِتَأَلُّفِهِمْ إِسْلَامُ نُظَرَائِهِمْ، وَفِي هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
-
أَحَدُهَا: لَا يُعْطَوْنَ، وَالثَّانِي: يُعْطَوْنَ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ، وَالثَّالِثُ: مِنَ الزَّكَاةِ. وَصِنْفٌ يُرَادُ بِتَأَلُّفِهِمْ أَنْ يُجَاهِدُوا مَنْ يَلِيهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ، أَوْ مِنْ مَانِعِي الزَّكَاةِ، وَيَقْبِضُوا زَكَاتَهُمْ، فَهَؤُلَاءِ لَا يُعْطَوْنَ قَطْعًا،
-
وَمِنْ أَيْنَ يُعْطَوْنَ؟ فِيهِ أَقْوَالٌ.
-
أَحَدُهَا: مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ، وَالثَّانِي: مِنْ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ، وَالثَّالِثُ: مِنْ سَهْمِ الْغُزَاةِ. وَالرَّابِعُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يُعْطَوْنَ مِنْ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ، وَسَهْمِ الْغُزَاةِ، فَقَالَ طَائِفَةٌ مِنَ الْأَصْحَابِ عَلَى هَذَا الرَّابِعِ: يُجْمَعُ بَيْنَ السَّهْمَيْنِ لِلشَّخْصِ الْوَاحِدِ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْمُرَادُ إِنْ كَانَ التَّأَلُّفُ لِقِتَالِ الْكُفَّارِ،
-
فَمِنْ سَهْمِ الْغُزَاةِ، وَإِنْ كَانَ لِقِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ،
-
فَمِنْ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ، وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ، يَتَخَيَّرُ الْإِمَامُ إِنْ شَاءَ مِنْ ذَا السَّهْمِ،
-
وَإِنْ شَاءَ مِنْ ذَلِكَ، وَرُبَّمَا قِيلَ: إِنْ شَاءَ جَمَعَ السَّهْمَيْنِ، وَحُكِيَ وَجْهٌ: أَنَّ الْمُتَأَلَّفَ لِقِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَجَمْعِهَا يُعْطَى مِنْ سَهْمِ الْعَامِلِينَ.
-
وَأَمَّا الْأَظْهَرُ مِنْ هَذَا الْخِلَافِ فِي الْأَصْنَافِ، لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الْأَكْثَرُونَ، بَلْ أَرْسَلُوا الْخِلَافَ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي طَائِفَةٍ: الْأَظْهَرُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ فِي الصِّنْفَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ أَنَّهُمْ لَا يُعْطَوْنَ، وَقِيَاسُ هَذَا أَنْ لَا يُعْطَى الصِّنْفَانِ الْآخَرَانِ مِنَ الزَّكَاةِ، لِأَنَّ الْأَوَّلَيْنِ أَحَقُّ بِاسْمِ الْمُؤَلَّفَةِ مِنَ الْآخَرَيْنِ، لِأَنَّ فِي الْآخَرَيْنِ مَعْنَى الْغُزَاةِ وَالْعَامِلِينَ، وَعَلَى هَذَا فَيَسْقُطُ سَهْمُ الْمُؤَلَّفَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَقَدْ صَارَ إِلَيْهِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، الرُّويَانِيُّ وَجَمَاعَةٌ، لَكِنَّ الْمُوَافِقَ لِظَاهِرِ الْآيَةِ،
-
ثُمَّ لِسِيَاقِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَالْأَصْحَابِ، إِثْبَاتُ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ،
-
وَأَنْ يَسْتَحِقَّهُ الصِّنْفَانِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ صَرْفُهُ إِلَى الْآخَرَيْنِ أَيْضًا، وَبِهِ أَفْتَى أَقَضَى الْقُضَاةِ الْمَاوَرْدِيُّ فِي كِتَابِهِ «الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ» .
-
٢/٣١٥٢/٣١٥
الصِّنْفُ الْخَامِسُ: الرِّقَابُ، وَهُمُ الْمُكَاتَبُونَ، فَيُدْفَعُ إِلَيْهِمْ مَا يُعِينُهُمْ عَلَى الْعِتْقِ، بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ مَعَهُ مَا يَفِي بِنُجُومِهِ، وَلَيْسَ لَهُ صَرْفُ زَكَاتِهِ إِلَى مُكَاتَبِ نَفْسِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، لِعَوْدِ الْفَائِدَةِ إِلَيْهِ.
-
وَجَوَّزَهُ ابْنُ خَيْرَانَ، وَيَشْتَرِطُ كَوْنَ الْكِتَابَةِ صَحِيحَةً،
-
وَيَجُوزُ الصَّرْفُ قَبْلَ حُلُولِ النَّجْمِ عَلَى الْأَصَحِّ،
-
وَيَجُوزُ الصَّرْفُ إِلَى الْمُكَاتَبِ بِغَيْرِ إِذْنِ السَّيِّدِ، وَالْأَحْوَطُ الصَّرْفُ إِلَى السَّيِّدِ بِإِذْنِ الْمُكَاتَبِ.
-
وَلَا يُجْزِئُ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمُكَاتَبِ، لِأَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ، لَكِنْ يَسْقُطُ عَنِ الْمُكَاتَبِ بِقَدْرِ الْمَصْرُوفِ، لِأَنَّ مَنْ أَدَّى دَيْنَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ.
-
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ كَوْنِ الدَّفْعِ إِلَى السَّيِّدِ أَحْوَطَ وَأَفْضَلَ، هُوَ الَّذِي أَطْلَقَهُ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
-
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَتْحِ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ الزَّاهِدُ مِنْ أَصْحَابِنَا: إِنْ كَانَ هَذَا الْحَاصِلُ آخِرَ النُّجُومِ، وَيَحْصُلُ الْعِتْقُ بِالدَّفْعِ إِلَى السَّيِّدِ بِإِذْنِ الْمُكَاتَبِ، فَهُوَ أَفْضَلُ،
-
وَإِنْ حَصَلَ دُونَ مَا عَلَيْهِ، لَمْ يُسْتَحَبَّ دَفْعُهُ إِلَى السَّيِّدِ، لِأَنَّهُ إِذَا دَفَعَهُ إِلَى الْمُكَاتَبِ، أَتْجَرَ فِيهِ وَنَمَّاهُ، فَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْعِتْقِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
فَرْعٌ
-
إِذَا اسْتَغْنَى الْمُكَاتَبُ عَمَّا أَعْطَيْنَاهُ، أَوْ عُتِقَ بِتَبَرُّعِ السَّيِّدِ بِإِعْتَاقِهِ، أَوْ بِإِبْرَائِهِ، أَوْ بِأَدَاءِ غَيْرِهِ عَنْهُ، أَوْ بِأَدَائِهِ هُوَ مِنْ مَالٍ آخَرَ، وَبَقِيَ مَالُ الزَّكَاةِ فِي يَدِهِ، فَوَجْهَانِ. وَقِيلَ: قَوْلَانِ.
-
أَحَدُهُمَا: لَا يُسْتَرَدُّ مِنْهُ، كَالْفَقِيرِ يَسْتَغْنِي، وَأَصَحُّهُمَا: يُسْتَرَدُّ لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْمَدْفُوعِ.
-
وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي الْغَارِمِ إِذَا اسْتَغْنَى عَنِ الْمَأْخُوذِ بِإِبْرَاءٍ وَنَحْوِهِ،
-
وَإِنْ كَانَ قَدْ تَلِفَ الْمَالُ فِي يَدِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ، غَرِمَهُ،
-
وَإِنْ تَلِفَ قَبْلَهُ، فَلَا، عَلَى الصَّحِيحِ. وَقَالَ فِي «الْوَسِيطِ» : وَكَذَا لَوْ تَلَفَهُ.
-
وَإِذَا عَجَزَ الْمُكَاتَبُ، فَإِنْ كَانَ الْمَالُ فِي يَدِهِ، اسْتُرِدَّ.
-
وَإِنْ كَانَ تَالِفًا، لَزِمَهُ غُرْمُهُ عَلَى الْأَصَحِّ.
-
وَهَلْ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ، أَمْ بِرَقَبَتِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
-
٢/٣١٦٢/٣١٦
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: بِذِمَّتِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَلَوْ دَفَعَهُ إِلَى السَّيِّدِ وَعَجَزَ عَنْ بَقِيَّةِ النُّجُومِ، فَفِي الِاسْتِرْدَادِ مِنَ السَّيِّدِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي الِاسْتِرْدَادِ مِنَ الْمُكَاتَبِ،
-
فَإِنْ تَلِفَ عِنْدَهُ، فَفِي الْغُرْمِ الْخِلَافُ السَّابِقُ أَيْضًا،
-
وَلَوْ مَلَّكَهُ السَّيِّدُ شَخْصًا، لَمْ يُسْتَرَدَّ مِنْهُ، بَلْ يَغْرَمُ السَّيِّدُ إِنْ قُلْنَا بِتَغْرِيمِهِ.
-
قُلْتُ: وَإِذَا لَمْ يُعْجِزْ نَفْسَهُ وَاسْتَمَرَّ فِي الْكِتَابَةِ، فَتَلِفَ مَا أُخِذَ، وَقَعَ الْمَوْقِعَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
فَرْعٌ
-
لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَتَّجِرَ بِمَا أَخَذَهُ طَلَبًا لِلزِّيَادَةِ، وَحُصُولِ الْأَدَاءِ، وَالْغَارِمُ كَالْمُكَاتَبِ.
-
فَرْعٌ
-
نَقَلَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ لِلْإِمَامِ، أَنَّ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُنْفِقَ مَا أَخَذَ وَيُؤَدِّيَ النُّجُومَ مِنْ كَسْبِهِ.
-
وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْغَارِمُ كَالْمُكَاتَبِ.
-
قُلْتُ: قَدْ قَطَعَ صَاحِبُ «الشَّامِلِ» بِأَنَّ الْمُكَاتَبَ يُمْنَعُ مِنْ إِنْفَاقِ مَا أَخَذَ. وَنَقَلَهُ أَيْضًا صَاحِبُ «الْبَيَانِ» عَنْهُ. وَلَمْ يَذْكُرْهُ غَيْرُهُ، وَهَذَا أَقْيَسُ مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
فَرْعٌ
-
قَالَ الْبَغَوِيُّ فِي «الْفَتَاوَى» : لَوِ اقْتَرَضَ مَا أَدَّى بِهِ النُّجُومَ فَعُتِقَ، لَمْ يُصْرَفْ
-
٢/٣١٧٢/٣١٧
إِلَيْهِ مِنْ سَهْمِ الرِّقَابِ، وَلَكِنْ يُصْرَفُ إِلَيْهِ مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ، كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَلْفٍ، فَقَبِلَ، عُتِقَ، وَيُعْطَى الْأَلْفَ مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ.
-
الصِّنْفُ السَّادِسُ: الْغَارِمُونَ، وَالدُّيُونُ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ.
-
الْأَوَّلُ: دَيْنٌ لَزِمَهُ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ، فَيُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ مَا يَقْضِي بِهِ بِشُرُوطٍ.
-
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ بِهِ حَاجَةٌ إِلَى قَضَائِهِ مِنْهَا،
-
فَلَوْ وَجَدَ مَا يَقْضِيهِ مِنْ نَقْدٍ أَوْ عَرَضٍ، فَقَوْلَانِ.
-
الْقَدِيمُ: يُعْطَى لِلْآيَةِ، وَكَالْغَارِمِ لِذَاتِ الْبَيْنِ.
-
وَالْأَظْهَرُ: الْمَنْعُ، كَالْمُكَاتَبِ وَابْنِ السَّبِيلِ. فَعَلَى هَذَا، لَوْ وَجَدَ مَا يَقْضِي بِهِ بَعْضَ الدَّيْنِ، أُعْطِيَ الْبَقِيَّةَ فَقَطْ،
-
فَلَوْ لَمْ يَمْلِكْ شَيْئًا، وَلَكِنْ يَقْدِرُ عَلَى قَضَائِهِ بِالِاكْتِسَابِ، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا يُعْطَى كَالْفَقِيرِ، وَأَصَحُّهُمَا: يُعْطَى، لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى قَضَائِهِ إِلَّا بَعْدَ زَمَنٍ.
-
وَالْفَقِيرُ يُحَصِّلُ حَاجَتَهُ فِي الْحَالِ، وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي الْمُكَاتَبِ إِذَا لَمْ يَمْلِكْ شَيْئًا، لَكِنَّهُ كَسُوبٌ.
-
وَأَمَّا مَعْنَى الْحَاجَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَعِبَارَةُ الْأَكْثَرِينَ، تَقْتَضِي كَوْنَهُ فَقِيرًا لَا يَمْلِكُ شَيْئًا، وَرُبَّمَا صَرَّحُوا بِهِ.
-
وَفِي بَعْضِ شُرُوحِ الْمِفْتَاحِ، أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ الْمَسْكَنُ، وَالْمَلْبَسُ، وَالْفِرَاشُ، وَالْآنِيَةُ.
-
وَكَذَا الْخَادِمُ، وَالْمَرْكُوبُ إِنِ اقْتَضَاهُمَا حَالُهُ، بَلْ يُقْضَى دَيْنُهُ وَإِنْ مَلَكَهَا.
-
وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: لَا يُعْتَبَرُ الْفَقْرُ وَالْمَسْكَنَةُ هُنَا، بَلْ لَوْ مَلَكَ قَدْرَ كِفَايَتِهِ، وَكَانَ لَوْ قَضَى دَيْنَهُ لَنَقَصَ مَالُهُ عَنْ كِفَايَتِهِ، تُرِكَ مَعَهُ مَا يَكْفِيهِ، وَأُعْطِيَ مَا يَقْضِي بِهِ الْبَاقِيَ، وَهَذَا أَقْرَبُ.
-
الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ دَيْنُهُ لِنَفَقَةٍ فِي طَاعَةٍ أَوْ مُبَاحٍ،
-
فَإِنْ كَانَ فِي مَعْصِيَةٍ، كَالْخَمْرِ، وَالْإِسْرَافِ فِي النَّفَقَةِ، لَمْ يُعْطَ قَبْلَ التَّوْبَةِ عَلَى الصَّحِيحِ،
-
فَإِنْ تَابَ، فَفِي إِعْطَائِهِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا فِي «الشَّامِلِ» وَ «التَّهْذِيبِ» : لَا يُعْطَى، وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ.
-
وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ أَبِي خَلَفٍ السُّلَمِيِّ وَالرُّويَانِيِّ: يُعْطَى، وَقُطِعَ بِهِ فِي «الْإِفْصَاحِ» وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ.
-
قُلْتُ: جَزَمَ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ فِي «الْمُحَرَّرِ» بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
٢/٣١٨٢/٣١٨
الْأَصَحُّ: الثَّانِي. وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ غَيْرُ الْمَذْكُورِينَ، الْمُحَامِلِيُّ فِي «الْمُقْنِعِ» وَصَاحِبُ «التَّنْبِيهِ» ، وَقَطَعَ بِهِ الْجُرْجَانِيُّ فِي «التَّحْرِيرِ» وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْأَصْحَابُ هُنَا لِاسْتِبْرَاءِ حَالِهِ، وَمُضِيِّ مُدَّةٍ بَعْدَ تَوْبَتِهِ يَظْهَرُ فِيهَا صَلَاحُ الْحَالِ، إِلَّا أَنَّ الرُّويَانِيَّ قَالَ: يُعْطَى عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ إِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ فِي تَوْبَتِهِ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ.
-
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ حَالًا،
-
فَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا، فَفِي إِعْطَائِهِ أَوْجُهٌ.
-
ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ الْأَجَلُ تِلْكَ السَّنَةَ، أُعْطِيَ، وَإِلَّا،
-
فَلَا يُعْطَى مِنْ صَدَقَاتِ تِلْكَ السَّنَةِ.
-
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: لَا يُعْطَى، وَبِهِ قُطِعَ فِي «الْبَيَانِ» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا اسْتَدَانَهُ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، مِثْلُ أَنْ يَخَافَ فِتْنَةً بَيْنَ قَبِيلَتَيْنِ أَوْ شَخْصَيْنِ، فَيَسْتَدِينُ طَلَبًا لِلْإِصْلَاحِ وَإِسْكَانِ الثَّائِرَةِ، فَيُنْظَرُ، إِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي دَمٍ تَنَازَعَ فِيهِ قَبِيلَتَانِ وَلَمْ يَظْهَرِ الْقَاتِلُ، فَتَحَمَّلَ الدِّيَةَ، قُضِيَ دَيْنُهُ مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ إِنْ كَانَ فَقِيرًا أَوْ غَنِيًّا بِعَقَارٍ قَطْعًا.
-
وَكَذَا إِنْ كَانَ غَنِيًّا بِنَقْدٍ عَلَى الصَّحِيحِ.
-
وَالْغَنِيُّ بِالْعُرُوضِ، كَالْغَنِيِّ بِالْعَقَارِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
-
وَقِيلَ: كَالنَّقْدِ، وَلَوْ تَحَمَّلَ قِيمَةَ مَالٍ مُتْلَفٍ، أُعْطِيَ مَعَ الْغِنَى عَلَى الْأَصَحِّ.
-
الضَّرْبُ الثَّالِثُ: مَا الْتَزَمَهُ بِضَمَانٍ، فَلَهُ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ.
-
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الضَّامِنُ وَالْمَضْمُونُ عَنْهُ مُعَسِرَيْنِ، فَيُعْطَى الضَّامِنُ مَا يَقْضِي بِهِ الدَّيْنَ.
-
قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَيَجُوزُ صَرْفُهُ إِلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَهُوَ أَوْلَى، لِأَنَّ الضَّامِنَ فَرْعُهُ، وَلِأَنَّ الضَّامِنَ إِذَا أَخَذَ وَقَضَى الدَّيْنَ بِالْمَأْخُوذِ،
-
ثُمَّ رَجَعَ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، احْتَاجَ الْإِمَامُ أَنْ يُعْطِيَهُ ثَانِيًا، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مَمْنُوعٌ، بَلْ إِذَا أَعْطَيْنَاهُ لَا يَرْجِعُ، إِنَّمَا يَرْجِعُ الضَّامِنُ إِذَا غَرِمَ مِنْ عِنْدِهِ.
-
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَا مُوسِرَيْنِ،
-
فَلَا يُعْطَى، لِأَنَّهُ إِذَا غَرِمَ رَجَعَ عَلَى الْأَصِيلِ،
-
وَإِنْ ضَمِنَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَوَجْهَانِ.
-
٢/٣١٩٢/٣١٩
الْحَالُ الثَّالِثُ: إِذَا كَانَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ مُوسِرًا، وَالضَّامِنُ مُعْسِرًا،
-
فَإِنْ ضَمِنَ بِإِذْنِهِ، لَمْ يُعْطَ، لِأَنَّهُ يَرْجِعُ، وَإِلَّا أُعْطِيَ فِي الْأَصَحِّ.
-
الْحَالُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ مُعْسِرًا، وَالضَّامِنُ مُوسِرًا، فَيَجُوزُ أَنْ يُعْطَى الْمَضْمُونُ عَنْهُ، وَفِي الضَّامِنِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا يُعْطَى.
-
فَرْعٌ
-
إِنَّمَا يُعْطَى الْغَارِمُ عِنْدَ بَقَاءِ الدَّيْنِ،
-
فَأَمَّا إِذَا أَدَّاهُ مِنْ مَالِهِ،
-
فَلَا يُعْطَى، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ غَارِمًا.
-
وَكَذَا لَوْ بَذَلَ مَالَهُ ابْتِدَاءً فِيهِ، لَمْ يُعْطَ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ غَارِمًا.
-
فَرْعٌ
-
قَالَ أَبُو الْفَرَجِ السَّرْخَسِيُّ: مَا اسْتَدَانَهُ لِعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ وَقِرَى الضَّيْفِ، حُكْمُهُ حُكْمُ مَا اسْتَدَانَهُ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ.
-
وَحَكَى الرُّويَانِيُّ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ يُعْطَى هَذَا مَعَ الْغِنَى بِالْعَقَارِ،
-
وَلَا يُعْطَى مَعَ الْغِنَى بِالنَّقْدِ.
-
قَالَ الرُّويَانِيُّ: هَذَا هُوَ الِاخْتِيَارُ.
-
فَرْعٌ
-
يَجُوزُ الدَّفْعُ إِلَى الْغَرِيمِ، بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِ الدَّيْنِ،
-
وَلَا يَجُوزُ إِلَى صَاحِبِ الدَّيْنِ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمَدْيُونِ، لَكِنْ يَسْقُطُ مِنَ الدَّيْنِ بِقِيمَةِ قَدْرِ الْمَصْرُوفِ كَمَا سَبَقَ فِي الْمُكَاتَبِ.
-
وَيَجُوزُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ بِإِذْنِ الْمَدْيُونِ، وَهُوَ أَوْلَى، إِلَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ وَافِيًا وَأَرَادَ الْمَدْيُونُ أَنْ يَتَّجِرَ فِيهِ.
-
٢/٣٢٠٢/٣٢٠
فَرْعٌ
-
لَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ غَرِمَ وَأَخَذَ الزَّكَاةَ،
-
ثُمَّ بَانَ كَذِبُ الشُّهُودِ، فَفِي سُقُوطِ الْفَرْضِ، الْقَوْلَانِ، فِيمَنْ دَفَعَهَا إِلَى مَنْ ظَنَّهُ فَقِيرًا، فَبَانَ غَنِيًّا، قَالَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ.
-
وَلَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ، وَشَرَطَ أَنْ يَقْضِيَهُ ذَلِكَ عَنْ دَيْنِهِ، لَمْ يُجْزِئْهُ قَطْعًا،
-
وَلَا يَصِحُّ قَضَاءُ الدَّيْنِ بِهَا.
-
قُلْتُ: وَلَوْ نَوَيَا ذَلِكَ وَلَمْ يَشْرُطَاهُ، جَازَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
قَالَ فِي «التَّهْذِيبِ» :
-
وَلَوْ قَالَ الْمَدْيُونُ: ادْفَعْ إِلَيَّ زَكَاتَكَ حَتَّى أَقْضِيَكَ دَيْنَكَ، فَفَعَلَ، أَجْزَأَهُ عَنِ الزَّكَاةِ،
-
وَلَا يَلْزَمُ الْمَدْيُونَ دَفْعُهُ إِلَيْهِ عَنْ دَيْنِهِ.
-
وَلَوْ قَالَ صَاحِبُ الدَّيْنِ: اقْضِ مَا عَلَيْكَ، لِأَرُدَّهُ عَلَيْكَ مِنْ زَكَاتِي، فَفَعَلَ، صَحَّ الْقَضَاءُ، وَلَا يَلْزَمُهُ رَدُّهُ.
-
قَالَ الْقَفَّالُ: وَلَوْ كَانَ لَهُ عِنْدَ الْفَقِيرِ حِنْطَةٌ وَدِيعَةٌ، فَقَالَ: كِلْ لِنَفْسِكَ كَذَا، وَنَوَاهُ زَكَاةً، فَفِي إِجْزَائِهِ عَنِ الزَّكَاةِ وَجْهَانِ. وَوَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّ الْمَالِكَ لَمْ يَكِلْهُ.
-
فَلَوْ كَانَ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ ذَلِكَ الْقَدْرِ، فَاشْتَرَاهُ فَقَبَضَهُ، وَقَالَ الْمُوَكِّلُ: خُذْهُ لِنَفْسِكَ، وَنَوَاهُ زَكَاةً، أَجْزَأَهُ، لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى كَيْلِهِ.
-
قُلْتُ: ذَكَرَ صَاحِبُ «الْبَيَانِ» : أَنَّهُ لَوْ مَاتَ رَجُلٌ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَا وَفَاءَ لَهُ، فَفِي قَضَائِهِ مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ وَجْهَانِ، وَلَمْ يُبَيِّنِ الْأَصَحَّ.
-
وَالْأَصَحُّ الْأَشْهَرُ: لَا يُقْضَى مِنْهُ،
-
وَلَوْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَقَالَ: جَعَلْتُهُ عَنْ زَكَاتِي، لَا يُجُزِئُهُ عَلَى الْأَصَحِّ حَتَّى يَقْبِضَهُ،
-
ثُمَّ يَرُدُّهُ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ، وَعَلَى الثَّانِي: يُجْزِئُهُ كَمَا لَوْ كَانَ وَدِيعَةً، حَكَاهُ فِي «الْبَيَانِ» وَلَوْ ضَمِنَ دِيَةَ مَقْتُولٍ عَنْ قَاتِلٍ لَا يُعْرَفُ، أُعْطِيَ مَعَ الْفَقْرِ وَالْغِنَى
-
٢/٣٢١٢/٣٢١
كَمَا سَبَقَ. وَإِنْ ضَمِنَ عَنْ قَاتِلٍ مَعْرُوفٍ، لَمْ يُعْطَ مَعَ الْغِنَى، كَذَا حَكَاهُ فِي الْبَيَانِ عَنِ الصَّيْمَرِيِّ، وَفِي هَذَا التَّفْصِيلِ نَظَرٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
الصِّنْفُ السَّابِعُ: فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَهُمُ الْغُزَاةُ الَّذِينَ لَا رِزْقَ لَهُمْ فِي الْفَيْءِ،
-
وَلَا يُصْرَفُ شَيْءٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ إِلَى الْغُزَاةِ الْمُرْتَزِقَةِ، كَمَا لَا يُصْرَفُ شَيْءٌ مِنَ الْفَيْءِ إِلَى الْمُطَوِّعَةِ.
-
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ الْإِمَامِ شَيْءٌ لِلْمُرْتَزِقَةِ، وَاحْتَاجَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى مَنْ يَكْفِيهِمْ شَرَّ الْكُفَّارِ، فَهَلْ يُعْطَى الْمُرْتَزِقَةُ مِنَ الزَّكَاةِ مِنْ سَهْمِ سَبِيلِ اللَّهِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: لَا، بَلْ تَجِبُ إِعَانَتُهُمْ عَلَى أَغْنِيَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَيُعْطَى الْغَازِي غَنِيًّا كَانَ، أَوْ فَقِيرًا.
-
الصِّنْفُ الثَّامِنُ: ابْنُ السَّبِيلِ، وَهُوَ شَخْصَانِ. أَحَدُهُمَا: مَنْ أَنْشَأَ سَفَرًا مِنْ بَلَدِهِ، أَوْ مِنْ بَلَدٍ كَانَ مُقِيمًا بِهِ. وَالثَّانِي: الْغَرِيبُ الْمُجْتَازُ بِالْبَلَدِ. فَالْأَوَّلُ: يُعْطَى قَطْعًا،
-
وَكَذَا الثَّانِي عَلَى الْمَذْهَبِ.
-
وَقِيلَ: إِنْ جَوَّزْنَا نَقْلَ الصَّدَقَةِ، جَازَ الصَّرْفُ إِلَيْهِ، وَإِلَّا، فَلَا.
-
وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ مَعَهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي سَفَرِهِ، فَيُعْطَى مَنْ لَا مَالَ لَهُ أَصْلًا،
-
وَكَذَا مَنْ لَهُ مَالٌ فِي غَيْرِ الْبَلَدِ الْمُنْتَقَلِ إِلَيْهِ مِنْهُ.
-
وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ سَفَرُهُ مَعْصِيَةً، فَيُعْطَى فِي سَفَرِ الطَّاعَةِ قَطْعًا،
-
وَكَذَا فِي الْمُبَاحِ كَالتِّجَارَةِ، وَطَلَبِ الْآبِقِ عَلَى الصَّحِيحِ.
-
وَعَلَى الثَّانِي: لَا يُعْطَى، فَعَلَى هَذَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ السَّفَرِ طَاعَةً،
-
فَإِذَا قُلْنَا: يُعْطَى فِي الْمُبَاحِ، فَفِي سَفَرِ النُّزْهَةِ وَجْهَانِ، لِأَنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ الْفُضُولِ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يُعْطَى.