فَصْلٌ
روضة الطالبين وعمدة المفتينالشافعيةالمسائل ٦٢٬٧٧٥ إلى ٦٢٬٨٢٩
-
١١/٨١١١/٨١
فِي أُصُولٍ تَتَعَلَّقُ بِالْكِتَابِ لَا تَنْعَقِدُ يَمِينُ صَبِيٍّ،
-
وَلَا مَجْنُونٍ وَلَا مُكْرَهٍ وَفِي السَّكْرَانِ الْخِلَافُ فِي طَلَاقِهِ، وَتَنْعَقِدُ يَمِينُ الْكَافِرِ.
-
وَمَنْ حَلَفَ: لَا يَدْخُلُ الدَّارَ،
-
ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ شَهْرًا أَوْ يَوْمًا.
-
فَإِنْ كَانَتِ الْيَمِينُ بِطَلَاقٍ أَوْ عِتَاقٍ، لَمْ تُقْبَلْ فِي الْحُكْمِ، وَيُدَيَّنُ، وَيَلْحَقُ بِهِمَا الْإِيلَاءُ، لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْآدَمِيِّ بِهِ.
-
وَإِنْ كَانَتْ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حَقُّ آدَمِيٍّ، قَبْلَ قَوْلِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، لِأَنَّهُ أَمِينٌ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى.
-
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يُكَلِّمُ أَحَدًا،
-
ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ زَيْدًا، أَوْ مَنْ سِوَى زَيْدٍ، أَوْ لَا يَأْكُلُ طَعَامًا، وَنَوَى طَعَامًا بِعَيْنِهِ، تَخَصَّصَتِ الْيَمِينُ بِمَا نَوَى، فَلَا يَحْنَثُ بِغَيْرِهِ.
-
فَرْعٌ
-
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا أَدْرِي عَلَى مَاذَا بَنَى الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَسَائِلَ الْأَيْمَانِ، إِنْ اتَّبَعَ اللُّغَةَ،
-
فَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الرُّءُوسَ يَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ بِرُءُوسِ الطَّيْرِ وَالسَّمَكِ،
-
وَإِنْ اتَّبَعَ الْعُرْفَ، فَأَهْلُ الْقُرَى لَا يَعُدُّونَ الْخِيَامَ بُيُوتًا. وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَرَوِيِّ وَالْبَدَوِيِّ. وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّافِعِيَّ تَتَبَّعَ مُقْتَضَى اللُّغَةِ تَارَةً، وَذَلِكَ عِنْدَ ظُهُورِهَا وَشُمُولِهَا، وَهُوَ الْأَصْلُ، وَتَارَةً يَتَّبِعُ الْعُرْفَ إِذَا اسْتَمَرَّ وَاطَّرَدَ.
-
فَرْعٌ
-
اللَّفْظُ الْخَاصُّ فِي الْيَمِينِ لَا يُعَمَّمُ بِالسَّبَبِ وَالنِّيَّةِ وَالْعَامِّ، وَقَدْ يَتَخَصَّصُ. مِثَالُ الْأَوَّلِ، إِذَا مَنَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ بِمَا نَالَ مِنْهُ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَشْرَبُ لَكَ مَاءً مِنْ عَطَشٍ، انْعَقَدَتِ الْيَمِينُ عَلَى الْمَاءِ مِنْ عَطَشٍ خَاصَّةً.
-
فَلَا يَحْنَثُ بِطَعَامِهِ وَثِيَابِهِ،
-
وَإِنْ نَوَى أَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ،
-
وَإِنْ كَانَتِ الْمُنَازَعَةُ بَيْنَهُمَا تَقْتَضِي مَا نَوَاهُ. وَإِنَّمَا تُؤَثِّرُ النِّيَّةُ إِذَا احْتَمَلَ اللَّفْظُ مَا نَوَى
-
١١/٨٢١١/٨٢
بِجِهَةٍ يُتَجَوَّزُ بِهَا، وَعِنْدَ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَحْنَثُ بِكُلِّ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ مَالِهِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: وَسَبَبُ الْخِلَافِ أَنَّ الِاعْتِبَارَ عِنْدَنَا بِاللَّفْظِ، وَيُرَاعَى عُمُومُهُ وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ خَاصًّا، وَخُصُوصُهُ وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ عَامًّا، وَعِنْدَهُ الِاعْتِبَارُ بِالسَّبَبِ دُونَ اللَّفْظِ.
-
وَأَمَّا تَخْصِيصُ الْعَامِّ فَتَارَةً يَكُونُ بِالنِّيَّةِ كَمَا ذَكَرْنَا فِيمَا إِذَا قَالَ: وَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُ أَحَدًا وَنَوَى زَيْدًا. وَتَارَةً بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: لَا آكُلُ الرُّءُوسَ، وَتَارَةً بِعُرْفِ الشَّرْعِ كَمَا يُحْمَلُ قَوْلُهُ: لَا أُصَلِّي عَلَى الصَّلَاةِ الشَّرْعِيَّةِ.
-
فَرْعٌ
-
يُعْتَبَرُ اللَّفْظُ بِحَقِيقَتِهِ، وَقَدْ يُصْرَفُ إِلَى الْمَجَازِ بِالنِّيَّةِ، كَمَا لَوْ قَالَ: لَا أَدْخُلُ دَارَ زَيْدٍ، وَقَالَ: أَرَدْتُ مَا يَسْكُنُهُ دُونَ مَا يَمْلِكُهُ، فَيُقْبَلُ فِي الْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى،
-
وَلَا يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ إِذَا حَلَفَ بِطَلَاقٍ وَعِتَاقٍ ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ، وَتَارَةً لِكَوْنِ الْمَجَازِ مُتَعَارَفًا وَكَوْنِ الْحَقِيقَةِ بَعِيدَةً،
-
وَمَثَّلَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ بِمَا إِذَا حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، تُحْمَلُ الْيَمِينُ عَلَى الْأَكْلِ مِنْ ثَمَرِهَا دُونَ الْوَرَقِ وَالْأَغْصَانِ،
-
وَإِنْ كَانَتِ الْحَقِيقَةُ مُتَعَارَفَةً، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: لَا آكُلُ مِنْ هَذِهِ الشَّاةِ، يُحْمَلُ عَلَى لَحْمِهَا،
-
فَلَا يَحْنَثُ بِلَبَنِهَا وَلَحْمِ وَلَدِهَا.
-
فَرْعٌ
-
قَالَ ابْنُ كَجٍّ: لَوْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا دَخَلْتُ الدَّارَ، وَاللَّهِ لَا دَخَلْتُ الدَّارَ وَنَوَى التَّأْكِيدَ، فَهُوَ يَمِينٌ وَاحِدٌ،
-
وَإِنْ نَوَى بِالثَّانِي يَمِينًا أُخْرَى، أَوْ أَطْلَقَ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ بِالْحِنْثِ كَفَّارَةٌ أَمْ كَفَّارَتَانِ؟ وَجْهَانِ.
-
قُلْتُ: الْأَصَحُّ كَفَّارَةٌ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
-
١١/٨٣١١/٨٣
وَإِنْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا دَخَلْتُ الدَّارَ، لَا دَخَلْتُ الدَّارَ، لَا دَخَلْتُ الدَّارَ،
-
فَإِنْ نَوَى التَّأْكِيدَ، فَيَمِينٌ وَاحِدَةٌ،
-
وَكَذَا إِنْ أَطْلَقَ، أَوْ نَوَى الِاسْتِئْنَافَ عَلَى الْمَذْهَبِ.
-
فَرْعٌ
-
قَالَ الْحَلِيمِيُّ: الْيَمِينُ الْمَعْقُودَةُ عَلَى الْمَمْلُوكِ الْمُضَافِ يَعْتَمِدُ الْمَالِكَ دُونَ الْمَمْلُوكِ، وَالْمَعْقُودَةُ عَلَى غَيْرِ الْمَمْلُوكِ الْمُضَافِ يَعْتَمِدُ الْمُضَافَ دُونَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ،
-
فَإِذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ عَبِيدَ فُلَانٍ وَلَا عَبْدَ لَهُ،
-
ثُمَّ مَلَكَ عَبِيدًا وَكَلَّمَهُمْ، حَنِثَ.
-
وَلَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ، بَنِيهِ وَلَا ابْنَ لَهُ،
-
ثُمَّ وُلِدَ لَهُ بَنُونُ فَكَلَّمَهُمْ، لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مَوْجُودِينَ وَقْتَ الْيَمِينِ.
-
فَرْعٌ
-
حَلَفَ: لَا يُكَلِّمُ النَّاسَ، ذَكَرَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ، أَنَّهُ يَحْنَثُ إِذَا كَلَّمَ وَاحِدًا، كَمَا إِذَا قَالَ: لَا آكُلُ الْخُبْزَ يَحْنَثُ بِمَا أَكَلَ مِنْهُ.
-
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يُكَلِّمُ نَاسًا حُمِلَ عَلَى ثَلَاثَةٍ.
-
فَرْعٌ
-
فِي كُتُبِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - أَنَّ الْمَعْرِفَةَ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ النَّكِرَةِ لِمُغَايَرَتِهِمَا، فَإِذْ قَالَ: لَا يَدْخُلُ دَارِي أَحَدٌ، أَوْ لَا يَلْبَسُ ثَوْبِي أَحَدٌ، دَخَلَ فِي الْيَمِينِ غَيْرُ الْحَالِفِ، وَلَمْ يَدْخُلِ الْحَالِفُ، لِأَنَّهُ صَارَ مُعَرَّفًا بِإِضَافَةِ الدَّارِ أَوِ الْقَمِيصِ إِلَيْهِ، قَالُوا: لَوْ عَرَّفَ نَفْسَهُ بِإِضَافَةِ الْفِعْلِ بِأَنْ قَالَ: لَا أَلْبَسُ هَذَا الْقَمِيصَ أَحَدًا، أَوْ عَرَّفَ غَيْرَهُ بِالْإِضَافَةِ إِلَيْهِ فَقَالَ: لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ أَحَدٌ، أَوْ لَا يَلْبَسُ قَمِيصَهُ أَحَدٌ، لَمْ يَدْخُلِ الْمُضَافُ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ صَارَ مُعَرَّفًا.
-
وَكَذَا لَوْ قَالَ: لَا يَقْطَعُ هَذِهِ الْيَدَ أَحَدٌ، وَأَشَارَ إِلَى يَدِهِ، لَمْ يَدْخُلْ هُوَ، وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْأَخِيرَةِ، وَالسَّابِقُ إِلَى الْفَهْمِ فِي غَيْرِهَا مَا ذَكَرُوهُ، وَيَجُوزُ أَنْ تَخْرُجَ
-
١١/٨٤١١/٨٤
الصُّورَةُ الْأُولَى عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْمُخَاطَبَ هَلْ يَنْدَرِجُ تَحْتَ الْخِطَابِ.
-
قُلْتُ: الْوَجْهُ الْجَزْمُ بِكُلِّ مَا ذَكَرُوهُ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
-
وَفِي كُتُبِهِمْ أَنَّ كَلِمَةَ «أَوْ» إِذَا دَخَلَتْ بَيْنَ نَفْيَيْنِ، اقْتَضَتِ انْتِفَاءَهُمَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (لَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) ،
-
وَإِذَا دَخَلَتْ بَيْنَ إِثْبَاتَيْنِ، اقْتَضَتْ ثُبُوتَ أَحَدِهِمَا،
-
فَإِذَا قَالَ: لَا أَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ هَذِهِ، فَأَيَّتُهُمَا دَخَلَهَا، حَنِثَ،
-
وَإِنْ قَالَ: لَأَدْخُلَنَّ هَذِهِ الدَّارَ الْيَوْمَ أَوْ هَذِهِ، بَرَّ بِدُخُولِ إِحْدَاهُمَا. وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ: إِذَا دَخَلَتْ بَيْنَ نَفْيَيْنِ، كَفَى لِلْبَرِّ أَنْ لَا يَدْخُلَ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا،
-
وَلَا يَضُرُّ دُخُولُ الْأُخْرَى، كَمَا أَنَّهَا إِذَا دَخَلَتْ بَيْنَ إِثْبَاتَيْنِ، كَفَى لِلْبَرِّ أَنْ يَدْخُلَ إِحْدَاهُمَا،
-
وَلَا يَضُرُّ أَنْ لَا يَدْخُلَ الْأُخْرَى.
-
وَلَوْ قَالَ: لَا أَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ أَبَدًا، وَلَأَدْخُلَنَّ الدَّارَ الْأُخْرَى الْيَوْمَ،
-
فَإِنْ دَخَلَ الْأُخْرَى الْيَوْمَ، بَرَّ،
-
وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْهَا الْيَوْمَ، وَلَمْ يَدْخُلِ الْأُخْرَى، بَرَّ أَيْضًا. وَفِي «الْإِقْنَاعِ» لِلْمَاوَرْدِيِّ أَنَّهُ لَوْ قَالَ. إِنْ أَكَلْتُ خُبْزًا أَوْ لَحْمًا يَرْجِعُ إِلَى مُرَادِهِ مِنْهُمَا، فَيَتَعَلَّقُ الْيَمِينُ بِهِ.