فَصْلٌ
روضة الطالبين وعمدة المفتينالشافعيةالمسائل ٣٬٥٢٤ إلى ٣٬٦٣٩
-
١/٢٣٢١/٢٣٢
فِي الْقِيَامِ
-
اعْلَمْ أَنَّ الْقِيَامَ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ، رُكْنٌ فِي الصَّلَاةِ، وَيَقُومُ الْقُعُودُ مَقَامَهُ فِي النَّافِلَةِ، وَفِي الْفَرِيضَةِ عِنْدَ الْعَجْزِ،
-
وَيُشْتَرَطُ فِي الْقِيَامِ، الِانْتِصَابُ.
-
وَهَلْ يُشْتَرَطُ الِاسْتِقْلَالُ بِحَيْثُ لَا يَسْتَنِدُ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ: أَصَحُّهَا وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي (التَّهْذِيبِ) ، وَغَيْرِهِ لَا يُشْتَرَطُ.
-
فَلَوِ اسْتَنَدَ إِلَى جِدَارٍ أَوِ إِنْسَانٍ، بِحَيْثُ لَوْ رَفَعَ السِّنَادَ لَسَقَطَ، صَحَّتْ صَلَاتُهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَالثَّانِي يُشْتَرَطُ وَلَا يَصِحُّ
-
١/٢٣٣١/٢٣٣
مَعَ الْإِسْنَادِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ بِحَالٍ، وَالثَّالِثُ: يَجُوزُ إِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ رَفَعَ السِّنَادَ لَمْ يَسْقُطْ، وَإِلَّا فَلَا.
-
هَذَا فِي اسْتِنَادٍ لَا يَسْلُبُ اسْمَ الْقِيَامِ.
-
فَإِنِ اسْتَنَدَ مُتَّكِئًا، بِحَيْثُ لَوْ رَفَعَ قَدَمَيْهِ عَنِ الْأَرْضِ لَأَمْكَنَهُ الْبَقَاءُ، فَهَذَا مُعَلِّقٌ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ وَلَيْسَ بِقَائِمٍ. أَمَّا إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الِاسْتِقْلَالِ، فَيَجِبُ أَنْ يَنْتَصِبَ مُتَّكِئًا عَلَى الصَّحِيحِ.
-
وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ: لَا يَلْزَمُهُ الْقِيَامُ فِي هَذَا الْحَالِ، بَلْ لَهُ الصَّلَاةُ قَاعِدًا،
-
وَأَمَّا الِانْتِصَابُ الْمَشْرُوطُ، فَلَا يُخِلُّ بِهِ إِطْرَاقُ الرَّأْسِ، وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ، نَصْبُ فَقَارِ الظَّهْرِ، فَلَيْسَ لِلْقَادِرِ أَنْ يَقِفَ مَائِلًا إِلَى الْيَمِينِ أَوِ الْيَسَارِ، زَائِلًا عَنْ سُنَنِ الْقِيَامِ،
-
وَلَا أَنْ يَقِفَ مُنْحَنِيًا فِي حَدِّ الرَّاكِعِينَ.
-
فَإِنْ لَمْ يَبْلُغِ انْحِنَاؤُهُ حَدَّ الرُّكُوعِ، لَكِنْ كَانَ إِلَيْهِ أَقْرَبَ مِنْهُ إِلَى الِانْتِصَابِ، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْأَصَحِّ.
-
قُلْتُ: وَلَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى النُّهُوضِ لِلْقِيَامِ إِلَّا بِمُعِينٍ،
-
ثُمَّ لَا يَتَأَذَّى بِالْقِيَامِ، لَزِمَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِمَنْ يُقِيمُهُ.
-
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مُتَبَرِّعًا، لَزِمَهُ الِاسْتِئْجَارُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ إِنْ وَجَدَهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
هَذَا فِي الْقَادِرِ عَلَى الِانْتِصَابِ.
-
فَأَمَّا الْعَاجِزُ، كَمَنْ تَقَوَّسَ ظَهْرُهُ لِزَمَانَةٍ أَوْ كِبَرٍ، وَصَارَ فِي حَدِّ الرَّاكِعِينَ فَيَلْزَمُهُ الْقِيَامُ.
-
فَإِذَا أَرَادَ الرُّكُوعَ، زَادَ فِي الِانْحِنَاءِ إِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ. هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ وَصَاحِبُ (التَّتِمَّةِ) وَ (التَّهْذِيبِ) وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
-
وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ: يَلْزَمُهُ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا. قَالَا:
-
فَإِنْ قَدَرَ عِنْدَ الرُّكُوعِ عَلَى الِارْتِفَاعِ إِلَى حَدِّ الرَّاكِعِينَ لَزِمَهُ،
-
وَلَوْ عَجَزَ عَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ دُونَ الْقِيَامِ لِعِلَّةٍ بِظَهْرِهِ تَمْنَعُ الِانْحِنَاءَ لَزِمَهُ الْقِيَامُ، وَيَأْتِي بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ بِحَسَبَ الطَّاقَةِ، فَيَحْنِي صُلْبَهُ قَدْرَ الْإِمْكَانِ.
-
فَإِنْ لَمْ يُطِقْ، حَنَى رَقَبَتَهُ، وَرَأْسَهُ،
-
فَإِنِ احْتَاجَ فِيهِ إِلَى شَيْءٍ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، أَوْ إِلَى أَنْ يَمِيلَ إِلَى جَنْبِهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ.
-
فَإِنْ لَمْ يُطِقِ الِانْحِنَاءَ أَصْلًا أَوْمَأَ إِلَيْهِمَا.
-
١/٢٣٤١/٢٣٤
قُلْتُ: وَإِذَا أَمْكَنَهُ الْقِيَامُ وَالِاضْطِجَاعُ وَلَمْ يُمْكِنْهُ الْقُعُودُ، قَالَ صَاحِبُ (التَّهْذِيبِ) يَأْتِي بِالْقُعُودِ قَائِمًا؛ لِأَنَّهُ قُعُودٌ وَزِيَادَةٌ.
-
وَاعْلَمْ بِأَنَّهُ يُكْرَهُ لِلصَّحِيحِ أَنْ يَقُومَ عَلَى إِحْدَى رِجْلَيْهِ وَيَصِحُّ،
-
وَيُكْرَهُ أَنْ يَلْصِقَ الْقَدَمَيْنِ، بَلْ يُسْتَحَبُّ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا، وَتَطْوِيلُ الْقِيَامِ عِنْدَنَا أَفْضَلُ مِنْ تَطْوِيلِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَتَطْوِيلُ السُّجُودِ أَفْضَلُ مِنْ تَطْوِيلِ الرُّكُوعِ.
-
وَإِذَا طَوَّلَ الثَّلَاثَةَ زِيَادَةً عَلَى مَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ، فَالْأَصَحُّ: أَنَّ الْجَمِيعَ يَكُونُ وَاجِبًا، وَالثَّانِي: يَقَعُ مَا زَادَ سُنَّةً،
-
وَمِثْلُهُ الْخِلَافُ فِي مَسْحِ جَمِيعِ الرَّأْسِ، وَفِي الْبَعِيرِ الْمُخْرَجِ فِي الزَّكَاةِ عَنْ خَمْسٍ، وَفِي الْبَدَنَةِ الْمُضَحَّى بِهَا بَدَلًا عَنْ شَاةٍ مَنْذُورَةٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
فَرْعٌ:
-
إِذَا عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ، عَدَلَ إِلَى الْقُعُودِ،
-
وَلَا يَنْقُصُ ثَوَابُهُ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ،
-
وَلَا نَعْنِي بِالْعَجْزِ، عَدَمَ تَأَتِّي الْقِيَامِ، بَلْ خَوْفَ الْهَلَاكِ، أَوْ زِيَادَةَ الْمَرَضِ، أَوْ لُحُوقَ مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ، أَوْ خَوْفَ الْغَرَقِ وَدَوَرَانِ الرَّأْسِ فِي حَقِّ رَاكِبِ السَّفِينَةِ.
-
قُلْتُ: الَّذِي اخْتَارَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي ضَبْطِ الْعَجْزِ: أَنْ يَلْحَقَهُ بِالْقِيَامِ مَشَقَّةٌ تُذْهِبُ خُشُوعَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَلَوْ جَلَسَ لِلْغُزَاةِ رَقِيبٌ يَرْقُبُ الْعَدُوَّ، فَأَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ،
-
وَلَوْ قَامَ لَرَآهُ الْعَدُوُّ، أَوْ جَلَسَ الْغُزَاةُ فِي مَكْمَنٍ،
-
وَلَوْ قَامُوا رَآهُمُ الْعَدُوُّ وَفَسَدَ التَّدْبِيرُ، فَلَهُمُ الصَّلَاةُ قُعُودًا، وَتَجِبُ الْإِعَادَةُ لِنُدُورِهِ.
-
قُلْتُ: قَالَ صَاحِبُ (التَّتِمَّةِ) فِي غَيْرِ الرَّقِيبِ: إِنْ خَافَ لَوْ قَامَ أَنْ يَقْصِدَهُ
-
١/٢٣٥١/٢٣٥
الْعَدُوُّ، وَصَلَّى قَاعِدًا، أَجَزَّأَتْهُ عَلَى الصَّحِيحِ،
-
وَلَوْ صَلَّى الْكَمِينُ فِي وَهْدَةٍ قُعُودًا، فَفِي صِحَّتِهَا قَوْلَانِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
ثُمَّ إِذَا قَعَدَ الْمَعْذُورُ، لَا يَتَعَيَّنُ لِقُعُودِهِ هَيْئَةٌ، بَلْ يُجْزِئُهُ جَمِيعُ هَيْئَاتِ الْقُعُودِ. لَكِنْ يُكْرَهُ الْإِقْعَاءُ فِي هَذَا الْقُعُودِ، وَفِي جَمِيعِ قَعَدَاتِ الصَّلَاةِ، وَفِي الْمُرَادِ بِالْإِقْعَاءِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
-
أَصَحُّهَا: أَنَّهُ الْجُلُوسُ عَلَى الْوَرِكَيْنِ وَنَصْبُ الْفَخِذَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَضَمَّ إِلَيْهِ أَبُو عُبَيْدٍ: أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ.
-
وَالثَّانِي: أَنْ يَفْرِشَ رِجْلَيْهِ، وَيَضَعَ إِلَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَالثَّالِثُ: أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَيَقْعُدَ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ.
-
قُلْتُ: الصَّوَابُ، هُوَ الْأَوَّلُ،
-
وَأَمَّا الثَّانِي: فَغَلَطٌ. فَقَدْ ثَبَتَ فِي (صَحِيحِ مُسْلِمٍ) : أَنَّ الْإِقْعَاءَ سُنَّةُ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفَسَّرَهُ الْعُلَمَاءُ بِمَا قَالَهُ الثَّانِي، وَنَصَّ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي (البُوَيْطِيِّ) وَ (الْإِمْلَاءِ) فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ.
-
قَالَ الْعُلَمَاءُ: فَالْإِقْعَاءُ ضَرْبَانِ؛ مَكْرُوهٌ وَغَيْرُهُ. فَالْمَكْرُوهُ: الْمَذْكُورُ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَغَيْرُهُ: الثَّانِي. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَفِي الْأَفْضَلِ مِنْ هَيْئَاتِ الْقُعُودِ، قَوْلَانِ، وَوَجْهَانِ:
-
أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ: وَهُوَ أَصَحُّ الْجَمِيعِ: يَقْعُدُ مُفْتَرِشًا. وَثَانِيهِمَا: مُتَرَبِّعًا، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ: مُتَوَرِّكًا، وَثَانِيهِمَا: نَاصِبًا رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى، جَالِسًا عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى، وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي قُعُودِ النَّافِلَةِ.
-
وَأَمَّا رُكُوعُ الْقَاعِدِ، فَأَقَلُّهُ أَنْ يَنْحَنِيَ قَدْرَ مَا يُحَاذِي وَجْهَهُ مَا قُدَّامَ رُكْبَتَيْهِ مِنَ الْأَرْضِ.
-
وَأَكْمَلَهُ، أَنْ يَنْحَنِيَ بِحَيْثُ تُحَاذِي جَبْهَتُهُ مَوْضِعَ سُجُودِهِ،
-
وَأَمَّا سُجُودُهُ، فَكَسُجُودِ الْقَائِمِ. هَذَا إِذَا قَدَرَ الْقَاعِدُ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ،
-
فَإِنْ عَجَزَ لِعِلَّةٍ بِظَهْرِهِ، أَوْ غَيْرِهَا، فَعَلَ الْمُمْكِنَ مِنْ الِانْحِنَاءِ.
-
وَلَوْ قَدَرَ الْقَاعِدُ عَلَى الرُّكُوعِ،
-
١/٢٣٦١/٢٣٦
وَعَجَزَ عَنْ وَضْعِ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ، نُظِرَ، إِنْ قَدَرَ عَلَى أَقَلِّ رُكُوعِ الْقَاعِدِ وَأَكْمَلَهُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ أَتَى بِالْمُمْكِنِ، مَرَّةً عَنِ الرُّكُوعِ، وَمَرَّةً عَنِ السُّجُودِ، وَلَا يَضُرُّ اسْتِوَاؤُهُمَا.
-
وَإِنْ قَدَرَ عَلَى زِيَادَةٍ عَلَى كَمَالِ الرُّكُوعِ، وَجَبَ الِاقْتِصَارُ فِي الِانْحِنَاءِ لِلرُّكُوعِ عَلَى قَدْرِ الْكَمَالِ، لِيَتَمَيَّزَ عَنِ السُّجُودِ.
-
وَيَلْزَمُهُ أَنْ يُقَرِّبَ جَبْهَتَهُ مِنَ الْأَرْضِ لِلسُّجُودِ أَكْثَرَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. حَتَّى قَالَ الْأَصْحَابُ: لَوْ قَدَرَ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى صُدْغِهِ، أَوْ عَظْمِ رَأْسِهِ الَّذِي فَوْقَ الْجَبْهَةِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ كَانَتْ جَبْهَتُهُ أَقْرَبَ إِلَى الْأَرْضِ، لَزِمَهُ ذَلِكَ.
-
قُلْتُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي (الْأُمِّ) وَالْأَصْحَابُ: لَوْ قَدَرَ أَنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا مُنْفَرِدًا،
-
وَإِذَا صَلَّى مَعَ الْجَمَاعَةِ احْتَاجَ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْضَهَا مِنْ قُعُودٍ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَ مُنْفَرِدًا.
-
فَإِنْ صَلَّى مَعَ الْجَمَاعَةِ وَقَعَدَ فِي بَعْضِهَا صَحَّتْ،
-
وَلَوْ كَانَ بِحَيْثُ لَوِ اقْتَصَرَ عَلَى قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ أَمْكَنَهُ الْقِيَامُ وَإِذَا زَادَ عَجَزَ صَلَّى بِالْفَاتِحَةِ.
-
فَلَوْ شَرَعَ فِي السُّورَةِ فَعَجَزَ قَعَدَ وَلَا يَلْزَمُهُ قَطْعُ السُّورَةِ لِيَرْكَعَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
فَرْعٌ
-
فِيمَا إِذَا عَجَزَ عَنِ الْقُعُودِ.
-
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْعَجْزَ عَنِ الْقِيَامِ، يَتَحَقَّقُ بِتَعَذُّرِهِ، أَوْ لُحُوقِ مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا مِمَّا قَدَّمْنَاهُ. قَالَ الْجُمْهُورُ: وَالْعَجْزُ عَنِ الْقُعُودِ، يَحْصُلُ بِمَا يَحْصُلُ بِهِ الْعَجْزُ عَنِ الْقِيَامِ.
-
وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: لَا يَكْفِي ذَلِكَ، بَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ عَدَمُ تَصَوُّرِ الْقُعُودِ، أَوْ خِيفَةُ الْهَلَاكِ، أَوِ الْمَرَضُ الطَّوِيلُ، إِلْحَاقًا لَهُ بِالْمَرَضِ الْمُبِيحِ لِلتَّيَمُّمِ.
-
وَفِي كَيْفِيَّةِ صَلَاتِهِ، وَجْهَانِ: وَقِيلَ: قَوْلَانِ:
-
أَصَحُّهُمَا: يَضْطَجِعُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ، مُسْتَقْبِلًا بِوَجْهِهِ وَمُقَدَّمِ بَدَنِهِ الْقِبْلَةَ، كَالْمَيِّتِ فِي لَحْدِهِ.
-
فَلَوْ خَالَفَ، وَاضْطَجَعَ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ، صَحَّ، إِلَّا أَنَّهُ تَرَكَ السُّنَّةَ.
-
وَالثَّانِي:
-
١/٢٣٧١/٢٣٧
أَنَّهُ يَسْتَلْقِي عَلَى ظَهْرِهِ، وَيَجْعَلُ رِجْلَيْهِ إِلَى الْقِبْلَةِ، وَيَرْفَعُ وِسَادَتَهُ قَلِيلًا، وَهَذَا الْخِلَافُ فِي الْقَادِرِ عَلَى الِاضْطِجَاعِ وَالِاسْتِلْقَاءِ.
-
فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ إِلَّا عَلَى أَحَدِهِمَا، أَتَى بِهِ.
-
قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: هَذَا الْخِلَافُ فِي الْكَيْفِيَّةِ الْوَاجِبَةِ،
-
بِخِلَافِ الْخِلَافِ السَّابِقِ فِي كَيْفِيَّةِ الْقُعُودِ، فَإِنَّهُ فِي الْأَفْضَلِ، لِاخْتِلَافِ اسْتِقْبَالٍ بِهَذَا دُونَ ذَاكَ.
-
وَفِي الْمَسْأَلَةِ، وَجْهٌ ثَالِثٌ: أَنَّهُ يَضْطَجِعُ عَلَى جَنْبِهِ، وَأَخْمَصَاهُ إِلَى الْقِبْلَةِ.
-
ثُمَّ إِذَا صَلَّى عَلَى هَيْئَةٍ مِنْ هَذِهِ الْهَيْئَاتِ، وَقَدَرَ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، أَتَى بِهِمَا، وَإِلَّا أَوْمَأَ بِهِمَا مُنْحَنِيًا، وَقَرَّبَ جَبْهَتَهُ مِنَ الْأَرْضِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَ [جَعَلَ] السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ.
-
فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْإِشَارَةِ بِالرَّأْسِ أَوْمَأَ بِطَرَفِهِ.
-
فَإِنْ عَجَزَ عَنْ تَحْرِيكِ الْأَجْفَانِ، أَجْرَى أَفْعَالَ الصَّلَاةِ عَلَى قَلْبِهِ.
-
فَإِنِ اعْتُقِلَ لِسَانُهُ، أَجْرَى الْقُرْآنَ وَالْأَذْكَارَ عَلَى قَلْبِهِ، وَمَا دَامَ عَاقِلًا، لَا تَسْقُطُ عَنْهُ الصَّلَاةُ.
-
وَلَنَا وَجْهٌ: أَنَّهُ تَسْقُطُ الصَّلَاةُ، إِذَا عَجَزَ عَنِ الْإِيمَاءِ بِالرَّأْسِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَهُوَ شَاذٌّ.
-
وَالْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ: مَا قَدَّمْنَاهُ.
-
فَرْعٌ:
-
الْقَادِرُ عَلَى الْقِيَامِ، إِذَا أَصَابَهُ رَمَدٌ، وَقَالَ لَهُ طَبِيبٌ مَوْثُوقٌ بِهِ: إِنْ صَلَّيْتَ مُستَلْقِيًا أَوْ مُضْطَجِعًا أَمْكَنَ مُدَاوَاتُكَ، وَإِلَّا خِيفَ عَلَيْكَ الْعَمَى جَازَ لَهُ الِاضْطِجَاعُ وَالِاسْتِلْقَاءُ عَلَى الْأَصَحِّ،
-
وَلَوْ قَالَ: إِنْ صَلَّيْتَ قَاعِدًا، أُمْكِنْتَ.
-
فَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: يَجُوزُ الْقُعُودُ قَطْعًا، وَمَفْهُومُ كَلَامِ غَيْرِهِ: أَنَّهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ.
-
١/٢٣٨١/٢٣٨
فَرْعٌ:
-
لَوْ عَجَزَ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ عَنِ الْقِيَامِ، قَعَدَ وَبَنَى،
-
وَلَوْ صَلَّى قَاعِدًا، فَقَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ فِي أَثْنَائِهَا، قَامَ وَبَنَى،
-
وَكَذَا لَوْ صَلَّى مُضْطَجِعًا، فَقَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ أَوِ الْقُعُودِ أَتَى بِالْمَقْدُورِ وَبَنَى.
-
ثُمَّ إِذَا تَبَدَّلَ الْحَالُ بِالنَّقْصِ إِلَى الْكَمَالِ، بِأَنْ قَدَرَ الْقَاعِدُ عَلَى الْقِيَامِ لِخِفَّةِ الْمَرَضِ، نُظِرَ، إِذَا اتَّفَقَ ذَلِكَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، قَامَ وَقَرَأَ قَائِمًا.
-
وَكَذَا إِنْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الْقِرَاءَةِ، قَامَ وَقَرَأَ بَقِيَّةَ الْفَاتِحَةِ فِي حَالِ الْقِيَامِ،
-
وَيَجِبُ تَرْكُ الْقِرَاءَةِ فِي النُّهُوضِ إِلَى أَنْ يَنْتَصِبَ مُعْتَدِلًا.
-
فَلَوْ قَرَأَ فِي نُهُوضِهِ بَعْضَ الْفَاتِحَةِ، فَعَلَيْهِ إِعَادَتُهُ.
-
وَإِنْ قَدَرَ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ قَبْلَ الرُّكُوعِ، لَزِمَهُ الْقِيَامُ لِيَهْوِيَ مِنْهُ إِلَى الرُّكُوعِ،
-
وَلَا يَلْزَمُهُ الطُّمَأْنِينَةُ فِي هَذَا الْقِيَامِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَقْصُودًا لِنَفْسِهِ.
-
وَيُسْتَحَبُّ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ، أَنْ يُعِيدَ الْفَاتِحَةَ لِيَقَعَ فِي حَالِ الْكَمَالِ،
-
وَلَوْ وَجَدَ الْخِفَّةَ فِي رُكُوعِهِ قَاعِدًا،
-
فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الطُّمَأْنِينَةِ لَزِمَهُ الِارْتِفَاعُ إِلَى حَدِّ الرَّاكِعِينَ عَنْ قِيَامٍ.
-
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْتَفِعَ قَائِمًا ثُمَّ يَرْكَعَ، لِئَلَّا يَزِيدَ رُكُوعًا،
-
وَلَوْ فَعَلَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ،
-
وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الطُّمَأْنِينَةِ، فَقَدْ تَمَّ رُكُوعُهُ،
-
وَلَا يَلْزَمُهُ الِانْتِقَالُ إِلَى رُكُوعِ الْقَائِمِينَ.
-
وَلَوْ وَجَدَ الْخِفَّةَ فِي الِاعْتِدَالِ عَنِ الرُّكُوعِ قَاعِدًا،
-
فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الطُّمَأْنِينَةِ، لَزِمَهُ أَنْ يَقُومَ، لِيَعْتَدِلَ وَيَطْمَئِنَّ،
-
وَإِنْ كَانَ بَعْدَهَا، فَوَجْهَانِ:
-
أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ أَنْ يَقُومَ لِيَسْجُدَ عَنْ قِيَامٍ، وَأَصَحُّهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ لِئَلَّا يَطُولَ الِاعْتِدَالُ، وَهُوَ رُكْنٌ قَصِيرٌ.
-
فَإِنِ اتَّفَقَ ذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ الْقُنُوتِ، لَمْ يَقْنُتْ قَاعِدًا.
-
فَإِنْ فَعَلَ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. بَلْ يَقُومُ، وَيَقْنُتُ.
-
أَمَّا إِذَا تَبَدَّلَ الْحَالُ مِنَ الْكَمَالِ إِلَى النَّقْصِ، بِأَنْ عَجَزَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، فَيَنْتَقِلُ إِلَى الْمُمْكِنِ.
-
فَإِنِ اتَّفَقَ الْعَجْزُ فِي أَثْنَاءِ الْفَاتِحَةِ، وَجَبَ إِدَامَةُ الْقِرَاءَةِ فِي هُوِيِّهِ.
-
١/٢٣٩١/٢٣٩
فَرْعٌ:
-
يَجُوزُ فِعْلُ النَّافِلَةِ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ. لَكِنْ ثَوَابُهَا يَكُونُ نِصْفَ ثَوَابِ الْقَائِمِ،
-
وَلَوْ تَنَفَّلَ مُضْطَجِعًا، مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ، وَالْقُعُودِ، جَازَ عَلَى الْأَصَحِّ.
-
ثُمَّ الْمُضْطَجِعُ فِي الْفَرِيضَةِ، يَأْتِي بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِمَا، وَهُنَا الْخِلَافُ فِي جَوَازِ الِاضْطِجَاعِ يَجْرِي فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الْإِيمَاءِ. لَكِنِ الْأَصَحُّ مَنْعُ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْإِيمَاءِ.
-
قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: مَا عِنْدِي أَنَّ مَنْ جَوَّزَ الِاضْطِجَاعَ، يُجَوِّزُ الِاقْتِصَارَ فِي الْأَرْكَانِ الذِّكْرِيَّةِ كَالتَّشَهُّدِ وَالتَّكْبِيرِ وَغَيْرِهِمَا عَلَى ذِكْرِ الْقَلْبِ.
-
ثُمَّ يَسْتَوِي فِيمَا ذَكَرْنَاهُ النَّوَافِلُ كُلُّهَا، الرَّاتِبَةُ وَغَيْرُهَا، عَلَى الصَّحِيحِ.
-
وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ: لَا تَجُوزُ صَلَاةُ الْعِيدِ وَالْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ كَالْجِنَازَةِ.