فَصْلٌ
روضة الطالبين وعمدة المفتينالشافعيةالمسائل ٢٨٬٢٩٨ إلى ٢٨٬٣٤٦
-
٥/١٢٥٥/١٢٥
إِذَا فَسَدَ الْقِرَاضُ بِتَخَلُّفِ بَعْضِ الشُّرُوطِ، فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْكَامٍ. أَحَدُهَا: تَنْفُذُ تَصَرُّفَاتُهُ كَنُفُوذِهَا فِي الْقِرَاضِ الصَّحِيحِ لِوُجُودِ الْإِذْنِ كَالْوَكَالَةِ الْفَاسِدَةِ. الثَّانِي: سَلَامَةُ الرِّبْحِ بِكَمَالِهِ لِلْمَالِكِ. الثَّالِثُ: اسْتِحْقَاقُ الْعَامِلِ أُجْرَةَ مِثْلِ عَمَلِهِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ، أَمْ لَا، وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ مُطَّرِدَةٌ فِي صُوَرِ الْفَسَادِ، لَكِنْ لَوْ قَالَ: قَارَضْتُكَ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الرِّبْحِ لِي، وَقُلْنَا: هُوَ قِرَاضٌ فَاسِدٌ، لَا إِبْضَاعَ، فَفِي اسْتِحْقَاقِ الْعَامِلِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَجْهَانِ.
-
أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ لِأَنَّهُ عَمِلَ مَجَّانًا.
-
٥/١٢٦٥/١٢٦
فَرْعٌ
-
قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ لَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ أَلْفًا وَقَالَ: اشْتَرِ بِهَا هَرَوِيًّا أَوْ مَرْوِيًّا بِالنِّصْفِ، فَهُوَ فَاسِدٌ. وَاخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ فَسَادِهِ، فَالْأَصَحُّ، وَفِي سِيَاقِ الْكَلَامِ مَا يَقْتَضِيهِ: أَنَّهُ تَعَرُّضٌ لِلشِّرَاءِ دُونَ الْبَيْعِ، وَهَذَا تَقْرِيعٌ عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّ التَّعَرُّضَ لِلشِّرَاءِ لَا يُغْنِي عَنِ التَّعَرُّضِ لِلْبَيْعِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ الْمُضَارَبَةِ وَنَحْوِهَا لِتَنَاوُلِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، أَوْ [مِنْ] لَفْظِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ جَمِيعًا.
-
وَإِذَا اقْتَصَرَ عَلَى الشِّرَاءِ، فَلِلْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ الشِّرَاءُ دُونَ الْبَيْعِ، وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِلْمَالِكِ، وَالْخُسْرَانُ عَلَيْهِ.
-
وَقِيلَ: يَكْفِي التَّعَرُّضُ لِلشِّرَاءِ، وَيَتَضَمَّنُ الْإِذْنَ فِي الْبَيْعِ بَعْدَهُ،
-
وَقِيلَ: إِذَا أَتَى بِلَفْظِ الْمُضَارَبَةِ أَوِ الْقِرَاضِ كَانَ كَقَوْلِهِ: اشْتَرِ، مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْبَيْعِ.
-
وَالصَّحِيحُ: الصِّحَّةُ. وَقِيلَ: سَبَبُهُ أَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ لِمَنِ النِّصْفُ.
-
وَاعْتَرَضَ ابْنُ سُرَيْجٍ عَلَى هَذَا، بِأَنَّ الشَّرْطَ يَنْصَرِفُ إِلَى الْعَامِلِ، لِأَنَّ الْمَالِكَ يَسْتَحِقُّ بِالْمَالِ، لَا بِالشَّرْطِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: سَبَبُ الْفَسَادِ، أَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ أَحَدَ النَّوْعَيْنِ،
-
وَلَا أَطْلَقَ التَّصَرُّفَ فِي أَنْوَاعِ الْأَمْتِعَةِ. وَاعْتَرَضَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ عَلَيْهِ، بِأَنَّهُ لَوْ عُيِّنَ أَحَدُهُمَا، حَكَمْنَا بِالصِّحَّةِ،
-
فَإِذَا ذَكَرَهُمَا عَلَى التَّرْدِيدِ، زَادَ الْعَامِلُ بَسْطَةً وَتَخْيِيرًا، فَهُوَ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ.
-
قُلْتُ: هَذَا الِاعْتِرَاضُ لَيْسَ بِمَقْبُولٍ، لِأَنَّ حَاصِلَهُ أَنَّهُ حَمَلَ لَفْظَةَ «أَوْ» عَلَى التَّخْيِيرِ، وَابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ يُنْكِرُ ذَلِكَ وَيَقُولُ: إِنَّمَا أَذِنَ لَهُ فِي أَحَدِهِمَا وَشَكَّ فِي الْمُرَادِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَقِيلَ: سَبَبُهُ أَنَّ الْقِرَاضَ إِنَّمَا يَصِحُّ إِذَا أَطْلَقَ التَّصَرُّفَ فِي الْأَمْتِعَةِ، أَوْ عَيَّنَ جِنْسًا يَعُمُّ وُجُودُهُ، وَالْهَرَوِيُّ وَالْمَرْوِيُّ لَيْسَا كَذَلِكَ، وَكَأَنَّ هَذَا الْقَائِلَ يُقْرِضُهُ
-
٥/١٢٧٥/١٢٧
فِي بَلَدٍ لَا يَعُمَّانِ فِيهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُهُ أَنَّهُ أَرْسَلَ ذِكْرَ النِّصْفِ وَلَمْ يَقُلْ: نِصْفُ الرِّبْحِ.
-
الْبَابُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِ الْقِرَاضِ الصَّحِيحِ
-
هِيَ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ.
-
الْأَوَّلُ: تَقَيُّدُ تَصَرُّفِ الْعَامِلِ بِالْمَصْلَحَةِ كَتَصَرُّفِ الْوَكِيلِ،
-
ثُمَّ قَدْ تَقْتَضِي الْمَصْلَحَةُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا، وَقَدْ تَقْتَضِي الْفَرْقَ، فَبَيْعُ الْعَامِلِ وَشِرَاؤُهُ بِالْغَبْنِ كَالْوَكِيلِ،
-
وَلَا يَبِيعُ أَيْضًا نَسِيئَةً،
-
وَلَا يَشْتَرِي بِهَا. فَإِنْ أَذِنَ الْمَالِكُ فِي الْبَيْعِ نَسِيئَةً، فَفَعَلَ، وَجَبَ الْإِشْهَادُ،
-
فَإِنْ تَرْكَهُ ضَمِنَ، وَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ فِي الْبَيْعِ حَالًا لِأَنَّهُ يَحْبِسُ الْمَبِيعَ إِلَى اسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ،
-
وَلَوْ سَلَّمَهُ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ ضَمِنَ، كَالْوَكِيلِ.
-
فَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التَّسْلِيمِ قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ سَلَّمَهُ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ الْإِشْهَادُ، لِأَنَّ الْعَادَةَ تَرْكُ الْإِشْهَادِ فِي الْبَيْعِ الْحَالِّ.
-
وَيَجُوزُ لِلْعَامِلِ الْبَيْعُ بِالْعَرَضِ،
-
بِخِلَافِ الْوَكِيلِ، لِأَنَّهُ مِنْ مَصَالِحِ الْقِرَاضِ،
-
وَكَذَا لَهُ شِرَاءُ الْمَعِيبِ إِذَا رَأَى فِيهِ رِبْحًا،
-
فَإِنِ اشْتَرَاهُ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: فِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ، لِأَنَّ الرَّغَبَاتِ تَقِلُّ فِي الْمَعِيبِ.
-
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: الْجَوَازُ إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَإِنِ اشْتَرَى شَيْئًا عَلَى ظَنِّ السَّلَامَةِ، فَبَانَ مَعِيبًا، فَلَهُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِرَدِّهِ إِنْ كَانَتْ فِيهِ غِبْطَةٌ،
-
وَلَا يَمْنَعُهُ [مِنْهُ] رِضَا الْمَالِكِ،
-
بِخِلَافِ الْوَكِيلِ، لِأَنَّ الْعَامِلَ صَاحِبُ حَقٍّ فِي الْمَالِ.
-
وَإِنْ كَانَتِ الْغِبْطَةُ فِي إِمْسَاكِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّهُ عَلَى الْأَصَحِّ، لِإِخْلَالِهِ بِالْمَقْصُودِ. وَحَيْثُ ثَبَتَ الرَّدُّ لِلْعَامِلِ، فَلِلْمَالِكِ أَوْلَى. قَالَ الْإِمَامُ: ثُمَّ الْعَامِلُ
-
٥/١٢٨٥/١٢٨
يَرُدُّ عَلَى الْبَائِعِ وَيَنْقُضُ الْبَيْعَ.
-
وَأَمَّا الْمَالِكُ، فَإِنْ كَانَ الشِّرَاءُ بِعَيْنِ مَالِ الْقِرَاضِ، فَكَمِثْلٍ،
-
وَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ، فَيَصْرِفُهُ الْمَالِكُ عَنْ مَالِ الْقِرَاضِ. وَفِي انْصِرَافِهِ إِلَى الْعَامِلِ مَا سَبَقَ فِي انْصِرَافِ الْعَقْدِ إِلَى الْوَكِيلِ إِذَا لَمْ يَقَعْ لِلْمُوَكِّلِ.
-
وَلَوْ تَنَازَعَ الْمَالِكُ وَالْعَامِلُ فِي الرَّدِّ وَتَرْكِهِ عُمِلَ بِالْمَصْلَحَةِ.
-
فَرْعٌ
-
لَا يَجُوزُ لِلْمَالِكِ مُعَامَلَةُ الْعَامِلِ، بِأَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ شَيْئًا، لِأَنَّهُ مِلْكَهُ كَالسَّيِّدِ مَعَ الْمَأْذُونِ لَهُ.
-
فَرْعٌ
-
لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ لِلْقِرَاضِ بِأَكْثَرَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ.
-
فَلَوْ فَعَلَ، لَمْ يَقَعْ مَا زَادَ عَنْ جِهَةِ الْقِرَاضِ.
-
فَلَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ مِائَةً قِرَاضًا، فَاشْتَرَى عَبْدًا بِمِائَةٍ،
-
ثُمَّ آخَرَ بِمِائَةٍ لِلْقِرَاضِ أَيْضًا، لَمْ يَقَعِ الثَّانِي لِلْقِرَاضِ، بَلْ يُنْظَرُ إِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ بِعَيْنِ الْمِائَةِ فَالشِّرَاءُ بَاطِلٌ، سَوَاءٌ اشْتَرَى الْأَوَّلَ بِعَيْنِ الْمِائَةِ أَوْ فِي الذِّمَّةِ.
-
وَإِنِ اشْتَرَاهُ فِي الذِّمَّةِ، انْصَرَفَ إِلَى الْعَامِلِ حَيْثُ يَنْصَرِفُ شِرَاءُ الْوَكِيلِ الْمُخَالِفِ إِلَيْهِ.
-
وَإِذَا انْصَرَفَ إِلَيْهِ، فَصَرَفَ مِائَةَ الْقِرَاضِ فِي ثَمَنِهِ، فَقَدْ تَعَدَّى، وَدَخَلَتِ الْمِائَةُ فِي ضَمَانِهِ، لَكِنَّ الْعَبْدَ الْأَوَّلَ يَبْقَى أَمَانَةً فِي يَدِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ فِيهِ.
-
فَإِنْ تَلِفَتِ الْمِائَةُ وَالشِّرَاءُ الْأَوَّلُ بِعَيْنِهَا انْفَسَخَ،
-
وَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ، لَمْ يَنْفَسِخْ، وَثَبَتَ لِلْمَالِكِ عَلَى الْعَامِلِ مِائَةٌ، وَالْعَبْدُ الْأَوَّلُ لِلْمَالِكِ، وَعَلَيْهِ لِبَائِعِهِ مِائَةٌ،
-
فَإِنْ أَدَّاهَا الْعَامِلُ بِإِذْنِ الْمَالِكِ، وَشَرَطَ الرُّجُوعَ، ثَبَتَ لَهُ مِائَةٌ عَلَى الْمَالِكِ، وَوَقَعَ الْكَلَامُ فِي التَّقَاصِّ.
-
وَإِنْ أَدَّاهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ بَرِئَ الْمَالِكُ عَنْ حَقِّ صَاحِبِ الْعَبْدِ، وَيَبْقَى حَقُّهُ عَلَى الْعَامِلِ.