فَصْلٌ
روضة الطالبين وعمدة المفتينالشافعيةالمسائل ١٧٬١٥٥ إلى ١٧٬٢٠٢
-
٣/٣٨٢٣/٣٨٢
مِعْيَارُ الشَّرْعِ الَّذِي تُرْعَى الْمُمَاثَلَةُ بِهِ، هُوَ الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ. فَالْمَكِيلُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ وَزْنًا،
-
وَلَا يَضُرُّ مَعَ الِاسْتِوَاءِ فِي الْكَيْلِ التَّفَاوُتُ وَزْنًا. وَالْمَوْزُونُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ كَيْلًا،
-
وَلَا يَضُرُّ مَعَ الِاسْتِوَاءِ فِي الْوَزْنِ التَّفَاوُتُ كَيْلًا.
-
٣/٣٨٣٣/٣٨٣
وَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، مَوْزُونَانِ. وَالْحِنْطَةُ، وَالشَّعِيرُ، وَالتَّمْرُ، وَالزَّبِيبُ، وَالْمِلْحُ، وَنَحْوُهَا، مَكِيلَةٌ، وَكُلُّ مَا كَانَ مَكِيلًا بِالْحِجَازِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَهُوَ مَكِيلٌ، وَمَا كَانَ مَوْزُونًا، فَمَوْزُونٌ.
-
فَلَوْ أَحْدَثَ النَّاسُ خِلَافَ ذَلِكَ،
-
فَلَا اعْتِبَارَ بِإِحْدَاثِهِمْ. فَلَوْ كَانَ الْمِلْحُ قِطَعًا كِبَارًا، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: يُسْحَقُ وَيُبَاعُ كَيْلًا، فَإِنَّهُ الْأَصْلُ. وَأَصَحُّهُمَا: يُبَاعُ وَزْنًا اعْتِبَارًا بِهَيْئَتِهِ فِي الْحَالِ.
-
وَكَذَا كُلُّ شَيْءٍ يَتَجَافَى فِي الْكَيْلِ، يُبَاعُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ وَزْنًا، وَمَا لَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَوْ كَانَ وَلَمْ يُعْلَمْ هَلْ كَانَ يُكَالُ، أَمْ يُوزَنُ؟ أَوْ عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ يُوزَنُ مَرَّةً وَيُكَالُ أُخْرَى، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا أَغْلَبَ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: إِنْ كَانَ أَكْبَرَ جَرْمًا مِنَ التَّمْرِ، اعْتُبِرَ فِيهِ الْوَزْنُ،
-
وَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ أَوْ أَصْغَرَ، فَفِيهِ أَوْجُهٌ. أَصَحُّهَا: تُعْتَبَرُ عَادَةُ الْوَقْتَ فِي بَلَدِ الْبَيْعِ. وَالثَّانِي: عَادَةُ الْوَقْتِ فِي أَكْثَرِ الْبِلَادِ.
-
فَإِنِ اخْتَلَفَتْ وَلَا غَالِبَ، اعْتَبَرْنَا شِبْهَ الْأَشْيَاءِ بِهِ. وَالثَّالِثُ: يُعْتَبَرُ الْوَزْنُ. وَالرَّابِعُ: الْكَيْلُ. وَالْخَامِسُ: يُعْتَبَرُ بِأَشْبَهِ الْأَشْيَاءِ بِهِ. وَالسَّادِسُ: يُتَخَيَّرُ بَيْنَ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
-
ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ خَصَّ هَذَا الْخِلَافَ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلشَّيْءِ أَصْلٌ مَعْلُومُ الْعِيَارِ. أَمَّا إِذَا اسْتُخْرِجَ مَا هَذَا حَالُهُ مِنْ أَصْلٍ. فَهُوَ مُعْتَبَرٌ بِأَصْلِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ، قَالَ الْإِمَامُ: وَسَوَاءٌ الْمِكْيَالُ الْمُعْتَادُ فِي عَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَسَائِرُ الْمَكَايِيلِ الْمُحْدَثَةِ بَعْدَهُ، كَمَا أَنَّا إِذَا عَرَفْنَا التَّسَاوِيَ بِالتَّعْدِيلِ فِي كِفَّتَيِ الْمِيزَانِ، تَكْتَفِي بِهِ وَإِنْ لَمْ نَعْرِفْ قَدْرَ مَا فِي كُلِّ كِفَّةٍ.
-
وَفِي الْكَيْلِ بِالْقَصْعَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا يُعْتَادُ الْكَيْلُ بِهِ، تَرَدُّدٌ لِلْقَفَّالِ.
-
وَالْأَصَحُّ الْجَوَازُ. وَالْوَزْنُ بِالطَّيَّارِ وَالْقَرَسْطُونِ وَزْنٌ.
-
وَأَمَّا الْمَاءُ، فَقَدْ يَتَأَتَّى بِهِ الْوَزْنُ، بِأَنْ يُوضَعَ الشَّيْءُ فِي ظَرْفٍ وَيُلْقَى فِي الْمَاءِ، وَيُنْظَرَ قَدْرُ غَوْصِهِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ وَزْنًا شَرْعِيًّا وَلَا عُرْفِيًّا، فَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ فِي الرِّبَوِيَّاتِ.
-
قُلْتُ: قَدْ عَوَّلَ أَصْحَابُنَا عَلَيْهِ فِي أَدَاءِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ، وَفِي الزَّكَاةِ، فِي مَسْأَلَةِ الْإِنَاءِ بَعْضُهُ ذَهَبٌ وَبَعْضُهُ فِضَّةٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِهِ، وَلَكِنَّ الْفَرْقَ ظَاهِرٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
٣/٣٨٤٣/٣٨٤
فَرْعٌ:
-
هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، كُلُّهُ فِي مُقَدَّرٍ يُبَاعُ بِجِنْسِهِ. أَمَّا مَا لَا يُقَدَّرُ بِكَيْلٍ وَلَا وَزْنٍ، كَالْبِطِّيخِ، وَالْقِثَّاءِ، وَالرُّمَّانِ، وَالسَّفَرْجَلِ،
-
فَإِنْ قُلْنَا بِالْقَدِيمِ: إِنَّهُ لَا رِبَا فِيهَا، جَازَ بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ كَيْفَ شَاءَ، حَتَّى قَالَ الْقَفَّالُ: لَوْ جُفِّفَ شَيْءٌ مِنْهَا، وَكَانَ يُوزَنُ فِي جَفَافِهِ،
-
فَلَا رِبَا فِيهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا رِبَا فِيهِ فِي أَكْمَلِ أَحْوَالِهِ وَهُوَ حَالُ الرُّطُوبَةِ. قَالَ الْإِمَامُ: وَالظَّاهِرُ جَرَيَانُ الرِّبَا فِيهِ، فَإِنَّهُ فِي حَالِ الْجَفَافِ مَطْعُومٌ مُقَدَّرٌ.
-
وَإِنْ قُلْنَا بِالْجَدِيدِ: إِنَّ فِيهِ الرِّبَا، جَازَ بَيْعُهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ كَيْفَ شَاءَ.
-
وَأَمَّا بِجِنْسِهِ، فَيُنْظَرُ، إِنْ كَانَ مِمَّا يُجَفَّفُ، كَالْبِطِّيخِ الَّذِي يُفَلَّقُ، وَحَبِّ الرُّمَّانِ الْحَامِضِ، وَكُلِّ مَا يُجَفَّفُ مِنَ الثِّمَارِ،
-
وَإِنْ مُقَدَّرًا كَالْمِشْمِشِ، وَالْخَوْخِ، وَالْكُمِّثْرَى الَّذِي يُفَلَّقُ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ فِي حَالِ الرُّطُوبَةِ،
-
وَيَجُوزُ حَالَ الْجَفَافِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَعَلَى الشَّاذِّ: لَا يَجُوزُ، إِذْ لَيْسَ لَهُ حَالُ كَمَالٍ.
-
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُجَفَّفُ، كَالْقِثَّاءِ وَنَحْوِهِ، فَهَلْ يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ فِي حَالِ رُطُوبَتِهِ؟ فِيهِ وَفِي الْمُقَدَّرَاتِ الَّتِي لَا تُجَفَّفُ، كَالرُّطَبِ الَّذِي لَا يَتَتَمَّرُ، وَالْعِنَبِ الَّذِي لَا يَتَزَبَّبُ، قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: لَا يَجُوزُ، كَالرُّطَبِ بِالرُّطَبِ. وَالثَّانِي: يَجُوزُ، كَاللَّبَنِ بِاللَّبَنِ. فَعَلَى هَذَا، إِنْ لَمْ يُمْكِنْ كَيْلُهُ، كَالْبِطِّيخِ وَالْقِثَّاءِ، بِيعَ وَزْنًا.
-
وَإِنْ أَمْكَنَ، كَالتُّفَّاحِ وَالتِّينِ، فَيُبَاعُ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: وَزْنًا،
-
وَلَا بَأْسَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ بِتَفَاوُتِ الْعَدَدِ.
-
فَرْعٌ:
-
لَوْ أَرَادَ شَرِيكَانِ قِسْمَةَ رِبَوِيٍّ،
-
فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَظْهَرِ: إِنَّ الْقِسْمَةَ بَيْعٌ، لَمْ يَجُزْ
-
٣/٣٨٥٣/٣٨٥
قِسْمَةُ الْمَكِيلِ وَزْنًا، وَلَا الْمَوْزُونِ كَيْلًا. وَمَا لَا يُبَاعُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، كَالرُّطَبِ وَالْعِنَبِ، لَا يُقَسَّمُ أَصْلًا.
-
وَإِنْ قُلْنَا: الْقِسْمَةُ إِفْرَازٌ، جَازَ قِسْمَةُ الْمَكِيلِ وَزْنًا وَعَكْسُهُ، وَجَازَ قِسْمَةُ الرُّطَبِ وَنَحْوِهِ وَزْنًا.
-
وَلَا يَجُوزُ قِسْمَةُ غَيْرِ الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ خَرْصًا.
-
وَيَجُوزُ قِسْمَتُهُمَا خَرْصًا إِذَا قُلْنَا: إِفْرَازٌ.
-
وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ. وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ.
-
فَرْعٌ:
-
لَا يَجُوزُ بَيْعُ الرِّبَوِيِّ بِجِنْسِهِ جُزَافًا،
-
وَلَا بِالتَّخْمِينِ وَالتَّحَرِّي. فَلَوْ بَاعَ صُبْرَةَ حِنْطَةٍ بِصُبْرَةٍ، أَوْ دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ جُزَافًا، وَخَرَجَتَا مُتَمَاثِلَتَيْنِ، لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ التَّسَاوِيَ شَرْطٌ. وَشَرْطُ الْعَقْدِ يُعْتَبَرُ الْعِلْمُ بِهِ عِنْدَ الْعَقْدِ. وَلِهَذَا، لَوْ نَكَحَ امْرَأَةً لَا يَعْلَمُ أَهِيَ أُخْتُهُ، أَمْ مُعْتَدَّةٌ، أَمْ لَا؟ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ، وَسَوَاءٌ جَهِلَا الصُّبْرَتَيْنِ أَوْ إِحْدَاهُمَا.
-
وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ هَذِهِ الصُّبْرَةَ بِهَذِهِ مُكَايَلَةً، أَوْ كَيْلًا بِكَيْلٍ، أَوْ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ بِتِلْكَ مُوَازَنَةً، أَوْ وَزْنًا بِوَزْنٍ،
-
فَإِنْ كَالَا، أَوْ وَزَنَا، وَخَرَجَتَا سَوَاءً، صَحَّ الْعَقْدُ، وَإِلَّا، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْأَظْهَرِ. وَعَلَى الثَّانِي: يَصِحُّ فِي الْكَبِيرَةِ بِقَدْرِ مَا يُقَابِلُ الصَّغِيرَةَ، وَلِمُشْتَرِي الْكَبِيرَةِ الْخِيَارُ. وَحَيْثُ صَحَّحْنَا، فَتَفَرَّقَا بَعْدَ تَقَابُضِ الْجُمْلَتَيْنِ، وَقَبْلَ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، لَمْ يَبْطُلِ الْعَقْدُ عَلَى الْأَصَحِّ.
-
وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ هَذِهِ الصُّبْرَةَ بِكَيْلِهَا مِنْ صُبْرَتِكَ، وَصُبْرَةُ الْمُخَاطَبِ أَكْبَرُ، صَحَّ.
-
ثُمَّ إِنْ كَالَا فِي الْمَجْلِسِ وَتَقَابَضَا، تَمَّ الْعَقْدُ.
-
وَإِنْ تَقَابَضَا الْجُمْلَتَيْنِ وَتَفَرَّقَا قَبْلَ الْكَيْلِ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ.
-
وَلَوْ بَاعَ صُبْرَةَ حِنْطَةٍ بِصُبْرَةِ شَعِيرٍ جُزَافًا، جَازَ،
-
وَلَوْ بَاعَهَا بِهَا صَاعًا بِصَاعٍ، أَوْ بِصَاعَيْنِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ كَانَتَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ.
-
قُلْتُ: قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا: إِذَا بَاعَ صُبْرَةَ حِنْطَةٍ بِصُبْرَةِ شَعِيرٍ، صَاعًا بِصَاعٍ، وَخَرَجَتَا مُتَسَاوِيَتَيْنِ، صَحَّ.
-
وَإِنْ تَفَاضَلَتَا، فَرَضِيَ صَاحِبُ الزَّائِدَةِ بِتَسْلِيمِ الزِّيَادَةِ، تَمَّ
-
٣/٣٨٦٣/٣٨٦
الْبَيْعُ، وَلَزِمَ الْآخَرَ قَبُولُهَا.
-
وَإِنْ رَضِيَ صَاحِبُ النَّاقِصَةِ بِقَدْرِهَا مِنَ الزَّائِدَةِ، أُقِرَّ الْعَقْدُ.
-
وَإِنْ تَشَاحَّا، فُسِخَ الْبَيْعُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.