فَصْلٌ
روضة الطالبين وعمدة المفتينالشافعيةالمسائل ٤٦٬٤٦٨ إلى ٤٦٬٥١٤
-
٨/١٨٥٨/١٨٥
فِي مَسَائِلَ تَجْرِي فِي مُخَاصَمَةِ الزَّوْجَيْنِ وَمُشَاتَمَتِهِمَا
-
وَأَغْلَبُ مَا تَقَعُ إِذَا وَاجَهَتْ زَوْجَهَا بِمَكْرُوهٍ، فَيَقُولُ عَلَى سَبِيلِ الْمُكَافَأَةِ: إِنْ كُنْتِ كَذَلِكَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، يُرِيدُ أَنْ يَغِيظَهَا بِالطَّلَاقِ كَمَا غَاظَتْهُ بِالشَّتْمِ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: تَزْعُمِينَ أَنِّي كَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ،
-
فَإِذَا قَالَتْ لَهُ: يَا خَسِيسُ. فَقَالَ: إِنْ كُنْتُ كَذَلِكَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، نُظِرَ، إِنْ أَرَادَ الْمُكَافَأَةَ كَمَا ذَكَرْنَا، طُلِّقَتْ، سَوَاءٌ كَانَ خَسِيسًا أَوْ لَمْ يَكُنْ،
-
وَإِنْ قَصَدَ التَّعْلِيقَ، لَمْ تُطَلَّقْ إِلَّا بِوُجُودِ الْخِسَّةِ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْعَبَّادِيُّ: الْخَسِيسُ: مَنْ بَاعَ دِينَهُ بِدُنْيَاهُ، وَأَخَسُّ الْأَخِسَّاءِ مَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ: الْخَسِيسُ: مَنْ يَتَعَاطَى فِي الْعُرْفِ مَا لَا يَلِيقُ بِحَالِهِ لِشِدَّةِ بُخْلِهِ،
-
فَإِنْ شَكَّ فِي وُجُودِ الصِّفَةِ - وَيُتَصَوَّرُ ذَلِكَ كَثِيرًا فِي مَسَائِلِ الشَّتْمِ وَالْإِيذَاءِ - فَالْأَصْلُ أَنْ لَا طَلَاقَ،
-
وَإِنْ أَطْلَقَ اللَّفْظَ وَلَمْ يَقْصَدِ الْمُكَافَأَةَ،
-
وَلَا حَقِيقَةَ اللَّفْظِ، فَهُوَ لِلتَّعْلِيقِ.
-
فَإِنْ عَمَّ الْعُرْفُ بِالْمُكَافَأَةِ، كَانَ عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ فِي أَنَّهُ يُرَاعِي الْوَضْعَ أَوِ الْعُرْفَ،
-
وَالْأَصَحُّ وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي مُرَاعَاةُ اللَّفْظِ،
-
فَإِنَّ الْعُرْفَ لَا يَكَادُ يَنْضَبِطُ فِي مِثْلِ هَذَا، وَأَجَابَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ بِمُقْتَضَى الْوَجْهِ الْآخَرِ،
-
وَلَوْ قَالَتْ: يَا سَفِيهُ فَقَالَ: إِنْ كُنْتُ كَذَلِكَ، فَأَنْتِ طَالِقٌ،
-
فَإِنْ قَصَدَ الْمُكَافَأَةَ، طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ،
-
وَإِنْ قَصَدَ التَّعْلِيقَ، طُلِّقَتْ إِنْ كَانَ سَفِيهًا،
-
وَإِنْ أَطْلَقَ، فَعَلَى الْخِلَافِ،
-
٨/١٨٦٨/١٨٦
وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ السَّفَهُ عَلَى مَا يُوجِبُ الْحَجْرَ، وَعَلَى هَذَا نَظَائِرُ مَا يَقَعُ بِهِ الشَّتْمُ وَالْإِيذَاءُ. وَتَكَلَّمُوا فِي كَلِمَاتٍ يَدْخُلُ بَعْضُهَا فِي حَدِّ الْإِفْحَاشِ، فَفِي «التَّتِمَّةِ» أَنَّ الْقَوَّادَ: مَنْ يَحْمِلُ الرِّجَالَ إِلَى أَهْلِهِ وَيُخَلِّي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْأَهْلِ، وَيُشْبِهُ أَنْ لَا يَخْتَصَّ بِالْأَهْلِ، بَلْ هُوَ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ بِالْحَرَامِ،
-
وَأَنَّ الْقَرْطَبَانَ: الَّذِي يَعْرِفُ مَنْ يَزْنِي بِزَوْجَتِهِ وَيَسْكُتُ عَلَيْهِ،
-
وَأَنَّ قَلِيلَ الْحَمِيَّةِ: مَنْ لَا يَغَارُ عَلَى أَهْلِهِ وَمَحَارِمِهِ،
-
وَأَنَّ الْقَلَّاشَ: الذَّوَّاقُ، وَهُوَ مَنْ يُوهِمُ أَنَّهُ يَشْتَرِي الطَّعَامَ لِيَذُوقَهُ وَهُوَ لَا يُرِيدُ الشِّرَاءَ،
-
وَأَنَّ الدَّيُّوثَ: مَنْ لَا يَمْنَعُ النَّاسَ الدُّخُولَ عَلَى زَوْجَتِهِ.
-
وَفِي «الرَّقْمِ» لِلْعَبَّادِيِّ: أَنَّهُ الَّذِي يَشْتَرِي جَارِيَةً تُغَنِّي لِلنَّاسِ،
-
وَأَنَّ الْبَخِيلَ: مَنْ لَا يُؤَدِّي الزَّكَاةَ،
-
وَلَا يَقْرِي الضَّيْفَ فِيمَا قِيلَ، وَأَنَّهُ لَوْ قِيلَ لَهُ: يَا زَوْجَ الْقَحْبَةِ، فَقَالَ: إِنْ كَانَتْ زَوْجَتِي بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَهِيَ طَالِقٌ،
-
فَإِنْ قَصَدَ التَّخَلُّصَ مِنْ عَارِهَا، وَقَعَ الطَّلَاقُ، كَمَا لَوْ قَصَدَ الْمُكَافَأَةَ، وَإِلَّا فَهُوَ تَعْلِيقٌ، فَيُنْظَرُ: هَلْ هِيَ بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ أَمْ لَا؟ قُلْتُ: الْقَحْبَةُ: هِيَ الْبَغِيُّ، وَهِيَ كَلِمَةٌ مُوَلَّدَةٌ لَيْسَتْ عَرَبِيَّةً. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا فِي الْخُصُومَةِ: إِيشْ تَكُونِينَ أَنْتِ، فَقَالَتْ: وَإِيشْ تَكُونُ أَنْتَ، فَقَالَ: إِنْ لَمْ أَكُنْ مِنْكِ بِسَبِيلٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ، قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: إِنْ قَصَدَ التَّعْلِيقَ لَمْ تُطَلَّقْ، لِأَنَّهَا زَوْجَتُهُ فَهُوَ مِنْهَا بِسَبِيلٍ،
-
وَإِنْ قَصَدَ الْمُغَايَظَةَ وَالْمُكَافَأَةَ، طُلِّقَتْ.
-
وَالْمَقْصُودُ إِيقَاعُ الْفُرْقَةِ وَقَطْعِ مَا بَيْنَهُمَا، وَأَنَّهَا لَوْ قَالَتْ لِزَوْجِهَا: أَنْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، لَمْ يُحْكَمْ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ إِنْ كَانَ الزَّوْجُ مُسْلِمًا، لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ظَاهِرًا،
-
وَإِنْ كَانَ كَافِرًا طُلِّقَتْ فَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ، تَبَيَّنَّا
-
٨/١٨٧٨/١٨٧
أَنَّهَا لَمْ تُطَلَّقْ. وَلَوْ قَالَتْ: يَا سَفِلَةُ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتُ كَذَلِكَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ الْبُوشَنْجِيُّ: الْأَوْلَى أَنَّهُ الَّذِي يَتَعَاطَى الْأَفْعَالَ الدَّنِيئَةَ وَيَعْتَادُهَا،
-
وَلَا يَقَعُ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَتَّفِقُ مِنْهُ نَادِرًا، كَاسْمِ الْكَرِيمِ، وَالسَّيِّدِ فِي نَقِيضِهِ.
-
وَلَا يَخْفَى أَنَّ النَّظَرَ فِي تَحْقِيقِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ، إِنَّمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ عِنْدَ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلَى التَّعْلِيقِ،
-
فَأَمَّا إِذَا حُمِلَ عَلَى الْمُكَافَأَةِ، فَيَقَعُ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ.
-
فَرْعٌ
-
الْكَوْسَجُ: مَنْ قَلَّ شَعْرُ وَجْهِهِ مَعَ انْحِسَارِ الشَّعْرِ عَنْ عَارِضَيْهِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أَنَّهُ الَّذِي عَدَدُ أَسْنَانِهِ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ.
-
فَرْعٌ
-
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الرُّويَانِيُّ: الْغَوْغَاءُ: مَنْ يُخَالِطُ الْمُفْسِدِينَ وَالْمُنْحَرِفِينَ، وَيُخَاصِمُ النَّاسَ بِلَا حَاجَةٍ. قَالَ: وَالْأَحْمَقُ: مَنْ نَقَصَتْ مَرْتَبَةُ أُمُورِهِ وَأَحْوَالِهِ عَنْ مَرَاتِبِ أَمْثَالِهِ نَقْصًا بَيِّنًا بِلَا مَرَضٍ وَلَا سَبَبٍ.
-
قُلْتُ: قَالَ صَاحِبُ «الْمُهَذَّبِ» وَ «التَّهْذِيبِ» فِي بَابِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ: الْأَحْمَقُ: مَنْ يَفْعَلُ الشَّيْءَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِقُبْحِهِ.
-
وَفِي «التَّتِمَّةِ» وَ «الْبَيَانِ» أَنَّهُ مَنْ يَعْمَلُ مَا يَضُرُّهُ مَعَ عِلْمِهِ بِقُبْحِهِ. وَفِي «الْحَاوِي» : أَنَّهُ مَنْ يَضَعُ كَلَامَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَيَأْتِي بِالْحَسَنِ فِي مَوْضِعِ الْقَبِيحِ، وَعَكْسُهُ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ ثَعْلَبٌ: الْأَحْمَقُ: مَنْ لَا يَنْتَفِعُ بِعَقْلِهِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
فَرْعٌ
-
قَالَتْ: يَا جَهُودَرْوِيُّ. فَقَالَ: إِنْ كُنْتُ كَذَلِكَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَقَصَدَ التَّعْلِيقَ، قَالَ
-
٨/١٨٨٨/١٨٨
الْإِمَامُ: وَقَعَتِ الْمَسْأَلَةُ فِي الْفَتَاوَى، وَأَكْثَرُوا فِي التَّعْبِيرِ عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ، فَقِيلَ: هِيَ صُفْرَةُ الْوَجْهِ،
-
وَقِيلَ: الذِّلَّةُ وَالْخَسَاسَةُ، وَكَانَ جَوَابُنَا فِيهِ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَكُونُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ،
-
فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ. قَالَ فِي «الْوَسِيطِ» : وَفِيهِ نَظَرٌ.
-
فَرْعٌ
-
لَوْ تَخَاصَمَ الزَّوْجَانِ، فَقَالَ أَبُوهَا لِلزَّوْجِ: لِمَ تُحَرِّكُ لِحْيَتَكَ فَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَهَا كَثِيرًا؟ فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ رَأَيْتَ مِثْلَ هَذِهِ اللِّحْيَةِ كَثِيرًا، فَابْنَتُكَ طَالِقٌ، فَهَذِهِ كِنَايَةٌ عَنِ الرُّجُولِيَّةِ وَالْفُتُوَّةِ وَنَحْوِهِمَا فَإِنْ حُمِلَ اللَّفْظُ عَلَى الْمُكَافَأَةِ، طُلِّقَتْ، وَإِلَّا فَلَا لِكَثْرَةِ الْأَمْثَالِ.
-
فَرْعٌ
-
قَالَ الْمُتَوَلِّي: لَوْ نُسِبَ إِلَى فِعْلٍ سَيِّئٍ كَالزِّنَا وَاللِّوَاطِ، فَقَالَ: مَنْ فَعَلَ مِثْلَ هَذَا فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ، وَكَانَ ذَلِكَ فِعْلَهُ، لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوقِعْ طَلَاقًا، وَإِنَّمَا غَرَضُهُ ذَمُّ مَنْ يَفْعَلُهُ،
-
وَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: سَرَقْتِ أَوْ زَنَيْتِ، فَقَالَتْ: لَمْ أَفْعَلْ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتِ سَرَقْتِ أَوْ زَنَيْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، حُكِمَ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ فِي الْحَالِ بِإِقْرَارِهِ السَّابِقِ.