فَصْلٌ
روضة الطالبين وعمدة المفتينالشافعيةالمسائل ١٤٬١٧١ إلى ١٤٬٢٢٧
-
٣/١٦٥٣/١٦٥
قَطْعُ نَبَاتِ الْحَرَمِ حَرَامٌ، كَاصْطِيَادِ صَيْدِهِ. وَهَلْ يَتَعَلَّقُ بِهِ الضَّمَانُ؟ قَوْلَانِ: أَظْهَرُهُمَا: نَعَمْ. وَالْقَدِيمُ: لَا.
-
ثُمَّ النَّبَاتُ: شَجَرٌ وَغَيْرُهُ. أَمَّا الشَّجَرُ، فَيَحْرُمُ التَّعَرُّضُ بِالْقَلْعِ وَالْقَطْعِ لِكُلِّ شَجَرٍ رَطْبٍ غَيْرِ مُؤْذٍ حَرَمِيٍّ. فَيَخْرُجُ بِقَيْدِ الرَّطْبِ الْيَابِسُ،
-
فَلَا شَيْءَ فِي قَطْعِهِ، كَمَا لَوْ قَدَّ صَيْدًا مَيِّتًا نِصْفَيْنِ. وَبِقَيْدٍ غَيْرِ مُؤْذٍ: الْعَوْسَجُ، وَكُلُّ شَجَرَةٍ ذَاتِ شَوْكٍ، فَإِنَّهَا كَالْحَيَوَانِ الْمُؤْذِي،
-
فَلَا يَتَعَلَّقُ بِقَطْعِهَا ضَمَانٌ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ.
-
وَفِي وَجْهٍ اخْتَارَهُ صَاحِبُ «التَّتِمَّةِ» : أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ، لِإِطْلَاقِ الْخَبَرِ، وَيُخَالِفُ الْحَيَوَانَ، فَإِنَّهُ يُقْصَدُ بِالْأَذِيَّةِ. وَيَخْرُجُ بِقَيْدِ الْحَرَمِيِّ أَشْجَارُ الْحِلِّ،
-
فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْلَعَ شَجَرَةً مِنْ أَشْجَارِ الْحَرَمِ، وَيَنْقِلُهَا إِلَى الْحِلِّ، مُحَافَظَةً عَلَى حُرْمَتِهَا.
-
وَلَوْ نَقَلَ، فَعَلَيْهِ رَدُّهَا،
-
بِخِلَافِ مَا لَوْ نَقَلَ مِنْ بُقْعَةٍ مِنَ الْحَرَمِ إِلَى أُخْرَى، لَا يُؤْمَرُ بِالرَّدِّ. وَسَوَاءً نَقَلَ أَشْجَارَ الْحَرَمِ، أَوْ أَغْصَانَهَا، إِلَى الْحِلِّ، أَوْ إِلَى الْحَرَمِ، يُنْظَرُ، إِنْ يَبِسَتْ، لَزِمَهُ الْجَزَاءُ.
-
وَإِنْ نَبَتَتْ فِي الْمَوْضِعِ الْمَنْقُولِ إِلَيْهِ،
-
فَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ. فَلَوْ قَلَعَهَا قَالِعٌ، لَزِمَهُ الْجَزَاءُ إِبْقَاءً لِحُرْمَةِ الْحَرَمِ.
-
وَلَوْ قَلَعَ شَجَرَةً مِنَ الْحِلِّ وَغَرَسَهَا فِي الْحَرَمِ فَنَبَتَتْ، لَمْ يَثْبُتْ لَهَا حُكْمُ الْحَرَمِ،
-
بِخِلَافِ الصَّيْدِ يَدْخُلُ الْحَرَمَ، فَيَجِبُ الْجَزَاءُ بِالتَّعَرُّضِ لَهُ؛ لِأَنَّ الصَّيْدَ لَيْسَ بِأَصْلٍ ثَابِتٍ، فَاعْتَبَرَ مَكَانَهُ. وَالشَّجَرُ أَصْلٌ ثَابِتٌ، فَلَهُ حُكْمُ مَنْبَتِهِ.
-
٣/١٦٦٣/١٦٦
حَتَّى لَوْ كَانَ أَصْلُ الشَّجَرَةِ فِي الْحَرَمِ، وَأَغْصَانُهَا فِي الْحِلِّ، فَقَطَعَ مِنْ أَغْصَانِهَا شَيْئًا، وَجَبَ الضَّمَانُ لِلْغُصْنِ.
-
وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ صَيْدٌ فَأَخْذَهُ،
-
فَلَا ضَمَانَ. وَعَكْسُهُ: لَوْ كَانَ أَصْلُهَا فِي الْحِلِّ، وَأَغْصَانُهَا فِي الْحَرَمِ، فَقَطَعَ غُصْنًا مِنْهَا،
-
فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ صَيْدٌ فَأَخْذَهُ، لَزِمَهُ ضَمَانُهُ.
-
قُلْتُ: قَالَ صَاحِبُ «الْبَحْرِ» : لَوْ كَانَ بَعْضُ أَصْلِ الشَّجَرَةِ فِي الْحِلِّ، وَبَعْضُهُ فِي الْحَرَمِ، فَلِجَمِيعِهَا حُكْمُ الْحَرَمِ. قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَوِ انْتَشَرَتْ أَغْصَانُ الشَّجَرَةِ الْحَرَمِيَّةِ، وَمَنَعَتِ النَّاسَ الطَّرِيقَ، أَوْ آذَتْهُمْ، جَازَ قَطْعُ الْمُؤْذِي مِنْهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
فَرْعٌ
-
إِذَا أَخَذَ غُصْنًا مِنْ شَجَرَةٍ حَرَمِيَّةٍ، وَلَمْ يُخْلِفْ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ النُّقْصَانِ، وَسَبِيلُهُ سَبِيلُ جَرْحِ الصَّيْدِ.
-
وَإِنْ أَخْلَفَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ لِكَوْنِ الْغُصْنِ لَطِيفًا، كَالسِّوَاكِ، وَغَيْرِهِ،
-
فَلَا ضَمَانَ. وَإِذَا أَوْجَبْنَا الضَّمَانَ، فَنَبَتَ وَكَانَ الْمَقْطُوعُ مِثْلَهُ، فَفِي سُقُوطِ الضَّمَانِ قَوْلَانِ، كَالْقَوْلَيْنِ فِي السِّنِّ إِذَا نَبَتَ بَعْدَ الْقَلْعِ.
-
فَرْعٌ
-
يَجُوزُ أَخْذُ أَوْرَاقِ الْأَشْجَارِ، لَكِنْ لَا يَخْبِطُهَا، مَخَافَةً مِنْ أَنْ يُصِيبَ قُشُورَهَا.
-
فَرْعٌ
-
يَضْمَنُ الشَّجَرَةَ الْكَبِيرَةَ بِبَقَرَةٍ،
-
وَإِنْ شَاءَ بِبَدَنَةٍ، وَمَا دُونَهَا بِشَاةٍ، وَالْمَضْمُونَةُ
-
٣/١٦٧٣/١٦٧
بِشَاةٍ مَا كَانَتْ قَرِيبَةً مِنْ سُبْعِ الْكَبِيرَةِ،
-
فَإِنْ صَغُرَتْ جِدًّا، فَالْوَاجِبُ الْقِيمَةُ.
-
ثُمَّ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى التَّعْدِيلِ وَالتَّخْيِيرِ كَالصَّيْدِ.
-
فَرْعٌ
-
هَلْ يَعُمُّ التَّحْرِيمُ وَالضَّمَانُ مِنَ الْأَشْجَارِ، مَا يَنْبُتُ بِنَفْسِهِ، وَمَا يَسْتَنْبِتُ، أَمْ يَخْتَصُّ بِالضَّرْبِ الْأَوَّلِ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ. أَصَحُّهُمَا: عَلَى قَوْلَيْنِ. أَظْهَرُهُمَا عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْأَكْثَرِينَ مِنْ غَيْرِهِمْ: التَّعْمِيمُ. وَالثَّانِي: التَّخْصِيصُ، وَبِهِ قَطَعَ الْإِمَامُ، وَالْغَزَالِيُّ.
-
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: الْقَطْعُ بِالتَّعْمِيمِ.
-
فَإِذَا قُلْنَا: بِالتَّخْصِيصِ زَادَ قَيْدٌ آخَرُ، وَهُوَ كَوْنُ الشَّجَرِ مِمَّا يَنْبُتُ بِنَفْسِهِ. وَعَلَى هَذَا، يَحْرُمُ الْأَرَاكُ وَالطَّرْفَاءُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَشْجَارِ الْبَوَادِي. وَأَدْرَجَ الْإِمَامُ فِيهِ الْعَوْسَجَ، لَكِنَّهُ ذُو شَوْكٍ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ.
-
وَلَا تَحْرُمُ الْمُسْتَنْبَتَاتُ مُثْمِرَةً كَانَتْ، كَالنَّخْلِ وَالْعِنَبِ، أَوْ غَيْرَ مُثْمِرَةٍ، كَالْخِلَافِ. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ، لَوْ نَبَتَ مَا يُسْتَنْبَتُ أَوْ عَكْسُهُ، فَالصَّحِيحُ الَّذِي قَالَهُ الْجُمْهُورُ: أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْجِنْسِ، فَيَجِبُ الضَّمَانُ فِي الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ.
-
وَقِيلَ: الِاعْتِبَارُ بِالْقَصْدِ، فَيَنْعَكِسُ. أَمَّا غَيْرُ الْأَشْجَارِ، فَكَلَأُ الْحَرَمِ يَحْرُمُ قَطْعُهُ.
-
فَإِنْ قَلَعَهُ، لَزِمَهُ الْقِيمَةُ، إِنْ لَمْ يُخْلِفْ.
-
فَإِنْ أَخْلَفَ، فَلَا قِيمَةَ قَطْعًا؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ هُنَا الْإِخْلَافُ كَسِنِّ الصَّبِيِّ.
-
فَلَوْ كَانَ يَابِسًا، فَلَا شَيْءَ فِي قَطْعِهِ كَمَا سَبَقَ فِي الشَّجَرِ.
-
فَلَوْ قَلَعَهُ، لَزِمَهُ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقْلَعْ، لَنَبَتَ ثَانِيًا، ذَكَرَهُ فِي «التَّهْذِيبِ» .
-
وَيَجُوزُ تَسْرِيحُ الْبَهَائِمِ فِي حَشِيشِهِ لِتَرْعَى.
-
وَلَوْ أُخِذَ الْحَشِيشُ لِعَلْفِ الْبَهَائِمِ، جَازَ عَلَى الْأَصَحِّ. وَيُسْتَثْنَى مِنَ الْمَنْعِ، الْإِذْخِرُ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِحَاجَةِ السُّقُوفِ وَغَيْرِهَا، لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
-
وَلَوِ احْتِيجَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ نَبَاتِ الْحَرَمِ لِلدَّوَاءِ، جَازَ قَطْعُهُ عَلَى الْأَصَحِّ.
-
٣/١٦٨٣/١٦٨
فَرْعٌ
-
يُكْرَهُ نَقْلُ تُرَابِ الْحَرَمِ وَأَحْجَارِهِ إِلَى سَائِرِ الْبِقَاعِ،
-
وَلَا يُكْرَهُ نَقْلُ مَاءِ زَمْزَمِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ عَبْدَانٍ:
-
وَلَا يَجُوزُ قَطْعُ شَيْءٍ مِنْ سِتْرِ الْكَعْبَةِ، وَنَقْلُهُ، وَبَيْعُهُ، وَشِرَاؤُهُ، خِلَافَ مَا تَفْعَلُهُ الْعَامَّةُ، يَشْتَرُونَهُ مِنْ بَنِي شَيْبَةَ، وَرُبَّمَا وَضَعُوهُ فِي أَوْرَاقِ الْمَصَاحِفِ.
-
وَمَنْ حَمَلَ مِنْهُ شَيْئًا، لَزِمَهُ رَدُّهُ.
-
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِخْرَاجُ تُرَابِ الْحَرَمِ،
-
وَلَا أَحْجَارِهِ إِلَى الْحِلِّ.
-
وَيُكْرَهُ إِدْخَالُ تُرَابِ الْحِلِّ وَأَحْجَارِهِ الْحَرَمَ. وَبِهَذَا قَطَعَ صَاحِبُ «الْمُهَذَّبِ» وَالْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا.
-
وَأَمَّا سِتْرُ الْكَعْبَةِ، فَقَدْ قَالَ الْحَلِيمِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، أَيْضًا: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهَا شَيْءٌ. وَقَالَ صَاحِبُ «التَّلْخِيصِ» : لَا يَجُوزُ بَيْعُ أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ
-
رَحِمَهُ اللَّهُ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ عَبْدَانَ وَالْحَلِيمِيِّ: الْأَمْرُ فِيهَا إِلَى الْإِمَامِ، يَصْرِفُهَا فِي بَعْضِ مَصَارِفِ بَيْتِ الْمَالِ بَيْعًا وَعَطَاءً، وَاحْتَجَّ بِمَا رَوَاهُ الْأَزْرَقِيُّ صَاحِبُ كِتَابِ «مَكَّةَ» : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَانَ يَنْزِعُ كُسْوَةَ الْبَيْتِ كُلَّ سَنَةٍ، فَيُقَسِّمُهَا عَلَى الْحَاجِّ.
-
وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ الشَّيْخُ حَسَنٌ مُتَعَيَّنٌ، لِئَلَّا يُتْلَفَ بِالْبِلَى، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةُ، وَأُمُّ سَلَمَةَ
-
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالُوا: وَيُلْبِسُهَا مَنْ صَارَتْ إِلَيْهِ مِنْ جُنُبٍ وَحَائِضٍ وَغَيْرِهِمَا.
-
وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ طِيبِ الْكَعْبَةِ،
-
فَإِنْ أَرَادَ التَّبَرُّكَ، أَتَى بِطِيبٍ مِنْ عِنْدِهِ فَمَسَحَهَا بِهِ،
-
ثُمَّ أَخَذَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.