فَصْلٌ فِي قَاعِدَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ فِي أَبْوَابِ الْفِقْهِ
روضة الطالبين وعمدة المفتينالشافعيةالمسائل ٤٬٧٦٧ إلى ٤٬٨٠٣
-
١/٣٠٧١/٣٠٧
وَهِيَ أَنَّا إِذَا تَيَقَّنَا وُجُودَ شَيْءٍ أَوْ عَدَمَهُ،
-
ثُمَّ شَكَّكْنَا فِي تَغَيُّرِهِ وَزَوَالِهِ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ، فَإِنَّا نَسْتَصْحِبُ الْيَقِينَ الَّذِي كَانَ، وَنَطْرَحُ الشَّكَّ،
-
فَإِذَا شَكَّ فِي تَرْكِ مَأْمُورٍ يَنْجَبِرُ تَرْكُهُ بِالسُّجُودِ، وَهُوَ الْأَبْعَاضُ، فَالْأَصْلُ، أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ، فَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، قَالَ فِي (التَّهْذِيبِ) : هَذَا إِذَا كَانَ الشَّكُّ فِي تَرْكِ مَأْمُورٍ مُعَيَّنٍ،
-
فَأَمَّا إِذَا شَكَّ، هَلْ تَرَكَ مَأْمُورًا، أَمْ لَا؟
-
فَلَا يَسْجُدُ كَمَا لَوْ شَكَّ: هَلْ سَهَا، أَمْ لَا؟
-
١/٣٠٨١/٣٠٨
وَلَوْ شَكَّ فِي ارْتِكَابِ مَنْهِيٍّ، كَالسَّلَامِ وَالْكَلَامِ نَاسِيًا، فَالْأَصْلُ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ،
-
وَلَا سُجُودَ. وَلَوْ تَيَقَّنَ السَّهْوَ، وَشَكَّ هَلْ سَجَدَ لَهُ، أَمْ لَا؟ فَلْيَسْجُدْ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ السُّجُودِ.
-
وَلَوْ شَكَّ هَلْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ سَجْدَةً، أَمْ سَجْدَتَيْنِ؟ سَجَدَ أُخْرَى.
-
قُلْتُ: وَلَوْ تَيَقَّنَ السَّهْوَ، وَشَكَّ هَلْ هُوَ تَرْكُ مَأْمُورٍ، أَوِ ارْتِكَابُ مَنْهِيٍّ - سَجَدَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَلَوْ شَكَّ هَلْ صَلَّى ثَلَاثًا، أَمْ أَرْبَعًا، أَخَذَ بِالْأَقَلِّ، وَأَتَى بِالْبَاقِي، وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ.
-
وَلَا يَنْفَعُهُ الظَّنُّ، وَلَا أَثَرَ لِلِاجْتِهَادِ فِي هَذَا الْبَابِ.
-
وَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ فِيهِ بِقَوْلِ غَيْرِهِ. وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ: أَنَّهُ يَجُوزُ الرُّجُوعُ إِلَى قَوْلِ جَمْعٍ كَثِيرٍ كَانُوا يَرْقُبُونَ صَلَاتَهُ.
-
وَكَذَلِكَ الْإِمَامُ إِذَا قَامَ إِلَى رَكْعَةٍ ظَنَّهَا رَابِعَةً، وَعِنْدَ الْقَوْمِ أَنَّهَا خَامِسَةٌ، فَنَبَّهُوهُ، لَا يَرْجِعُ إِلَى قَوْلِهِمْ وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ: يَرْجِعُ إِنْ كَثُرَ عَدَدُهُمْ. وَاخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ السُّجُودِ، إِذَا شَكَّ: هَلْ صَلَّى ثَلَاثًا، أَمْ أَرْبَعًا؟ فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَطَائِفَةٌ: الْمُعْتَمَدُ فِيهِ الْخَبَرُ،
-
وَلَا يَظْهَرُ مَعْنَاهُ. وَاخْتَارَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَالْغَزَالِيُّ. وَقَالَ الْقَفَّالُ، وَالشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ، وَصَاحِبُ (التَّهْذِيبِ) وَآخَرُونَ: سَبَبُهُ: التَّرَدُّدُ فِي الرَّكْعَةِ الَّتِي يَأْتِي بِهَا، هَلْ هِيَ رَابِعَةٌ، أَمْ زَائِدَةٌ تُوجِبُ السُّجُودَ، وَهَذَا التَّرَدُّدُ يَقْتَضِي الْجَبْرَ بِالسُّجُودِ.
-
قُلْتُ: الثَّانِي أَصَحُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
فَلَوْ زَالَ التَّرَدُّدُ قَبْلَ السَّلَامِ، وَعَرَفَ أَنَّ الَّتِي يَأْتِي بِهَا رَابِعَةٌ، لَمْ يَسْجُدْ عَلَى الْأَوَّلِ. وَعَلَى الثَّانِي: يَسْجُدُ. وَضَبَطَ أَصْحَابُ هَذَا الْوَجْهِ صُورَةَ الشَّكِّ وَزَوَالِهِ فَقَالُوا: إِنْ كَانَ مَا فَعَلَهُ مِنْ وَقْتِ عُرُوضِ الشَّكِّ إِلَى زَوَالِهِ، مَا لَا بُدَّ مِنْهُ عَلَى كُلِّ احْتِمَالٍ،
-
فَلَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ. فَإِنْ كَانَ زَائِدًا عَلَى بَعْضِ الِاحْتِمَالَاتِ سَجَدَ. مِثَالُهُ: شَكَّ فِي قِيَامِهِ فِي الظُّهْرِ أَنَّ تِلْكَ الرَّكْعَةَ ثَالِثَةٌ، أَمْ رَابِعَةٌ؟ فَرَكَعَ وَسَجَدَ عَلَى هَذَا الشَّكِّ، وَهُوَ عَلَى عَزْمِ الْقِيَامِ إِلَى رَكْعَةٍ أُخْرَى أَخْذًا بِالْيَقِينِ، ثُمَّ
-
١/٣٠٩١/٣٠٩
تَذَكَّرَ قَبْلَ الْقِيَامِ أَنَّهَا ثَالِثَةٌ، أَوْ رَابِعَةٌ،
-
فَلَا يَسْجُدُ، لِأَنَّ مَا فَعَلَهُ عَلَى الشَّكِّ لَا بُدَّ مِنْهُ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ.
-
فَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ حَتَّى قَامَ، سَجَدَ لِلسَّهْوِ وَإِنْ تَيَقَّنَ أَنَّ الَّتِي قَامَ إِلَيْهَا رَابِعَةٌ، لِأَنَّ احْتِمَالَ الزِّيَادَةِ وَكَوْنَهَا خَامِسَةً كَانَ ثَابِتًا حِينَ قَامَ.
-
قُلْتُ: وَلَوْ شَكَّ الْمَسْبُوقُ، هَلْ أَدْرَكَ رُكُوعَ الْإِمَامِ، أَمْ لَا؟ فَسَيَأْتِي فِي بَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، لِأَنَّهُ لَا تُحْسَبُ لَهُ هَذِهِ الرَّكْعَةُ. قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي (الْفَتَاوَى) : فَعَلَى هَذَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، كَمَا لَوْ شَكَّ، هَلْ صَلَّى ثَلَاثًا، أَمْ أَرْبَعًا؟
-
هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْغَزَالِيُّ ظَاهِرٌ.
-
وَلَا يُقَالُ: يَتَحَمَّلُهُ عَنْهُ الْإِمَامُ، لِأَنَّ هَذَا الشَّخْصَ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ شَاكٌّ فِي عَدَدِ رَكَعَاتِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
فَرْعٌ
-
إِذَا شَكَّ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، أَوْ فِي فِعْلِ رُكْنٍ، فَالْأَصْلُ: أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ، فَيَجِبُ الْبِنَاءُ عَلَى الْيَقِينِ، كَمَا تَقَدَّمَ.
-
وَإِنْ وَقَعَ هَذَا الشَّكُّ بَعْدَ السَّلَامِ، فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ،
-
وَلَا أَثَرَ لِهَذَا الشَّكِّ.
-
وَقِيلَ: فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا: هَذَا. وَالثَّانِي: يَجِبُ الْأَخْذُ بِالْيَقِينِ.
-
فَإِنْ كَانَ الْفَصْلُ قَرِيبًا بَنَى.
-
وَإِنْ طَالَ اسْتَأْنَفَ. وَالثَّالِثُ: إِنْ قَرُبَ الْفَصْلُ، وَجَبَ الْبِنَاءُ.
-
وَإِنْ طَالَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
-
وَأَمَّا ضَبْطُ طُولِ الْفَصْلِ، فَيَحْتَاجُ إِلَيْهِ هُنَا وَفِيمَا إِذَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا، وَذَكَرَهُ بَعْدَ السَّلَامِ. وَفِي قَدْرِهِ قَوْلَانِ أَظْهَرُهُمَا، نَصَّهُ فِي (الْأُمِّ) : يَرْجِعُ فِيهِ إِلَى الْعُرْفِ. وَالثَّانِي، نَصَّهُ فِي (الْبُوَيْطِيِّ) : أَنَّ الطَّوِيلَ مَا يَزِيدُ عَلَى قَدْرِ رَكْعَةٍ.
-
وَلَنَا وَجْهٌ: أَنَّ الطَّوِيلَ: قَدْرُ الصَّلَاةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا.
-
ثُمَّ إِذَا جَوَّزْنَا الْبِنَاءَ،
-
فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بَعْدَ السَّلَامِ، أَوْ يَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ وَيَسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةَ، وَبَيْنَ أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ. وَلَنَا وَجْهٌ ضَعِيفٌ: أَنَّ الْقَدْرَ الْمَنْقُولَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي
-
١/٣١٠١/٣١٠
الْفَصْلِ مُحْتَمَلٌ. فَإِنْ زَادَ،
-
فَلَا. وَالْمَنْقُولُ: أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ وَمَضَى إِلَى نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، وَرَاجَعَ ذَا الْيَدَيْنِ، وَسَأَلَ الْجَمَاعَةَ، فَأَجَابُوا.