فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

كِتَابُ الْقَضَاءِ

روضة الطالبين وعمدة المفتينالشافعيةالمسائل ٦٢٬٩٢٨ إلى ٦٣٬٦٠٩

  1. ١١/٩٢١١/٩٢

    فِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ:

  2. الْأَوَّلُ: فِي التَّوْلِيَةِ وَفِيهِ طَرَفَانِ: الْأَوَّلُ: فِي التَّوْلِيَةِ، وَفِيهِ مَسَائِلُ:

  3. الْأُولَى: الْقَضَاءُ وَالْإِمَامَةُ فَرْضُ كِفَايَةٍ بِالْإِجْمَاعِ،

  4. فَإِنْ قَامَ بِهِ مَنْ يَصْلُحُ، سَقَطَ الْفَرْضُ عَنِ الْبَاقِينَ،

  5. وَإِنْ امْتَنَعَ الْجَمِيعُ، أَثِمُوا، وَأَجْبَرَ الْإِمَامُ أَحَدَهُمْ عَلَى الْقَضَاءِ،

  6. وَقِيلَ: لَا يُجْبَرُ، وَالصَّحِيحُ: الْأَوَّلُ،

  7. ثُمَّ مَنْ لَا يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ تَحْرُمُ تَوْلِيَتُهُ،

  8. وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّوَلِّي وَالطَّلَبُ،

  9. وَأَمَّا مَنْ يَصْلُحُ، فَلَهُ حَالَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَعَيَّنَ لِلْقَضَاءِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَبُولُ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَطْلُبَهُ وَيُشْهِرَ نَفْسَهُ عِنْدَ الْإِمَامِ إِنْ كَانَ خَامِلًا،

  10. وَلَا يُعْذَرُ بِأَنْ يَخَافَ مَيْلَ نَفْسِهِ وَخِيَانَتَهَا، بَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَقْبَلَ وَيَحْتَرِزَ،

  11. فَإِنِ امْتَنَعَ، عَصَا، وَهَلْ يُجْبَرُ؟ وَجْهَانِ الصَّحِيحُ نَعَمْ، وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ، كَمَا يُجْبَرُ عَلَى الْقِيَامِ بِسَائِرِ فَرُوضِ الْكِفَايَةِ عِنْدَ التَّعَيُّنِ،

  12. فَإِنْ قِيلَ: امْتِنَاعُهُ مِنْ هَذَا الْوَاجِبِ الْمُتَعَيِّنِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، وَيُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ كَبِيرَةً، فَيَفْسُقُ بِهِ، وَيَخْرُجُ عَنِ الْأَهْلِيَّةِ، فَكَيْفَ يُوَلَّى وَيُجْبَرُ، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ يُؤْمَرُ بِالتَّوْبَةِ أَوَّلًا، فَإِذَا تَابَ، وُلِّي.

  13. قُلْتُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: لَا يَفْسُقُ، لِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ غَالِبًا إِلَّا مُتَأَوِّلًا، وَهَذَا لَيْسَ بِعَاصٍ قَطْعًا،

  14. وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

  15. الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَصْلُحُ، فَذَلِكَ الْغَيْرُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَصْلَحَ، وَأَوْلَى مِنْهُ،

  16. وَإِمَّا مِثْلَهُ، وَإِمَّا دُونَهُ فَإِنْ كَانَ أَصْلَحَ مِنْهُ، بُنِيَ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَةَ الْعُظْمَى هَلْ تَنْعَقِدُ لِلْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْفَاضِلِ، وَفِيهِ خِلَافٌ لِلْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفُقَهَاءِ،

  17. وَالْأَصَحُّ الِانْعِقَادُ، لِأَنَّ تِلْكَ الزِّيَادَةَ خَارِجَةٌ عَنْ شَرْطِ الْإِمَامَةِ. وَفِي الْقَضَاءِ خِلَافٌ مُرَتَّبٌ، وَأَوْلَى

  18. ١١/٩٣١١/٩٣

    بِالِانْعِقَادِ، فَإِنْ لَمْ نُجَوِّزْ لِلْمَفْضُولِ الْقَضَاءَ حُرِّمَتْ تَوْلِيَتُهُ، وَحُرِّمَ عَلَيْهِ الطَّلَبُ وَالْقَبُولُ،

  19. وَإِنْ جَوَّزْنَاهُ، جَازَ الْقَبُولُ.

  20. وَأَمَّا الطَّلَبُ، فَمَكْرُوهٌ، وَقِيلَ: حَرَامٌ،

  21. وَإِنْ كَانَ الْأَصْلَحُ لَا يَتَوَلَّى، فَهُوَ كَالْمَعْدُومِ،

  22. وَأَمَّا إِذَا كَانَ هُنَاكَ مِثْلُهُ، فَلَهُ الْقَبُولُ،

  23. وَلَا يَلْزَمُهُ عَلَى الْأَصَحِّ، فَرُبَّمَا قَامَ بِهِ غَيْرُهُ وَأَمَّا الطَّلَبُ،

  24. فَإِنْ كَانَ خَامِلَ الذِّكْرِ،

  25. وَلَوْ تَوَلَّى، اشْتَهَرَ وَانْتَفَعَ النَّاسُ بِعِلْمِهِ، اسْتُحِبَّ لَهُ الطَّلَبُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقَالَ الْقَفَّالُ: لَا يُسْتَحَبُّ.

  26. وَإِنْ كَانَ مَشْهُورًا يَنْتَفِعُ النَّاسُ بِعِلْمِهِ،

  27. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كِفَايَةٌ وَلَوْ وُلِّي، حَصَلَتْ كِفَايَتُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، قَالَ الْأَكْثَرُونَ: يُسْتَحَبُّ،

  28. وَقِيلَ: لَا يُسْتَحَبُّ وَلَا يُكْرَهُ،

  29. وَإِنْ كَانَ لَهُ كِفَايَةٌ، فَالصَّحِيحُ أَنَّ الطَّلَبَ مَكْرُوهٌ،

  30. وَقِيلَ: الْأَوْلَى تَرْكُهُ، ثُمَّ كَمَا يُكْرَهُ الطَّلَبُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ يُكْرَهُ الْقَبُولُ،

  31. وَلَوْ وُلِّي بِلَا طَلَبٍ، وَعَلَى هَذَا حُمِلَ امْتِنَاعُ السَّلَفِ.

  32. وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ مَنْ هُوَ دُونَهُ،

  33. فَإِنْ لَمْ نُجَوِّزْ تَوْلِيَةَ الْمَفْضُولِ، فَقَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ،

  34. وَإِنْ جَوَّزْنَاهَا، اسْتُحِبَّ لَهُ الْقَبُولُ. وَفِي الْوُجُوبِ الْوَجْهَانِ،

  35. وَيُسْتَحَبُّ لَهُ الطَّلَبُ إِذَا وَثِقَ بِنَفْسِهِ، وَهَكَذَا حَيْثُ اسْتَحْبَبْنَا الطَّلَبَ وَالتَّوَلِّيَ أَوْ أَبَحْنَاهُمَا، فَذَلِكَ عِنْدَ الْوُثُوقِ، وَغَلَبَةِ الظَّنِّ بِقُوَّةٍ النَّفْسِ،

  36. وَأَمَّا عِنْدَ الْخَوْفِ، فَيَحْتَرِزُ.

  37. فَرْعٌ

  38. التَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرْنَا فِيمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ قَاضٍ مُتَوَلٍّ فَإِنْ كَانَ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ غَيْرَ مُسْتَحِقٍّ لِجَوْرٍ أَوْ جَهْلٍ، فَهُوَ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ،

  39. وَإِنْ كَانَ مُسْتَحِقًّا وَالطَّالِبُ يَرُومُ عَزْلَهُ، فَالطَّلَبُ حَرَامٌ، وَالطَّالِبُ مَجْرُوحٌ، ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.

  40. قُلْتُ: وَسَوَاءً كَانَ فَاضِلًا أَوْ مَفْضُولًا إِذَا صَحَّحْنَا تَوْلِيَةَ الْمَفْضُولِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

  41. ١١/٩٤١١/٩٤

    فَرْعٌ

  42. مَا ذَكَرْنَاهُ هُوَ حُكْمُ الطَّلَبِ بِلَا بَذْلٍ،

  43. فَلَوْ بَذَلَ مَالًا لِيَتَوَلَّى، فَقَدْ أَطْلَقَ ابْنُ الْقَاصِّ وَآخَرُونَ أَنَّهُ حَرَامٌ وَقَضَاؤُهُ مَرْدُودٌ،

  44. وَالصَّحِيحُ تَفْصِيلٌ ذَكَرَهُ الرُّويَانِيُّ وَهُوَ أَنَّهُ إِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ أَوْ كَانَ مِمَّنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ، فَلَهُ بَذْلُ الْمَالِ، وَلَكِنَّ الْآخِذَ ظَالِمٌ بِالْأَخْذِ، وَهَذَا كَمَا إِذَا تَعَذَّرَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ إِلَّا بِبَذْلِ مَالٍ،

  45. وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَحَبًّا، جَازَ لَهُ بَذْلُ الْمَالِ لِيَتَوَلَّى،

  46. وَيَجُوزُ لَهُ الْبَذْلُ بَعْدَ التَّوْلِيَةِ لِئَلَّا يُعْزَلَ، وَالْآخِذُ ظَالِمٌ بِالْأَخْذِ،

  47. وَأَمَّا بَذْلُ الْمَالِ لِعَزْلِ قَاضٍ،

  48. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِصِفَةِ الْقُضَاةِ، فَمُسْتَحَبٌّ لِمَا فِيهِ مِنْ تَخْلِيصِ النَّاسِ مِنْهُ، وَلَكِنَّ أَخْذَهُ حَرَامٌ عَلَى الْآخِذِ،

  49. وَإِنْ كَانَ بِصِفَتِهِمْ فَحَرَامٌ.

  50. فَإِنْ فَعَلَ، وَعُزِلَ الْأَوَّلُ، وَوُلِّيَ الْبَاذِلُ، قَالَ ابْنُ الْقَاصِّ: تَوْلِيَتُهُ بَاطِلَةٌ، وَالْمَعْزُولُ عَلَى قَضَائِهِ، لِأَنَّ الْعَزْلَ بِالرِّشْوَةِ حَرَامٌ، وَتَوْلِيَةُ الْمُرْشِي وَالرَّاشِي حَرَامٌ، وَلْيَكُنْ هَذَا عِنْدَ تَمَهُّدِ الْأُصُولِ الشَّرْعِيَّةِ،

  51. فَأَمَّا عِنْدَ الضَّرُورَاتِ، وَظُهُورِ فَرْعِ طُرُقِ الْفِتَنِ،

  52. فَلَا بُدَّ مِنْ تَنْفِيذِ الْعَزْلِ وَالتَّوْلِيَةِ جَمِيعًا، كَتَوْلِيَةِ الْبُغَاةِ.

  53. فَرْعٌ

  54. طُرُقُ الْأَصْحَابِ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّ النَّظَرَ فِي تَعَيُّنِ الشَّخْصِ لِلْقَضَاءِ وَعَدَمِ تَعَيُّنِهِ إِلَى الْبَلَدِ وَالنَّاحِيَةِ لَا غَيْرَ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ طَلَبُ الْقَضَاءِ بِبَلْدَةٍ أُخْرَى لَيْسَ بِهَا صَالِحٌ،

  55. وَلَا قَبُولُهُ إِذَا وُلِّيَ وَيَجُوزُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِيَامِ بِسَائِرِ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ الْمُحْوِجَةِ إِلَى السَّفَرِ، كَالْجِهَادِ وَتَعَلُّمِ الْعِلْمَ وَنَحْوِهِمَا،

  56. فَإِنَّ تِلْكَ يُمْكِنُ الْقِيَامُ بِهَا، وَالْعَوْدُ إِلَى الْوَطَنِ، وَعَمَلُ الْقَضَاءِ لَا غَايَةَ لَهُ.

  57. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي صِفَاتِ الْقَاضِي وَالْمُفْتِي وَفِيهَا فَصْلَانِ:

  58. الْأَوَّلُ: فِي صِفَاتِ الْقَاضِي وَلَهُ ثَمَانِيَةُ شُرُوطٍ أَحَدُهَا: الْحُرِّيَّةُ،

  59. ١١/٩٥١١/٩٥

    وَالثَّانِي: الذُّكُورَةُ، وَالثَّالِثُ: الِاجْتِهَادُ،

  60. فَلَا يَجُوزُ تَوْلِيَةُ جَاهِلٍ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَطُرُقِهَا الْمُحْتَاجِ إِلَى تَقْلِيدِ غَيْرِهِ فِيهَا، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ لِمَنْ عَلِمَ أُمُورًا أَحَدُهَا كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى،

  61. وَلَا يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِجَمِيعِهِ، بَلْ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ،

  62. وَلَا يُشْتَرَطُ حِفْظُهُ عَنْ ظَهْرِ الْقَلْبِ،

  63. وَمِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ يُنَازِعُ ظَاهِرَ كَلَامِهِ فِيهِ. الثَّانِي: سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا جَمِيعُهَا، بَلْ مَا يَتَعَلَّقُ مِنْهَا بِالْأَحْكَامِ،

  64. وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَعْرِفَ مِنْهَا الْعَامَّ وَالْخَاصَّ، وَالْمُطْلَقَ وَالْمُقَيَّدَ، وَالْمُجْمَلَ وَالْمُبَيَّنَ، وَالنَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ،

  65. وَمِنْ السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرُ وَالْآحَادُ، وَالْمُرْسَلُ وَالْمُتَّصِلُ، وَحَالُ الرُّوَاةِ جَرْحًا وَتَعْدِيلًا. الثَّالِثُ: أَقَاوِيلُ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إِجْمَاعًا وَاخْتِلَافًا. الرَّابِعُ: الْقِيَاسُ فَيَعْرِفُ جَلِيَّهُ وَخَفِيَّهُ، وَتَمْيِيزَ الصَّحِيحِ مِنَ الْفَاسِدِ. الْخَامِسُ: لِسَانُ الْعَرَبِ لُغَةً وَإِعْرَابًا، لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِالْعَرَبِيَّةِ وَبِهَذِهِ الْجِهَةِ يَعْرِفُ عُمُومَ اللَّفْظِ وَخُصُوصَهُ وَإِطْلَاقَهُ وَتَقْيِيدَهُ، وَإِجْمَالَهُ وَبَيَانَهُ.

  66. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا يُشْتَرَطُ التَّبَحُّرُ فِي هَذِهِ الْعُلُومِ، بَلْ يَكْفِي مَعْرِفَةُ جُمَلٍ مِنْهَا، وَزَادَ الْغَزَالِيُّ تَخْفِيفَاتٍ ذَكَرَهَا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ مِنْهَا: أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَى تَتَبُّعِ الْأَحَادِيثِ عَلَى تَفَرُّقِهَا وَانْتِشَارِهَا، بَلْ يَكْفِي أَنْ يَكُونَ لَهُ أَصْلٌ مُصَحَّحٌ وَقَعَتِ الْعِنَايَةُ فِيهِ بِجَمِيعِ أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ كَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَيَكْفِي أَنْ يَعْرِفَ مَوَاقِعَ كُلِّ بَابٍ، فَيُرَاجِعُهُ إِذَا احْتَاجَ إِلَى الْعَمَلِ بِذَلِكَ الْبَابِ.

  67. قُلْتُ: لَا يَصِحُّ التَّمْثِيلُ بِسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ فَإِنَّهُ لَمْ يَسْتَوْعِبِ الصَّحِيحَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ وَلَا مُعْظَمَهُ، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ، بَلْ مَعْرِفَتُهُ ضَرُورِيَّةٌ لِمَنْ لَهُ أَدْنَى اطِّلَاعٍ. وَكَمْ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثٍ حُكْمِيٍ لَيْسَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ.

  68. وَأَمَّا مَا فِي كِتَابَيِ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ فَكَثْرَتُهُ وَشُهْرَتُهُ غَنِيَّةٌ عَنِ التَّصْرِيحِ بِهَا. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

  69. وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ضَبْطُ جَمِيعِ مَوَاضِعِ الْإِجْمَاعِ وَالِاخْتِلَافِ،

  70. ١١/٩٦١١/٩٦

    بَلْ يَكْفِي أَنْ يَعْرِفَ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي يُفْتِي فِيهَا أَنَّ قَوْلَهُ لَا يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ، بِأَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ وَافَقَ بَعْضَ الْمُتَقَدِّمِينَ، أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهَا الْأَوَّلُونَ بَلْ تَوَلَّدَتْ فِي عَصْرِهِ، وَعَلَى قِيَاسِ مَعْرِفَةِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ. وَمِنْهَا: أَنَّ كُلَّ حَدِيثٍ أَجَمَعَ السَّلَفُ عَلَى قَبُولِهِ أَوْ تَوَاتَرَتْ عَدَالَةُ رُوَاتِهِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْبَحْثِ عَنْ عَدَالَةِ رُوَاتِهِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكْتَفِيَ فِي عَدَالَةِ رُوَاتِهِ بِتَعْدِيلِ إِمَامٍ مَشْهُورٍ عُرِفَتْ صِحَّةُ مَذْهَبِهِ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ.

  71. قُلْتُ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا أَطْبَقَ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ عَلَيْهِ، وَشَذَّ مَنْ شَرَطَ فِي التَّعْدِيلِ اثْنَيْنِ، وَقَوْلُهُ: تَوَاتَرَتْ عَدَالَةُ رُوَاتِهِ يَعْنِي مَعَ ضَبْطِهِمْ.

  72. وَلَوْ قَالَ: أَهْلِيَّةُ رُوَاتِهِ كَانَ أَوْلَى لِيَشْمَلَ الْعَدَالَةَ وَالضَّبْطَ. وَقَوْلُهُ: أَجْمَعَ السَّلَفُ عَلَى قَبُولِهِ يَعْنِي عَلَى الْعَمَلِ بِهِ،

  73. وَلَا يَكْفِي عَمَلُهُمْ عَلَى وَفْقِهِ، فَقَدْ يَعْمَلُونَ عَلَى وَفْقِهِ بِغَيْرِهِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

  74. وَمِنْهَا: أَنَّ اجْتِمَاعَ هَذِهِ الْعُلُومِ إِنَّمَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ الَّذِي يُفْتِي فِي جَمِيعِ أَبْوَابِ الشَّرْعِ،

  75. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْعَالِمِ مَنْصِبُ الِاجْتِهَادِ فِي بَابٍ دُونَ بَابٍ، وَعَدَّ الْأَصْحَابُ مِنْ شُرُوطِ الِاجْتِهَادِ مَعْرِفَةَ أُصُولِ الِاعْتِقَادِ. قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَعِنْدِي أَنَّهُ يَكْفِي اعْتِقَادٌ جَازِمٌ،

  76. وَلَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَتُهَا عَلَى طُرُقِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَبِأَدِلَّتِهِمُ الَّتِي يُحَرِّرُونَهَا.

  77. الشَّرْطُ الرَّابِعُ: الْبَصَرُ، فَلَا يَصِحُّ تَوْلِيَةُ أَعْمَى وَفِي «جَمْعِ الْجَوَامِعِ» لِلرُّويَانِيِّ وَجْهٌ أَنَّهُ يَجُوزُ،

  78. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الْخُصُومَ وَالشُّهُودَ.

  79. الْخَامِسُ: التَّكْلِيفُ، فَلَا يَصِحُّ تَوْلِيَةُ الصَّبِيِّ.

  80. السَّادِسُ: الْعَدَالَةُ فَلَا يَصِحُّ تَوْلِيَةُ فَاسِقٍ وَلَا كَافِرٍ وَلَوْ عَلَى الْكُفَّارِ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْوِلَادَةِ مِنْ نَصْبِ حَاكِمٍ بَيْنَ أَهْلِ

  81. ١١/٩٧١١/٩٧

    الذِّمَّةِ، فَهُوَ تَقْلِيدُ رِئَاسَةٍ وَزَعَامَةٍ لَا تَقْلِيدُ حُكْمٍ وَقَضَاءٍ،

  82. وَلَا يَلْزَمُهُمْ حُكْمُهُ بِإِلْزَامِهِ بَلْ بِالْتِزَامِهِمْ.

  83. السَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ نَاطِقًا سَمِيعًا،

  84. فَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ أَخْرَسَ لَا تُعْقَلُ إِشَارَتُهُ،

  85. وَكَذَا إِنْ عُقِلَتْ عَلَى الصَّحِيحِ،

  86. وَلَا أَصَمَّ لَا يَسْمَعُ أَصْلًا،

  87. فَإِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا صِيحَ بِهِ، جَازَ تَقْلِيدُهُ.

  88. الثَّامِنُ: الْكِفَايَةُ، فَلَا يَصِحُّ قَضَاءُ مُغَفَّلٍ اخْتَلَّ رَأْيُهُ وَنَظَرُهُ بِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِمَا.

  89. وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يُحْسِنَ الْكِتَابَةَ عَلَى الْأَصَحِّ.

  90. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ وَافِرَ الْعَقْلِ حَلِيمًا مُتَثَبِّتًا ذَا فِطْنَةٍ وَتَيَقُّظٍ، كَامِلَ الْحَوَّاسِّ وَالْأَعْضَاءِ، عَالِمًا بِلُغَةِ الَّذِينَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ، بَرِيئًا مِنَ الشَّحْنَاءِ وَالطَّمَعِ، صَدُوقَ اللَّهْجَةِ، ذَا رَأْيٍ وَوَفَاءٍ، وَسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ،

  91. وَأَنْ لَا يَكُونَ جَبَّارًا يَهَابُهُ الْخُصُومُ،

  92. فَلَا يَتَمَكَّنُونَ مِنِ اسْتِيفَاءِ الْحُجَّةِ،

  93. وَلَا ضَعِيفًا يَسْتَخِفُّونَ بِهِ، وَيَطْمَعُونَ فِيهِ،

  94. وَأَنْ يَكُونَ قُرَشِيًّا. وَرِعَايَةُ الْعِلْمِ وَالتُّقَى أَوْلَى مِنْ رِعَايَةِ النَّسَبِ.

  95. فَرْعٌ

  96. إِنْ عَرَفَ الْإِمَامُ أَهْلِيَّتَهُ وَلَّاهُ، وَإِلَّا فَيَبْحَثُ عَنْ حَالِهِ،

  97. فَلَوْ وَلَّى مَنْ لَمْ تَجْتَمِعْ فِيهِ الشُّرُوطُ مَعَ الْعِلْمِ بِحَالِهِ، أَثِمَ الْمُوَلِّي وَالْمُتَوَلِّي وَلَمْ يُنَفَّذْ قَضَاؤُهُ وَإِنْ أَصَابَ، هَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِي الْبَابِ.

  98. قَالَ فِي «الْوَسِيطِ» : لَكِنَّ اجْتِمَاعَ هَذِهِ الشُّرُوطِ مُتَعَذِّرٌ فِي عَصْرِنَا لِخُلُوِّ الْعَصْرِ عَنِ الْمُجْتَهِدِ الْمُسْتَقِلِّ، فَالْوَجْهُ تَنْفِيذُ قَضَاءِ كُلِّ مَنْ وَلَّاهُ سُلْطَانٌ ذُو شَوْكَةٍ وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا أَوْ فَاسِقًا لِئَلَّا تَتَعَطَّلَ مَصَالِحُ النَّاسِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّا نُنَفِّذُ قَضَاءَ قَاضِي الْبُغَاةِ لِمِثْلِ هَذِهِ الضَّرُورَةِ، وَهَذَا حَسَنٌ، لَكِنْ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ قَاضِيَ الْبُغَاةِ إِذَا كَانَ مِنْهُمْ، وَبَغْيُهُمْ لَا يُوجِبُ فِسْقًا كَبَغْيِ أَصْحَابِ

  99. ١١/٩٨١١/٩٨

    مُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جَازَ قَضَاؤُهُ،

  100. وَإِنْ أَوْجَبَ الْفِسْقَ، كَبَغْيِ أَهْلِ النَّهْرَوَانِ، لَمْ يَجُزْ.

  101. قُلْتُ: هَذَا الْمَنْقُولُ عَنْ بَعْضِ الشُّرُوحِ مَشْهُورٌ، قَدْ ذَكَرَهُ صَاحِبُ «الْمُهَذَّبِ» وَغَيْرُهُ، فَفِي «الْمُهَذَّبِ» أَنَّ قَاضِيَ الْبُغَاةِ إِنْ كَانَ مِمَّنْ يَسْتَبِيحُ دَمَ أَهْلِ الْعَدْلِ وَمَالَهُمْ، لَمْ يُنَفَّذْ حُكْمُهُ؛ لِأَنَّ شَرْطَهُ الْعَدَالَةُ وَالِاجْتِهَادُ، وَهَذَا لَيْسَ بِعَدْلٍ وَلَا مُجْتَهِدٍ، وَقَدْ جَزَمَ الرَّافِعِيُّ فِي «الْمُحَرَّرِ» بِمَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ، فَقَالَ: إِنْ تَعَذَّرَ اجْتِمَاعُ هَذِهِ الشُّرُوطِ، فَوَلَّى سُلْطَانٌ ذُو شَوْكَةٍ فَاسِقًا، أَوْ مُقَلِّدًا، نُفِّذَ قَضَاؤُهُ لِلضَّرُورَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  102. وَذُكِرَ أَنَّ الْقَاضِيَ الْعَادِلَ إِذَا اسْتَقْضَاهُ أَمِيرٌ بَاغٍ، أَجَابَهُ إِلَيْهِ، وَنُفِّذَ قَضَاؤُهُ، فَقَدْ سُئِلَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - عَنْ ذَلِكَ لِمَنِ اسْتَقْضَاهُ زِيَادٌ، فَقَالَتْ: إِنْ لَمْ يَقْضِ لَهُمْ خِيَارُكُمْ قَضَى شِرَارُكُمْ.

  103. فَرْعٌ

  104. مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ لَا يَصِحُّ تَقْلِيدُهُ الْقَضَاءَ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ:

  105. وَكَذَا لَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ مَنْ لَا يَقُولُ بِالْإِجْمَاعِ، أَوْ لَا يَقُولُ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ،

  106. وَكَذَا حُكْمُ نُفَاةِ الْقِيَاسِ الَّذِينَ لَا يَقُولُونَ بِالِاجْتِهَادِ أَصْلًا، بَلْ يَتَّبِعُونَ النُّصُوصَ،

  107. فَإِنْ لَمْ يَجِدُوا أَخَذُوا بِقَوْلِ سَلَفِهِمْ، كَالشِّيعَةِ،

  108. فَإِنْ كَانُوا مُجْتَهِدِينَ فِي فَحْوَى الْكَلَامِ، وَيَبْنُونَ الْأَحْكَامَ عَلَى عُمُومِ النُّصُوصِ وَإِشَارَاتِهَا، جَازَ تَقْلِيدُهُمْ عَلَى الْأَصَحِّ.

  109. الْفَصْلُ الثَّانِي فِي الْمُفْتِي:

  110. وَمَتَى لَمْ يَكُنْ فِي الْمَوْضِعِ إِلَّا وَاحِدٌ يَصْلُحُ لِلْفَتْوَى، تَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَنْ يُفْتِيَ،

  111. وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ غَيْرُهُ فَهُوَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، وَمَعَ هَذَا فَلَا يَحِلُّ التَّسَارُعُ إِلَيْهِ، فَقَدْ كَانَتِ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مَعَ مُشَاهَدَتِهِمُ الْوَحْيَ يُحِيلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْفَتْوَى، وَيَحْتَرِزُونَ عَنِ اسْتِعْمَالِ الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ مَا أَمْكَنَ.

  112. ثُمَّ نَتَكَلَّمُ فِي ثَلَاثِ

  113. ١١/٩٩١١/٩٩

    جُمَلٍ، إِحْدَاهَا فِي الْمُفْتِي، فَيُشْتَرَطُ إِسْلَامُهُ وَبُلُوغُهُ وَعَدَالَتُهُ، فَالْفَاسِقُ لَا تُقْبَلُ فَتْوَاهُ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَعْمَلَ لِنَفْسِهِ بِاجْتِهَادِهِ،

  114. وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُفْتِي أَيْضًا التَّيَقُّظُ وَقُوَّةُ الضَّبْطِ،

  115. فَلَا يُقْبَلُ مِمَّنْ تَغْلِبُ عَلَيْهِ الْغَفْلَةُ وَالسَّهْوُ،

  116. وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ،

  117. فَلَوْ عَرَفَ الْعَامِّيُّ مَسْأَلَةً أَوْ مَسَائِلَ بِدَلِيلِهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِهَا،

  118. وَلَا لِغَيْرِهِ أَنْ يُقَلِّدَهُ وَيَأْخُذَ بِقَوْلِهِ فِيهَا،

  119. وَقِيلَ: يَجُوزُ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ نَقْلِيًّا جَازَ،

  120. وَإِنْ كَانَ قِيَاسِيًّا فَلَا، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.

  121. وَالْعَالِمُ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ غَايَةَ الِاجْتِهَادِ كَالْعَامِّيِّ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَمَوْتُ الْمُجْتَهِدِ هَلْ يُخْرِجُهُ عَنْ أَنْ يُقَلَّدَ وَيُؤْخَذَ بِقَوْلِهِ؟ وَجْهَانِ الصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يُخْرِجُهُ، بَلْ يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ كَمَا يُعْمَلُ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ بَطَلَ قَوْلُهُ بِمَوْتِهِ، لَبَطَلَ الْإِجْمَاعُ بِمَوْتِ الْمُجْمِعِينَ، وَلَصَارَتِ الْمَسْأَلَةُ اجْتِهَادِيَّةً، وَلِأَنَّ النَّاسَ الْيَوْمَ كَالْمُجْمِعِينَ عَلَى أَنَّهُ لَا مُجْتَهِدَ الْيَوْمَ،

  122. فَلَوْ مَنَعْنَا تَقْلِيدَ الْمَاضِينَ، لَتَرَكْنَا النَّاسَ حَيَارَى. وَبَنَوْا عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَنَّ مَنْ عَرَفَ مَذْهَبَ مُجْتَهِدٍ، وَتَبَحَّرَ فِيهِ، لَكِنْ لَمْ يَبْلُغْ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ، هَلْ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ وَيَأْخُذَ بِقَوْلِ ذَلِكَ الْمُجْتَهِدِ؟ فَعَلَى الصَّحِيحِ يَجُوزُ. هَكَذَا صَوَّرُوا الْفَرْعَ، وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: إِذَا كَانَ الْمَأْخَذُ مَا ذَكَرْنَا، فَسَوَاءٌ الْمُتَبَحِّرُ وَغَيْرُهُ، بَلِ الْعَامِّيُّ إِذَا عَرَفَ حُكْمَ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ ذَلِكَ الْمُجْتَهِدِ فَأَخْبَرَ بِهِ، وَأَخَذَ غَيْرُهُ بِهِ تَقْلِيدًا لِلْمَيِّتِ وَجَبَ أَنْ يَجُوزَ عَلَى الصَّحِيحِ.

  123. قُلْتُ: هَذَا الِاعْتِرَاضُ ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَبَحِّرًا رُبَّمَا ظَنَّ مَا لَيْسَ مَذْهَبًا لَهُ مَذْهَبَهُ، لِقُصُورِ فَهْمِهِ وَقِلَّةِ اطِّلَاعِهِ عَلَى مَظَانِّ الْمَسْأَلَةِ وَاخْتِلَافِ نُصُوصِ ذَلِكَ الْمُجْتَهِدِ، وَالْمُتَأَخِّرِ مِنْهَا، وَالرَّاجِحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، لَاسِيَّمَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الَّذِي لَا يَكَادُ يَعْرِفُ مَا يُفْتَى بِهِ مِنْهُ إِلَّا أَفْرَادٌ، لِكَثْرَةِ انْتِشَارِهِ، وَاخْتِلَافِ نَاقِلِيهِ فِي النَّقْلِ وَالتَّرْجِيحِ.

  124. فَإِنْ فُرِضَ هَذَا فِي مَسَائِلَ صَارَتْ كَالْمَعْلُومَةِ عِلْمًا قَطْعِيًّا عَنْ ذَلِكَ الْمَذْهَبِ، كَوُجُوبِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ، وَالْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي

  125. ١١/١٠٠١١/١٠٠

    مَالِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَوُجُوبِ تَبْيِيتِ النِّيَّةِ فِي صَوْمِ الْفَرْضِ، وَصِحَّةِ الِاعْتِكَافِ بِلَا صَوْمٍ، وَعَدَمِ وُجُوبِ نَفَقَةِ الْبَائِنِ الْحَامِلِ، وَوُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ بِالْمُثَقَّلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَهَذَا حَسَنٌ مُحْتَمَلٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  126. وَإِذَا جَوَّزْنَا الْفَتْوَى إِخْبَارًا عَنْ مَذْهَبِ الْمَيِّتِ،

  127. فَإِنْ عُلِمَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يُفْتِي عَلَى مَذْهَبِ إِمَامٍ مُعَيَّنٍ، كَفَى إِطْلَاقُ الْجَوَابِ، وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ إِضَافَتِهِ إِلَى صَاحِبِ الْمَذْهَبِ.

  128. فَرْعٌ

  129. لَيْسَ لِمُجْتَهِدٍ أَنْ يُقَلِّدَ مُجْتَهِدًا لَا لِيَعْمَلَ بِهِ،

  130. وَلَا لِيُفْتِيَ بِهِ، وَلَا إِذَا كَانَ قَاضِيًا لِيَقْضِيَ بِهِ، سَوَاءٌ خَافَ الْفَوْتَ لِضِيقِ وَقْتٍ أَمْ لَا.

  131. وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: لَهُ التَّقْلِيدُ إِذَا ضَاقَ الْوَقْتُ لِيَعْمَلَ بِهِ، لَا لِيُفْتِيَ، وَقِيَاسُهُ أَنْ لَا يَجُوزَ لِلْقَضَاءِ وَأَوْلَى. وَفِي «الشَّامِلِ» وَ «التَّهْذِيبِ» طَرَدَ قَوْلَ ابْنِ سُرَيْجٍ فِي الْقَضَاءِ. وَصُورَةُ الضِّيقِ فِيهِ: أَنْ يَتَحَاكَمَ مُسَافِرَانِ وَالْقَافِلَةُ تَرْتَحِلُ،

  132. وَمَنْ قَالَ بِهِ، فَقِيَاسُهُ طَرَدُهُ فِي الْفَتْوَى.

  133. فَرْعٌ

  134. هَلْ يَلْزَمُ الْمُجْتَهِدَ تَجْدِيدُ الِاجْتِهَادِ إِذَا وَقَعَتِ الْحَادِثَةُ مَرَّةً أُخْرَى، أَوْ سُئِلَ عَنْهَا مَرَّةً أُخْرَى، أَمْ يَعْتَمِدُ اجْتِهَادَهُ الْأَوَّلَ؟ وَجْهَانِ كَمَا سَبَقَ فِي الْقِبْلَةِ.

  135. قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا لُزُومُ التَّجْدِيدِ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَاكِرًا لِدَلِيلِ الْأُولَى، وَلَمْ يَتَجَدَّدْ مَا قَدْ يُوجِبُ رُجُوعَهُ،

  136. فَإِنْ كَانَ ذَاكِرًا، لَمْ يَلْزَمْهُ قَطْعًا،

  137. وَإِنْ تَجَدَّدَ مَا يُوجِبُ الرُّجُوعَ، لَزِمَهُ قَطْعًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  138. ١١/١٠١١١/١٠١

    فَرْعٌ

  139. الْمَنْسُوبُ إِلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ. أَحَدُهَا: الْعَوَامُّ وَتَقْلِيدُهُمُ الشَّافِعِيَّ مَثَلًا مُفَرَّعٌ عَلَى تَقْلِيدِ الْمَيِّتِ وَقَدْ سَبَقَ.

  140. وَالثَّانِي: الْبَالِغُونَ لِرُتْبَةِ الِاجْتِهَادِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يُقَلِّدُ مُجْتَهِدًا وَإِنَّمَا يُنْسَبُ هَؤُلَاءِ إِلَى الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُمْ جَرَوْا عَلَى طَرِيقَتِهِ فِي الِاجْتِهَادِ وَاسْتِعْمَالِ الْأَدِلَّةِ وَتَرْتِيبِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، وَوَافَقَ اجْتِهَادُهُمُ اجْتِهَادَهُ وَإِذَا خَالَفَ أَحْيَانًا لَمْ يُبَالُوا بِالْمُخَالَفَةِ.

  141. وَالصِّنْفُ الثَّالِثُ: الْمُتَوَسِّطُونَ وَهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ فِي أُصُولِ الشَّرْعِ، لَكِنَّهُمْ وَقَفُوا عَلَى أُصُولِ الْإِمَامِ فِي الْأَبْوَابِ وَتَمَكَّنُوا مِنْ قِيَاسِ مَا لَمْ يَجِدُوهُ مَنْصُوصًا لَهُ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ، وَهَؤُلَاءِ مُقَلِّدُونَ لَهُ تَفْرِيعًا عَلَى تَقْلِيدِ الْمَيِّتِ، وَهَكَذَا مَنْ يَأْخُذُ بِقَوْلِهِمْ مِنَ الْعَوَامِّ تَقْلِيدًا لَهُ، وَالْمَعْرُوفُ لِلْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يُقَلِّدُهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ، لِأَنَّهُمْ مُقَلِّدُونَ، وَقَدْ نَجِدُ مَا يُخَالِفُ هَذَا فَإِنَّ أَبَا الْفَتْحِ الْهَرَوِيَّ وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَامِ يَقُولُ فِي الْأُصُولِ: مَذْهَبُ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْعَامِّيَّ لَا مَذْهَبَ لَهُ،

  142. فَإِنْ وَجَدَ مُجْتَهِدًا قَلَّدَهُ.

  143. وَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ، وَوَجَدَ مُتَبَحِّرًا فِي مَذْهَبٍ، فَإِنَّهُ يُفْتِيهِ عَلَى مَذْهَبِ نَفْسِهِ،

  144. وَإِنْ كَانَ الْعَامِّيُّ لَا يَعْتَقِدُ مَذْهَبَهُ. وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ يُقَلِّدُ الْمُتَبَحِّرَ فِي نَفْسِهِ.

  145. وَإِذَا اخْتَلَفَ مُتَبَحِّرَانِ فِي مَذْهَبٍ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي قِيَاسِ أَصْلِ مَذْهَبِ إِمَامِهِمَا،

  146. وَمِنْ هَذَا يَتَوَلَّدُ وُجُوهُ الْأَصْحَابِ، فَنَقُولُ: أَيُّهُمَا يَأْخُذُ الْعَامِّيُّ؟ فِيهِ مَا سَنَذْكُرُهُ فِي اخْتِلَافِ الْمُجْتَهِدِينَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى،

  147. وَإِذَا نَصَّ صَاحِبُ الْمَذْهَبِ عَلَى الْحُكْمِ وَالْعِلَّةِ، أَلْحَقَ بِتِلْكَ الْعِلَّةِ غَيْرَ الْمَنْصُوصِ بِالْمَنْصُوصِ،

  148. وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الْحُكْمِ، فَهَلْ يَسْتَنْبِطُ الْمُتَبَحِّرُ الْعِلَّةَ وَيُعَدِّي الْحُكْمَ بِهَا، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى: لَا، وَالْأَشْبَهُ

  149. ١١/١٠٢١١/١٠٢

    بِفِعْلِ الْأَصْحَابِ جَوَازُهُ؛ لِأَنَّهُمْ يَنْقُلُونَ الْحُكْمَ،

  150. ثُمَّ يَخْتَلِفُونَ فِي عِلَّتِهِ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ يَطْرُدُ الْحُكْمَ فِي فُرُوعِ عِلَّتِهِ.

  151. فَرْعٌ

  152. ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ أَنَّهُ إِذَا نَصَّ الْإِمَامُ فِي وَاقِعَةٍ عَلَى حُكْمٍ، وَفِي أُخْرَى شَبَهِهَا عَلَى خِلَافِهِ لَا يَجُوزُ نَقْلُ قَوْلِهِ مِنْ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى وَتَخْرِيجُهُمَا عَلَى قَوْلَيْنِ،

  153. وَأَنَّ مَا يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ لَا يُجْعَلُ قَوْلًا لَهُ إِلَّا إِذَا لَمْ يُحْتَمَلْ كَقَوْلِهِ: ثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ فِي الشِّقْصِ مِنَ الدَّارِ، فَيُقَالُ: قَوْلُهُ فِي الْحَانُوتِ كَذَلِكَ وَالْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ خِلَافُ مَا قَالَهُ، لَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ قِيَاسُ أَصْلِهِ أَوْ قِيَاسُ قَوْلِهِ،

  154. وَلَا يُقَالُ: هُوَ قَوْلُهُ.

  155. فَرْعٌ

  156. لِلْمُفْتِي أَنْ يُشَدِّدَ فِي الْجَوَابِ بِلَفْظٍ مُتَأَوَّلٍ عِنْدَهُ زَجْرًا وَتَهْدِيدًا فِي مَوَاضِعِ الْحَاجَةِ.

  157. قُلْتُ: الْمُرَادُ مَا ذَكَرَهُ الصَّيْمَرِيُّ وَغَيْرُهُ قَالُوا: إِذَا رَأَى الْمُفْتِي الْمَصْلَحَةَ أَنْ يَقُولَ لِلْعَامِّيِّ مَا فِيهِ تَغْلِيظٌ وَهُوَ لَا يَعْتَقِدُ ظَاهِرَهُ، وَلَهُ فِيهِ تَأْوِيلٌ، جَازَ زَجْرًا، كَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ، فَقَالَ: لَا تَوْبَةَ لَهُ، وَسَأَلَهُ آخَرُ فَقَالَ: لَهُ تَوْبَةٌ،

  158. ثُمَّ قَالَ: أَمَّا الْأَوَّلُ، فَرَأَيْتُ فِي عَيْنَيْهِ إِرَادَةَ الْقَتْلِ فَمَنَعْتُهُ، أَمَّا الثَّانِي، فَجَاءَ

  159. ١١/١٠٣١١/١٠٣

    مِسْكِينًا قَدْ قَتَلَ، فَلَمْ أُقَنِّطْهُ، قَالَ الصَّيْمَرِيُّ:

  160. وَكَذَا إِنْ سَأَلَهُ، فَقَالَ: إِنْ قَتَلْتُ عَبْدِي، فَهَلْ عَلَيَّ قِصَاصٌ، فَوَاسِعٌ أَنْ يُقَالَ: إِنْ قَتَلْتَهُ قَتَلْنَاكَ، فَعَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ» وَلِأَنَّ الْقَتْلَ لَهُ مَعَانٍ وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى إِطْلَاقِهِ مَفْسَدَةٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  161. الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ فِي الْمُسْتَفْتِي، فَيَلْزَمُهُ سُؤَالُ الْمُفْتِي عِنْدَ حُدُوثِ مَسْأَلَتِهِ، وَإِنَّمَا يَسْأَلُ مَنْ عَرَفَ عِلْمَهُ وَعَدَالَتَهُ،

  162. فَإِنْ لَمْ يَعْرِفِ الْعِلْمَ، بَحَثَ عَنْهُ بِسُؤَالِ النَّاسِ،

  163. وَإِنْ لَمْ يَعْرِفِ الْعَدَالَةَ، فَقَدْ ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِيهِ احْتِمَالَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ، وَأَشْبَهُهُمَا الِاكْتِفَاءُ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ حَالِ الْعُلَمَاءِ الْعَدَالَةُ،

  164. بِخِلَافِ الْبَحْثِ عَنِ الْعِلْمِ، فَلَيْسَ الْغَالِبُ مِنَ النَّاسِ الْعِلْمَ،

  165. ثُمَّ ذَكَرَ احْتِمَالَيْنِ فِي أَنَّهُ إِذَا وَجَبَ الْبَحْثُ، يَفْتَقِرُ إِلَى عَدَدِ التَّوَاتُرِ، أَمْ يَكْفِي إِخْبَارُ عَدْلٍ أَوْ عَدْلَيْنِ؟ أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي.

  166. قُلْتُ: الِاحْتِمَالَانِ فِيمَا إِذَا لَمْ تُعْرَفِ الْعَدَالَةُ، هُمَا فِيمَنْ كَانَ مَسْتُورًا وَهُوَ الَّذِي ظَاهِرُهُ الْعَدَالَةُ وَلَمْ يُخْتَبَرْ بَاطِنُهُ وَهُمَا وَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا غَيْرُهُ، أَصَحُّهُمَا الِاكْتِفَاءُ؛ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ الْبَاطِنَةَ يَعْسُرُ مَعْرِفَتُهَا عَلَى غَيْرِ الْقُضَاةِ، فَيَعْسُرُ عَلَى الْعَوَامِّ تَكْلِيفُهُمْ بِهَا، وَهَذَا الْخِلَافُ كَالْخِلَافِ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ بِحُضُورِ الْمَسْتُورِينَ.

  167. أَمَّا الِاحْتِمَالَانِ فِي اشْتِرَاطِ عَدَدِ التَّوَاتُرِ، وَالِاكْتِفَاءِ بِعَدْلٍ، فَهُمَا مُحْتَمَلَانِ، وَلَكِنَّ الْمَنْقُولَ خِلَافُهُمَا، فَالَّذِي قَالَهُ الْأَصْحَابُ أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِفْتَاءُ مَنِ اسْتَفَاضَتْ أَهْلِيَّتُهُ،

  168. وَقِيلَ: لَا يَكْفِي الِاسْتِفَاضَةُ وَلَا التَّوَاتُرُ، بَلْ إِنَّمَا يُعْتَمَدُ قَوْلُهُ: أَنَا أَهْلٌ لِلْفَتْوَى؛ لِأَنَّ الِاسْتِفَاضَةَ وَالشُّهْرَةَ بَيْنَ الْعَامَّةِ لَا وُثُوقَ بِهَا، فَقَدْ يَكُونُ أَصْلُهَا التَّلْبِيسَ،

  169. وَأَمَّا التَّوَاتُرُ فَلَا يُفِيدُ الْعِلْمَ إِذَا لَمْ يَسْتَنِدْ إِلَى مَعْلُومٍ مَحْسُوسٍ،

  170. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ إِقْدَامَهُ عَلَيْهَا إِخْبَارٌ مِنْهُ بِأَهْلِيَّتِهِ

  171. ١١/١٠٤١١/١٠٤

    لِأَنَّ الصُّورَةَ فِيمَنْ وُثِقَ بِدِينِهِ.

  172. وَيَجُوزُ اسْتِفْتَاءُ مَنْ أَخْبَرَ الْمَشْهُورُ الْمَذْكُورُ بِأَهْلِيَّتِهِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ: نَقْبَلُ فِي أَهْلِيَّتِهِ خَبَرَ عَدْلٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ عِنْدَهُ مَعْرِفَةٌ يُمَيِّزُ بِهَا الْمُلْتَبِسَ مِنْ غَيْرِهِ،

  173. وَلَا يُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ خَبَرُ آحَادِ الْعَامَّةِ لِكَثْرَةِ مَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِمْ مِنَ التَّلْبِيسِ فِي ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  174. فَرْعٌ

  175. إِذَا وَجَدَ مُفْتِيَيْنِ فَأَكْثَرَ هَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَجْتَهِدَ فَيَسْأَلَ أَعْلَمَهُمْ؟ وَجْهَانِ، قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: نَعَمْ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ كَجٍّ وَالْقَفَّالُ؛ لِأَنَّهُ يَسْهُلُ عَلَيْهِ، وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ، فَيَسْأَلُ مَنْ شَاءَ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلِينَ كَانُوا يَسْأَلُونَ عُلَمَاءَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مَعَ تَفَاوُتِهِمْ فِي الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ، وَيَعْمَلُونَ بِقَوْلِ مَنْ سَأَلُوهُ مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ، قَالَ الْغَزَالِيُّ:

  176. فَإِنِ اعْتَقَدَ أَنَّ أَحَدَهُمْ أَعْلَمُ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَهُ،

  177. وَإِنْ كَانَ لَا يَلْزَمُهُ الْبَحْثُ عَنِ الْأَعْلَمِ إِذَا لَمْ يَعْتَقِدِ اخْتِصَاصَ أَحَدِهِمْ بِزِيَادَةِ عِلْمٍ.

  178. قُلْتُ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْغَزَالِيُّ قَدْ قَالَهُ غَيْرُهُ أَيْضًا وَهُوَ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا، فَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ سُؤَالِ آحَادِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مَعَ وُجُودِ أَفَاضِلِهِمُ الَّذِينَ فَضْلُهُمْ مُتَوَاتِرٌ، وَقَدْ يُمْنَعُ هَذَا. وَعَلَى الْجُمْلَةِ: الْمُخْتَارُ مَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ.

  179. فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُهُ تَقْلِيدُ أَوْرَعِ الْعَالِمِينَ، وَأَعْلَمِ الْوَرِعِينَ،

  180. فَإِنْ تَعَارَضَا قدَّمَ الْأَعْلَمَ عَلَى الْأَصَحِّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  181. فَرْعٌ

  182. وَإِذَا اسْتَفْتَى وَأُجِيبَ، فَحَدَثَتْ لَهُ تِلْكَ الْحَادِثَةُ ثَانِيًا،

  183. فَإِنْ عَرَفَ اسْتِنَادَ الْجَوَابِ إِلَى نَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ،

  184. فَلَا حَاجَةَ إِلَى السُّؤَالِ ثَانِيًا،

  185. وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمُقَلَّدُ مَيِّتًا وَجَوَّزْنَاهُ،

  186. وَإِنْ عَرَفَ اسْتِنَادَهُ إِلَى الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ

  187. ١١/١٠٥١١/١٠٥

    أَوْ شَكَّ وَالْمُقَلِّدُ حَيٌّ، فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا يَحْتَاجُ إِلَى السُّؤَالِ ثَانِيًا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ اسْتِمْرَارُهُ عَلَى جَوَابِهِ، وَأَصَحُّهُمَا: يَلْزَمُهُ السُّؤَالُ ثَانِيًا.

  188. فَرْعٌ

  189. لَوِ اخْتَلَفَ عَلَيْهِ جَوَابُ مُفْتِيَيْنِ،

  190. فَإِنْ أَوْجَبْنَا الْبَحْثَ وَتَقْلِيدَ الْأَعْلَمِ اعْتَمَدَهُ، وَإِلَّا فَأَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا: يَتَخَيَّرُ، وَيَأْخُذُ بِقَوْلِ أَيِّهِمَا شَاءَ، وَالثَّانِي: يَأْخُذُ بِأَغْلَظِ الْجَوَابَيْنِ، وَالثَّالِثُ: بِأَخَفِّهِمَا، وَالرَّابِعُ: بِقَوْلِ مَنْ يَبْنِي قَوْلَهُ عَلَى الْأَثَرِ دُونَ الرَّأْيِ، وَالْخَامِسُ: بِقَوْلِ مَنْ سَأَلَهُ أَوَّلًا.

  191. قُلْتُ: وَحُكِيَ وَجْهٌ سَادِسٌ أَنَّهُ يَسْأَلُ ثَالِثًا، فَيَأْخُذُ بِفَتْوَى مَنْ وَافَقَهُ. وَهَذَا الَّذِي صَحَّحَهُ مِنَ التَّخْيِيرِ هُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ الْجُمْهُورُ، وَنَقَلَهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي أَوَّلِ «الْمَجْمُوعِ» عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا لِأَنَّ فَرْضَهُ أَنْ يُقَلِّدَ عَالِمًا وَقَدْ حَصَلَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  192. وَنَقْلَ الرُّويَانِيُّ وَجْهَيْنِ فِي أَنَّ مَنْ سَأَلَ مُفْتِيًا وَلَمْ تَسْكُنْ نَفْسُهُ إِلَى فَتْوَاهُ هَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْأَلَ ثَانِيًا وَثَالِثًا لِتَسْكُنَ نَفْسُهُ، أَمْ لَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى جَوَابِ الْأَوَّلِ وَالْقِيَاسُ فِي وَجْهِ الثَّانِي.

  193. الْجُمْلَةُ الثَّالِثَةُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا، فَيَجُوزُ لِلْمُسْتَفْتِي أَنْ يَسْأَلَ بِنَفْسِهِ،

  194. وَيَجُوزُ أَنْ يَكْتَفِيَ بِرَسُولٍ ثِقَةٍ يَبْعَثُهُ، وَبِالرُّقْعَةِ، وَيَكْفِي تَرْجُمَانٌ وَاحِدٌ إِذَا لَمْ يَعْرِفْ لُغَتَهُ.

  195. قُلْتُ: لَهُ اعْتِمَادُ خَطِّ الْمُفْتِي إِذَا أَخْبَرَهُ مَنْ يَقْبَلُ خَبَرَهُ أَنَّهُ خَطُّهُ، أَوْ كَانَ يَعْرِفُ خَطَّهُ وَلَمْ يَشُكَّ فِيهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  196. ١١/١٠٦١١/١٠٦

    وَمِنْ آدَابِ الْمُسْتَفْتِي أَنْ لَا يَسْأَلَ الْمُفْتِيَ وَهُوَ قَائِمٌ أَوْ مَشْغُولٌ بِمَا يَمْنَعُهُ مِنْ تَمَامِ الْفِكْرِ،

  197. وَأَنْ لَا يَقُولَ إِذَا أَجَابَهُ: هَكَذَا قُلْتُ أَنَا،

  198. وَأَنْ لَا يُطَالِبَ بِالدَّلِيلِ،

  199. فَإِنْ أَرَادَ مَعْرِفَتَهُ، سَأَلَ عَنْهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ.

  200. وَإِذَا سَأَلَ فِي رُقْعَةٍ، فَلْيَكُنْ كَاتِبُهَا حَاذِقًا، لِيُبَيِّنَ مَوَاضِعَ السُّؤَالِ، وَيُنْقِطَ مَوَاضِعَ الِاشْتِبَاهِ، وَلْيَتَأَمَّلِ الْمُفْتِي الرُّقْعَةَ كَلِمَةً كَلِمَةً، وَلْيَكُنِ اعْتِنَاؤُهُ بِآخِرِ الْكَلَامِ أَشَدَّ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ السُّؤَالِ، وَلْيَتَثَبَّتْ فِي الْجَوَابِ وَإِنْ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ وَاضِحَةً،

  201. وَأَنْ يُشَاوِرَ مَنْ فِي مَجْلِسِهِ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا مَا لَا يَحْسُنُ إِظْهَارُهُ.

  202. وَلَهُ أَنْ يُنْقِطَ مِنَ الرُّقْعَةِ مَوَاضِعَ الْإِشْكَالِ،

  203. وَأَنْ يُصْلِحَ مَا فِيهَا مِنْ خَطَأٍ وَلَحْنٍ فَاحِشٍ،

  204. وَإِذَا رَأَى فِي آخِرِ بَعْضِ السُّطُورِ بَيَاضًا، شَغَلَهُ بِخَطِّهِ، لِئَلَّا يُلْحَقَ فِيهِ بَعْدَ جَوَابِهِ شَيْءٌ، وَلْيُبَيِّنِ الْمُفْتِي بِخَطِّهِ، وَلْيَكُنْ قَلَمُهُ بَيْنَ قَلَمَيْنِ.

  205. وَلَوْ كَتَبَ مَعَ الْجَوَابِ حُجَّةً مِنْ آيَةٍ أَوْ حَدِيثٍ فَلَا بَأْسَ،

  206. وَلَا يَعْتَادُ ذِكْرَ الْقِيَاسِ، وَطُرُقِ الِاجْتِهَادِ.

  207. فَإِنْ تَعَلَّقَتِ الْفَتْوَى بِقَاضٍ، فَحَسَنٌ أَنْ يُومِئَ إِلَى الطَّرِيقِ لِلِاجْتِهَادِ،

  208. وَإِذَا رَأَى فِي الْفَتْوَى جَوَابَ مَنْ لَا يَصْلُحُ لِلْفَتْوَى، لَمْ يُفْتِ مَعَهُ. قَالَ الصَّيْمَرِيُّ: وَلَهُ أَنْ يَضْرِبَ عَلَيْهِ بِإِذْنِ صَاحِبِ الرُّقْعَةِ وَبِغَيْرِ إِذْنِهِ،

  209. وَلَا يَحْبِسُهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَاسْتَحَبُّوا أَنْ يَكُونَ السُّؤَالُ بِخَطِّ غَيْرِ الْمُفْتِي.

  210. فَرْعٌ

  211. مَتَّى تَغَيَّرَ اجْتِهَادُ الْمُجْتَهِدِ، دَارَ الْمُقَلِّدُ مَعَهُ، وَعَمِلَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِقَوْلِهِ الثَّانِي،

  212. وَلَا يَنْقُضُ مَا مَضَى،

  213. وَلَوْ نَكَحَ الْمُجْتَهِدُ امْرَأَةً،

  214. ثُمَّ خَالَعَهَا ثَلَاثًا؛ لِأَنَّهُ رَأَى الْخُلْعَ فَسْخًا،

  215. ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ قَالَ الْغَزَالِيُّ: يَلْزَمُهُ مُفَارَقَتُهَا، وَأَبْدَى تَرَدُّدًا فِيمَا لَوْ فَعَلَ الْمُقَلِّدُ مِثْلَ ذَلِكَ،

  216. ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُ مُقَلِّدِهِ، قَالَ:

  217. وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْجَوَابَ كَذَلِكَ، كَمَا لَوْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُ الْمُقَلِّدِ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ يَتَحَوَّلُ.

  218. وَلَوْ قَالَ مُجْتَهِدٌ لِلْمُقَلِّدِ وَالصُّورَةُ هَذِهِ:

  219. ١١/١٠٧١١/١٠٧

    أَخْطَأَ بِكَ مَنْ قَلَّدْتَهُ،

  220. فَإِنْ كَانَ الَّذِي قَلَّدَهُ أَعْلَمَ مِنَ الثَّانِي، أَوِ اسْتَوَيَا،

  221. فَلَا أَثَرَ لِقَوْلِهِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي أَعْلَمَ، فَالْقِيَاسُ أَنَّا إِنْ أَوْجَبْنَا تَقْلِيدَ الْأَعْلَمِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُ مُقَلِّدِهِ، وَإِلَّا فَلَا أَثَرَ لَهُ.

  222. قُلْتُ: هَذَا الَّذِي زَعَمَ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ الْقِيَاسُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، بَلِ الْوَجْهُ الْجَزْمُ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ،

  223. وَلَا أَثَرَ لِقَوْلِ الثَّانِي، وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ اجْتِهَادِيَّةً، وَقَدْ لَخَّصَ الصَّيْمَرِيُّ، وَالْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِتَفْصِيلٍ حَسَنٍ، فَقَالُوا: إِذَا أَفْتَى،

  224. ثُمَّ رَجَعَ، فَإِنْ عَلِمَ الْمُسْتَفْتِي رُجُوعَهُ وَلَمْ يَكُنْ عَمِلَ بِالْأَوَّلِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْعَمَلُ بِهِ،

  225. وَكَذَا إِذَا نَكَحَ بِفَتْوَاهُ، أَوِ اسْتَمَرَّ عَلَى نِكَاحٍ بِفَتْوَاهُ،

  226. ثُمَّ رَجَعَ، لَزِمَهُ فِرَاقُهَا، كَنَظِيرِهِ فِي الْقِبْلَةِ.

  227. وَإِنْ كَانَ عَمِلَ بِهِ قَبْلَ الرُّجُوعِ،

  228. فَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِدَلِيلٍ قَاطِعٍ، لَزِمَ الْمُسْتَفْتِي نَقْضَ عَمَلِهِ،

  229. وَإِنْ كَانَ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ فَلَا؛ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ،

  230. وَلَا يُعْمَلُ خِلَافُ هَذَا لِأَصْحَابِنَا، وَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبَا الْمُسْتَصْفَى وَ «الْمَحْصُولِ» ، فَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِمُخَالَفَةِ هَذَا. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو ابْنُ الصَّلَاحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:

  231. وَإِنْ كَانَ الْمُفْتِي إِنَّمَا يُفْتِي عَلَى مَذْهَبِ إِمَامٍ مُعَيَّنٍ، فَرَجَعَ لِكَوْنِهِ تَيَقَّنَ مُخَالَفَةَ نَصِّ إِمَامِهِ، وَجَبَ نَقْضُهُ،

  232. وَإِنْ كَانَ اجْتِهَادِيًّا؛ لِأَنَّ نَصَّ إِمَامِهِ فِي حَقِّهِ كَنَصِّ الشَّارِعِ فِي حَقِّ الْمُسْتَقِلِّ،

  233. وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَعْلَمِ الْمُسْتَفْتِي بِرُجُوعِهِ. فَكَأَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ فِي حَقِّهِ،

  234. وَيَلْزَمُ الْمُفْتِي إِعْلَامُهُ بِرُجُوعِهِ قَبْلَ الْعَمَلِ،

  235. وَكَذَا بَعْدَهُ حَيْثُ يَجِبُ النَّقْضُ،

  236. وَإِذَا عَمِلَ بِفَتْوَاهُ فِي إِتْلَافٍ،

  237. ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ أَخْطَأَ، وَخَالَفَ الْقَاطِعَ، فَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِينِيُّ: إِنْ كَانَ أَهْلًا لِلْفَتْوَى ضَمِنَ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَفْتِيَ مُقَصِّرٌ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ فِيهِ نَظَرٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُخَرَّجَ عَلَى

  238. ١١/١٠٨١١/١٠٨

    قَوْلَيِ الْغُرُورِ أَوْ يُقْطَعَ بِعَدَمِ الضَّمَانِ مُطْلَقًا إِذَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْإِتْلَافُ،

  239. وَلَا أَلْجَأَ إِلَيْهِ بِإِلْزَامٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  240. فَرْعٌ

  241. لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُجْتَهِدِ مَذْهَبٌ مُدَوَّنٌ،

  242. وَإِذَا دُوِّنَتِ الْمَذَاهِبُ، فَهَلْ يَجُوزُ لِلْمُقَلِّدِ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ مَذْهَبٍ إِلَى مَذْهَبٍ؟ إِنْ قُلْنَا: يَلْزَمُهُ الِاجْتِهَادُ فِي طَلَبِ الْأَعْلَمِ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الثَّانِيَ أَعْلَمُ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ، بَلْ يَجِبُ وَإِنْ خَيَّرْنَاهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ أَيْضًا، كَمَا لَوْ قَلَّدَ فِي الْقِبْلَةِ هَذَا أَيَّامًا، وَهَذَا أَيَّامًا.

  243. وَلَوْ قَلَّدَ مُجْتَهِدًا فِي مَسَائِلَ، وَآخَرَ فِي مَسَائِلَ أُخْرَى، وَاسْتَوَى الْمُجْتَهِدَانِ عِنْدَهُ أَوْ خَيَّرْنَاهُ، فَالَّذِي يَقْتَضِيهِ فِعْلُ الْأَوَّلَيْنِ الْجَوَازُ، وَكَمَا أَنَّ الْأَعْمَى إِذَا قُلْنَا: لَا يَجْتَهِدُ فِي الْأَوَانِي وَالثِّيَابِ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ فِي الثِّيَابِ وَاحِدًا، وَفِي الْأَوَانِي آخَرَ، لَكِنِ الْأُصُولِيُّونَ مَنَعُوا مِنْهُ لِمَصْلَحَةٍ.

  244. وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ فِيمَا إِذَا اخْتَارَ مِنْ كُلِّ مَذْهَبٍ مَا هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ أَنْ يُفَسَّقَ بِهِ، وَعَنِ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لَا يُفَسَّقُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

  245. قُلْتُ: قَدِ اسْتَقْصَى الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هَذَا الْبَابَ، فَاسْتَوْعَبَ وَأَجَادَ، وَقَدِ اسْتَوْعَبْتُ أَنَا هَذَا الْبَابَ فِي أَوَّلِ شَرْحِ «الْمُهَذَّبِ» وَجَمَعْتُ فِيهِ مِنْ مَجْمُوعَاتِ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ وَمُتَفَرِّقَاتِهَا هَذَا الْمَذْكُورَ هُنَا مَعَ مِثْلِهِ أَوْ أَمْثَالِهِ، وَأَنَا أَذْكُرُ مِنْهُ هُنَا نُبَذًا أُشِيرُ إِلَيْهَا، وَلَا أَلْتَزِمُ تَرْتِيبِهِ.

  246. فَيُسْتَحَبُّ لِلْمُعَلِّمِ وَالْمُفْتِي الرِّفْقُ بِالْمُتَعَلِّمِ وَالْمُسْتَفْتِي، لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الْفَهْمِ عَنْهُ، وَقَدِ اسْتَوْعَبْتُ آدَابَ الْعَالِمِ وَالْمُعَلِّمِ فِي أَوَّلِ شَرْحِ «الْمُهَذَّبِ» وَذَكَرْتُ فِيهِ مَا لَا يَنْبَغِي لِطَالِبِ عِلْمٍ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهُ، قَالَ الْخَطِيبُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَغْدَادِيُّ: يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَفَقَّدَ أَحْوَالَ الْمُفْتِينَ،

  247. فَمَنْ صَلُحَ لَهَا، أَقَرَّهُ،

  248. وَمَنْ لَمْ يَصْلُحْ، مَنَعَهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَعُودَ، وَيُوَاعِدُهُ عَلَى

  249. ١١/١٠٩١١/١٠٩

    الْعَوْدِ، وَطَرِيقُهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَسْأَلَ الْعُلَمَاءَ الْمَشْهُورِينَ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ عَنْ حَالِهِ، وَيَعْتَمِدُ خَبَرَهُمْ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُفْتِي مَعَ شُرُوطِهِ السَّابِقَةِ مُتَنَزِّهًا عَنْ خَوَارِمِ الْمُرُوءَةِ، فَقِيهَ النَّفْسِ، سَلِيمَ الذِّهْنِ، رَصِينَ الْفِكْرِ، حَسَنَ التَّصَرُّفِ وَالِاسْتِنْبَاطِ، وَسَوَاءٌ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ، وَالْمَرْأَةُ وَالْأَعْمَى وَالْأَخْرَسُ إِذَا كَتَبَ أَوْ فُهِمَتْ إِشَارَتُهُ.

  250. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُفْتِي كَالرَّاوِي فِي أَنَّهُ لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ الْقَرَابَةُ وَالْعَدَاوَةُ، وَجَرُّ النَّفْعِ، وَدَفْعُ الضُّرَّ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ مَنْ يُخْبِرُ عَنِ الشَّرْعِ بِمَا لَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِشَخْصٍ، فَكَانَ كَالرَّاوِي لَا كَالشَّاهِدِ وَفَتْوَاهُ لَا يَرْتَبِطُ بِهَا إِلْزَامٌ

  251. بِخِلَافِ حُكْمِ الْقَاضِي. قَالَ: وَوَجَدْتُ عَنْ صَاحِبِ «الْحَاوِي» إِنَّ الْمُفْتِيَ إِذَا نَابَذَ فِي فَتْوَاهُ شَخْصًا مُعَيَّنًا، صَارَ خَصْمًا مُعَانِدًا، تُرَدُّ فَتْوَاهُ عَلَى مَنْ عَادَاهُ، كَمَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ. قَالَ الصَّيْمَرِيُّ: وَيُقْبَلُ فَتَاوَى أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْخَوَارِجِ،

  252. وَمَنْ لَا يُكَفَّرُ بِبِدْعَتِهِ وَلَا بِفِسْقِهِ، وَذَكَرَ الْخَطِيبُ هَذَا ثُمَّ قَالَ:

  253. وَأَمَّا الشُّرَاةُ وَهُمْ بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَالرَّافِضَةُ الَّذِينَ يَسُبُّونَ السَّلَفَ، فَفَتَاوِيهِمْ مَرْدُودَةٌ، وَأَقَاوِيلُهُمْ سَاقِطَةٌ.

  254. وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْفَتْوَى وَهُوَ قَاضٍ، فَهُوَ كَغَيْرِهِ،

  255. فَلَا يُكْرَهُ لَهُ الْفَتْوَى هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ،

  256. وَقِيلَ: لَهُ أَنْ يُفْتِيَ فِي الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا، مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ، وَفِي الْأَحْكَامِ وَجْهَانِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: يُكْرَهُ فَتْوَاهُ فِي الْأَحْكَامِ دُونَ غَيْرِهَا، وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْمُفْتِي أَنْ يَعْرِفَ مِنَ الْحِسَابِ مَا يَصِحُّ بِهِ الْمَسَائِلُ الْحِسَابِيَّةُ الْفِقْهِيَّةُ؟ وَجْهَانِ، حَكَاهُمَا الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِينِيُّ، وَصَاحِبُهُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ.

  257. وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُفْتِي الْمُنْتَسِبِ إِلَى مَذْهَبِ إِمَامٍ كَمَا سَبَقَ أَنْ يَكُونَ فَقِيهَ النَّفْسِ، حَافِظًا مَذْهَبَ إِمَامِهِ، ذَا خِبْرَةٍ بِقَوَاعِدِهِ، وَأَسَالِيبِهِ وَنُصُوصِهِ، وَقَدْ قَطَعَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ الْأُصُولِيَّ الْمَاهِرَ الْمُتَصَرِّفَ فِي الْفِقْهِ لَا يَحِلُّ لَهُ الْفَتْوَى بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ،

  258. وَلَوْ وَقَعَتْ لَهُ وَاقِعَةٌ لَزِمَهُ أَنْ

  259. ١١/١١٠١١/١١٠

    يَسْتَفْتِيَ فِيهَا. وَيَلْتَحِقُ بِهِ الْمُتَصَرِّفُ الْبَحَّاثُ فِي الْفِقْهِ مِنْ أَئِمَّةِ الْخِلَافِ وَفُحُولِ الْمُنَاظِرِينِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِإِدْرَاكِ حُكْمِ الْوَاقِعَةِ اسْتِقْلَالًا، لِقُصُورِ آلَتِهِ،

  260. وَلَا مِنْ مَذْهَبِ إِمَامٍ لِعَدَمِ حِفْظِهِ لَهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَبَرِ.

  261. وَإِذَا اسْتَفْتَى الْعَامِّيُّ عَمَّا لَمْ يَقَعْ، لَمْ يَجِبْ جَوَابُهُ وَلَا يَجُوزُ لِلْمُفْتِي أَنْ يَتَسَاهَلَ فِي فَتْوَاهُ،

  262. وَمَنْ عُرِفَ بِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُسْتَفْتَى، وَتَسَاهُلُهُ قَدْ يَكُونُ بِأَنْ لَا يَتَثَبَّتَ وَيُسْرِعَ بِالْجَوَابِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْفِكْرِ وَالنَّظَرِ،

  263. فَإِنْ تَقَدَّمَتْ مَعْرِفَتُهُ بِالْمَسْئُولِ عَنْهُ،

  264. فَلَا بَأْسَ بِالْإِسْرَاعِ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا نُقِلَ عَنِ الْمَاضِينَ مِنَ الْمُسَارَعَةِ، وَقَدْ يَكُونُ تَسَاهُلُهُ بِأَنْ تَحْمِلَهُ أَغْرَاضٌ فَاسِدَةٌ عَلَى تَتَبُّعِ الْحِيَلِ الْمُحَرَّمَةِ الْمَكْرُوهَةِ، وَالتَّمَسُّكِ بِالشُّبْهَةِ طَلَبًا لِلتَّرْخِيصِ عَلَى مَنْ يَرُومُ نَفْعَهُ، أَوِ التَّغْلِيظِ عَلَى مَنْ يَرُومُ ضُرَّهُ،

  265. وَمَنْ فَعَلَ هَذَا فَلَا وُثُوقَ بِهِ.

  266. وَأَمَّا إِذَا صَحَّ قَصْدُهُ، فَاحْتَسَبَ فِي طَلَبِ حِيلَةٍ لَا شُبْهَةَ فِيهَا،

  267. وَلَا تَجُرُّ إِلَى مَفْسَدَةٍ، لِيُخَلِّصَ بِهَا الْمُسْتَفْتِيَ مِنْ وَرِيطَةِ يَمِينٍ وَنَحْوِهَا، فَذَلِكَ حَسَنٌ، وَعَلَّهُ يَحْمِلُ [مَا جَاءَ] عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ مِنْ هَذَا.

  268. وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُفْتِيَ فِي كُلِّ حَالٍ تُغَيِّرُ خُلُقَهُ وَتَشْغَلُ قَلْبَهُ وَتَمْنَعُهُ التَّثَبُّتَ وَالتَّأَمُّلَ؛ كَحَالَةِ الْغَضَبِ أَوِ الْجُوعِ أَوِ الْعَطَشِ وَالْحُزْنِ وَالْفَرَحِ الْغَالِبِ، وَالنُّعَاسِ، وَالْمَلَالَةِ، وَالْمَرَضِ الْمُقْلِقِ، وَالْحَرِّ الْمُزْعِجِ، وَمُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ،

  269. وَمَتَى أَحَسَّ بِشُغْلِ قَلْبِهِ وَخُرُوجِهِ عَنْ الِاعْتِدَالِ، لَمْ يُفْتِ،

  270. فَإِنْ أَفْتَى فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَحْوَالِ وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ إِدْرَاكِ الصَّوَابِ، صَحَّتْ فَتْوَاهُ،

  271. وَإِنْ كَانَ مُخَاطِرًا. وَالْأَوْلَى لِلْمُتَصَدِّي لِلْفَتْوَى أَنْ يَتَبَرَّعَ بِذَلِكَ،

  272. وَيَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ رِزْقًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إِلَّا إِذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ وَلَهُ كِفَايَةٌ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ.

  273. ثُمَّ إِنْ كَانَ لَهُ رِزْقٌ لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ أُجْرَةٍ،

  274. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رِزْقٌ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُ أُجْرَةٍ

  275. ١١/١١١١١/١١١

    مِنْ أَعْيَانِ الْمُسْتَفْتِينَ كَالْحَاكِمِ. وَاحْتَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَاتِمٍ الْقَزْوِينِيُّ فِي حِيلَةٍ، فَقَالَ: يَقُولُ لِلْمُسْتَفْتِي: يَلْزَمُنِي أَنْ أُفْتِيَكَ قَوْلًا،

  276. وَلَا يَلْزَمُنِي أَنْ أَكْتُبَ لَكَ،

  277. فَإِنِ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى الْكِتَابَةِ جَازَ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنَ الْأُجْرَةِ إِلَّا قَدْرَ أُجْرَةِ كِتَابَةِ ذَلِكَ الْقَدْرِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فَتْوًى، لِئَلَّا يَكُونَ آخِذًا زِيَادَةً بِسَبَبِ الْإِفْتَاءِ. قَالَ الصَّيْمَرِيُّ وَالْخَطِيبُ وَغَيْرُهُمَا:

  278. وَلَوِ اجْتَمَعَ أَهْلُ الْبَلَدِ عَلَى أَنْ جَعَلُوا لَهُ رِزْقًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ لِيَتَفَرَّغَ لِفَتَاوِيهِمْ، جَازَ.

  279. وَأَمَّا الْهَدِيَّةُ، فَقَالَ أَبُو الْمُظَفَّرِ السَّمْعَانِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا:

  280. وَيَجُوزُ لَهُ قَبُولُهَا بِخِلَافِ الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ حُكْمُهُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو: وَيَنْبَغِي أَنْ يُحَرَّمَ قَبُولُهَا إِنْ كَانَتْ رِشْوَةً عَلَى أَنْ يُفْتِيَهُ بِمَا يُرِيدُ، كَمَا فِي الْحَاكِمِ وَسَائِرِ مَا لَا يُقَابَلُ بِالْأَعْوَاضِ.

  281. قَالَ الْخَطِيبُ: وَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَفْرِضَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِمَنْ نَصَّبَ نَفْسَهُ لِتَدْرِيسِ الْعِلْمِ أَوْ لِلْفَتْوَى فِي الْأَحْكَامِ مَا يُغْنِيهِ عَنِ التَّكَسُّبِ،

  282. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفْتِيَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَلْفَاظِ كَالْأَيْمَانِ وَالْإِقْرَارِ وَالْوَصَايَا وَنَحْوِهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ بَلَدِ اللَّافِظِ أَوْ نَازِلًا مَنْزِلَتَهُمْ فِي الْخِبْرَةِ بِمُرَادِهِمْ فِي الْعَادَةِ، وَلَيْسَ لِلْمُفْتِي وَالْعَامِلِ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ فِي الْمَسْأَلَةِ ذَاتِ الْوَجْهَيْنِ أَوِ الْقَوْلَيْنِ أَنْ يُفْتِيَ أَوْ يَعْمَلَ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، بَلْ عَلَيْهِ فِي الْقَوْلَيْنِ أَنْ يَعْمَلَ بِالْمُتَأَخِّرِ مِنْهُمَا إِنْ عَلِمَهُ، وَإِلَّا فَبِالَّذِي رَجَّحَهُ الشَّافِعِيُّ،

  283. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَجَّحَ أَحَدَهُمَا.

  284. وَلَا عَلِمَ السَّابِقَ، لَزِمَهُ الْبَحْثُ عَنْ أَرْجَحِهِمَا، فَيَعْمَلُ بِهِ،

  285. فَإِنْ كَانَ أَهْلًا لِلتَّرْجِيحِ، اشْتَغَلَ بِهِ مُتَعَرِّفًا ذَلِكَ مِنْ نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ وَمَآخِذِهِ وَقَوَاعِدِهِ، وَإِلَّا فَلْيَنْقُلْهُ عَنِ الْأَصْحَابِ الْمَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ،

  286. فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ تَرْجِيحٌ بِطَرِيقٍ، تَوَقَّفَ.

  287. وَأَمَّا الْوَجْهَانِ فَيَتَعَرَّفُ أَرْجَحُهُمَا بِمَا سَبَقَ إِلَّا أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِالتَّأَخُّرِ إِلَّا إِذَا وَقَعَا مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ،

  288. وَإِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مَنْصُوصًا لِلشَّافِعِيِّ، وَالْآخِرُ مُخَرَّجًا، فَالْمَنْصُوصُ هُوَ

  289. ١١/١١٢١١/١١٢

    الرَّاجِحُ الْمَعْمُولُ بِهِ غَالِبًا، كَمَا إِذَا رَجَّحَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، بَلْ هَذَا أَوْلَى.

  290. وَلَوْ وَجَدَ مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لِلتَّرْجِيحِ خِلَافًا لِلْأَصْحَابِ فِي الْأَرْجَحِ مِنَ الْقَوْلَيْنِ أَوِ الْوَجْهَيْنِ، فَلْيَعْتَمِدْ مَا صَحَّحَهُ الْأَكْثَرُ، وَالْأَعْلَمُ وَالْأَوْرَعُ،

  291. فَإِنْ تَعَارَضَ أَعْلَمُ وَأَوْرَعُ، قُدِّمَ الْأَعْلَمُ،

  292. فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهُ عَنْ أَحَدٍ تَرْجِيحٌ، اعْتَبَرَ صِفَاتِ النَّاقِلِينَ لِلْقَوْلَيْنِ، وَالْقَائِلِينَ لِلْوَجْهَيْنِ فَمَا رَوَاهُ الْبُوَيْطِيُّ وَالْمُزَنِيُّ وَالرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ مُقَدَّمٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا عَلَى مَا رَوَاهُ الرَّبِيعُ الْجِيزَيُّ وَحَرْمَلَةُ، كَذَا نَقَلَهُ الْخَطَابِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَصْحَابِنَا، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْبُوْيِطِيَّ، وَزِدْتُهُ أَنَا لِكَوْنِهِ أَجَلَّ مَنِ الرَّبِيعِ، وَأَقْدَمَ مِنَ الْمُزَنِيِّ، وَأَخَصَّ بِالشَّافِعِيِّ مِنْهُ.

  293. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو: وَيَتَرَجَّحُ أَيْضًا مَا وَافَقَ أَكْثَرَ أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ. وَحَكَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِيمَا إِذَا كَانَ لِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَجْهَيْنِ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: الْمُخَالِفُ لِأَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَرْجَحُ،

  294. فَلَوْ لَمْ يَطَّلِعِ الشَّافِعِيُّ عَلَى مَعْنًى مُخَالِفٍ لَمَا خَالَفَهُ،

  295. وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُوَافِقَ أَوْلَى، وَبِهِ قَالَ الْقَفَّالُ، وَهَذَا إِذَا لَمْ نَجِدْ مُرَجِّحًا مِمَّا سَبَقَ.

  296. وَلَوْ تَعَارَضَ جَزْمُ مُصَنِّفَيْنِ، فَهُوَ كَتَعَارُضِ الْوَجْهَيْنِ، فَيَرْجِعُ إِلَى الْبَحْثِ كَمَا سَبَقَ، وَيُرَجَّحُ أَيْضًا بِالْكَثْرَةِ،

  297. فَإِذَا جَزَمَ مُصَنِّفَانِ بِشَيْءٍ، وَجَزَمَ ثَالِثٌ مُسَاوٍ لِأَحَدِهِمَا بِخِلَافِهِمَا، رَجَّحْنَاهُمَا عَلَيْهِ.

  298. وَاعْلَمْ أَنَّ نَقْلَ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ لِنُصُوصِ الشَّافِعِيِّ وَقَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ، وَوُجُوهِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَتْقَنُ وَأَثْبَتُ مِنْ نَقْلِ أَصْحَابِنَا الْخُرَاسَانِيِّينَ غَالِبًا إِنْ لَمْ يَكُنْ دَائِمًا وَهَذَا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِمَا نَحْنُ فِيهِ.

  299. وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُرَجَّحَ بِهِ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ أَنْ يَكُونَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذَكَرَهُ فِي بَابِهِ وَمَظِنَّتِهِ، وَالْآخِرُ جَاءَ مُسْتَطْرَدًا فِي بَابٍ آخَرَ.

  300. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ الَّذِي اخْتَصَرْتُهُ وَهَذَّبْتُهُ مُحَصِّلٌ لَكَ جَمِيعَ