فَصْلٌ
روضة الطالبين وعمدة المفتينالشافعيةالمسائل ٦٦٨ إلى ٧٧٧
-
١/٥٦١/٥٦
وَأَمَّا سُنَنُ الْوُضُوءِ، فَكَثِيرَةٌ:
-
إِحْدَاهَا: السِّوَاكُ. وَهُوَ: سُنَّةٌ مُطْلَقًا،
-
وَلَا يُكْرَهُ إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ لِصَائِمٍ. وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ مُسْتَحَبٌّ فِي كُلِّ وَقْتٍ. وَيَتَأَكَّدُ اسْتِحْبَابُهُ فِي أَحْوَالٍ عِنْدَ الصَّلَاةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَغَيِّرَ الْفَمِ، وَعِنْدَ الْوُضُوءِ وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ، وَعِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَعِنْدَ اصْفِرَارِ الْأَسْنَانِ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرِ الْفَمُ، وَعِنْدَ تَغَيُّرِ الْفَمِ بِنَوْمٍ، أَوْ طُولِ سُكُوتٍ، أَوْ تَرْكِ أَكْلٍ، أَوْ أَكَلَ مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
-
وَيَحْصُلُ السِّوَاكُ بِخِرْقَةٍ، وَكُلِّ خَشِنٍ مُزِيلٍ، لَكِنَّ الْعُودَ أَوْلَى، وَالْأَرَاكُ مِنْهُ أَوْلَى، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ بِيَابِسٍ نُدِّيَ بِالْمَاءِ،
-
وَلَا يَحْصُلُ بِأُصْبُعٍ خَشِنَةٍ عَلَى أَصَحِّ الْأَوْجُهِ. وَالثَّالِثُ: يَحْصُلُ عِنْدَ عَدَمِ الْعُودِ، وَنَحْوِهِ.
-
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَاكَ عَرْضًا.
-
قُلْتُ: كَرِهَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا الِاسْتِيَاكَ طُولًا. وَلَنَا قَوْلٌ غَرِيبٌ: أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ
-
١/٥٧١/٥٧
السِّوَاكُ لِصَائِمٍ بَعْدَ الزَّوَالِ.
-
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِجَانِبِ فَمِهِ الْأَيْمَنِ،
-
وَأَنْ يُعَوَّدَ الصَّبِيُّ السِّوَاكَ لِيَأْلَفَهُ.
-
وَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَاكَ بِسِوَاكِ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ.
-
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُمِرَّ السِّوَاكَ عَلَى سَقْفِ حَلْقِهِ إِمْرَارًا لَطِيفًا، وَعَلَى كَرَاسِيِّ أَضْرَاسِهِ. وَيَنْوِيَ بِالسِّوَاكِ السُّنَّةَ.
-
وَيُسَنُّ السِّوَاكُ أَيْضًا عِنْدَ دُخُولِهِ بَيْتَهُ، وَاسْتِيقَاظِهِ مِنْ نَوْمِهِ، لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِيهِمَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَقُولَ فِي ابْتِدَاءِ وَضَوْئِهِ: بِسْمِ اللَّهِ،
-
فَلَوْ نَسِيَهَا فِي الِابْتِدَاءِ، أَتَى بِهَا مَتَى ذَكَرَهَا قَبْلَ الْفَرَاغِ، كَمَا فِي الطَّعَامِ.
-
فَإِنْ تَرَكَهَا عَمْدًا. فَهَلْ يُشْرَعُ التَّدَارُكُ؟ فِيهِ احْتِمَالٌ.
-
قُلْتُ: قَوْلُ الْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ فِيهِ احْتِمَالٌ عَجِيبٌ، فَقَدْ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهُ يَتَدَارَكُ فِي الْعَمْدِ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الْمَحَامِلِيُّ فِي (الْمَجْمُوعِ) وَالْجُرْجَانِيُّ فِي (التَّحْرِيرِ) وَغَيْرِهِمَا، وَقَدْ أَوْضَحْتُهُ فِي (شَرْحِ الْمُهَذَّبِ) قَالَ أَصْحَابُنَا:
-
وَيُسْتَحَبُّ التَّسْمِيَةُ فِي ابْتِدَاءِ كُلِّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا حَتَّى عِنْدَ الْجِمَاعِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
١/٥٨١/٥٨
الثَّالِثَةُ: غَسْلُ الْكَفَّيْنِ قَبْلَ الْوَجْهِ. سَوَاءٌ قَامَ مِنَ النَّوْمِ وَشَكَّ فِي نَجَاسَةِ الْيَدِ وَأَرَادَ غَمَسَ يَدِهِ فِي الْإِنَاءِ، أَمْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، لَكِنْ إِنْ أَرَادَ غَمْسَ يَدَيْهِ فِي إِنَاءٍ قَبْلَ غَسْلِهِمَا، كُرِهَ إِنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ طَهَارَتَهُمَا.
-
فَإِنْ تَيَقَّنَهَا، فَوَجْهَانِ. الْأَصَحُّ لَا يُكْرَهُ الْغَمْسُ.
-
قُلْتُ: وَلَا تَزُولُ الْكَرَاهَةُ إِلَّا بِغَسْلِهِمَا ثَلَاثًا قَبْلَ الْغَمْسِ. نَصَّ عَلَيْهِ الْبُوَيْطِيُّ، وَصَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: إِذَا كَانَ الْمَاءُ فِي إِنَاءٍ كَبِيرٍ، أَوْ صَخْرَةٍ مُجَوَّفَةٍ، بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَصُبَّ مِنْهُ عَلَى يَدِهِ، وَلَيْسَ مَعَهُ مَا يَغْتَرِفُ بِهِ، اسْتَعَانَ بِغَيْرِهِ، أَوْ أَخَذَ الْمَاءَ بِفَمِهِ، أَوْ طَرَفِ ثَوْبٍ نَظِيفٍ وَنَحْوِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
الرَّابِعَةُ: الْمَضْمَضَةُ، وَالِاسْتِنْشَاقُ، ثُمَّ أَصْلُ هَذِهِ السُّنَّةِ يَحْصُلُ بِوُصُولِ الْمَاءِ إِلَى الْفَمِ، وَالْأَنْفِ. سَوَاءً كَانَ بِغَرْفَةٍ، أَوْ أَكْثَرَ. وَفِي الْأَفْضَلِ طَرِيقَانِ. الصَّحِيحُ: أَنَّ فِيهِ قَوْلَيْنِ: أَظْهَرُهُمَا: الْفَصْلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ أَفْضَلُ. وَالثَّانِي: الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَفْضَلُ، وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: الْفَصْلُ أَفْضَلُ قَطْعًا.
-
وَفِي كَيْفِيَّتِهِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: يَتَمَضْمَضُ مِنْ غَرْفَةٍ ثَلَاثًا، وَيَسْتَنْشِقُ مِنْ أُخْرَى ثَلَاثًا. وَالثَّانِي: بِسِتِّ غَرَفَاتٍ، وَتَقْدِيمُ الْمَضْمَضَةِ عَلَى الِاسْتِنْشَاقِ شَرْطٌ عَلَى الْأَصَحِّ. وَقِيلَ: مُسْتَحَبٌّ.
-
١/٥٩١/٥٩
وَفِي كَيْفِيَّةِ الْجَمْعِ وَجْهَانِ، الْأَصَحُّ: بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ، يَتَمَضْمَضُ مِنْ كُلِّ غَرْفَةٍ، وَيَسْتَنْشِقُ. وَالثَّانِي: بِغَرْفَةٍ يَتَمَضْمَضُ مِنْهَا ثَلَاثًا،
-
ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ مِنْهَا ثَلَاثًا،
-
وَقِيلَ: بَلْ يَتَمَضْمَضُ مِنْهَا ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ مَرَّةً،
-
ثُمَّ كَذَلِكَ ثَانِيَةً وَثَالِثَةً.
-
قُلْتُ: الْمَذْهَبُ مِنْ هَذَا الْخِلَافِ، أَنَّ الْجَمْعَ بِثَلَاثٍ أَفْضَلُ، كَذَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ، وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مُصَرِّحَةٌ بِهِ وَقَدْ أَوْضَحْتُهُ فِي (شَرْحِ الْمُهَذَّبِ) . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
الْخَامِسَةُ: الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ، فَيَبْلُغُ مَاءُ الْمَضْمَضَةِ أَقْصَى الْحَنَكِ، وَوَجْهَيِ الْأَسْنَانِ، وَتَمُرُّ الْأُصْبُعُ عَلَيْهَا، وَيَصْعَدُ مَاءُ الِاسْتِنْشَاقِ بِنَفْسِهِ إِلَى الْخَيْشُومِ مَعَ إِدْخَالِ الْإِصْبَعِ الْيُسْرَى، وَإِزَالَةِ مَا هُنَاكَ مِنْ أَذًى.
-
فَإِنْ كَانَ صَائِمًا لَمْ يُبَالِغْ فِيهِمَا.
-
قُلْتُ: وَلَوْ جَعَلَ الْمَاءَ فِي فِيهِ وَلَمْ يُدِرْهُ، حَصَلَتِ الْمَضْمَضَةُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
السَّادِسَةُ: التَّكْرَارُ ثَلَاثًا فِي الْمَغْسُولِ وَالْمَمْسُوحِ الْمَفْرُوضِ وَالْمَسْنُونِ، وَلَنَا قَوْلٌ شَاذٌّ: أَنَّهُ لَا يُكَرِّرُ مَسْحَ الرَّأْسِ، وَوَجْهٌ أَشَذُّ مِنْهُ: أَنَّهُ لَا يُكَرِّرُهُ،
-
وَلَا مَسْحَ الْأُذُنَيْنِ. وَلَوْ شَكَّ هَلْ غَسَلَ وَلَا مَسَحَ مَرَّةً، أَوْ مَرَّتَيْنِ، أَمْ ثَلَاثًا؟ أَخَذَ بِالْأَقَلِّ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: بِالْأَكْثَرِ.
-
قُلْتُ: تُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ثَلَاثٍ،
-
وَقِيلَ: تَحْرُمُ، وَقِيلَ: هِيَ خِلَافُ الْأَوْلَى،
-
وَالصَّحِيحُ: الْأَوَّلُ، وَإِنَّمَا تَجِبُ الْغَسْلَةُ مَرَّةً،
-
وَإِذَا اسْتَوْعَبَتِ الْعُضْوَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
١/٦٠١/٦٠
السَّابِعَةُ: تَخْلِيلُ مَا لَا يَجِبُ إِيصَالُ الْمَاءِ إِلَى مَنَابِتِهِ، مِنْ شُعُورِ الْوَجْهِ، بِالْأَصَابِعِ. وَلَنَا وَجْهٌ شَاذٌّ: أَنَّهُ يَجِبُ التَّخْلِيلُ.
-
قُلْتُ: مُرَادُ قَائِلِهِ ; وُجُوبُ إِيصَالِ الْمَاءِ إِلَى الْمَنْبَتِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَقَدْ نَقَلُوا الْإِجْمَاعَ عَلَى خِلَافِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
الثَّامِنَةُ: تَقْدِيمُ الْيَمِينِ عَلَى الْيَسَارِ فِي يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ.
-
وَأَمَّا الْأُذُنَانِ وَالْخَدَّانِ، فَيُطَهَّرَانِ دُفْعَةً.
-
فَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ، قَدَّمَ الْيَمِينَ.
-
قُلْتُ: وَالْكَفَّانِ، كَالْأُذُنَيْنِ وَفِي (الْبَحْرِ) وَجْهٌ شَاذٌّ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ الْأُذُنِ الْيُمْنَى.
-
وَلَوْ قَدَّمَ مَسْحَ الْأُذُنِ عَلَى مَسْحِ الرَّأْسِ، لَمْ يَحْصُلْ عَلَى الصَّحِيحِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
التَّاسِعَةُ: تَطْوِيلُ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ. فَالْغُرَّةُ: غَسْلُ مُقَدِّمَاتِ الرَّأْسِ وَصَفْحَةِ الْعُنُقِ مَعَ الْوَجْهِ. وَالتَّحْجِيلُ: غَسْلُ بَعْضِ الْعَضُدَيْنِ مَعَ الذِّرَاعَيْنِ، وَبَعْضُ السَّاقَيْنِ مَعَ الرِّجْلَيْنِ. وَغَايَتُهُ: اسْتِيعَابُ الْعَضُدِ وَالسَّاقِ، وَقَالَ كَثِيرُونَ: الْغُرَّةُ: غَسْلُ بَعْضِ الْعَضُدِ وَالسَّاقِ فَقَطْ. وَالصَّحِيحُ: الْأَوَّلُ.
-
الْعَاشِرَةُ: اسْتِيعَابُ الرَّأْسِ بِالْمَسْحِ. وَالسُّنَّةُ فِي كَيْفِيَّتِهِ: أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ، وَيُلْصِقُ سَبَّابَتَهُ بِالْأُخْرَى، وَإِبْهَامَيْهِ عَلَى صُدْغَيْهِ،
-
ثُمَّ يَذْهَبُ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ،
-
ثُمَّ يَرُدُّهُمَا إِلَى الْمُبْتَدَأِ، فَالذَّهَابُ وَالرَّدُّ مَسْحَةٌ وَاحِدَةٌ. وَهَذَا الِاسْتِحْبَابُ لِمَنْ لَهُ شَعْرٌ يَنْقَلِبُ بِالذَّهَابِ وَالرَّدِّ، وَيَصِلُهُ الْبَلَلُ. أَمَّا مَنْ لَا شَعْرَ لَهُ، أَوْ لَهُ شَعْرٌ لَا يَنْقَلِبُ، لِقَصَرِهِ، أَوْ طُولِهِ، فَيَقْتَصِرُ عَلَى الذَّهَابِ.
-
فَلَوْ رَدَّ، لَمْ يُحْسَبْ ثَانِيَةً،
-
وَلَوْ لَمْ يَرُدَّ نَزَعَ مَا عَلَى رَأْسِهِ مِنْ عِمَامَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، مَسَحَ مَا يَجِبُ مِنَ الرَّأْسِ.
-
١/٦١١/٦١
وَيُسَنُّ تَتْمِيمُ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَقْتَصِرَ عَلَى أَقَلَّ مِنَ النَّاصِيَةِ.
-
وَلَا يَكْفِي الِاقْتِصَارُ عَلَى الْعِمَامَةِ قَطْعًا.
-
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: مَسْحُ الْأُذُنَيْنِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا بِمَاءٍ جَدِيدٍ.
-
وَلَوْ أَخَذَ بِأَصَابِعِهِ مَاءً لِرَأْسِهِ،
-
ثُمَّ أَمْسَكَ بَعْضَ أَصَابِعِهِ فَلَمْ يَمْسَحْهُ بِهَا، فَمَسْحُ الْأُذُنِ بِمَائِهَا، كَفَى لِأَنَّهُ جَدِيدٌ، وَيَمْسَحُ الصِّمَاخَيْنِ بِمَاءٍ جَدِيدٍ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَفِي قَوْلٍ شَاذٍّ: يَكْفِي مَسْحُهُمَا بِبَقِيَّةِ بَلَلِ الْأُذُنِ.
-
قُلْتُ: وَيَمْسَحُ الصِّمَاخَيْنِ ثَلَاثًا، وَنَقَلُوا: أَنَّ ابْنَ سُرَيْجٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، كَانَ يَغْسِلُ أُذُنَيْهِ مَعَ وَجْهِهِ، وَيَمْسَحُهُمَا مَعَ رَأْسِهِ وَمُنْفَرِدَتَيْنِ احْتِيَاطًا فِي الْعَمَلِ بِمَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِيهِمَا، وَفِعْلُهُ هَذَا حَسَنٌ. وَقَدْ غَلِطَ مَنْ غَلَّطَهُ فِيهِ زَاعِمًا أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ.
-
وَدَلِيلُ ابْنِ سُرَيْجٍ، نَصَّ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ عَلَى اسْتِحْبَابِ غَسْلِ النَّزْعَتَيْنِ مَعَ الْوَجْهِ، مَعَ أَنَّهُمَا يَمْسَحَانِ فِي الرَّأْسِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: مَسْحُ الرَّقَبَةِ. وَهَلْ هُوَ سُنَّةٌ، أَمْ أَدَبٌ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَالسُّنَّةُ وَالْأَدَبُ يَشْتَرِكَانِ فِي أَصْلِ الِاسْتِحْبَابِ، لَكِنَّ السُّنَّةَ يَتَأَكَّدُ شَأْنُهَا، وَالْأَدَبُ دُونَ ذَلِكَ.
-
ثُمَّ الْأَكْثَرُونَ، عَلَى أَنَّهُ يَمْسَحُ بِبَاقِي بَلَلِ الرَّأْسِ، أَوِ الْأُذُنِ، وَقِيلَ: بِمَاءٍ جَدِيدٍ.
-
قُلْتُ: وَذَهَبَ كَثِيرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا، إِلَى أَنَّهَا لَا تُمْسَحُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهَا شَيْءٌ أَصْلًا، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّافِعِيُّ وَمُتَقَدِّمُو الْأَصْحَابِ. وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: تَخْلِيلُ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ بِخِنْصَرِ يَدِهِ الْيُسْرَى مِنْ أَسْفَلِ الرِّجْلِ، مُبْتَدِئًا بِخِنْصَرِ الرِّجْلِ الْيُمْنَى، خَاتِمًا بِخِنْصَرِ الْيُسْرَى.
-
وَقِيلَ: يُخَلِّلُ مَا بَيْنَ كُلِّ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ بِأُصْبُعٍ مِنْ أَصَابِعِ يَدِهِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْجُمْهُورُ تَخْلِيلَ أَصَابِعِ
-
١/٦٢١/٦٢
الْيَدَيْنِ، وَاسْتَحَبَّهُ الْقَاضِي ابْنُ كَجٍّ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَوَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: إِنَّهُ حَسَنٌ. فَعَلَى هَذَا تَخْلِيلُهَا بِالتَّشْبِيكِ بَيْنَهَا.
-
وَلَوْ كَانَتْ أَصَابِعُ رِجْلَيْهِ مُلْتَفَّةً لَا يَصِلُ الْمَاءُ مَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالتَّخْلِيلِ، وَجَبَ الْإِيصَالُ.
-
وَإِنْ كَانَتْ مُلْتَحِمَةً، لَمْ يَجِبْ فَتْقُهَا، وَلَا يُسْتَحَبُّ.
-
قُلْتُ: بَلْ لَا يَجُوزُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: الدَّعَوَاتُ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، فَيَقُولُ عِنْدَ الْوَجْهِ: اللَّهُمَّ بَيِّضْ وَجْهِي يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ. وَعِنْدَ الْيَدِ الْيُمْنَى: اللَّهُمَّ أَعْطِنِي كِتَابِي بِيَمِينِي، وَحَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا. وَعِنْدَ الْيُسْرَى: اللَّهُمَّ لَا تُعْطِنِي كِتَابِي بِشَمَالِي،
-
وَلَا مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي. وَعِنْدَ الرَّأْسِ: اللَّهُمَّ حَرِّمْ شَعْرِي وَبَشَرِي عَلَى النَّارِ. وَعِنْدَ الْأُذُنَيْنِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ. وَعِنْدَ الرِّجْلَيْنِ: اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قَدَمِي عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزِلُّ الْأَقْدَامُ.
-
قُلْتُ: هَذَا الدُّعَاءُ، لَا أَصْلَ لَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الشَّافِعِيُّ، وَالْجُمْهُورُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: تَرْكُ الِاسْتِعَانَةِ، وَهَلْ تُكْرَهُ الِاسْتِعَانَةُ؟ وَجْهَانِ.
-
قُلْتُ: الْوَجْهَانِ فِيمَا إِذَا اسْتَعَانَ بِمَنْ يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ، وَأَصَحُّهُمَا: لَا يُكْرَهُ.
-
أَمَّا إِذَا اسْتَعَانَ بِمَنْ يَغْسِلُ لَهُ الْأَعْضَاءَ، فَمَكْرُوهٌ قَطْعًا.
-
وَإِنِ اسْتَعَانَ بِهِ فِي إِحْضَارِ الْمَاءِ ;
-
فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَلَا يُقَالُ: إِنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَحَيْثُ كَانَ لَهُ عُذْرٌ،
-
فَلَا بَأْسَ بِالِاسْتِعَانَةِ مُطْلَقًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
١/٦٣١/٦٣
السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَرْكُ التَّنْشِيفِ. وَالثَّانِي: لَا يُسْتَحَبُّ،
-
وَلَا يُكْرَهُ. وَالثَّالِثُ: يُكْرَهُ التَّنْشِيفُ،
-
وَيُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ. وَالرَّابِعُ: يُكْرَهُ فِي الصَّيْفِ دُونَ الشِّتَاءِ. وَالْخَامِسُ: يُسْتَحَبُّ.
-
السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أَنْ لَا يَنْفُضَ يَدَهُ وَالنَّفْضُ: مَكْرُوهٌ.
-
قُلْتُ: فِي النَّفْضِ أَوْجُهٌ. الْأَرْجَحُ: أَنَّهُ مُبَاحٌ، تَرْكُهُ وَفِعْلُهُ سَوَاءٌ. وَالثَّانِي: مَكْرُوهٌ. وَالثَّالِثُ: تَرْكُهُ أَوْلَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: فِي مَنْدُوبَاتٍ أُخَرَ، مِنْهَا: أَنْ يَقُولَ بَعْدَ التَّسْمِيَةِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْمَاءَ طَهُورًا،
-
وَأَنْ يَسْتَصْحِبَ النِّيَّةَ فِي جَمِيعِ الْأَفْعَالِ،
-
وَأَنْ يَجْمَعَ فِي النِّيَّةِ بَيْنَ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ،
-
وَأَنْ يَتَعَهَّدَ الْمُوقَيْنِ بِالسَّبَّابَتَيْنِ، وَيُحَرِّكَ الْخَاتَمَ، وَيَتَعَهَّدَ مَا يَحْتَاجُ إِلَى الِاحْتِيَاطِ، وَيَبْدَأُ فِي الْوَجْهِ بِأَعْلَاهُ، وَفِي الرَّأْسِ بِمُقَدَّمِهِ، وَفِي الْيَدِ وَالرِّجْلِ بِأَطْرَافِ الْأَصَابِعِ، إِنْ صَبَّهُ عَلَى نَفْسِهِ.
-
وَإِنْ صَبَّ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، بَدَأَ بِالْمِرْفَقِ وَالْكَعْبِ.
-
وَأَنْ لَا يَنْقُصَ مَاءُ الْوُضُوءِ عَنْ مُدٍّ،
-
وَأَنْ لَا يُسْرِفَ، وَلَا يَزِيدَ عَلَى ثَلَاثِ مَرَّاتٍ،
-
وَلَا يَتَكَلَّمَ فِي أَثْنَاءِ الْوُضُوءِ،
-
وَلَا يَلْطُمُ وَجْهَهُ بِالْمَاءِ،
-
وَلَا يَتَوَضَّأَ فِي مَوْضِعٍ يُرْجِعُ إِلَيْهِ رَشَاشَ الْمَاءِ،
-
وَأَنْ يُمِرَّ يَدَهُ عَلَى الْأَعْضَاءِ،
-
وَأَنْ يَقُولَ بَعْدَ الْفَرَاغِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. وَاعْلَمْ أَنَّ مُعْظَمَ هَذِهِ السُّنَنِ يَجِيءُ مِثْلُهَا فِي الْغُسْلِ، وَفِي التَّسْمِيَةِ وَجْهٌ: أَنَّهَا لَا تُسْتَحَبُّ فِي الْغُسْلِ.
-
١/٦٤١/٦٤
فَرْعٌ
-
التَّفْرِيقُ الْيَسِيرُ بَيْنَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، لَا يَضُرُّ بِلَا خِلَافٍ،
-
وَكَذَا الْكَثِيرُ، عَلَى الْجَدِيدِ الْمَشْهُورِ. وَالْكَثِيرُ: هُوَ أَنْ يَمْضِيَ زَمَنٌ يَجِفُّ فِيهِ الْمَغْسُولُ مَعَ اعْتِدَالِ الْهَوَاءِ وَمِزَاجِ الشَّخْصِ. وَالْقَلِيلُ: دُونَ ذَلِكَ.
-
وَقِيلَ: تُؤْخَذُ الْقِلَّةُ وَالْكَثْرَةُ مِنَ الْعُرْفِ.
-
وَقِيلَ: الْكَثِيرُ: مُضِيُّ زَمَنٍ يُمْكِنُ فِيهِ إِتْمَامُ الطَّهَارَةِ. وَمُدَّةُ التَّفْرِيقِ تُعْتَبَرُ مِنْ آخِرِ الْمَأْتِيِّ بِهِ مِنْ أَفْعَالِ الْوُضُوءِ.
-
وَلَوْ فَرَّقَ بِعُذْرٍ، كَنَفَادِ الْمَاءِ، لَمْ يَضُرَّ عَلَى الْمَذْهَبِ،
-
وَقِيلَ: فِيهِ الْقَوْلَانِ. وَالنِّسْيَانُ عُذْرٌ عَلَى الْأَصَحِّ. وَحَيْثُ جَازَ التَّفْرِيقُ، فَبَنَى، لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَجْدِيدِ النِّيَّةِ فِي الْأَصَحِّ. وَالْمُوَالَاةُ فِي الْغُسْلِ، كَهِيَ فِي الْوُضُوءِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
-
وَقِيلَ: لَا يَجِبُ مُطْلَقًا بِلَا خِلَافٍ.
-
قُلْتُ: بَقِيَتْ مَسَائِلُ مُهِمَّةٌ مِنْ صِفَةِ الْوُضُوءِ. مِنْهَا: غَسْلُ الْعَيْنَيْنِ. فِيهِ أَوْجُهٌ. أَحَدُهَا: سُنَّةٌ. وَالثَّانِي: مُسْتَحَبٌّ. وَالثَّالِثُ: لَا يَفْعَلُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْأَصْحَابِ.
-
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِرِجْلِهِ كَعْبٌ، أَوْ لِيَدِهِ مِرْفَقٌ، اعْتَبَرَ قَدْرَهُ،
-
وَلَوْ تَشَقَّقَتْ رِجْلُهُ، فَجَعَلَ فِي شُقُوقِهَا شَمْعًا أَوْ حِنَّاءً، وَجَبَ إِزَالَةُ عَيْنِهِ،
-
فَإِنْ بَقِيَ لَوْنُ الْحِنَّاءِ، لَمْ يَضُرَّ،
-
وَإِنْ كَانَ عَلَى الْعُضْوِ دُهْنٌ مَائِعٌ فَجَرَى الْمَاءُ عَلَى الْعُضْوِ، وَلَمْ يَثْبُتْ، صَحَّ وُضُوءُهُ،
-
وَلَوْ كَانَ تَحْتَ أَظْفَارِهِ وَسَخٌ يَمْنَعُ وَصُولَ الْمَاءِ، لَمْ يَصِحَّ وُضُوءُهُ عَلَى الْأَصَحِّ.
-
وَلَوْ قَدَّمَ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ عَلَى غَسْلِ الْكَفِّ، لَمْ يُحْسَبِ الْكَفُّ عَلَى الْأَصَحِّ.
-
وَلَوْ شَكَّ فِي غَسْلِ بَعْضِ أَعْضَائِهِ فِي أَثْنَاءِ الطَّهَارَةِ، لَمْ يُحْسَبْ لَهُ، وَبَعْدَ الْفَرَاغِ لَا يَضُرُّهُ الشَّكُّ عَلَى الْأَصَحِّ.
-
وَيُشْتَرَطُ فِي غَسْلِ الْأَعْضَاءِ: جَرَيَانُ الْمَاءِ عَلَى الْعُضْوِ بِلَا خِلَافٍ. وَيَرْتَفِعُ الْحَدَثُ عَنْ كُلِّ عُضْوٍ بِمُجَرَّدِ غَسْلِهِ. وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: يَتَوَقَّفُ عَلَى فَرَاغِ الْأَعْضَاءِ، وَالصَّوَابُ: الْأَوَّلُ. وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ.
-
وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ يَتَوَضَّأُ أَنْ يُصَلِّيَ عَقِبَهُ رَكْعَتَيْنِ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ.