فَصْلٌ
روضة الطالبين وعمدة المفتينالشافعيةالمسائل ١٦٬٤٦٣ إلى ١٦٬٥٠٠
-
٣/٣٣٤٣/٣٣٤
فِي مَسَائِلَ مَنْثُورَةٍ
-
إِحْدَاهَا: إِذَا نَذَرَ الصَّوْمَ فِي بَلَدٍ، لَمْ يَتَعَيَّنْ، بَلْ لَهُ أَنْ يَصُومَ حَيْثُ شَاءَ، سَوَاءٌ عَيَّنَ مَكَّةَ أَوْ غَيْرَهَا. وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ: إِذَا عَيَّنَ الْحَرَمَ، اخْتُصَّ بِهِ.
-
الثَّانِيَةُ: سَتْرُ الْكَعْبَةِ وَتَطْيِيبُهَا مِنَ الْقُرُبَاتِ، سَوَاءٌ سَتَرَهَا بِالْحَرِيرِ وَغَيْرِهِ.
-
وَلَوْ نَذَرَ سَتْرَهَا وَتَطْيِيبَهَا، صَحَّ نَذْرُهُ.
-
وَإِذَا نَذَرَ أَنْ يَجْعَلَ مَا يُهْدِيهِ فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ وَطِيبِهَا، قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْمَرُّوذِيُّ: يَنْقُلُهُ إِلَيْهَا وَيُسَلِّمُهُ إِلَى الْقَيِّمِ لِيَصْرِفَهُ فِي الْجِهَةِ الْمَذْكُورَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ نَصَّ فِي نَذْرِهِ أَنَّهُ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ.
-
وَلَوْ نَذَرَ تَطْيِيبَ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، أَوِ الْأَقْصَى، أَوْ غَيْرِهِمَا مِنَ الْمَسَاجِدِ، فَفِيهِ تَرَدُّدٌ لِلْإِمَامِ. وَمَالَ الْإِمَامُ إِلَى تَخْصِيصِهِ بِالْكَعْبَةِ، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
-
الثَّالِثَةُ: نَقَلَ الْقَاضِي ابْنُ كَجٍّ وَجْهَيْنِ فِيمَنْ قَالَ: إِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي، فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُعَجِّلَ زَكَاةَ مَالِي، هَلْ يَصِحُّ نَذْرُهُ؟ وَوَجْهَيْنِ فِيمَنْ قَالَ: إِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي، فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَذْبَحَ عَنْ وَلَدِي، هَلْ يَلْزَمُهُ الذَّبْحُ عَنْ وَلَدِهِ؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ عَنِ الْأَوْلَادِ مِمَّا يُتَقَرَّبُ بِهِ؟
-
وَوَجْهَيْنِ فِيمَا إِذَا قَالَ: إِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي، فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَذْبَحَ ابْنِيَ،
-
فَإِنْ لَمْ يَجُزْ فَشَاةٌ مَكَانَهُ، هَلْ يَلْزَمُهُ ذَبْحُ شَاةٍ؟ وَوَجْهَيْنِ فِيمَا إِذَا نَذَرَ النَّصْرَانِيُّ أَنْ يُصَلِّيَ أَوْ يَصُومَ،
-
ثُمَّ أَسْلَمَ، هَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ شَرْعِنَا وَصَوْمَهُ؟
-
قُلْتُ: الْأَصَحُّ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ: الصِّحَّةُ. وَفِي الْبَاقِي: الْبُطْلَانُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
الرَّابِعَةُ: فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ: أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ أَنْ يُضَحِّيَ بِشَاةٍ، ثُمَّ عَيَّنَ شَاةً
-
٣/٣٣٥٣/٣٣٥
لِنَذْرِهِ، فَلَمَّا قَدَّمَهَا لِلذَّبْحِ صَارَتْ مَعِيبَةً، لَا تُجْزِئُ.
-
وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يُهْدِيَ شَاةً،
-
ثُمَّ عَيَّنَ شَاةً، وَذَهَبَ بِهَا إِلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا قَدَّمَهَا لِلذَّبْحِ تَعَيَّبَتْ، أَجْزَأَتْهُ؛ لِأَنَّ الْهَدْيَ مَا يُهْدَى إِلَى الْحَرَمِ، وَبِالْوُصُولِ إِلَيْهِ حَصَلَ الْإِهْدَاءُ، وَالتَّضْحِيَةُ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِالذَّبْحِ.
-
الْخَامِسَةُ: قَالَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ: لَوْ قَالَ: إِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي، فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَشْتَرِيَ بِدِرْهَمٍ خُبْزًا وَأَتَصَدَّقَ بِهِ، لَا يَلْزَمُهُ الشِّرَاءُ، بَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِخُبْزٍ قِيمَتُهُ دِرْهَمٍ.
-
السَّادِسَةُ: لَوْ قَالَ: إِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي، فَلِلَّهِ عَلَى رِجْلِي حَجٌّ مَاشِيًا، صَحَّ نَذْرُهُ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ إِلْزَامَ الرِّجْلِ حَاجَةً.
-
وَلَوْ قَالَ: عَلَى نَفْسِي أَوْ رَقَبَتِي، صَحَّ.
-
السَّابِعَةُ: إِذَا نَذَرَ إِعْتَاقَ رَقَبَةٍ وَكَانَ عَلَيْهِ رَقَبَةٌ عَنْ كَفَّارَةٍ، فَأَعْتَقَ رَقَبَتَيْنِ، وَنَوَاهُمَا عَنِ الْوَاجِبِ، أَجْزَأَهُ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ، كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ.
-
الثَّامِنَةُ: لَوْ نَذَرَ صَلَاتَيْنِ، لَمْ يَخْرُجْ عَنْ نَذْرِهِ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ.
-
التَّاسِعَةُ: لَوْ قَالَ: إِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي، فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ، صَحَّ نَذْرُهُ، وَيَتَصَدَّقُ بِمَا شَاءَ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ.
-
وَلَوْ قَالَ: فَعَلَيَّ أَلْفٌ، وَلَمْ يُعَيِّنْ شَيْئًا بِاللَّفْظِ وَلَا بِالنِّيَّةِ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ.
-
الْعَاشِرَةُ: وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ، وَمَاتَ قَبْلَ إِمْكَانِ الصَّوْمِ، يُطْعَمُ عَنْهُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدٌّ،
-
بِخِلَافِ مَا لَوْ لَزِمَهُ قَضَاءُ رَمَضَانَ لِمَرَضٍ، أَوْ سَفَرٍ، وَمَاتَ قَبْلَ إِمْكَانِ الْقَضَاءِ، لَا يُطْعَمُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَنْذُورَ مُسْتَقِرٌّ بِنَفْسِ النَّذْرِ، قَالَهُ الْقَفَّالُ، وَبَنَى عَلَى هَذَا: أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ وَحَنِثَ فِي يَمِينِهِ وَهُوَ مُعْسِرٌ فَرْضَهُ الصِّيَامَ، فَمَاتَ قَبْلَ الْإِمْكَانِ، يُطْعَمُ عَنْهُ.
-
وَأَنَّهُ لَوْ نَذَرَ حَجَّةً، وَمَاتَ قَبْلَ الْإِمْكَانِ، يُحَجُّ عَنْهُ، وَهَذَا
-
بِخِلَافِ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْحَجِّ.
-
٣/٣٣٦٣/٣٣٦
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: قَالَ الْقَفَّالُ: مَنِ الْتَزَمَ بِالنَّذْرِ أَنْ لَا يُكَلِّمَ الْآدَمِيِّينَ، يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يُتَقَرَّبُ بِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: لَا، لِمَا فِيهِ مِنَ التَّضْيِيقِ وَالتَّشْدِيدِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَرْعِنَا، كَمَا لَوْ نَذَرَ الْوُقُوفَ فِي الشَّمْسِ.
-
قُلْتُ: الِاحْتِمَالُ الثَّانِي أَصَحُّ.
-
وَاعْلَمْ أَنَّهُ ثَبَتَ فِي صَحِيحَيِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ النَّذْرِ. وَفِي فَتَاوَى الْقَاضِي حُسَيْنٍ: أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ تَلِدُ أَوْلَادًا وَيَمُوتُونَ، فَقَالَتْ: إِنْ عَاشَ لِي وَلَدٌ، فَلِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ، قَالَ: يُشْتَرَطُ لِلُزُومِ الْعِتْقِ أَنْ يَعِيشَ لَهَا وَلَدٌ أَكْثَرَ مِمَّا عَاشَ أَكْبَرُ أَوْلَادِهَا الْمَوْتَى،
-
وَإِنْ قَلَّتْ تِلْكَ الزِّيَادَةُ. وَقَالَ الْعَبَّادِيُّ: مَتَى وَلَدَتْ حَيًّا، لَزِمَهَا الْعِتْقُ وَإِنْ لَمْ يَعِشْ أَكْثَرَ مِنْ سَاعَةٍ؛ لِأَنَّهُ عَاشَ. وَالْأَوَّلُ: أَصَحُّ. وَأَنَّهُ لَوْ نَذَرَ التَّضْحِيَةَ بِهَذِهِ الشَّاةِ عَلَى أَنْ لَا يَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا، لَا يَنْعَقِدُ. وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: إِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي، فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِدِينَارٍ، فَشُفِيَ، فَأَرَادَ التَّصَدُّقَ بِهِ عَلَى ذَلِكَ الْمَرِيضِ وَهُوَ فَقِيرٌ،
-
فَإِنْ كَانَ لَا يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، جَازَ، وَإِلَّا،
-
فَلَا، وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ إِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي، فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَلَى وَلَدِي أَوْ عَلَى زَيْدٍ وَزَيْدٌ مُوسِرٌ يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ ; لِأَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْغَنِيِّ جَائِزَةٌ وَقُرْبَةٌ، وَأَنَّهُ لَوْ نَذَرَ صَوْمَ سَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ ثُمَّ قَالَ إِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي، فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ الْأَثَانِينَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
-
قَالَ: لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الزَّمَانَ مُسْتَحَقٌّ لِغَيْرِهِ. وَقَالَ الْعَبَّادِيُّ: يَنْعَقِدُ وَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ. قِيلَ لَهُ: لَوْ كَانَ لَهُ عَبْدٌ، فَقَالَ: إِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي، فَلِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُهُ،
-
ثُمَّ قَالَ: إِنْ قَدِمَ زَيْدٌ، فَعَلَيَّ عِتْقُهُ، قَالَ: يَنْعَقِدَانِ،
-
فَإِنْ وَقَعَا مَعًا، أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، هَذَا آخِرُ الْمَنْقُولِ مِنْ فَتَاوَى الْقَاضِي.
-
٣/٣٣٧٣/٣٣٧
وَمِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ: إِذَا نَذَرَ زَيْتًا، أَوْ شَمْعًا، أَوْ نَحْوَهُ لِيُسْرِجَ بِهِ فِي مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ، إِنْ كَانَ بِحَيْثُ يَنْتَفِعُ بِهِ - وَلَوْ عَلَى النُّدُورِ - مُصَلٍّ هُنَاكَ أَوْ نَائِمٌ أَوْ غَيْرُهُمَا، صَحَّ وَلَزِمَ.
-
وَإِنْ كَانَ يُغْلَقُ وَلَا يَتَمَكَّنُ أَحَدٌ مِنَ الدُّخُولِ وَالِانْتِفَاعِ بِهِ، لَمْ يَصِحَّ.
-
وَلَوْ وَقَفَ شَيْئًا لِيُشْتَرَى مِنْ غَلَّتِهِ زَيْتٌ أَوْ غَيْرُهُ لِيُسْرِجَ بِهِ فِي مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَحُكْمُهُ فِي الصِّحَّةِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي النُّذُورِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.