فَصْلٌ
روضة الطالبين وعمدة المفتينالشافعيةالمسائل ٦٩٬١٢٤ إلى ٦٩٬٨٨٢
-
١٢/٢٣١١٢/٢٣١
قَدْ ذَكَرْنَا الْكِتَابَةَ الصَّحِيحَةَ بِأَرْكَانِهَا وَشُرُوطِهَا.
-
فَأَمَّا الَّتِي لَا تَصِحُّ، فَتَنْقَسِمُ إِلَى بَاطِلَةٍ وَفَاسِدَةٍ.
-
أَمَّا الْبَاطِلَةُ فَهِيَ الَّتِي اخْتَلَّ بَعْضُ أَرْكَانِهَا، بِأَنْ كَانَ السَّيِّدُ صَبِيًّا، أَوْ مَجْنُونًا، أَوْ مُكْرَهًا عَلَى الْكِتَابَةِ، أَوْ كَانَ الْعَبْدُ كَذَلِكَ، أَوْ كَاتَبَ وَلِيُّ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ عَبْدَهُمَا، أَوْ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُ عِوَضٍ، أَوْ ذِكْرُ مَا لَا يُقْصَدُ،
-
وَلَا مَالِيَّةَ فِيهِ، كَالْحَشَرَاتِ، وَالدَّمِ، أَوِ اخْتَلَّتِ الصِّيغَةُ، بِأَنْ فُقِدَ الْإِيجَابُ أَوِ الْقَبُولُ، أَوْ لَمْ يُوَافِقْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ.
-
وَأَمَّا الْفَاسِدَةُ، فَهِيَ الَّتِي اخْتَلَّتْ صِحَّتُهَا لِشَرْطٍ فَاسِدٍ فِي الْعِوَضِ، بِأَنْ ذَكَرَ خَمْرًا، أَوْ خِنْزِيرًا، أَوْ مَجْهُولًا، أَوْ لَمْ يُؤَجِّلْهُ، أَوْ لَمْ يُنَجِّمْهُ، أَوْ كَاتَبَ بَعْضَ الْعَبْدِ. وَضَبَطَهَا الْإِمَامُ فَقَالَ: إِذَا صَدَرَتِ الْكِتَابَةُ إِيجَابًا وَقَبُولًا مِمَّنْ تَصِحُّ عِبَارَتُهُ، وَظَهَرَ اشْتِمَالُهَا الْمَالِيَّةَ، لَكِنَّهَا لَمْ تَجْمَعْ شَرَائِطَ الصِّحَّةِ، فَهِيَ الْكِتَابَةُ الْفَاسِدَةُ، وَجَعَلَ الصَّيْدَلَانِيُّ الْكِتَابَةَ عَلَى دَمٍ أَوْ مَيْتَةٍ كِتَابَةً فَاسِدَةً، كَالْكِتَابَةِ عَلَى خَمْرٍ.
-
١٢/٢٣٢١٢/٢٣٢
إِذَا عُرِفَ هَذَا فَالْكِتَابَةُ الْبَاطِلَةُ لَاغِيَةٌ إِلَّا أَنَّهُ إِذَا صَرَّحَ بِالتَّعْلِيقِ، وَهُوَ مِمَّنْ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ ثَبَتَ حُكْمُ التَّعْلِيقِ.
-
وَأَمَّا الْفَاسِدَةُ، فَإِنَّهَا تُشَارِكُ الصَّحِيحَةَ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ عَلَى الْأَثَرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
-
بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْعُقُودِ، لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ فَاسِدِهَا وَصَحِيحِهَا؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْكِتَابَةِ الْعِتْقُ، وَهُوَ لَا يَبْطُلُ بِالتَّعْلِيقِ عَلَى فَاسِدٍ.
-
قَالَ الْأَصْحَابُ: تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِالصِّفَةِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ.
-
أَحَدُهَا: التَّعْلِيقُ الْخَالِي عَنِ الْمُعَاوَضَةِ كَقَوْلِهِ: إِنْ دَخَلْتُ الدَّارَ، أَوْ كَلَّمْتُ فَلَانًا، فَأَنْتَ حُرٌّ.
-
وَمِنْ هَذَا: إِنْ أَدَّيْتَ إِلَيَّ كَذَا فَأَنْتَ حُرٌّ،
-
فَإِنَّ الْمَالَ لَيْسَ مَذْكُورًا عَلَى سَبِيلِ الْمُعَاوَضَةِ، فَهَذَا الْقِسْمُ لَازِمٌ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، فَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ،
-
وَلَا لِلْعَبْدِ، وَلَا لَهُمَا رَفْعُهُ بِالْقَوْلِ، وَيَبْطُلُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ.
-
وَإِذَا وُجِدَتِ الصِّفَةُ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ عَتَقَ، وَكَسْبُهُ قَبْلَ وُجُودِ الصِّفَةِ لِلسَّيِّدِ.
-
وَلَوْ أَبْرَأَهُ فِي صُورَةِ التَّعْلِيقِ بِأَدَاءِ الْمَالِ عَنِ الْمَالِ لَمْ يَعْتِقْ،
-
وَلَا تَرَاجُعَ بَيْنَ السَّيِّدِ وَبَيْنَهُ.
-
الْقِسْمُ الثَّانِي: التَّعْلِيقُ فِي عَقْدٍ يَغْلِبُ فِيهِ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ، وَهُوَ الْكِتَابَةُ الصَّحِيحَةُ، وَسَتَأْتِي أَحْكَامُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
الثَّالِثُ: التَّعْلِيقُ فِي عَقْدٍ فِيهِ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ، وَيَغْلِبُ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيقِ، وَهُوَ الْكِتَابَةُ الْفَاسِدَةُ، وَهِيَ كَالصَّحِيحَةِ فِي أَحْكَامٍ.
-
أَحَدُهَا: أَنَّهُ إِذَا أَدَّى الْعَبْدُ الْمُسَمَّى عَتَقَ بِمُوجِبِ التَّعْلِيقِ،
-
وَلَا يُعْتَقُ بِإِبْرَاءِ السَّيِّدِ،
-
وَلَا بِأَدَاءِ الْغَيْرِ عَنْهُ تَبَرُّعًا؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ لَا تَحْصُلُ بِهِمَا.
-
وَلَوِ اعْتَاضَ عَنِ الْمُسَمَّى لَمْ يُعْتَقْ أَيْضًا.
-
١٢/٢٣٣١٢/٢٣٣
الثَّانِي: أَنَّهُ يَسْتَقِلُّ بِالِاكْتِسَابِ، فَيَتَرَدَّدُ وَيَتَصَرَّفُ، فَيُؤَدِّي الْمُسَمَّى وَيُعْتَقُ.
-
وَإِذَا أَدَّى، فَمَا فَضَلَ مِنَ الْكَسْبِ، فَهُوَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْفَاسِدَةَ كَالصَّحِيحَةِ فِي حُصُولِ الْعِتْقِ بِالْأَدَاءِ، فَكَذَلِكَ فِي الْكَسْبِ، وَوَلَدُ الْمُكَاتَبِ مِنْ جَارِيَةٍ كَكَسْبِهِ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ مُكَاتَبٌ عَلَيْهِ،
-
فَإِذَا عَتَقَ تَبِعَهُ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ.
-
وَهَلْ يَتْبَعُ الْمُكَاتَبَةَ كِتَابَةً فَاسِدَةً وَلَدُهَا؟ طَرِيقَانِ.
-
الْمَذْهَبُ: نَعَمْ، كَالْكَسْبِ. وَالثَّانِي: قَوْلَانِ، كَمَا سَبَقَ فِي بَابِ التَّدْبِيرِ فِي وَلَدِ الْمُعَلَّقِ عِتْقُهَا بِصِفَةٍ.
-
الثَّالِثُ: ذَكَرَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ أَنَّهُ إِذَا اسْتَقَلَّ، سَقَطَتْ نَفَقَتُهُ عَنِ السَّيِّدِ،
-
وَأَنَّ مُعَامَلَتَهُ كَالْمُكَاتَبِ كِتَابَةً صَحِيحَةً.
-
وَالَّذِي ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ مُعَامَلَتُهُ مَعَ السَّيِّدِ،
-
وَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِيمَا فِي يَدِهِ، كَمَا فِي الْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ، وَلَعَلَّ هَذَا أَقْوَى.
-
فَرْعٌ
-
الْمُكَاتَبُ كِتَابَةً صَحِيحَةً، هَلْ لَهُ السَّفَرُ بِغَيْرِ إِذْنِ السَّيِّدِ؟ فِيهِ نَصَّانِ، فَقِيلَ: قَوْلَانِ أَظْهَرُهُمَا: الْجَوَازُ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى الْكَسْبِ، وَلِأَنَّهُ فِي يَدِ نَفْسِهِ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ، فَلَمْ يُمْنَعِ السَّفَرُ.
-
وَقِيلَ: نَصُّ الْجَوَازِ مَحْمُولٌ عَلَى سَفَرٍ قَصِيرٍ، وَالْمَنْعُ عَلَى طَوِيلٍ.
-
وَقِيلَ: الْجَوَازُ إِذَا لَمْ يَحِلَّ النَّجْمُ، وَالْمَنْعُ إِذَا حَلَّ،
-
فَإِنْ جَوَّزْنَاهُ، فَهَلْ يَجُوزُ لِلْمَكَاتَبِ كِتَابَةً فَاسِدَةً؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: لَا.
-
فَرْعٌ
-
تُفَارِقُ الْفَاسِدَةُ الصَّحِيحَةَ فِي أُمُورٍ. أَحَدُهَا: إِذَا أَدَّى الْمُسَمَّى فِي الْفَاسِدَةِ، وَعُتِقَ، رَجَعَ عَلَى السَّيِّدِ بِمَا أَدَّى، وَرَجَعَ السَّيِّدُ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ الْعِتْقِ.
-
وَفِي قَوْلٍ ضَعِيفٍ: يَرْجِعُ بِقِيمَةِ يَوْمِ الْعَقْدِ،
-
فَإِنْ هَلَكَ الْمُسَمَّى فِي يَدِ السَّيِّدِ، رَجَعَ الْعَتِيقُ بِثُلُثِهِ أَوْ قِيمَتِهِ، فَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ
-
١٢/٢٣٤١٢/٢٣٤
عَلَى السَّيِّدِ مِنْ جِنْسِ الْقِيمَةِ، بِأَنْ كَانَ غَالِبَ نَقْدِ الْبَلَدِ، فَهُوَ عَلَى أَقْوَالٍ التَّقَاصُّ، وَسَنَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
وَإِذَا حَصَلَ التَّقَاصُّ وَفَضَلَ لِأَحَدِهِمَا شَيْءٌ رَجَعَ بِهِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ التَّرَاجُعَ إِذَا كَانَ الْمُسَمَّى مَالًا،
-
فَإِنْ كَانَ خَمْرًا أَوْ نَحْوَهُ، لَمْ يَرْجِعِ الْعَتِيقُ عَلَى السَّيِّدِ بِشَيْءٍ، وَيَرْجِعِ السَّيِّدُ عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ.
-
الثَّانِي: لِلسَّيِّدِ فَسْخُ الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ،
-
بِخِلَافِ الصَّحِيحَةِ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ فَسَخَ بِنَفْسِهِ،
-
وَإِنْ شَاءَ رَفَعَ الْأَمْرَ إِلَى الْقَاضِي، لِيَحْكُمَ بِإِبْطَالِهَا أَوْ يَفْسَخَهَا. قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَهُوَ كَمَا لَوْ وَجَدَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ مَعِيبًا، لَهُ أَنْ يَفْسَخَ بِنَفْسِهِ، وَلَهُ أَنْ يَرْفَعَ الْأَمْرَ إِلَى الْقَاضِي لِيَفْسَخَ،
-
وَلَا يُبْطِلُهَا الْقَاضِي بِغَيْرِ طَلَبِ السَّيِّدِ.
-
وَقَالَ ابْنُ سَلَمَةَ: لَا سَبِيلَ إِلَى إِبْطَالِ الْفَاسِدَةِ بِالْقَوْلِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ فِيهَا يَحْصُلُ بِالتَّعْلِيقِ، وَالتَّعْلِيقُ لَا يَصِحُّ إِبْطَالُهُ،
-
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، فَإِذَا فَسَخَهَا، أَوْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِإِبْطَالِهَا،
-
ثُمَّ أَدَّى الْمُسَمَّى لَمْ يُعْتَقْ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ تَعْلِيقًا، فَهُوَ فِي ضِمْنِ مُعَاوَضَتِهِ،
-
فَإِذَا ارْتَفَعَتِ الْمُعَاوَضَةُ، ارْتَفَعَ مَا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ التَّعْلِيقِ، وَلِيُشْهِدِ السَّيِّدُ عَلَى الْفَسْخِ،
-
فَإِنْ أَدَّى الْمُسَمَّى، وَقَالَ: أَدَّيْتُهُ قَبْلَ الْفَسْخِ، وَقَالَ السَّيِّدُ: بَلْ بَعْدَهُ، صُدِّقَ الْعَبْدُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْفَسْخِ وَعَلَى السَّيِّدِ الْبَيِّنَةُ.
-
الثَّالِثُ: إِذَا أَعْتَقَ الْمُكَاتَبَ كِتَابَةً فَاسِدَةً لَا عَنْ جِهَةِ الْكِتَابَةِ أَوْ بَاعَهُ، أَوْ وَهَبَهُ كَانَ فَسْخًا لِلْكِتَابَةِ.
-
وَلَوْ أَعْتَقَهُ عَنْ كَفَّارَةٍ أَجْزَأَهُ نُصَّ عَلَيْهِ فِي «الْأُمِّ» قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: إِذَا عَتَقَ لَا عَنْ جِهَةِ الْكِتَابَةِ، لَا يَتْبَعُهُ الْكَسْبُ وَالْوَلَدُ،
-
بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ هُنَاكَ اسْتَحَقَّ الْعِتْقَ عَلَى السَّيِّدِ بِعَقْدٍ لَازِمٍ، وَاسْتَحَقَّ اسْتِتْبَاعَ الْوَلَدِ
-
١٢/٢٣٥١٢/٢٣٥
وَالْكَسْبِ، فَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ إِبْطَالُهُ، وَهُنَاكَ لَا اسْتِحْقَاقَ عَلَى السَّيِّدِ، فَجُعِلَ فَاسِخًا. قَالَ: وَعَرَضْتُ هَذَا عَلَى الْقَفَّالِ، فَاسْتَحْسَنَهُ، وَأَقَرَّنِي عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرَ غَيْرَهُ.
-
وَحَكَى الْإِمَامُ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ عَنِ الْكَفَّارَةِ،
-
وَلَا يَتْبَعُهُ الْوَلَدُ وَالْكَسْبُ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
-
الرَّابِعُ: تَبْطُلُ الْكِتَابَةُ الْفَاسِدَةُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ،
-
وَلَا يُعْتَقُ بِالْأَدَاءِ إِلَى الْوَارِثِ بَعْدَ الْمَوْتِ
-
بِخِلَافِ الصَّحِيحَةِ، فَإِنْ قَالَ: إِنْ أَدَّيْتَ إِلَى وَارِثِي كَذَا بَعْدَ مَوْتِي، فَأَنْتَ حُرٌّ، عَتَقَ بِالْأَدَاءِ إِلَيْهِ.
-
الْخَامِسُ: لَا يَجِبُ الْإِيتَاءُ فِي الْفَاسِدَةِ.
-
السَّادِسُ: لَوْ كَاتَبَ أَمَةً كِتَابَةً فَاسِدَةً، وَعَجَزَتْ عَنِ الْأَدَاءِ، فَأَرَقَّهَا، أَوْ فَسَخَ الْكِتَابَةَ قَبْلَ عَجْزِهَا، لَمْ يَجِبْ الِاسْتِبْرَاءُ، بِخِلَافِ الصَّحِيحَةِ.
-
السَّابِعُ: لَوْ عَجَّلَ النُّجُومَ فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ، فَهَلْ يُعْتَقُ كَالصَّحِيحَةِ، أَمْ لَا؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ لَمْ تُوجَدْ عَلَى وَجْهِهَا؟ وَجْهَانِ.
-
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا الثَّانِي. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
الثَّامِنُ: مَنْ يُلْزِمُ السَّيِّدَ فِطْرَةَ الْمُكَاتَبِ كِتَابَةً فَاسِدَةً.
-
التَّاسِعُ: هَلْ يُصْرَفُ سَهْمُ الْمُكَاتَبِينَ إِلَى الْمُكَاتَبِ كِتَابَةً فَاسِدَةً؟ وَجْهَانِ الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ: الْمَنْعُ.
-
الْعَاشِرُ: الْمُسَافِرَةُ مَمْنُوعَةٌ فِي الْفَاسِدَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ، جَائِزَةٌ فِي الصَّحِيحَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ، كَمَا سَبَقَ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
-
١٢/٢٣٦١٢/٢٣٦
الْبَابُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِ الْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ.
-
هِيَ خَمْسَةٌ:
-
الْأَوَّلُ: حُصُولُ الْعِتْقِ، وَيَتَعَلَّقُ بِمَا يَحْصُلُ بِهِ الْعِتْقُ مَسَائِلُ.
-
إِحْدَاهَا: أَنَّهُ يَحْصُلُ بِأَدَاءِ كُلِّ النُّجُومِ،
-
وَكَذَا بِالْإِبْرَاءِ، وَفِي حُصُولِهِ بِالِاسْتِبْدَالِ عَنِ النُّجُومِ خِلَافٌ سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
وَإِذَا جَوَّزْنَا الْحَوَالَةَ بِالنُّجُومِ، أَوْ عَلَيْهَا حَصَلَ الْعِتْقُ بِنَفْسِ الْحَوَالَةِ.
-
وَلَوْ أَدَّى بَعْضَ النُّجُومِ، أَوْ أَبْرَأَهُ عَنْ بَعْضِهَا، لَمْ يُعْتَقْ شَيْءٌ مِنْهُ، بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْجَمِيعِ، لِلْحَدِيثِ الْحَسَنِ «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» .
-
وَلَوْ كَاتَبَ عَبِيدًا صَفْقَةً وَاحِدَةً، فَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْمَذْهَبَ صِحَّتُهَا، وَأَنَّهُ إِذَا أَدَّى بَعْضُهُمْ حِصَّتَهُ، عَتَقَ،
-
وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ الْآخَرُونَ شَيْئًا.
-
وَلَوْ كَاتَبَ اثْنَانِ عَبْدَهُمَا مَعًا، فَلْيُسَوِّ بَيْنَهُمَا فِي الْأَدَاءِ،
-
وَلَا يُعْتَقُ نَصِيبُ أَحَدِهِمَا بِأَدَاءِ نَصِيبِهِ مِنَ النُّجُومِ، كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
وَلَوْ كَاتَبَ إِنْسَانٌ عَبْدًا، وَمَاتَ وَخَلَّفَ ابْنَيْنِ، فَأَدَّى نَصِيبَ أَحَدِهِمَا بِغَيْرِ إِذْنِ الْآخَرِ، لَمْ يُعْتَقْ،
-
وَإِنْ أَدَّى بِإِذْنِهِ، فَفِي عِتْقِهِ خِلَافٌ سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
الثَّانِيَةُ: لَا تَنْفَسِخُ الْكِتَابَةُ بِجُنُونِ السَّيِّدِ،
-
وَلَا الْعَبْدِ، وَلَا بِإِغْمَائِهِمَا،
-
فَإِنْ جُنَّ السَّيِّدُ، فَعَلَى الْمُكَاتَبِ تَسْلِيمُ النُّجُومِ إِلَى وَلِيِّهِ،
-
فَإِنْ سَلَّمَ إِلَيْهِ، لَمْ يُعْتَقْ؛ لِأَنَّ قَبْضَهُ فَاسِدٌ.
-
وَلَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ،
-
فَلَا ضَمَانَ؛ لِتَقْصِيرِهِ بِالتَّسْلِيمِ إِلَيْهِ،
-
ثُمَّ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ الْمُكَاتَبِ شَيْءٌ آخَرُ يُؤَدِّيهِ، فَلِلْوَلِيِّ تَعْجِيزُهُ.
-
وَلَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ بِالسَّفَهِ، فَهُوَ كَالْجُنُونِ.
-
فَلَوْ أَدَّى الْمُكَاتَبُ إِلَيْهِ فِي حَالِ الْحَجْرِ، وَعَجَّزَهُ الْوَلِيُّ،
-
ثُمَّ رُفِعَ الْحَجْرُ عَنْهُ، اسْتَمَرَّ التَّعْجِيزُ.
-
وَقِيلَ: فِيهِ قَوْلَانِ، كَمَا سَبَقَ فِي الْمُرْتَدِّ إِذَا
-
١٢/٢٣٧١٢/٢٣٧
أَخَذَ النُّجُومَ، وَعَجَّزَ الْحَاكِمُ الْمُكَاتَبَ،
-
ثُمَّ أَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ حَجْرَ السَّفَهِ أَقْوَى، وَلِهَذَا لَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ قَطْعًا،
-
بِخِلَافِ الْمُرْتَدِّ فِي قَوْلٍ، وَلِأَنَّ حَجْرَ السَّفَهِ لِحِفْظِ مَالِهِ.
-
فَلَوْ حُسِبَ عَلَيْهِ مَا أَخَذَهُ، وَأَتْلَفَهُ فِي حَالِ الْحَجْرِ لَمْ يَحْصُلْ حِفْظُ الْمَالِ، وَحَجْرُ الْمُرْتَدِّ لِحَقِّ الْمُسْلِمِينَ،
-
فَإِذَا أَسْلَمَ، لَمْ يَبْقَ لَهُمْ فِي مَالِهِ حَقٌّ.
-
وَأَمَّا إِذَا جُنَّ الْمُكَاتَبُ، فَأَدَّى فِي جُنُونِهِ، أَوْ أَخَذَهُ السَّيِّدُ مِنْ غَيْرِ أَدَاءٍ مِنْهُ فَيُعْتَقُ؛ لِأَنَّ قَبْضَ النُّجُومِ مُسْتَحَقٌّ.
-
وَلَوْ أَخَذَهَا الْمَوْلَى مِنْ غَيْرِ إِقْبَاضٍ مِنَ الْمُكَاتَبِ وَقَعَ مَوْقِعَهُ. هَذَا الْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ.
-
وَقَالَ الْإِمَامُ: إِنْ عَسِرَ وُصُولُ السَّيِّدِ إِلَى حَقِّهِ إِلَّا مِنْ جِهَةِ قَبْضِ مَا يُصَادِفُ، فَلَهُ ذَلِكَ،
-
وَإِنْ أَمْكَنَ مُرَاجَعَةُ الْوَلِيِّ فَلَا وَجْهَ لِاسْتِبْدَادِهِ بِالْقَبْضِ.
-
فَلَوِ اسْتَبَدَّ لَمْ يَصِحَّ،
-
وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ فَلَوْ أُقْبِضَ الْمَجْنُونُ، لَمْ يَكُنْ لِإِقْبَاضِهِ حُكْمٌ.
-
وَحَكَى قَوْلًا أَوْ وَجْهًا أَنَّ الْكِتَابَةَ تَنْفَسِخُ بِجُنُونِ الْمُكَاتَبِ،
-
وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ. هَذَا فِي الْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ، أَمَّا الْفَاسِدَةُ، فَهَلْ تَبْطُلُ بِجُنُونِهِمَا وَإِغْمَائِهِمَا؟ فِيهِ أَوْجُهٌ.
-
أَحَدُهُمَا نَعَمْ كَالشَّرِكَةِ، وَالثَّانِي: لَا كَالْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، وَأَصَحُّهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ: تَبْطُلُ بِجُنُونِ السَّيِّدِ وَإِغْمَائِهِ، وَبِالْحَجْرِ عَلَيْهِ، لَا بِجُنُونِ الْعَبْدِ وَإِغْمَائِهِ؛ لِأَنَّ الْحَظَّ فِي الْكِتَابَةِ لِلْعَبْدِ لَا لِلسَّيِّدِ.
-
فَإِنْ قُلْنَا: لَا تَبْطُلُ فَأَفَاقَ، وَأَدَّى الْمُسَمَّى عَتَقَ، وَثَبَتَ التَّرَاجُعُ. قَالُوا:
-
وَكَذَا لَوْ أَخَذَ السَّيِّدُ فِي جُنُونِهِ، وَقَالُوا: يُنَصِّبُ السَّيِّدُ مَنْ يَرْجِعُ لَهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُعْتَقَ بِأَخْذِ السَّيِّدِ هُنَا.
-
وَإِنْ قُلْنَا: يُعْتَقُ فِي الْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ؛ لِأَنَّ الْمُغَلَّبَ هُنَا التَّعْلِيقُ، وَالصِّفَةُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهَا، بِالْأَدَاءِ مِنَ الْعَبْدِ فَلَمْ يُوجَدْ.
-
وَإِنْ قُلْنَا: يَبْطُلُ، فَأَدَّى الْمُسَمَّى لَمْ يُعْتَقْ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ بِالتَّعْلِيقِ فِي الْفَاسِدَةِ يَتْبَعُهَا،
-
١٢/٢٣٨١٢/٢٣٨
فَإِذَا بَطَلَتْ بَطَلَ التَّعْلِيقُ، كَمَا لَوْ فَسَخَهَا السَّيِّدُ.
-
وَالثَّانِي: يُعْتَقُ، فَعَلَى هَذَا قَالَ الْإِمَامُ: الْوَجْهُ الْقَطْعُ بِأَنْ لَا تَرَاجُعَ؛ لِأَنَّ التَّرَاجُعَ مُقْتَضَى الْكِتَابَةِ [الْفَاسِدَةِ] وَقَدْ زَالَتْ، وَبَقِيَ التَّعْلِيقُ الْمَحْضُ.
-
وَقِيلَ يَثْبُتُ، قَالَ: وَمَسَاقُهُ أَنْ يَتْبَعَهُ الْكَسْبُ، وَهَذَا ضَعِيفٌ.
-
الثَّالِثَةُ: إِذَا كَاتَبَ الشَّرِيكَانِ مَعًا،
-
ثُمَّ أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ عَتَقَ. وَهَلْ يَسْرِي إِلَى نَصِيبِ الشَّرِيكِ إِنْ كَانَ مُوسِرًا؟ وَجْهَانِ أَوْ قَوْلَانِ.
-
الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ: يَسْرِي. وَفِي وَقْتِ السِّرَايَةِ قَوْلَانِ.
-
أَحَدُهُمَا: فِي الْحَالِ، لِئَلَّا تَتَبَعَّضَ الْحُرِّيَّةُ.
-
وَأَظْهَرُهُمَا: لَا يَثْبُتُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ قَدِ انْعَقَدَ سَبَبُ الْحُرِّيَّةِ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ، وَفِي التَّعْجِيلِ ضَرَرٌ عَلَى السَّيِّدِ؛ لِفَوَاتِ الْوَلَاءِ، وَبِالْمُكَاتَبِ بِانْقِطَاعِ الْوَلَدِ وَالْكَسْبِ عَنْهُ.
-
فَإِنْ قُلْنَا: تَتَعَجَّلُ السِّرَايَةُ، فَهَلْ تَنْفَسِخُ الْكِتَابَةُ فِي نَصِيبِ الشَّرِيكِ، أَمْ يَسْرِي الْعِتْقُ مَعَ بَقَاءِ الْكِتَابَةِ؟ وَجْهَانِ.
-
الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ: تَنْفَسِخُ؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ أَقْوَى مِنَ الْكِتَابَةِ، فَعَلَى هَذَا يُعْتَقُ كُلُّهُ عَلَى الشَّرِيكِ لِلْمُعْتِقِ، وَيَكُونُ لَهُ الْوَلَاءُ.
-
وَالثَّانِي: يَسْرِي الْعِتْقُ مَعَ بَقَاءِ الْكِتَابَةِ؛ لِئَلَّا يَبْطُلَ حَقُّ الْغَيْرِ، فَعَلَى هَذَا وَلَاءُ النِّصْفِ الْآخَرِ لِلشَّرِيكِ، لَا لِلْمُعْتِقِ حِينَئِذٍ.
-
وَإِنْ قُلْنَا: لَا تُتَعَجَّلُ السِّرَايَةُ، فَأَدَّى نَصِيبَ الْآخَرِ مِنَ النُّجُومِ عَتَقَ عَنِ الْكِتَابَةِ، وَكَانَ الْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا.
-
وَإِنْ عَجَزَ، وَعَادَ إِلَى الرِّقِّ ثَبَتَتِ السِّرَايَةُ حِينَئِذٍ، وَيَكُونُ الْوَلَاءُ كُلُّهُ لِلْمُعْتِقِ، وَيَجِيءُ الْخِلَافُ فِي أَنَّهَا ثَبَتَتْ بِنَفْسِ الْعَجْزِ، أَمْ بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ، أَمْ يَثْبُتُ بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ حُصُولُ التَّعْلِيقِ مِنْ وَقْتِ الْعَجْزِ، وَيَجْرِي هَذَا الْخِلَافُ عَلَى قَوْلِنَا بِتَعْجِيلِ السِّرَايَةِ.
-
وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْأَدَاءِ وَالْعَجْزِ، فَقَدَ [مَاتَ] بَعْضُهُ رَقِيقًا وَبَعْضُهُ حُرًّا. وَهَلْ يُورَثُ؟ فِيهِ الْقَوْلَانِ السَّابِقَانِ فِي الْفَرَائِضِ.
-
وَلَوْ أَبْرَأَهُ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ عَنْ نَصِيبِهِ مِنَ النُّجُومِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ، وَالْقَوْلُ
-
١٢/٢٣٩١٢/٢٣٩
فِي السِّرَايَةِ، وَفِي وَقْتِهَا كَمَا ذَكَرْنَا لَوْ أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ.
-
وَلَوْ قَبَضَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ مِنَ النُّجُومِ بِرِضَى صَاحِبِهِ، فَهَلْ يُعْتَقُ نَصِيبُهُ؟ فِيهِ خِلَافٌ سَنَذْكُرُهُ فِي الْحُكْمِ الثَّانِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
فَإِنْ قُلْنَا: يُعْتَقُ، فَهُوَ كَالْإِعْتَاقِ فِي السِّرَايَةِ وَوَقْتِهَا.
-
قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا نَقُولُ: إِنَّهُ مُجْبَرٌ عَلَى الْقَبْضِ فَلَا يَسْرِي؛ لِأَنَّهُ مُخْتَارٌ فِي إِنْشَاءِ الْكِتَابَةِ الَّتِي اقْتَضَتْ إِجْبَارَهُ عَلَى الْقَبْضِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ: إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَنَصِيبِي حُرٌّ،
-
فَإِذَا طَلَعَتْ عَتَقَ نَصِيبُهُ وَسَرَى؛ لِأَنَّهُ مُخْتَارٌ فِي التَّعْلِيقِ.
-
وَلَوْ كَاتَبَ عَبْدًا وَمَاتَ عَنِ ابْنَيْنِ، فَعَتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ، وَقُلْنَا: يُعْتَقُ نَصِيبُهُ عَلَى مَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَسْرِ؛ لِأَنَّهُ مُجْبَرٌ عَلَى الْقَبْضِ وَابْتِدَاءُ الْكِتَابَةِ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ.
-
فَرْعٌ
-
قَالَ الْعَبْدُ لِمَالِكَيْهِ وَقَدْ كَاتَبَاهُ: قَدْ أَعْطَيْتُكُمَا النُّجُومَ، وَأَنْكَرَا، صُدِّقَا بِالْيَمِينِ،
-
وَإِنْ صَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا، وَكَذَّبَهُ الْآخَرُ، عَتَقَ نَصِيبُ الْمُصَدِّقِ، وَيُصَدَّقُ الْمُكَذِّبُ بِيَمِينِهِ.
-
وَهَلْ يَسْرِي الْعِتْقُ؟ فِيهِ خِلَافٌ سَنَذْكُرُهُ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى،
-
وَالْمَذْهَبُ: الْمَنْعُ، وَالِاخْتِلَافُ فِي غَيْرِ النَّجْمِ الْأَخِيرِ كَالِاخْتِلَافِ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَحْصُلُ بِغَيْرِ الْأَخِيرِ.
-
وَلَوْ قَالَ الْمُكَاتَبُ لِأَحَدِهِمَا: دَفَعْتُ إِلَيْكَ جَمِيعَ النُّجُومِ لِتَأْخُذَ نَصِيبَكَ، وَتَدْفَعَ نَصِيبَ الْآخَرِ إِلَيْهِ، فَقَالَ: دَفَعْتَ إِلَيَّ نَصِيبِي، وَدَفَعْتَ نَصِيبَ الْآخَرِ إِلَيْهِ بِنَفْسِكَ، وَأَنْكَرَ الْآخَرُ الْقَبْضَ، عَتَقَ نَصِيبُ الْمُقِرِّ، وَصُدِّقَ فِي أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ نَصِيبَ الْآخَرِ بِيَمِينِهِ، وَصُدِّقَ الْآخَرُ فِي أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ
-
١٢/٢٤٠١٢/٢٤٠
نَصِيبَهُ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يَدَّعِي عَلَيْهِ شَيْئًا.
-
ثُمَّ يُتَخَيَّرُ الْمُنْكِرُ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ حِصَّتَهُ مِنَ النُّجُومِ مِنَ الْعَبْدِ، وَبَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْمُقِرِّ نِصْفَ مَا أَخَذَ؛ لِأَنَّ كَسْبَ الْمُكَاتَبِ مُتَعَلَّقُ حَقِّهِمَا بِالشَّرِكَةِ، وَيَأْخُذُ الْبَاقِي مِنَ الْعَبْدِ،
-
وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُقَرِّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ بِدَفْعِ الْمُشَارَكَةِ عَنْهُ.
-
وَإِذَا عَجَزَ الْمُكَاتَبُ عَمَّا طَالَبَ الْمُنْكِرَ بِهِ، فَلَهُ تَعْجِيزُهُ وَإِرْقَاقُ نَصِيبِهِ.
-
ثُمَّ عَنْ نَصِّهِ فِي «الْإِمْلَاءِ» أَنَّهُ يُقَوَّمُ مَا أَرَقَّهُ عَلَى الْمُقِرِّ، وَنَقَلَهُ ابْنُ سَلَمَةَ، وَابْنُ خَيْرَانَ إِلَى الصُّورَةِ السَّابِقَةِ، وَجَعَلُوا التَّقْوِيمَ عِنْدَ الْعَجْزِ فِي الصُّورَتَيْنِ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَامْتَنَعَ الْجُمْهُورُ مِنْ نَقْلِهِ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ، وَفَرَّقُوا بِأَنَّ الْعَبْدَ هُنَاكَ يَقُولُ: أَنَا حُرٌّ كَامِلُ الْحَالِ فَلَا يَسْتَحِقُّ التَّقْوِيمَ، وَهُنَا يَعْتَرِفُ بِأَنَّ نَصِيبَ الْمُنْكِرِ مِنْهُ لَمْ يُعْتَقْ.
-
وَلَوْ قَالَ الْمُكَاتَبُ لِأَحَدِهِمَا: دَفَعْتُ النُّجُومَ إِلَيْكَ لِتَأْخُذَ نَصِيبَكَ وَتَدْفَعَ نَصِيبَ الْآخَرِ إِلَيْهِ، كَمَا صَوَّرْنَا، فَقَالَ فِي الْجَوَابِ: قَدْ فَعَلْتَ مَا أُمِرْتَ بِهِ فَأَنْتَ عَتِيقٌ، وَأَنْكَرَ الْآخَرُ، عَتَقَ نَصِيبُ الْمُقِرِّ، وَصُدِّقَ الْمُنْكِرُ بِيَمِينِهِ،
-
فَإِذَا حَلَفَ بَقِيَ نَصِيبُهُ مُكَاتَبًا، وَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ أَخْذِ حِصَّتِهِ مِنَ الْمُكَاتَبِ، وَبَيْنَ أَخْذِهِ مِنَ الْمُقِرِّ لِإِقْرَارِهِ بِأَخْذِهَا،
-
وَمِنْ أَيِّهِمَا أَخَذَ، عَتَقَ نَصِيبُهُ.
-
ثُمَّ إِنْ أَخَذَهَا مِنَ الْمُكَاتَبِ فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُقِرِّ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ صَدَّقَهُ فِي الدَّفْعِ إِلَى الشَّرِيكِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُشْهِدَ عَلَيْهِ.
-
وَإِنْ أَخَذَهَا مِنَ الْمُقِرِّ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْمُكَاتَبِ؛ لِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ مَظْلُومٌ.
-
فَإِذَا اخْتَارَ الرُّجُوعَ عَلَى الْمُكَاتَبِ، فَلَمْ يَأْخُذْ حِصَّتَهُ مِنَ الْمُقِرِّ، وَلَمْ يَدْفَعْهَا إِلَى الْمُنْكِرِ، وَعَجَّزَ نَفْسَهُ، فَنِصْفُهُ حُرٌّ، وَنِصْفُهُ رَقِيقٌ، فَيُقَوَّمُ عَلَى الْمُقِرِّ فَيَأْخُذُ الْمُنْكِرُ مِنْهُ قِيمَةَ النِّصْفِ، وَيَأْخُذُ أَيْضًا مَا أَقَرَّ بِقَبْضِهِ لَهُ، فَإِنَّهُ كَسَبَ النِّصْفَ الَّذِي كَانَ مِلْكَهُ.
-
١٢/٢٤١١٢/٢٤١
الرَّابِعَةُ: كَاتَبَ عَبْدًا وَمَاتَ عَنِ ابْنَيْنِ، فَهُمَا قَائِمَانِ مَقَامَهُ فِي أَنَّهُمَا إِذَا أَعْتَقَاهُ أَوْ أَبْرَآهُ عَنِ النُّجُومِ عَتَقَ، وَكَذَا لَوِ اسْتَوْفَيَاهَا.
-
وَلَوْ أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا، أَوْ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ عَتَقَ نَصِيبُهُ
-
وَكَذَا لَوْ أَبْرَأَهُ أَحَدُهُمَا عَنْ نَصِيبِهِ مِنَ النُّجُومِ.
-
وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: لَا يُعْتَقُ نَصِيبُهُ بِالْإِبْرَاءِ حَتَّى يُبْرِئَهُ الْآخَرُ، أَوْ يَسْتَوْفِيَ مِنْهُ، كَمَا لَوْ كَانَ الْأَبُ حَيًّا فَأَبْرَأَهُ عَنْ بَعْضِ النُّجُومِ.
-
وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّ هُنَاكَ لَمْ يُبْرِئْهُ عَنْ جَمِيعِ مَالِهِ عَلَيْهِ، وَهُنَا أَبْرَأَهُ الِابْنُ عَنْ جَمِيعِ مَالِهِ عَلَيْهِ، فَصَارَ كَأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ يُبْرِئُهُ عَنْ نَصِيبِهِ مِنَ النُّجُومِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ إِذَا أَعْتَقَ الِابْنُ نَصِيبَهُ، أَوْ أَبْرَأَهُ عَنْ نَصِيبِهِ يُعْتَقُ، وَهُوَ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ.
-
وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: مُقْتَضَى سِيَاقِ «الْمُخْتَصَرِ» حُصُولُ قَوْلَيْنِ فِي عِتْقِ نَصِيبِهِ.
-
أَحَدُهُمَا: الْعِتْقُ، وَأَظْهَرُهُمَا: الْمَنْعُ بَلْ يُوقَفُ،
-
فَإِنْ أَدَّى نَصِيبَ الْآخَرِ عَتَقَ كُلُّهُ، وَالْوَلَاءُ لِلْأَبِ وَإِنْ عَجَزَ،
-
فَإِنْ كَانَ قَدْ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ، عَتَقَ الْآنَ نَصِيبُهُ.
-
ثُمَّ إِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَلَهُ وَلَاءُ مَا عَتَقَ، وَالْبَاقِي قِنٌّ لِلْآخَرِ،
-
وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا قُوِّمَ عَلَيْهِ الْبَاقِي، وَبَطَلَتْ كِتَابَةُ الْأَبِ، وَكَانَ وَلَاءُ الْجَمِيعِ لِلِابْنِ.
-
وَإِنْ كَانَ قَدْ أَبْرَأَهُ عَنْ نَصِيبِهِ مِنَ النُّجُومِ، لَمْ يُعْتَقْ مِنْهُ شَيْءٌ بِالْعَجْزِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ تَبْطُلُ بِالْعَجْزِ، وَالْعِتْقُ فِي غَيْرِ الْكِتَابَةِ لَا يَحْصُلُ بِالْإِبْرَاءِ،
-
وَالْمَذْهَبُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنِ الْأَصْحَابِ.
-
فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَ الَّذِي أَعْتَقَ نَصِيبَهُ، أَوْ أَبْرَأَهُ مُعْسِرًا، بَقِيَتِ الْكِتَابَةُ فِي نَصِيبِ الْآخَرِ،
-
فَإِنْ عَجَزَ عَادَ قِنًّا،
-
وَإِنْ أَدَّى وَعُتِقَ، فَوَلَاؤُهُ لِلْأَبِ.
-
وَأَمَّا وَلَاءُ نَصِيبِ الْأَوَّلِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لِلْأَبِ أَيْضًا.
-
وَقِيلَ: لِلِابْنِ، وَقِيلَ: إِنْ أَعْتَقَهُ فَلَهُ، وَإِنْ أَبْرَأَهُ فَلِلْأَبِ.
-
وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا، فَهَلْ يَسْرِي الْعِتْقُ إِلَى نَصِيبِ الشَّرِيكِ؟ إِذَا قُلْنَا بِالْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَمْنَعُ
-
١٢/٢٤٢١٢/٢٤٢
السِّرَايَةَ فِيهِ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، كَمَا لَوْ كَاتَبَهُ شَرِيكَانِ،
-
ثُمَّ أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا، وَأَظْهَرُهُمَا: لَا؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ السَّابِقَةَ تَقْتَضِي حُصُولَ الْعِتْقِ بِهَا، وَالْمَيِّتُ لَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ، وَالِابْنُ كَالنَّائِبِ عَنْهُ،
-
فَإِنْ قُلْنَا: يَسْرِي، فَهَلْ يَسْرِي فِي الْحَالِ، أَوْ عِنْدَ الْعَجْزِ؟ قَوْلَانِ كَمَا سَبَقَ فِي الشَّرِيكَيْنِ.
-
أَظْهَرُهُمَا: الثَّانِي فَإِنْ قُلْنَا يَسْرِي فِي الْحَالِ، فَحَكَى الْإِمَامُ وَجْهَيْنِ فِي انْفِسَاخِ الْكِتَابَةِ فِيمَا سَرَى الْعِتْقُ إِلَيْهِ، كَمَا حَكَاهُمَا فِي صُورَةِ الشَّرِيكَيْنِ، وَالَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ: الِانْفِسَاخُ فِيهِ، وَإِثْبَاتُ وَلَائِهِ لِلْمُعْتِقِ، وَفِي وَلَاءِ النِّصْفِ الْأَوَّلِ وَجْهَانِ.
-
أَحَدُهُمَا: لِلْمُعْتِقِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ نَصِيبَ الْآخَرِ بَقِيَ رَقِيقًا، وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ لَهُمَا لِأَنَّهُ عَتَقَ بِحُكْمِ كِتَابَةِ الْأَبِ، فَيَثْبُتُ لَهُ الْوَلَاءُ، وَيَنْتَقِلُ إِلَيْهِمَا بِالْعُصُوبَةِ.
-
وَإِذَا قُلْنَا: لَا تَنْفَسِخُ الْكِتَابَةُ فِيمَا سَرَى إِلَيْهِ، فَوَلَاءُ الْجَمِيعِ لِلْأَبِ،
-
وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ السِّرَايَةَ تَثْبُتُ عِنْدَ الْعَجْزِ،
-
فَإِنْ أَدَّى نَصِيبَ الْآخَرِ عَتَقَ كُلُّهُ، وَوَلَاؤُهُ لِلْأَبِ، وَإِنْ عَجَزَ، فَطَرِيقَانِ.
-
أَحَدُهُمَا: تَبْطُلُ الْكِتَابَةُ، وَيَكُونُ وَلَاءُ الْجَمِيعِ لَهُ، وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّ وَلَاءَ مَا سَرَى الْعِتْقُ إِلَيْهِ، وَقُوِّمَ عَلَيْهِ لَهُ.
-
وَفِي وَلَاءِ النِّصْفِ الْأَوَّلِ الْوَجْهَانِ. وَقَدْ يَخْتَصُّ الْوَجْهَانِ بِصُورَةِ الْإِعْتَاقِ. وَفِي صُورَةِ الْإِبْرَاءِ يَكُونُ وَلَاءُ النِّصْفِ لِلْأَبِ يَنْتَقِلُ إِلَيْهِمَا قَطْعًا، أَمَّا إِذَا قُلْنَا: لَا سِرَايَةَ، فَنَصِيبُ الْآخَرِ مُكَاتَبٌ كَمَا كَانَ.
-
فَإِنْ عَتَقَ بِأَدَاءٍ، أَوْ إِعْتَاقٍ، أَوْ إِبْرَاءٍ، فَوَلَاءُ الْجَمِيعِ لِلْأَبِ.
-
وَإِنْ عَجَزَ بَقِيَ نَصِيبُهُ رَقِيقًا. وَفِي وَلَاءِ نَصِيبِ الْأَوَّلِ الْوَجْهَانِ، هَلْ هُوَ لَهُ، أَمْ لَهُمَا؟
-
وَلَوْ قَبَضَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ نَصِيبَهُ مِنَ النُّجُومِ إِنْ كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِ الْآخَرِ، فَهُوَ فَاسِدٌ،
-
وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ، فَقَوْلَانِ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي الشَّرِيكَيْنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
فَإِنْ صَحَّحْنَا فَقَالَ الْإِمَامُ: لَا سِرَايَةَ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْقَبْضِ.
-
وَلَا سِرَايَةَ حَيْثُ حَصَلَ الْعِتْقُ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ. وَفِي «التَّهْذِيبِ» أَنَّ الْقَوْلَ فِي عِتْقِ نَصِيبِهِ، وَفِي السِّرَايَةِ كَمَا ذَكَرْنَا فِيمَا
-
١٢/٢٤٣١٢/٢٤٣
إِذَا أَعْتَقَ نَصِيبَهُ، أَوْ أَبْرَأَ عَنْ نَصِيبِهِ مِنَ النُّجُومِ بِلَا فَرْقٍ.
-
وَلِمَنْ قَالَ بِهَذَا أَنْ يَمْنَعَ كَوْنَهُ مُجْبَرًا عَلَى الْقَبْضِ، وَيَقُولَ: لَهُ الْإِعْتَاقُ وَالْإِبْرَاءُ،
-
فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُمَا، فَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ: لَا يُجْبَرُ عَلَى الِانْفِرَادِ بِالْقَبْضِ،
-
وَإِنْ جَوَّزْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ عَجَزَ عَنْ نَصِيبِ الثَّانِي، قَاسَمَ الْأَوَّلَ فِيمَا أَخَذَ، فَلَهُ الِامْتِنَاعُ مِنْ قَبْضِ مَا عَسَى الثَّانِي أَنْ يُزَاحِمَهُ فِيهِ.
-
فَرْعٌ
-
خَلَّفَ ابْنَيْنِ وَعَبْدًا، فَادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّ أَبَاهُمَا كَاتَبَهُ،
-
فَإِنْ كَذَّبَاهُ صُدِّقَا بِيَمِينِهِمَا عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ بِكِتَابَةِ الْأَبِ،
-
فَإِنْ حَلَفَا فَذَاكَ، وَإِنْ نَكَلَا وَحَلَفَ الْعَبْدُ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ ثَبَتَتِ الْكِتَابَةُ،
-
وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ، ثَبَتَ الرِّقُّ فِي نَصِيبِ الْحَالِفِ، وَتُرَدُّ الْيَمِينُ فِي نَصِيبِ النَّاكِلِ.
-
فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً اشْتُرِطَ رَجُلَانِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْحُرِّيَّةُ لَا الْمَالُ،
-
وَإِنْ صَدَّقَاهُ، أَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ، فَالْحُكْمُ مَا سَبَقَ قَبْلَ الْفَرْعِ.
-
وَإِنْ صَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا، وَكَذَّبَهُ الْآخَرُ، فَالْمُكَذِّبُ يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ.
-
وَأَمَّا نَصِيبُ الْمُصَدِّقِ، فَالصَّحِيحُ ثُبُوتُ الْكِتَابَةِ فِيهِ،
-
وَلَا يَضُرُّ التَّبْعِيضُ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ.
-
ثُمَّ أَطْلَقُوا الْقَوْلَ بِقَبُولِ شَهَادَةِ الْمُصَدِّقِ عَلَى الْمُكَذِّبِ، وَقَالَ الْإِمَامُ: شَهَادَتُهُ هَذِهِ تُثْبِتُ لَهُ حُقُوقًا،
-
فَإِنَّ النُّجُومَ مَوْرُوثَةٌ، فَإِنْ شَهِدَ بَعْدَ الْإِبْرَاءِ مِنَ النُّجُومِ، فَلَهُ غَرَضٌ فِي السِّرَايَةِ.
-
فَإِنْ نَفَيْنَا السِّرَايَةَ اتَّجَهَ الْقَبُولُ،
-
وَإِذَا حَكَمْنَا بِأَنَّ نَصِيبَ الْمُصَدِّقِ مُكَاتَبٌ وَالْآخَرِ قِنٌّ، فَنِصْفُ الْكَسْبِ لَهُ، يُصْرَفُ فِي جِهَةِ النُّجُومِ، وَنِصْفُهُ لِلْمُكَذِّبِ،
-
وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى مُهَايَأَةٍ،
-
١٢/٢٤٤١٢/٢٤٤
لِيَكْسِبَ يَوْمًا لِنَفْسِهِ، وَيَوْمًا لِلْمُكَذِّبِ، أَوْ يَخْدِمَهُ جَازَ،
-
وَلَا إِجْبَارَ عَلَيْهَا عَلَى الْأَصَحِّ،
-
وَلَا تَقْدِيرَ فِي النَّوْبَتَيْنِ فِي الْمُهَايَأَةِ. وَقَالَ ابْنُ كَجٍّ: يُجَوِّزُ يَوْمَيْنِ وَثَلَاثَةً،
-
فَإِنْ زَادَ كَسْبُهُ فَوَجْهَانِ.
-
وَإِذَا أَدَّى النُّجُومَ، وَفَضَلَ شَيْءٌ مِمَّا كَسَبَ لِنَفْسِهِ، فَهُوَ لَهُ.
-
ثُمَّ إِنْ أَعْتَقَ الْمُصَدِّقُ نَصِيبَ نَفْسِهِ عَتَقَ. وَفِي سَرَايَتِهِ طَرِيقَانِ، قَالَ الْأَكْثَرُونَ: قَوْلَانِ كَمَا لَوْ صَدَّقَاهُ، إِلَّا أَنَّا إِذَا قُلْنَا بِالسِّرَايَةِ ثَبَتَ هُنَا فِي الْحَالِ،
-
وَلَا يَجِيءُ الْقَوْلُ الْآخَرُ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ مُنْكِرٌ الْكِتَابَةَ،
-
فَلَا يُمْكِنُ التَّوَقُّفُ إِلَى الْعَجْزِ،
-
وَقِيلَ: تَثْبُتُ السِّرَايَةُ فِي الْحَالِ قَطْعًا؛ لِأَنَّ مُنْكِرَ الْكِتَابَةِ يَقُولُ: هُوَ رَقِيقٌ لَهُمَا،
-
فَإِذَا أَعْتَقَ صَاحِبَهُ ثَبَتَتِ السِّرَايَةُ،
-
فَإِنْ قُلْنَا: لَا سِرَايَةَ، فَوَلَاءُ مَا عَتَقَ هَلْ يَكُونُ بَيْنَهُمَا، أَمْ يَنْفَرِدُ بِهِ الْمُصَدِّقُ؟ وَجْهَانِ.
-
أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي لِأَنَّ الْمُنْكِرَ أَبْطَلَ حَقَّهُ بِالْإِنْكَارِ،
-
فَإِنْ جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمَا، فَمَاتَ هَذَا الْعَبْدُ، وَنِصْفُهُ رَقِيقٌ، وَقُلْنَا: إِنَّ مِثْلَهُ يُورَثُ، وُقِفَتْ حِصَّةُ الْمُنْكِرِ،
-
وَإِنْ قُلْنَا بِالسِّرَايَةِ، فَوَلَاءُ النِّصْفِ الَّذِي سَرَى الْعِتْقُ إِلَيْهِ، لِلْمُعْتِقِ، وَفِي وَلَاءِ النِّصْفِ الْآخَرِ الْوَجْهَانِ.
-
وَلَوْ أَبْرَأَهُ الْمُصَدِّقُ عَنْ نَصِيبِهِ مِنَ النُّجُومِ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا سِرَايَةَ؛ لِأَنَّ مُنْكِرَ الْكِتَابَةِ لَا يَعْتَرِفُ بِعِتْقِ نَصِيبِهِ، وَيَعْتَقِدُ الْإِبْرَاءَ لَغْوًا، قَالَ الْإِمَامُ: وَيَجِيءُ الْخِلَافُ فِي السِّرَايَةِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْمُصَدِّقِ مَقْبُولٌ فِي نَصِيبِهِ.
-
فَإِذَا أَتَى بِمَا يَقْتَضِي الْعِتْقَ، فَالسِّرَايَةُ بَعْدَهُ قَهْرِيَّةٌ،
-
وَإِنْ أَدَّى نَصِيبَ الْمُصَدِّقِ مِنَ النُّجُومِ، فَلَا سِرَايَةَ.
-
وَهَلْ يَكُونُ وَلَاءُ مَا عَتَقَ لَهُمَا، أَمْ يَخْتَصُّ بِهِ الْمُصَدِّقُ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ.
-
وَلَوْ عَجَّزَهُ الْمُصَدِّقُ عَادَ قِنًّا، وَيَكُونُ الْكَسْبُ الَّذِي فِي يَدِهِ لِلْمُصَدِّقِ؛ لِأَنَّ الْمُكَذِّبَ أَخَذَ حِصَّتَهُ.
-
وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي شَيْءٍ مِنْ أَكْسَابِهِ، فَقَالَ الْمُصَدِّقُ: كَسَبْتُهُ بَعْدَ الْكِتَابَةِ، وَقَدْ أَخَذْتَ نَصِيبَكَ،
-
١٢/٢٤٥١٢/٢٤٥
فَهُوَ لِي، وَقَالَ الْمُكَذِّبُ: بَلْ قَبْلَهَا، وَكَانَ لِلْأَبِ فَوَرِثْنَا صُدِّقَ الْمُصَدِّقُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْكَسْبِ قَبْلَ الْكِتَابَةِ.
-
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: إِذَا قَبَضَ النُّجُومَ فَوَجَدَهَا نَاقِصَةً تَقَدَّمَ عَلَى هَذَا أَنَّ عِوَضَ الْكِتَابَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا دَيْنًا كَمَا سَبَقَ،
-
وَيَجُوزُ كَوْنُهُ نَقْدًا وَعَرَضًا مَوْصُوفًا،
-
وَأَنَّ مَنْ لَهُ دَيْنٌ فَقَبَضَهُ فَوَجَدَهُ دُونَ الْمَشْرُوطِ، فَلَهُ رَدُّهُ، وَطَلَبُ مَا اسْتَحَقَّهُ،
-
وَلَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ، فَإِنْ كَانَ الْمَقْبُوضُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ حَقِّهِ لَمْ يَمْلِكْهُ إِلَّا أَنْ يَعْتَاضَهُ حَيْثُ يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ.
-
وَإِنِ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ بِهِ نَظَرَ هَلْ يَرْضَى بِهِ،
-
فَإِنْ رَضِيَ، فَهَلْ نَقُولُ: مَلَكَهُ بِالرِّضَى، أَمْ نَقُولُ: مَلَكَهُ بِالْقَبْضِ وَتَأَكَّدَ الْمِلْكُ بِالرِّضَى؟ فِيهِ قَوْلَانِ.
-
وَإِنْ رَدَّهُ فَهَلْ نَقُولُ: مَلَكَهُ بِالْقَبْضِ،
-
ثُمَّ انْتَقَضَ الْمِلْكُ بِالرَّدِّ، أَمْ نَقُولُ: إِذَا رَدَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ وَيُبْنَى عَلَى هَذَا الْخِلَافِ مَسَائِلُ سَبَقَتْ كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا.
-
مِنْهَا: تَصَارَفَا فِي الذِّمَّةِ، وَتَقَابَضَا، وَتَفَرَّقَا، فَوَجَدَ أَحَدُهُمَا بِمَا قَبَضَهُ عَيْبًا، فَرَدَّهُ، إِنْ قُلْنَا: [مَلَكَ] بِالْقَبْضِ صَحَّ الْعَقْدُ،
-
وَإِنْ قُلْنَا: تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ، فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُمَا تَفَرَّقَا قَبْلَ قَبْضٍ.
-
وَمِنْهَا: أَسْلَمَ فِي جَارِيَةٍ، وَقَبَضَ جَارِيَةً، فَوَجَدَهَا مَعِيبَةً فَرَدَّهَا، هَلْ عَلَى الْمُسَلَّمِ إِلَيْهِ اسْتِبْرَاؤُهَا؟ يُبْنَى عَلَى هَذَا الْخِلَافُ.
-
وَمِنْهَا: قَالَ الْإِمَامُ: الْمَوْصُوفُ فِي الذِّمَّةِ إِذَا قَبَضَهُ فَوَجَدَهُ مَعِيبًا إِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُهُ بِالرِّضَى،
-
فَلَا شَكَّ أَنَّ الرَّدَّ لَيْسَ عَلَى الْفَوْرِ، وَالْمِلْكُ مَوْقُوفٌ عَلَى الرِّضَى،
-
وَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ بِالْقَبْضِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ
-
١٢/٢٤٦١٢/٢٤٦
يُقَالَ: الرَّدُّ عَلَى الْفَوْرِ كَمَا فِي شِرَاءِ الْأَعْيَانِ، وَالْأَوْجَهُ: الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَعْقُودٍ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْفَوْرُ فِيمَا يُؤَدِّي رَدُّهُ إِلَى رَفْعِ الْعَقْدِ إِبْقَاءً لِلْعَقْدِ.
-
إِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنْ وَجَدَ السَّيِّدُ بِالنُّجُومِ الْمَقْبُوضَةِ أَوْ بَعْضِهَا عَيْبًا لَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يَرْضَى بِهِ، أَوْ يَرُدَّهُ، وَيُطَالِبَ بِبَدَلِهِ سَوَاءٌ الْعَيْبُ الْيَسِيرُ وَالْفَاحِشُ،
-
فَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ فِي النَّجْمِ الْأَخِيرِ،
-
فَإِنْ رَضِيَ بِهِ، فَالْعِتْقُ نَافِذٌ قَطْعًا، وَيَكُونُ رِضَاهُ بِالْعَيْبِ كَالْإِبْرَاءِ عَنْ بَعْضِ الْحَقِّ.
-
وَهَلْ يَحْصُلُ الْعِتْقُ مَنْ وَقْتِ الْقَبْضِ، أَمْ عِنْدَ الرِّضَى؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ.
-
وَإِنْ أَرَادَ الرَّدَّ وَالِاسْتِبْدَالَ، فَرَدَّ فَإِنْ قُلْنَا: نَتَبَيَّنُ بِالرَّدِّ أَنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَحْصُلْ بِالْقَبْضِ،
-
فَلَا عِتْقَ، وَإِنْ أَدَّى بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الصِّفَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ حَصَلَ الْعِتْقُ حِينَئِذٍ.
-
وَإِنْ قُلْنَا: يَحْصُلُ الْمِلْكُ فِي الْمَقْبُوضِ وَبِالرَّدِّ يَرْتَفِعُ، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعِتْقَ كَانَ حَاصِلًا إِلَّا أَنَّهُ كَانَ بِصِفَةِ الْجَوَازِ،
-
فَإِذَا رَدَّ الْعِوَضَ ارْتَدَّ.
-
وَأَصَحُّهُمَا: نَتَبَيَّنُ أَنَّ الْعِتْقَ لَمْ يَحْصُلْ إِذْ لَوْ حَصَلَ لَمْ يَرْتَفِعْ،
-
وَلَا يَثْبُتُ الْعِتْقُ هُنَا بِصِفَةِ اللُّزُومِ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ.
-
وَلَوْ تَلِفَ عِنْدَ السَّيِّدِ مَا قَبَضَهُ،
-
ثُمَّ عَرَفَ أَنَّهُ كَانَ مَعِيبًا، فَقَدْ قَدَّمَ الْإِمَامُ عَلَيْهِ، أَنَّهُ لَوِ اتَّفَقَ ذَلِكَ فِي عَيْنٍ فَإِنْ رَضِيَ، فَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ فَحَوَى كَلَامِ الْأَصْحَابِ، أَنَّ الرِّضَى كَافٍ،
-
وَلَا حَاجَةَ إِلَى إِنْشَاءِ إِبْرَاءٍ؛ لِأَنَّ الْأَرْشَ كَالْعِوَضِ فِي الرَّدِّ، وَالرَّدُّ يَكْفِي فِي سُقُوطِ الرِّضَى، فَكَذَا الْأَرْشُ.
-
وَإِنْ طَلَبَهُ تَقَرَّرَ، وَلَمْ يَسْقُطْ إِلَّا بِالْإِسْقَاطِ.
-
وَأَمَّا النُّجُومُ، فَإِنْ رَضِيَ فَالْحَقُّ نَافِذٌ، وَيَعُودُ الْوَجْهَانِ فِي أَنَّهُ يَحْصُلُ عِنْدَ الرِّضَى أَمْ يَسْتَنِدُ إِلَى الْقَبْضِ؟
-
وَإِنْ طَلَبَ الْأَرْشَ تَبَيَّنَ أَنَّ الْعِتْقَ لَمْ يَحْصُلْ، فَإِذَا أَدَّى
-
١٢/٢٤٧١٢/٢٤٧
الْأَرْشَ حَصَلَ حِينَئِذٍ، وَإِنْ عَجَزَ فَلِلسَّيِّدِ إِرْقَاقُهُ، كَمَا لَوْ عَجَزَ بِبَعْضِ النُّجُومِ.
-
وَيَجِيءُ الْوَجْهُ الْآخَرُ، وَهُوَ أَنَّهُ يَرْتَفِعُ الْعَقْدُ بَعْدَ حُصُولِهِ. وَفِي قَدْرِ الْأَرْشِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ قَدْرِ رَقَبَةِ الْعَبْدِ بِحَسَبِ نُقْصَانِ الْعَيْبِ مِنْ قِيمَةِ النُّجُومِ، وَبِهَذَا قَطَعَ السَّرَخْسِيُّ.
-
وَالثَّانِي: مَا نَقَصَ مِنَ النُّجُومِ الْمَقْبُوضَةِ بِسَبَبِ الْعَيْبِ. وَنَقَلَ الرُّويَانِيُّ تَرْجِيحَ هَذَا الْوَجْهِ، وَأُجْرِيَ الْوَجْهَانِ فِي كُلِّ عَقْدٍ وَرَدَ عَلَى مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ.
-
قَالَ الْإِمَامُ: وَأَمْثَلُ مِنْهُمَا أَنْ يُقَالَ: يَغْرَمُ السَّيِّدُ مَا قَبَضَ، وَيُطَالِبُهُ بِالْمُسَمَّى بِصِفَاتِهِ الْمَشْرُوطَةِ.
-
أَمَّا إِذَا قَبَضَ النُّجُومَ، فَوَجَدَهَا نَاقِصَةَ الْكَيْلِ أَوِ الْوَزْنِ،
-
فَلَا يُعْتَقُ بِلَا خِلَافٍ سَوَاءٌ بَقِيَ الْمَقْبُوضُ فِي يَدِ السَّيِّدِ أَمْ تَلِفَ فَإِنْ رَضِيَ بِالنَّاقِصِ، فَحِينَئِذٍ يُعْتَقُ بِالْإِبْرَاءِ عَنِ الْبَاقِي.
-
السَّادِسَةُ: إِذَا خَرَجَ بَعْضُ النُّجُومِ مُسْتَحَقًّا، تَبَيَّنَ أَنْ لَا عِتْقَ؛ لِأَنَّ الْأَدَاءَ لَمْ يَصِحَّ،
-
وَإِنْ ظَهَرَ الِاسْتِحْقَاقُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُكَاتَبِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مَاتَ رَقِيقًا،
-
وَأَنَّ مَا تَرَكَهُ لِلسَّيِّدِ دُونَ الْوَرَثَةِ.
-
وَلَوْ قَالَ السَّيِّدُ عِنْدَ الْأَخْذِ: اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ، أَوْ قَدْ عُتِقْتَ ثُمَّ بَانَ الِاسْتِحْقَاقُ، فَهَلْ يُحْكَمُ بِالْحُرِّيَّةِ مُؤَاخَذَةً لَهُ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى ظَاهِرِ الْحَالِ، وَهُوَ صِحَّةُ الْأَدَاءِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، وَهُمَا كَالْوَجْهَيْنِ فِيمَا إِذَا خَرَجَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا وَكَانَ قَدْ قَالَ فِي مُخَاصَمَةِ الْمُدَّعِي: إِنَّهُ كَانَ مِلْكًا لِلْبَائِعِ فُلَانٍ إِلَى أَنِ اشْتَرَيْتُهُ مِنْهُ أَنَّهُ هَلْ يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ عَلَى بَائِعِهِ؟
-
وَجَزَمَ الْبَغَوِيُّ بِالْأَصَحِّ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ.
-
ثُمَّ قَالَ: وَلَوِ اخْتَلَفَا فَقَالَ الْمُكَاتَبُ: أَعْتَقْتَنِي بِقَوْلِكَ: أَنْتَ حُرٌّ، وَقَالَ السَّيِّدُ: أَرَدْتُ أَنَّكَ حُرٌّ بِمَا أَدَّيْتَ، وَبَانَ أَنَّهُ لَمْ يَصِحِّ الْأَدَاءُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ بِيَمِينِهِ، وَهَذَا السِّيَاقُ يَقْتَضِي أَنَّ مُطْلَقَ قَوْلِ السَّيِّدِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ حُرٌّ بِمَا أَدَّى،
-
وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ إِرَادَتَهُ، قَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ: وَقِيَاسُ تَصْدِيقِ السَّيِّدِ أَنَّهُ لَوْ
-
١٢/٢٤٨١٢/٢٤٨
قِيلَ لِرَجُلٍ: طَلَّقْتَ امْرَأَتَكَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، طَلَّقْتُهَا،
-
ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ عَلَى ظَنِّ أَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي جَرَى طَلَاقٌ، وَقَدْ سَأَلْتُ الْمُفْتِينَ فَقَالُوا: لَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ. وَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: بَلْ أَرَدْتَ إِنْشَاءَ الطَّلَاقِ أَوِ الْإِقْرَارَ بِهِ، أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ،
-
وَكَذَا الْحُكْمُ فِي مِثْلِهِ فِي الْعِتْقِ، وَهَكَذَا قَدْ ذَكَرَهُ غَيْرُهُ، وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ، وَلَمْ يَعْتَرِضْ عَلَيْهِ، لَكِنْ قَالَ الْإِمَامُ هَذَا عِنْدِي غَلَطٌ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ جَرَى بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ، فَقَبُولُ قَوْلِهِ فِي دَفْعِهِ مُحَالٌ.
-
وَلَوْ فُتِحَ هَذَا الْبَابُ لَمَا اسْتَقَرَّ إِقْرَارٌ
-
بِخِلَافِ إِطْلَاقِ لَفْظِ الْحُرِّيَّةِ عَقِيبَ قَبْضِ النُّجُومِ، فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِخْبَارِ عَمَّا يَقْتَضِيهِ الْقَبْضُ، وَلَمْ تُوجَدِ الْإِشَارَةُ فِي الطَّلَاقِ إِلَى وَاقِعَةٍ، وَإِنَّمَا وُجِدَ سُؤَالٌ مُطْلَقٌ، وَجَوَابٌ مُطْلَقٌ.
-
وَفِي كَلَامِ الْإِمَامِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ قَوْلَهُ: أَنْتَ حُرٌّ، إِنَّمَا يُقْبَلُ تَنْزِيلُهُ عَلَى الْحُرِّيَّةِ بِمُوجِبِ الْقَبْضِ إِذَا رَتَّبَهُ عَلَى الْقَبْضِ،
-
وَإِنَّ فِي مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ لَوْ وَجَدَ قَرِينَةً عِنْدَ الْإِقْرَارِ، بِأَنْ كَانَا يَتَخَاصَمَانِ فِي لَفْظَةٍ أَطْلَقَهَا، فَقَالَ ذَلِكَ،
-
ثُمَّ ذَكَرَ التَّأْوِيلَ، يُقْبَلُ،
-
وَأَنَّ فِي الصُّورَتَيْنِ لَوِ انْفَصَلَ قَوْلُهُ عَنِ الْقَرَائِنِ لَمْ يُقْبَلِ التَّأْوِيلُ.
-
وَهَذَا تَفْصِيلٌ قَوِيمٌ لَا بَأْسَ بِالْأَخْذِ بِهِ، لَكِنْ قَالَ فِي «الْوَسِيطِ» : لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: أَنْتَ حُرٌّ جَوَابًا عَنْ سُؤَالِ حُرِّيَّتِهِ أَمِ ابْتِدَاءً، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِقَبْضِ النُّجُومِ، أَوْ غَيْرَ مُتَّصِلٍ؛ لِشُمُولِ الْعُذْرِ. وَمَالَ لِذَلِكَ إِلَى قَبُولِ التَّأْوِيلِ فِي الطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ.
-
الْحُكْمُ الثَّانِي فِي الْأَدَاءِ. وَفِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَسَائِلُ:
-
إِحْدَاهَا: يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ إِيتَاءُ الْمُكَاتَبِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى
-
١٢/٢٤٩١٢/٢٤٩
: (وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ)
-
وَاخْتَارَ الرُّويَانِيُّ فِي «الْحِلْيَةِ» أَنَّ الْإِيتَاءَ مُسْتَحَبٌّ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ.
-
وَالْإِيتَاءُ: أَنْ يَحُطَّ عَنِ الْمُكَاتَبِ شَيْئًا مِنَ النُّجُومِ، أَوْ يَبْذُلَ شَيْئًا وَيَأْخُذَ النُّجُومَ، وَالْحَطُّ أَفْضَلُ، وَهَلْ هُوَ الْأَصْلُ، وَالْبَذْلُ بَدَلٌ عَنْهُ، أَمْ بِالْعَكْسِ؟ وَجْهَانِ.
-
الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ: الْأَوَّلُ، وَمَحَلُّ الْإِيتَاءِ الْكِتَابَةُ الصَّحِيحَةُ،
-
وَلَا يَجِبُ فِي الْفَاسِدَةِ عَلَى الْأَصَحِّ.
-
فَإِنْ أَوْجَبْنَا كَفَى حَطُّ شَيْءٍ مِنَ الْقِيمَةِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا.
-
وَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ بِعِوَضٍ، أَوْ بَاعَهُ نَفْسَهُ،
-
فَلَا إِيتَاءَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَجْهًا أَنَّهُ يَجِبُ فِي كُلِّ عَقْدٍ عَتَاقَةٌ عَلَى عِوَضٍ،
-
وَلَا يَجِبُ فِي الْإِعْتَاقِ بِغَيْرِ عِوَضٍ بِلَا خِلَافٍ.
-
وَفِي وَقْتِ وُجُوبِ الْإِيتَاءِ وَجْهَانِ.
-
أَحَدُهُمَا: بَعْدَ الْعِتْقِ كَالْمُتْعَةِ؛ لِيَتَبَلَّغَ بِهِ، وَأَصَحُّهُمَا: قَبْلَهُ لِيَسْتَعِينَ بِهِ فِي الْأَدَاءِ.
-
وَعَلَى هَذَا، فَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ فِي النَّجْمِ الْأَخِيرِ.
-
وَأَمَّا وَقْتُ الْجَوَازِ، فَمِنْ أَوَّلِ عَقْدِ الْكِتَابَةِ،
-
وَيَجُوزُ أَيْضًا بَعْدَ الْأَدَاءِ وَحُصُولِ الْعِتْقِ، لَكِنْ يَكُونُ قَضَاءً إِذَا أَوْجَبْنَا التَّقْدِيمَ عَلَى الْعِتْقِ.
-
وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ الْإِيتَاءُ إِلَّا فِي النَّجْمِ الْأَخِيرِ أَوْ بَعْدَهُ، وَفِي قَدْرِهِ وَجْهَانِ، الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ فِي «الْأُمِّ» : لَا يَتَقَدَّرُ، بَلْ يَكْفِي أَقَلُّ مَا يَتَمَوَّلُ.
-
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَا يَلِيقُ بِالْحَالِ، وَيَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى الْعِتْقِ، فَيَخْتَلِفُ بِقِلَّةِ الْمَالِ وَكَثْرَتِهِ،
-
فَإِنْ لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى شَيْءٍ، قَدَّرَهُ الْحَاكِمُ بِالِاجْتِهَادِ، وَنَظَرَ فِيهِ إِلَى قُوَّةِ الْعَبْدِ وَأَكْسَابِهِ.
-
وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ حَالُ السَّيِّدِ فِي الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ، وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَدَّرَ بِرُبْعِ الْعُشْرِ، قَالَ الْإِمَامُ: إِذَا قُلْنَا: يُقَدِّرُهُ الْحَاكِمُ، فَقَدَّرَ شَيْئًا تَبَيَّنَ أَنَّ لَهُ وَقْعًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى [مَالِ] الْكِتَابَةِ كَفَى،
-
وَإِنْ تَيَقَّنَّا أَنَّهُ لَا وَقْعَ لَهُ لَا يَكْفِي،
-
وَإِنْ شَكَكْنَا فَخِلَافٌ؛ لِتَعَارُضِ أَصْلِ بَرَاءَةِ السَّيِّدِ وَأَصْلِ
-
١٢/٢٥٠١٢/٢٥٠
بَقَاءِ وُجُوبِ الْإِيتَاءِ. أَمَّا الْمُسْتَحَبُّ، فَقَدْرُ الرُّبْعِ،