بَابُ الْهَدْيِ
روضة الطالبين وعمدة المفتينالشافعيةالمسائل ١٤٬٥٢٠ إلى ١٤٬٥٤٢
-
٣/١٨٩٣/١٨٩
يُسْتَحَبُّ لِمَنْ قَصَدَ مَكَّةَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، أَنْ يَهْدِيَ إِلَيْهَا شَيْئًا مِنَ النَّعَمِ،
-
وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ إِلَّا بِالنَّذْرِ.
-
وَإِذَا سَاقَ هَدْيًا تَطَوُّعًا أَوْ مَنْذُورًا،
-
فَإِنْ كَانَ بَدَنَةً أَوْ بَقَرَةً، اسْتَحَبَّ أَنْ يُقَلِّدَهَا نَعْلَيْنِ، وَلِيَكُنْ لَهُمَا قِيمَةٌ لِيَتَصَدَّقَ بِهِمَا،
-
وَأَنْ يُشْعِرَهَا أَيْضًا، وَالْإِشْعَارُ الْإِعْلَامُ. وَالْمُرَادُ هُنَا: أَنْ يَضْرِبَ صَفْحَةَ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ بِحَدِيدَةٍ وَهِيَ مُسْتَقْبِلَةٌ الْقِبْلَةَ فَيُدْمِيهَا وَيُلَطِّخُهَا بِالدَّمِ، لِيَعْلَمَ مَنْ رَآهَا أَنَّهَا هَدْيٌ،
-
فَلَا يَتَعَرَّضُ لَهَا. وَإِنْ سَاقَ غَنَمًا، اسْتُحِبَّ تَقْلِيدُهَا بِخَرِبِ الْقِرَبِ، وَهِيَ عُرَاهَا وَآذَانُهَا، لَا بِالنَّعْلِ، وَلَا يُشْعِرُهَا.
-
٣/١٩٠٣/١٩٠
قُلْتُ: وَفِي الْأَفْضَلِ مِمَّا يُقَدَّمُ مِنَ الْإِشْعَارِ وَالتَّقْلِيدِ، وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُقَدَّمُ الْإِشْعَارُ، وَقَدْ صَحَّ فِيهِ حَدِيثٌ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " . وَالثَّانِي: يُقَدَّمُ التَّقْلِيدُ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ. وَصَحَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. قَالَ صَاحِبُ " الْبَحْرِ " :
-
وَإِنْ قَرَنَ هَدْيَيْنِ فِي حَبْلٍ، أَشْعَرَ أَحَدَهُمَا فِي سَنَامِهِ الْأَيْمَنِ، وَالْآخَرَ فِي الْأَيْسَرِ، لِيُشَاهَدَا، وَفِيمَا قَالَهُ احْتِمَالٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَإِذَا قَلَّدَ النَّعَمَ وَأَشْعَرَهَا، لَمْ تَصِرْ هَدْيًا وَاجِبًا عَلَى الْمَشْهُورِ، كَمَا لَوْ كَتَبَ الْوَقْفَ عَلَى بَابِ دَارِهِ.
-
وَإِذَا عَطِبَ الْهَدْيُ فِي الطَّرِيقِ،
-
فَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا، فَعَلَ بِهِ مَا شَاءَ مِنْ بَيْعٍ أَوْ أَكْلٍ وَغَيْرِهِمَا.
-
وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا، لَزِمَهُ ذَبْحُهُ.
-
فَلَوْ تَرَكَهُ حَتَّى هَلَكَ ضَمِنَهُ.
-
وَإِذَا ذَبَحَهُ، غَمَسَ النَّعْلَ الَّتِي قَلَّدَهُ فِي دَمِهِ، وَضَرَبَ بِهَا سَنَامَهُ، وَتَرَكَهُ لِيَعْلَمَ مَنْ مَرَّ بِهِ أَنَّهُ هَدْيٌ، يَأُكَلُ مِنْهُ. وَهَلْ تَتَوَقَّفُ الْإِبَاحَةُ عَلَى قَوْلِهِ:
-
٣/١٩١٣/١٩١
أَبَحْتُهُ لِمَنْ يَأْكُلُ مِنْهُ؟ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: لَا تَتَوَقَّفُ؛ لِأَنَّهُ بِالنَّذْرِ زَالَ مِلْكُهُ وَصَارَ لِلْمَسَاكِينِ.
-
وَلَا يَجُوزُ لِلْمَهْدِيِّ، وَلَا لِأَغْنِيَاءِ الرُّفْقَةِ، الْأَكْلُ مِنْهُ قَطْعًا،
-
وَلَا لِفُقَرَاءِ الرُّفْقَةِ عَلَى الصَّحِيحِ.
-
قُلْتُ: الْأَصَحُّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ وَقَوْلُ الْأَصْحَابِ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالرُّفْقَةِ: جَمِيعُ الْقَافِلَةِ. وَحَكَى الرُّويَانِيُّ فِي " الْبَحْرِ " وَجْهًا اسْتَحْسَنَهُ: أَنَّهُمُ الَّذِينَ يُخَالِطُونَهُ فِي الْأَكْلِ وَغَيْرِهِ، دُونَ بَاقِي الْقَافِلَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَفِي وَقْتِ ذَبْحِ الْهَدْيِ، وَجْهَانِ: الصَّحِيحُ، أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِيَوْمِ النَّحْرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ، كَالْأُضْحِيَّةِ. وَبِهَذَا قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ. وَالثَّانِي: لَا يَخْتَصُّ بِزَمَنٍ، كَدِمَاءِ الْجَبْرَانِ. فَعَلَى الْأَوَّلِ، لَوْ أَخَّرَ الذَّبْحَ حَتَّى مَضَتْ مُدَّةُ هَذِهِ الْأَيَّامِ،
-
فَإِنْ كَانَ الْهَدْيُ وَاجِبًا، ذَبَحَهُ قَضَاءً،
-
وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا، فَقَدْ فَاتَ.
-
فَإِنْ ذَبَحَهُ، قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: كَانَ شَاةَ لَحْمٍ.
-
قُلْتُ: وَإِذَا عَطِبَ هَدْيُ التَّطَوُّعِ، فَذَبَحَهُ، قَالَ صَاحِبُ " " الشَّامِلِ " وَغَيْرُهُ: لَا يَصِيرُ مُبَاحًا لِلْفُقَرَاءِ إِلَّا بِلَفْظِهِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أَبَحْتُهُ لِلْفُقَرَاءِ أَوِ الْمَسَاكِينِ. قَالَ: وَيَجُوزُ لِمَنْ سَمِعَهُ الْأَكْلُ. وَفِي غَيْرِهِ، قَوْلَانِ. قَالَ فِي " الْإِمْلَاءِ ": لَا يَحِلُّ حَتَّى يَعْلَمَ الْإِذْنَ. وَقَالَ فِي " الْقَدِيمِ " وَ " الْأُمِّ ": يَحِلُّ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.