فَصْلٌ
روضة الطالبين وعمدة المفتينالشافعيةالمسائل ٦١٬٩٦٩ إلى ٦٢٬٥٦٤
-
١١/٤٥١١/٤٥
وَلَوْ جَلَسَ الْحَاذِقُ بِالطَّبْخِ قَرِيبًا، وَاسْتَخْدَمَ صَبِيًّا فِي الْإِيقَادِ، وَقَلَّلَ أَوْ كَثَّرَ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ، إِذْ يُضَافُ الطَّبْخُ هُنَا إِلَى الْأُسْتَاذِ.
-
وَلَوْ قَالَ: لَا آكُلُ مَا خَبَزَهُ فُلَانٌ، فَالِاعْتِبَارُ بِإِلْصَاقِهِ إِلَى التَّنُّورِ، لَا بِالْعَجْنِ وَسَجْرِ التَّنُّورِ وَتَقْطِيعِ الرُّغْفَانِ وَبَسْطِهَا.
-
قُلْتُ: وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ ثَرِيدًا، لَمْ يَحْنَثْ بِخُبْزٍ غَيْرِ مَثْرُودٍ فِي مَرَقٍ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
-
النَّوْعُ الثَّالِثُ: فِي الْعُقُودِ وَفِيهِ مَسَائِلُ:
-
إِحْدَاهَا: حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ طَعَامًا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ، أَوْ مِنْ طَعَامٍ اشْتَرَاهُ زَيْدٌ، أَوْ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ، لَمْ يَحْنَثْ بِمَا مَلَكَهُ بِإِرْثٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ، أَوْ رَجَعَ إِلَيْهِ بَرْدٌ بِعَيْبٍ أَوْ بِإِقَالَةٍ وَإِنْ جَعَلْنَا الْإِقَالَةَ بَيْعًا، لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى بَيْعًا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ،
-
وَكَذَا لَا يَحْنَثُ بِمَا خَلَصَ لَهُ بِالْقِسْمَةِ
-
١١/٤٦١١/٤٦
وَإِنْ جَعَلْنَاهَا بَيْعًا. وَيَحْنَثُ بِمَا مَلَكَهُ بِالتَّوْلِيَةِ وَالْإِشْرَاكِ وَالسِّلْمِ، لِأَنَّهَا بُيُوعٌ،
-
وَلَا يَحْنَثُ بِمَا مَلَكَهُ بِالصُّلْحِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَبِهِ قَطَعَ الصَّيْدَلَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ.
-
وَلَوْ قَالَ: لَا أَدْخُلُ دَارًا اشْتَرَاهَا زَيْدٌ، لَمْ يَحْنَثْ بِدَارٍ مَلَكَ بَعْضَهَا بِالشُّفْعَةِ.
-
وَلَا يَحْنَثُ بِمَ اشْتَرَاهُ لِزَيْدٍ وَكِيلُهُ، وَيَحْنَثُ بِمَا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ لِغَيْرِهِ بِوَكَالَةٍ أَوْ وِلَايَةٍ.
-
وَلَوِ اشْتَرَاهُ زَيْدٌ ثُمَّ بَاعَهُ، فَأَكَلَهُ، حَنِثَ، لِأَنَّهُ مَوْصُوفٌ بِأَنَّ زَيْدًا اشْتَرَاهُ.
-
وَكَذَا لَوْ بَاعَ بَعْضَهُ وَأَكَلَ مِنْ ذَلِكَ الْبَعْضِ وَلَوْ أَكَلَ طَعَامًا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ وَعَمْرٌو، لَمْ يَحْنَثْ عَلَى الصَّحِيحِ.
-
وَقِيلَ: يَحْنَثُ، لِأَنَّهُ مَا مِنْ جُزْءٍ إِلَّا وَقَدْ وَرَدَ عَلَيْهِ شِرَاءُ زَيْدٍ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ.
-
وَقِيلَ: إِنْ أَكَلَ النِّصْفَ فَمَا دُونَهُ، لَمْ يَحْنَثْ،
-
وَإِنْ أَكَلَ أَكْثَرَ مِنْهُ، حَنِثَ، لِأَنَّا نَتَحَقَّقُ أَنَّهُ أَكَلَ مِمَّا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ،
-
ثُمَّ لَمْ يُفَرِّقِ الْجُمْهُورُ بَيْنَ قَوْلِهِ: لَا آكُلُ مِنْ طَعَامٍ اشْتَرَاهُ زَيْدٌ، وَقَوْلِهِ: طَعَامًا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ. وَخَصَّ الْبَغَوِيُّ الْأَوْجُهَ بِمَا إِذَا قَالَ: مِنْ طَعَامٍ اشْتَرَاهُ زَيْدٌ، وَقَطَعَ بِعَدَمِ الْحِنْثِ فِيمَا إِذَا قَالَ: طَعَامًا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ، قَالَ: إِلَّا أَنْ يُرِيدَ
-
أَنْ لَا يَأْكُلَ طَعَامَهُ أَوْ مِنْ طَعَامِهِ، فَيَحْنَثُ بِالْمُشْتَرَكِ.
-
وَلَوِ اشْتَرَى زِيدٌ طَعَامًا، وَعَمْرٌو طَعَامًا، وَخُلِطَا، فَأَكَلَ الْحَالِفُ مِنَ الْمُخْتَلِطِ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
-
أَحَدُهَا: لَا يَحْنَثُ وَإِنْ أَكَلَ الْجَمِيعَ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْإِشَارَةُ إِلَى شَيْءٍ مِنْهُ بِأَنَّهُ اشْتَرَاهُ زَيْدٌ.
-
وَالثَّانِي، وَهُوَ قَوْلُ الِاصْطَخْرِيِّ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: إِنْ أَكَلَ أَكْثَرَ مِنَ النِّصْفِ، حَنِثَ، وَإِلَّا،
-
فَلَا، وَهُوَ عِنْدَ اسْتِوَاءِ الْقِدْرَيْنِ.
-
وَالثَّالِثُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَبِهِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: أَنَّهُ إِنْ أَكَلَ قَلِيلًا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا اشْتَرَاهُ عَمْرٌو، كَعَشْرِ حَبَّاتٍ مِنَ الْحِنْطَةِ، وَعِشْرِينَ
-
١١/٤٧١١/٤٧
حَبَّةٍ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ أَكَلَ قَدْرًا صَالِحًا، كَالْكَفِّ وَالْكَفَّيْنِ، حَنِثَ، لِأَنَّا نَتَحَقَّقُ أَنَّ فِيهِ مِمَّا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ.
-
فَرْعٌ
-
قَالَ: لَا أَسْكُنُ دَارًا لِزَيْدٍ، فَسَكَنَ دَارًا لَهُ فِيهَا حِصَّةٌ قَلِيلَةٌ، أَوْ كَثِيرَةٌ، لَا يَحْنَثُ. نُصَّ عَلَيْهِ فِي «الْأُمِّ» .
-
فَرْعٌ
-
فِي تَعْلِيقَةِ إِبْرَاهِيمِ الْمَرْوَزِيِّ: أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ طَعَامَ زَيْدٍ، فَأَكَلَ مُشْتَرِكًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، حَنِثَ، وَقَدْ سَبَقَ عَنِ الْبَغَوِيِّ مَا يُوَافِقُهُ، قَالَ:
-
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبَ زَيْدٍ، أَوْ لَا يَرْكَبُ دَابَّتَهُ، فَلَبِسَ أَوْ رَكِبَ مُشْتَرِكًا، لَمْ يَحْنَثْ.
-
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: حَلَفَ لَا يَشْتَرِي أَوْ لَا يَبِيعُ، فَوَكَّلَ مَنْ بَاعَ وَاشْتَرَى لَهُ، أَوْ لَا يَضْرِبُ عَبْدَهُ، فَأَمَرَ مَنْ ضَرَبَهُ، أَوْ حَلَفَ الْأَمِيرُ أَوِ الْقَاضِي: لَا يَضْرِبُ، فَأَمَرَ الْجَلَّادَ فَضَرَبَ، لَمْ يَحْنَثْ، وَذَكَرَ الرَّبِيعُ أَنَّ الْحَالِفَ إِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَتَوَلَّى الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ، أَوِ الضَّرْبَ بِنَفْسِهِ كَالسُّلْطَانِ، أَوْ كَانَ الْفِعْلُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ لَا يَعْتَادُ الْحَالِفُ فِعْلَهُ، أَوْ لَا يَجِيءُ مِنْهُ، كَالْبِنَاءِ وَالتَّطْيِينِ، حَنِثَ إِذَا أَمَرَ بِهِ.
-
فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ هَذَا قَوْلًا آخَرَ، وَأَثْبَتُ قَوْلَيْنِ،
-
وَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، وَالِامْتِنَاعُ مِنْ جَعْلِهِ قَوْلًا،
-
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يُزَوِّجُ، أَوْ لَا يُطَلِّقُ، أَوْ لَا يَعْتِقُ، فَوَكَّلَ وَعَقَدَ الْوَكِيلُ، فَكَالتَّوْكِيلِ فِي الْبَيْعِ.
-
وَلَوْ فَوَّضَ الطَّلَاقَ إِلَى زَوْجَتِهِ، فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا، لَمْ يَحْنَثْ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَحُكِيَ قَوْلٌ أَنَّهُ يَحْنَثُ هُنَا وَإِنْ لَمْ يَحْنَثْ فِي التَّوْكِيلِ، لِأَنَّهُ فَوَّضَهُ إِلَى مَنْ لَا يَمْلِكُهُ، وَكَأَنَّهُ هُوَ الْمُطَلَّقُ.
-
فَلَوْ قَالَ: إِنْ فَعَلْتِ كَذَا، أَوْ إِنْ شِئْتِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَفَعَلَتْ، أَوْ شَاءَتْ، حَنِثَ، لِأَنَّ الْمَوْجُودَ مِنْهَا مُجَرَّدُ صِفَةٍ، وَهُوَ الْمُطَلَّقُ.
-
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَتَزَوَّجُ، أَوْ لَا يَنْكِحُ، فَوَكَّلَ مَنْ قَبِلَ لَهُ نِكَاحَ امْرَأَةٍ، فَهَلْ يَحْنَثُ؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا
-
١١/٤٨١١/٤٨
الْمُتَوَلِّي. أَحَدُهُمَا: لَا، كَالْبَيْعِ، وَبِهِ قَطَعَ الصَّيْدَلَانِيُّ، وَالْغَزَالِيُّ. وَالثَّانِي: نَعَمْ، لِأَنَّ الْوَكِيلَ هُنَا سَفِيرٌ مَحْضٌ، وَلِهَذَا يَجِبُ تَسْمِيَةُ الْمُوَكِّلِ، وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ.
-
وَلَوْ قَبِلَ لِغَيْرِهِ نِكَاحًا، فَمُقْتَضَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ الْحِنْثُ، وَمُقْتَضَى الثَّانِي الْمَنْعُ.
-
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَبِيعُ وَلَا يَشْتَرِي، فَوَكَّلَ لِغَيْرِهِ فِيهِمَا، حَنِثَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَهُوَ الَّذِي أَطْلَقَهُ جَمَاعَةٌ،
-
وَقِيلَ: لَا يَحْنَثُ، وَقِيلَ: إِنْ صَرَّحَ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْمُوَكَّلِ، لَمْ يَحْنَثْ،
-
وَإِنْ نَوَاهُ وَلَمْ يُصَرِّحْ، حَنِثَ.
-
وَلَوْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُ عَبْدًا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ، لَمْ يَحْنَثْ بِتَكْلِيمِ عَبْدٍ اشْتَرَاهُ وَكِيلُهُ.
-
وَلَوْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُ امْرَأَةً تَزَوَّجَهَا زَيْدٌ، فَكَلَّمَ مَنْ تَزَوَّجَهَا لِزَيْدٍ وَكِيلُهُ، فَفِيهِ الْوَجْهَانِ، فِيمَا لَوْ حَلَفَ: لَا يَتَزَوَّجُ، فَتَزَوَّجَ وَكِيلُهُ لَهُ.
-
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يُكَلِّمُ زَوْجَةَ زَيْدٍ، حَنِثَ بِتَكْلِيمِ مَنْ تَزَوَّجَهَا بِنَفْسِهِ أَوْ بِوَكِيلِهِ بِلَا خِلَافٍ.
-
وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ هَذِهِ الصُّوَرِ فِيمَنْ أَطْلَقَ وَلَمْ يَنْوِ،
-
فَأَمَّا إِنْ نَوَى أَنْ لَا يَفْعَلَ وَلَا يُفْعَلَ بِإِذْنِهِ، أَوْ لَا يَفْعَلَ وَلَا يَأْمُرَ بِهِ، فَيَحْنَثُ إِذَا أَمَرَ بِهِ فَفُعِلَ، هَكَذَا أَطْلَقُوهُ مَعَ قَوْلِهِمْ: إِنَّ اللَّفْظَ حَقِيقَةٌ لِفِعْلِ نَفْسِهِ، وَاسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَعْنَى الْآخَرِ مَجَازٌ. وَفِي هَذَا اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ جَمِيعًا، وَهُوَ بَعِيدٌ عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُؤْخَذَ مَعْنًى مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ جَمِيعًا، فَيُقَالُ: إِذَا نَوَى أَنْ لَا يَسْعَى فِي تَحْقِيقِ ذَلِكَ الْفِعْلِ، حَنِثَ بِمُبَاشَرَتِهِ، وَبِالْأَمْرِ بِهِ، لِشُمُولِ الْمَعْنَى وَإِرَادَةِ هَذَا الْمَعْنَى إِرَادَةِ الْمَجَازِ فَقَطْ.
-
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ حَسَنٌ، وَالْأَوَّلُ صَحِيحٌ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَجُمْهُورِ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ فِي جَوَازِ إِرَادَةِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
-
١١/٤٩١١/٤٩
فَرْعٌ
-
حَلَفَ: لَا يَحْلِقُ رَأْسَهُ، فَأَمَرَ غَيْرَهُ، فَحَلَقَهُ، فَقِيلَ: يَحْنَثُ لِلْعُرْفِ.
-
وَقِيلَ: فِيهِ الْخِلَافُ، كَالْبَيْعِ.
-
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَبِيعُ مِنْ زَيْدٍ، فَبَاعَ مِنْ وَكِيلِهِ، أَوْ وَكَّلَ مَنْ بَاعَ مِنْ زَيْدٍ، لَمْ يَحْنَثْ.
-
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَبِيعُ لِزَيْدٍ مَالًا، فَبَاعَ مَالَهُ بِإِذْنِهِ أَوْ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ بِحَجْرٍ، أَوِ امْتِنَاعِ الْحَاكِمِ، حَنِثَ.
-
وَإِنْ بَاعَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، لَمْ يَحْنَثْ، لِفَسَادِ الْبَيْعِ.
-
فَلَوْ وَكَّلَ زَيْدٌ وَكِيلًا فِي بَيْعِ مَالِهِ، وَأَذِنَ لَهُ فِي التَّوْكِيلِ، فَوَكَّلَ الْوَكِيلُ الْحَالِفَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، نُصَّ فِي الْأُمِّ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، وَهُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي حِنْثِ النَّاسِي. وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: إِنْ كَانَ أَذِنَ لِوَكِيلِهِ أَنْ يُوَكِّلَ عَنْهُ، حَنِثَ، لِأَنَّهُ بَاعَ لِزَيْدٍ يَعْنِي إِذَا عَلِمَ، أَوْ قُلْنَا: يَحْنَثُ النَّاسِي،
-
وَإِنْ كَانَ أَذِنَ لَهُ فِي التَّوْكِيلِ عَنْ نَفْسِهِ، فَبَاعَ، لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّهُ لَمْ يَبِعْ لِزَيْدٍ، بَلْ لِوَكِيلِهِ وَإِنْ أَطْلَقَ الْإِذْنَ فِي التَّوْكِيلِ، فَعَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ مَنْ يُوكِّلُهُ وَكِيلُ الْمُوَكِّلِ، أَمْ وَكِيلُ الْوَكِيلِ؟
-
وَلَوْ قَالَ: لَا يَبِيعُ لِي زَيْدٌ مَالًا، فَوَكَّلَ الْحَالِفُ رَجُلًا فِي الْبَيْعِ، وَأَذِنَ لَهُ فِي التَّوْكِيلِ، فَوَكَّلَ الْوَكِيلُ زَيْدًا، فَبَاعَ، حَنِثَ الْحَالِفُ، سَوَاءً عَلِمَ زَيْدٌ أَمْ لَمْ يَعْلَمْ، لِأَنَّ الْيَمِينَ مُنْعَقِدَةٌ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ زَيْدٍ، وَقَدْ فَعَلَهُ زَيْدٌ بِاخْتِيَارِهِ.
-
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: حَلَفَ لَا يَبِيعُ، فَبَاعَ بَيْعًا فَاسِدًا، أَوْ لَا يَهَبُ، فَوَهَبَ هِبَةً فَاسِدَةً، لَمْ يَحْنَثْ، وَتَنْزِلُ أَلْفَاظُ الْعُقُودِ عَلَى الصَّحِيحِ. هَذَا إِذَا أَطْلَقَ الْيَمِينَ،
-
فَإِنْ أَضَافَ الْعَقْدَ إِلَى مَا لَا يَقْبَلُهُ، بِأَنْ حَلَفَ: لَا يَبِيعُ الْخَمْرَ، أَوِ الْمُسْتَوْلِدَةَ، أَوْ مَالَ زَوْجَتِهِ، أَوْ غَيْرِهَا بِغَيْرِ إِذْنٍ،
-
ثُمَّ أَتَى بِصُورَةِ الْبَيْعِ،
-
فَإِنَّ مَقْصُودَهُ أَنْ لَا يَتَلَفَّظَ بِلَفْظِ الْعَقْدِ مُضَافًا إِلَى مَا ذَكَرَهُ، حَنِثَ،
-
وَإِنْ أَطْلَقَ، لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّ الْبَيْعَ هُوَ السَّبَبُ الْمُمَلَّكُ، وَذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْخَمْرِ، أَوِ الْمُسْتَوْلِدَةِ، أَوْ مَالِ زَوْجَتِهِ، أَوْ غَيْرِهَا بِغَيْرِ إِذْنٍ،
-
ثُمَّ أَتَى بِصُورَةٍ يَحْنَثُ بِصُورَةِ الْبَيْعِ، وَهُوَ وَجْهٌ لِغَيْرِهِ حَكَاهُ صَاحِبُ «التَّقْرِيبِ»
-
١١/٥٠١١/٥٠
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَسَيَأْتِي خِلَافٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَنَّهُ هَلْ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ لَفْظِ الْعِبَادَاتِ كَصَوْمٍ وَصَلَاةٍ عَلَى الصَّحِيحِ؟
-
وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَحُجَّ، يَحْنَثُ بِالْفَاسِدِ، لِأَنَّهُ مُنْعَقِدٌ يَجِبُ الْمُضِيُّ فِيهِ كَالصَّحِيحِ.
-
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ بَيْعًا فَاسِدًا، لَمْ يَحْنَثْ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ، ذَكَرَهُ الصَّيْدَلَانِيُّ وَالرُّويَانِيُّ. وَقَالَ الْإِمَامُ: الْوَجْهُ عِنْدَنَا أَنَّهُ يَحْنَثُ.
-
الرَّابِعَةُ: إِذَا حَلَفَ لَا يَهَبُ، حَنِثَ بِكُلِّ تَمْلِيكٍ فِي الْحَيَاةِ خَالٍ عَنِ الْعِوَضِ، كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالرُّقْبَى وَالْعُمْرَى، لِأَنَّهَا أَنْوَاعٌ خَاصَّةٌ مِنَ الْهِبَةِ،
-
وَقِيلَ: لَا يَحْنَثُ بِمَا سِوَى الْهِبَةِ.
-
وَقِيلَ: يَحْنَثُ بِالرُّقْبَى وَالْعُمْرَى دُونَ الصَّدَقَةِ، حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي، وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ الْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ تَخْتَلِفَانِ اسْمًا وَمَقْصُودًا وَحُكْمًا. أَمَّا الِاسْمُ، فَلِأَنَّ مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى فَقِيرٍ لَا يُقَالُ: وَهَبَ لَهُ،
-
وَأَمَّا الْمَقْصُودُ، فَلِأَنَّ الصَّدَقَةَ لِلتَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالْهِبَةُ لِاكْتِسَابِ الْمَوَدَّةِ.
-
وَأَمَّا الْحُكْمُ، فَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، وَيَأْكُلُ الْهِبَةَ وَالْهَدِيَّةَ. هَذَا فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، أَمَّا إِذَا أَدَّى الزَّكَاةَ، أَوْ صَدَقَةَ الْفِطْرِ،
-
فَلَا يَحْنَثُ، كَمَا لَوْ أَدَّى دَيْنًا. وَعَنِ الْقَفَّالِ تَرْدِيدُ جَوَابٍ فِيهِ،
-
وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ. وَلَا يَحْنَثُ بِالْإِعَارَةِ، إِذْ لَا تَمْلِيكَ فِيهَا،
-
وَلَا بِالْوَصِيَّةِ، لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْمَيِّتُ لَا يَحْنَثُ وَلَا بِالضِّيَافَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: يَحْنَثُ بِالْوَصِيَّةِ. وَفِي الضِّيَافَةِ وَجْهٌ حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي بِنَاءً عَلَى أَنَّ الضَّيْفَ يَمْلِكُ مَا يَأْكُلُهُ،
-
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ.
-
وَلَا يَحْنَثُ بِالْوَقْفِ عَلَيْهِ إِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ فِيهِ لِلْوَاقِفِ، أَوْ لِلَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ الْمَذْهَبُ،
-
وَإِنْ قُلْنَا لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، حَنِثَ.
-
وَقِيلَ: فِيهِ خِلَافٌ. وَلَوْ قَالَ الْحَالِفُ لِرَجُلٍ: وَهَبْتُكَ كَذَا فَلَمْ يَقْبَلْ لَمْ يَحْنَثْ عَلَى الصَّحِيحِ، لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَتِمَّ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: يَحْنَثُ، لِأَنَّهُ
-
١١/٥١١١/٥١
يُقَالُ: وَهَبَهُ كَذَا، فَلَمْ يَقْبَلْ، وَخَرَجَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ فِيمَا إِذَا أَعْمَرَهُ أَوْ أَرْقَبَهُ، وَلَمْ نُصَحِّحِ الْعَقْدَيْنِ.
-
وَلَوْ تَمَّ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ فِي الْهِبَةِ، لَكِنْ لَمْ تُقْبَضْ، فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْمُتَوَلِّي: يَحْنَثُ لِأَنَّ الْهِبَةَ حَصَلَتْ، وَالْمُتَخَلِّفُ الْمِلْكُ. وَعِنْدَ الْبَغَوِيِّ: لَا يَحْنَثُ، لِأَنَّ مَقْصُودَ الْهِبَةِ لَمْ يَحْصُلْ.
-
قُلْتُ: الْأَصَحُّ لَا يَحْنَثُ، وَصَحَّحَهُ آخَرُونَ غَيْرُ الْبَغَوِيِّ، مِنْهُمُ الرَّافِعِيُّ فِي «الْمُحَرَّرِ» . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
-
فَرْعٌ
-
حَلَفَ: لَا يَتَصَدَّقُ، فَتَصَدَّقَ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا، يَحْنَثُ، لِشُمُولِ الِاسْمِ، وَسَوَاءً تَصَدَّقَ عَلَى فَقِيرٍ أَوْ غَنِيٍّ. وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: لَوْ دَفَعَ إِلَى ذِمِّيٍّ لَا يَحْنَثُ، لِأَنَّهُ لَا قِرْبَةَ فِيهِ، وَهَذَا مَمْنُوعٌ، وَيَحْنَثُ بِالْإِعْتَاقِ دُونَ الْإِعَارَةِ وَالضِّيَافَةِ، وَفِي الْهِبَةِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: يَحْنَثُ بِهَا كَعَكْسِهِ.
-
وَأَصَحُّهُمَا، لَا. وَالصَّدَقَةُ وَالْهِبَةُ تَتَدَاخَلَانِ تَدَاخُلَ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ، فَكُلُّ صَدَقَةٍ هِبَةٌ،
-
وَلَا يَنْعَكِسُ. وَلَوْ وَقَفَ، فَقَدْ أَطْلَقَ الْمُتَوَلِّي أَنَّهُ يَحْنَثُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: يُبْنَى عَلَى الْأَقْوَالِ فِي مِلْكِ الْوَقْفِ لِمَنْ هُوَ؟ إِنْ قُلْنَا: لِلْوَاقِفِ، لَمْ يَحْنَثْ.
-
وَإِنْ قُلْنَا: لِلَّهِ تَعَالَى، حَنِثَ،
-
وَإِنْ قُلْنَا: لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، فَوَجْهَانِ، كَالْهِبَةِ.
-
فَرْعٌ
-
حَلَفَ: لَا يَبِرُّ فُلَانًا، دَخَلَ فِي الْيَمِينِ جَمِيعُ التَّبَرُّعَاتِ مِنَ الْهِبَةِ وَالْهَدِيَّةِ وَالْإِعَارَةِ وَالضِّيَافَةِ وَالْوَقْفِ وَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، فَيَحْنَثُ بِأَيِّهَا وُجِدَ وَلَوْ كَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ عَبْدَهُ، فَأَعْتَقَهُ، حَنِثَ،
-
وَكَذَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَأَبْرَأَهُ،
-
وَلَا يَحْنَثُ بِأَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ الزَّكَاةَ.
-
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يُعْتِقُ عَبْدًا فَكَاتَبَهُ، وَعُتِقَ بِالْأَدَاءِ، لَمْ يَحْنَثْ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ.
-
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَضْمَنُ لِفُلَانٍ مَالًا، فَكَفَلَ بَدَنَ مَدْيُونِهِ، لَمْ يَحْنَثْ.
-
١١/٥٢١١/٥٢
الْخَامِسَةُ: حَلَفَ: لَا مَالَ لَهُ، حَنِثَ بِكُلِّ مَالٍ حَتَّى ثِيَابِ بَدَنِهِ، وَدَارِهِ الَّتِي يَسْكُنُ فِيهَا، وَعَبْدِهِ الَّذِي يَخْدِمُهُ،
-
وَلَا يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ مِنَ الْمَالِ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ،
-
وَلَوْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ حَالٌّ عَلَى مَلِيءٍ مُقِرٍّ، حَنِثَ، كَالْوَدِيعَةِ. قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَخَرَجَ فِيهِ وَجْهٌ مِنْ قَوْلِهِ الْقَدِيمِ: لَا زَكَاةَ فِي الدَّيْنِ،
-
وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا أَوْ عَلَى مُعْسِرٍ، أَوْ جَاحِدٍ، حَنِثَ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ مِنْهُ.
-
وَقِيلَ: فِي الْجَاحِدِ وَجْهٌ ثَالِثٌ: إِنْ كَانَ لَهُ بَيِّنَةٌ، حَنِثَ قَطْعًا، وَإِلَّا،
-
فَلَا. وَلَوْ كَانَ لَهُ عَبْدٌ آبِقٌ، أَوْ مَالٌ ضَالَّةٌ، أَوْ مَغْصُوبٌ، أَوْ مَسْرُوقٌ، وَانْقَطَعَ خَبَرُهَا، فَفِي الْحِنْثِ وَجْهَانِ، لِتَعَارُضِ أَصْلِ بَقَائِهَا، وَعَدَمِ الْحِنْثِ.
-
وَلَوْ كَانَ الْغَاصِبُ حَاضِرًا، وَالْمَالِكُ قَادِرٌ عَلَى الِانْتِزَاعِ مِنْهُ، أَوْ عَلَى بَيْعِهِ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى انْتِزَاعِهِ، حَنِثَ قَطْعًا، ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي.
-
وَلَوْ كَانَ لَهُ مُدَبَّرٌ أَوْ مُعَلَّقٌ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ أَوْ مَالٍ أَوْ وَصَّى بِهِ، حَنِثَ، لِأَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ،
-
وَلَا يَحْنَثُ بِالْمُكَاتَبِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَيُقَالُ: الْأَظْهَرُ،
-
وَقِيلَ: قَطْعًا، وَيَحْنَثُ بِأُمِّ الْوَلَدِ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّ رَقَبَتَهَا لَهُ، وَلَهُ مَنَافِعُهَا، وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا.
-
وَلَوْ كَانَ يَمْلِكُ مَنْفَعَةً بِوَصِيَّةٍ أَوْ إِجَارَةٍ، لَمْ يَحْنَثْ عَلَى الصَّحِيحِ،
-
وَلَا يَحْنَثْ بِالْمَوْقُوفِ إِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ فِيهِ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِلْوَاقِفِ،
-
وَإِنْ قُلْنَا: لَهُ، فَكَالْمُسْتَوْلِدَةِ.
-
وَلَوْ كَانَ قَدْ جَنَى عَلَيْهِ خَطَأً أَوْ عَمْدًا، أَوْ عَفَا عَلَى مَالٍ، حَنِثَ،
-
وَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَمْدًا، وَلَمْ يَقْتَصَّ وَلَمْ يَعْفُ، قَالَ فِي «الْبَيَانِ» يُحْتَمَلُ أَنْ يُبْنَى عَلَى أَنَّ مُوجَبَ الْعَمْدِ مَاذَا؟ إِنْ قُلْنَا: الْقَوْدُ، لَمْ يَحْنَثْ،
-
وَإِنْ قُلْنَا: الْقَوْدُ أَوِ الْمَالُ، حَنِثَ، وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِي هَذَا.
-
قُلْتُ: الصَّوَابُ الْجَزْمُ بِأَنْ لَا حِنْثَ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
-
وَكَوْنُ الْمَالِ مَرْهُونًا لَا يَمْنَعُ الْحِنْثَ،
-
وَكَذَا عَدَمُ اسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ.
-
١١/٥٣١١/٥٣
وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: لَا يَحْنَثُ بِالْأُجْرَةِ الْمَقْبُوضَةِ إِذَا لَمْ تَنْقَضِ الْمُدَّةُ، وَغَلَّطَهُ ابْنُ كَجٍّ.
-
فَرْعٌ
-
حَلَفَ لَا مِلْكَ لَهُ، حَنِثَ بِالْآبِقِ وَالْمَغْصُوبِ، وَإِنْ
-
كَانَ لَهُ زَوْجَةٌ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: يُبْنَى عَلَى أَنَّ النِّكَاحِ هَلْ هُوَ عَقْدُ تَمْلِيكٍ، أَوْ عَقْدُ حِلِّ؟
-
فَإِنْ قُلْنَا: تَمْلِيكٌ، حَنِثَ.
-
قُلْتُ: الْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا حِنْثَ إِذَا لَمْ تَكُنْ نِيَّةٌ، لِأَنَّهُ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ الزَّوْجَةُ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْنَثَ بِالْكَلْبِ وَالسِّرْجِينَ وَغَيْرِهِمَا مِنَ النَّجَاسَاتِ،
-
وَلَا بِالزَّيْتِ النَّجِسِ إِذَا لَمْ نُجِزْ بَيْعَهُ.
-
وَلَوْ حَلَفَ: لَا رَقِيقَ لَهُ، أَوْ لَا عَبْدَ لَهُ، أَوْ لَا أَمَةَ لَهُ، وَلَهُ مُكَاتَبٌ، لَمْ يَحْنَثْ عَلَى الْمَنْصُوصِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَيَحْنَثُ بِمُدَبَّرٍ قَطْعًا. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
-
الرَّابِعُ فِي الْإِضَافَاتِ وَالصِّفَاتِ، وَفِيهِ مَسَائِلُ:
-
إِحْدَاهَا: حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ زَيْدٍ أَوْ بَيْتَهُ، أَوْ لَا يَلْبَسُ ثَوْبَهُ، أَوْ لَا يَرْكَبُ دَابَّتَهُ، قَالَ الْأَصْحَابُ: مُطْلَقُ الْإِضَافَةِ إِلَى مَنْ يَمْلِكُ مُقْتَضَى ثُبُوتِ الْمِلْكِ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: هَذِهِ الدَّارُ لِزَيْدٍ، كَانَ إِقْرَارًا بِمِلْكِهِ.
-
فَلَوْ قَالَ: أَرَدْتُ أَنَّهَا مَسْكَنُهُ، لَا يُقْبَلُ، وَقَدْ تُضَافُ الدَّارُ وَالْبَيْتُ إِلَى الْإِنْسَانِ بِجِهَةِ أَنَّهَا مَسْكَنُهُ، لَكِنَّهُ مَجَازٌ، وَلِهَذَا يَصِحُّ نَفْيُ الْإِضَافَةِ مَعَ إِثْبَاتِ السُّكْنَى، فَيُقَالُ: هَذِهِ الدَّارُ لَيْسَتْ مِلْكَ زَيْدٍ، لَكِنَّهَا مَسْكَنُهُ. إِذَا عُرِفَ هَذَا فَلَا يَحْنَثُ الْحَالِفُ بِدُخُولِ دَارٍ يَسْكُنُهَا زَيْدٌ بِإِجَارَةٍ أَوْ إِعَارَةٍ أَوْ غَصْبٍ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ: أَرَدْتُ الْمَسْكَنَ، وَيَحْنَثُ بِدُخُولِ دَارٍ يَمْلِكُهَا وَإِنْ لَمْ يَسْكُنْهَا، إِلَّا أَنْ يَقُولَ: أَرَدْتُ مَسْكَنَهُ.
-
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَدْخُلُ مَسْكَنَ فُلَانٍ، حَنِثَ بِدُخُولِ مَسْكَنِهِ الْمَمْلُوكِ وَالْمُسْتَأْجَرِ. وَفِي الْمَغْصُوبِ وَجْهَانِ، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ سُكْنَاهُ.
-
١١/٥٤١١/٥٤
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: الْحِنْثُ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
-
وَفِي دُخُولِ دَارِهِ الَّتِي لَا يَسْكُنُهَا أَوْجُهٌ، أَصَحُّهُمَا: لَا يَحْنَثُ، وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ سَكَنَهُ وَلَوْ يَوْمًا، حَنِثَ، وَإِلَّا،
-
فَلَا، وَلَوْ أَرَادَ مَسْكَنَهُ الْمَمْلُوكَ، لَمْ يَحْنَثْ بِغَيْرِهِ بِحَالٍ.
-
فَرْعٌ
-
حَلَفَ: لَا يَدْخُلُ دَارَ زَيْدٍ، وَقَدْ وَقَفَ زَيْدٌ عَلَى غَيْرِهِ دَارًا، قَالَ الْمُتَوَلِّي: إِنْ قُلْنَا: الْوَقْفُ مِلْكٌ لِلْوَاقِفِ، حَنِثَ بِدُخُولِهَا، وَإِلَّا فَلَا.
-
وَإِنْ دَخَلَ دَارًا مَوْقُوفَةً عَلَى زَيْدٍ،
-
فَإِنْ قُلْنَا: الْوَقْفُ مِلْكٌ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، حَنِثَ، وَإِلَّا،
-
فَلَا. وَلَوْ دَخَلَ دَارًا لِمُكَاتَبِ زَيْدٍ، لَمْ يَحْنَثْ.
-
فَرْعٌ
-
حَلَفَ: لَا يَدْخُلُ دَارَ الْمُكَاتَبِ، حَنِثَ بِدُخُولِهَا عَلَى الصَّحِيحِ، لِأَنَّهُ مَالِكٌ نَافِذُ التَّصَرُّفِ.
-
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: حَلَفَ: لَا يَدْخُلُ دَارَ زَيْدٍ، فَبَاعَهَا زَيْدٌ،
-
ثُمَّ دَخَلَهَا، لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ دَارَ زَيْدٍ،
-
وَكَذَا لَوْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُ عَبْدَ فُلَانٍ أَوْ أَجِيرَهُ أَوْ زَوْجَتَهُ، فَكَلَّمَ بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِهِ عَنِ الْعَبْدِ وَانْقِطَاعِ الْإِجَارَةِ وَالنِّكَاحِ، أَوْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُ سَيِّدَ
-
هَذَا الْعَبْدِ، أَوْ زَوْجَ هَذِهِ االْمَرْأَةِ، فَكَلَّمَ بَعْدَ زَوَالِ الْمِلْكِ وَالنِّكَاحِ، لَمْ يَحْنَثْ.
-
فَلَوِ اشْتَرَى زَيْدٌ بَعْدَ مَا بَاعَهَا دَارًا أُخْرَى، قَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ: إِنْ قَالَ: أَرَدْتُ الْأَوْلَى بِعَيْنِهَا، لَمْ يَحْنَثْ بِدُخُولِ الثَّانِيَةِ،
-
وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ أَيَّ دَارٍ تَكُونُ فِي مِلْكِهِ، حَنِثَ بِالثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى،
-
وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ أَيَّ دَارٍ جَرَى عَلَيْهَا مِلْكُهُ، حَنِثَ بِأَيَّتِهَا دَخَلَ.
-
١١/٥٥١١/٥٥
هَذَا كُلُّهُ إِذَا قَالَ: دَارَ زَيْدٍ وَلَمْ يُعَيِّنْ،
-
فَأَمَّا إِذَا قَالَ: لَا أَدْخُلُ دَارَ زَيْدٍ هَذِهِ، فَبَاعَهَا زَيْدٌ،
-
ثُمَّ دَخَلَهَا، فَيَحْنَثُ عَلَى الصَّحِيحِ، لِأَنَّهُ عَقَدَ الْيَمِينَ عَلَى عَيْنِ تِلْكَ الدَّارِ، وَوَصَفَهَا بِإِضَافَةٍ قَدْ تَزُولُ، فَغَلَبَ التَّعْيِينُ كَمَا لَوْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُ زَوْجَةَ زَيْدٍ هَذِهِ، أَوْ عَبْدَهُ هَذَا، فَكَلَّمَهُمَا بَعْدَ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ، يَحْنَثُ.
-
وَلَوْ قَالَ: لَا آكُلُ لَحْمَ هَذِهِ الْبَقَرَةِ، وَأَشَارَ إِلَى شَاةٍ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِأَكْلِ لَحْمِهَا، فَيَجِيءُ فِيهَا الْخِلَافُ فِيمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ هَذِهِ الْبَقَرَةَ وَهِيَ شَاةٌ، لِأَنَّ الْعُقُودَ يُرَاعَى فِيهِ شُرُوطٌ وَتَعَبُّدَاتٌ لَا يُعْتَبَرُ مِثْلُهَا فِي الْأَيْمَانِ.
-
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يُكَلِّمُ زَيْدًا هَذَا، فَبَدَّلَ اسْمَهُ، وَاشْتَهَرَ بِالِاسْمِ الْمُبَدَّلِ،
-
ثُمَّ كَلَّمَهُ، حَنِثَ اعْتِبَارًا بِالتَّعْيِينِ.
-
الثَّالِثَةُ: حَلَفَ: لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، فَدَخَلَهَا مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ عَتِيقٍ أَوْ مُحْدَثٍ، وَذَلِكَ الْبَابُ بِحَالِهِ، لَمْ يَحْنَثْ،
-
فَلَوْ قُلِعَ الْبَابُ، وَحُوِّلَ إِلَى مَنْفَذٍ آخَرَ مِنْ تِلْكَ الدَّارِ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، أَصَحُّهَا: تُحْمَلُ الْيَمِينُ عَلَى الْمَنْفَذِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ الْمُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الدُّخُولِ،
-
فَإِنْ دَخَلَ مِنْهُ، حَنِثَ،
-
وَإِنْ دَخَلَ مِنَ الْمَنْفَذِ الْمُحَوَّلِ إِلَيْهِ، لَمْ يَحْنَثْ. وَالثَّانِي: يُحْمَلُ عَلَى الْبَابِ الْمُتَّخَذِ مِنَ الْخَشَبِ وَنَحْوِهِ، لِأَنَّ اللَّفْظَ لَهُ حَقِيقَةٌ، فَيَحْنَثُ بِدُخُولِ الْمَنْفَذِ الْمُحَوَّلِ إِلَيْهِ دُونَ الْأَوَّلِ. وَالثَّالِثُ: يُحْمَلُ عَلَيْهِمَا لِأَنَّ الْإِشَارَةَ وَقَعَتْ إِلَيْهِمَا،
-
فَلَا يَحْنَثُ بِدُخُولِ مَنْفَذٍ آخَرَ،
-
وَإِنْ نُصِبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْبَابُ،
-
وَلَا بِدُخُولِ الْمَنْفَذِ الْأَوَّلِ، هَذَا إِذَا أَطْلَقَ.
-
فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ بَعْضَ هَذِهِ الْمَحَامِلِ، حُمِلَ عَلَيْهِ، وَارْتَفَعَ الْخِلَافُ،
-
وَلَوْ قَلَعَ الْبَابَ، وَلَمْ يُحَوَّلْ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ، حَنِثَ بِدُخُولِ ذَلِكَ الْمَنْفَذِ عَلَى الْأَصَحِّ وَيُعَبَّرُ عَنِ الْخِلَافِ بِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْمَنْفَذِ، أَمْ بِالْبَابِ الْمَنْصُوبِ عَلَيْهِ؟ قَالَ الْمُتَوَلِّي: بِنَاءً عَلَيْهِ لَوْ قَالَ: لَا أَدْخُلُ هَذَا الْبَابَ، وَقُلْنَا: تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ عَلَى الْبَابِ
-
١١/٥٦١١/٥٦
الْمَنْصُوبِ. فَنُقِلَ إِلَى دَارٍ أُخْرَى، فَدَخَلَهَا مِنْهُ، حَنِثَ،
-
وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ: لَا أَدْخُلُ مِنْهُ حَيْثُ نُصِبَ.
-
وَلَوْ قَالَ: لَا أَدْخُلُ بَابَ هَذِهِ الدَّارِ،
-
وَلَا أَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ مِنْ بَابِهَا، فَفُتِحَ بَابٌ جَدِيدٌ، فَدَخَلَهَا مِنْهُ، حَنِثَ عَلَى الْأَصَحِّ.
-
وَلَوْ قَالَ: لَا أَدْخُلُهَا مِنْ بَابِهَا، فَتَسَلَّقَ وَنَزَلَ مِنَ السَّطْحِ، لَمْ يَحْنَثْ.
-
الرَّابِعَةُ: حَلَفَ: لَا يَرْكَبُ دَابَّةَ عَبْدِ زِيدٍ،
-
وَلَا يَدْخُلُ دَارَهُ، لَا يَحْنَثُ بِالدَّابَّةِ وَالدَّارِ الْمَجْعُولَيْنِ بِاسْمِ الْعَبْدِ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ:
-
فَإِنْ مَلَّكَهُ السَّيِّدُ دَابَّةً أَوْ دَارًا، بُنِيَ عَلَى أَنَّهُ هَلْ يَمْلِكُ؟ إِنْ قُلْنَا: نَعَمْ، حَنِثَ، وَإِلَّا،
-
فَلَا. هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ ابْنُ كَجٍّ: لَا يَحْنَثُ وَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ لِأَنَّ مِلْكَهُ نَاقِصٌ، وَالسَّيِّدُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ إِزَالَتِهِ، فَكَأَنَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَصَارَ كَمَنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةَ زَيْدٍ وَرَكِبَ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ.
-
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَرْكَبُ دَابَّةَ زَيْدٍ، فَرَكِبَ دَابَّةً مَلَّكَهَا زَيْدٌ لِعَبْدِهِ، إِنْ قُلْنَا: لَمْ يَمْلِكْ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِلَّا فَيَحْنَثُ.
-
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَرْكَبُ دَابَّةَ الْعَبْدِ، فَعُتِقَ وَرَكِبَ دَابَّةً يَمْلِكُهَا، فَقَطَعَ الْغَزَالِيُّ بِالْحِنْثِ، وَابْنُ كَجٍّ بِالْمَنْعِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَرْكَبُ دَابَّةَ حُرٍّ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إِنْ قَالَ: لَا أَرْكَبُ دَابَّةَ هَذَا، حَنِثَ،
-
وَإِنْ قَالَ: دَابَّةَ عَبْدٍ،
-
فَلَا، وَإِنْ قَالَ: دَابَّةَ هَذَا الْعَبْدِ، فَلْيَكُنْ عَلَى خِلَافٍ يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِيمَا لَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ هَذَا الْعَبْدَ، فَعُتِقَ،
-
ثُمَّ كَلَّمَهُ. وَلَوْ قَالَ: لَا أَرْكَبُ سَرْجَ هَذِهِ الدَّابَّةِ، فَرَكِبَ السَّرْجَ الْمَعْرُوفَ بِهَا، حَنِثَ وَإِنْ كَانَ عَلَى دَابَّةٍ أُخْرَى، وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا مَا إِذَا حَلَفَ عَلَى دَارٍ أَوْ خَانٍ مَنْسُوبٍ، فَيُحْمَلُ عَلَى التَّعْرِيفِ، كَخَانِ أَبِي يَعْلَى عِنْدَنَا، وَكَدَارِ الْعَقِيقِيِّ بِدِمَشْقَ.
-
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: حَلَفَ: لَا أَلْبَسُ ثَوْبًا مَنَّ بِهِ فُلَانٌ عَلَيَّ، أَوْ مَا مَنَّ بِهِ عَلَيَّ، فَلَبِسَ ثَوْبًا وَهَبَهُ لَهُ، أَوْ أَوْصَى لَهُ بِهِ، حَنِثَ.
-
وَلَوْ لَبِسَ مَا بَاعَهُ إِيَّاهُ بِمُحَابَاةٍ، لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّ الْمِنَّةَ فِي نَقْصِ الثَّمَنِ لَا بِالثَّوْبِ. وَكَذَا لَوْ
-
١١/٥٧١١/٥٧
بَاعَهُ ثَوْبًا ثُمَّ أَبْرَأَهُ مِنْ ثَمَنِهِ، فَلَبِسَهُ، أَوْ أَبْدَلَ الْمَوْهُوبَ، أَوِ الْمُوصَى بِهِ بِغَيْرِهِ، أَوْ بَاعَهُ وَاشْتَرَى بِثَمَنِهِ ثَوْبًا فَلَبِسَهُ، لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّ الْأَيْمَانَ تُبْنَى عَلَى الْأَلْفَاظِ، لَا عَلَى الْقُصُودِ الَّتِي لَا يَحْتَمِلُهَا اللَّفْظُ، وَلِهَذَا لَوْ مَنَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ، فَحَلَفَ: لَا يَشْرَبُ لَهُ مَاءً مِنْ عَطَشٍ، فَشَرِبَهُ مِنْ غَيْرِ عَطَشٍ، أَوْ أَكَلَ لَهُ طَعَامًا، أَوْ لَبِسَ لَهُ ثَوْبًا، لَا يَحْنَثُ، لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَحْتَمِلُهُ،
-
وَإِنْ كَانَ يَقْصِدُ فِي مِثْلِ هَذَا الْوَضْعِ الِامْتِنَاعَ مِنْ جَمِيعِ هَذَا.
-
السَّادِسَةُ: حَلَفَ: لَا يَلْبَسُ مِنْ غَزْلِ فُلَانَةٍ، أَوْ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا، فَلَبِسَ ثَوْبًا خِيطَ بِغَزْلِهَا، لَمْ يَحْنَثْ وَإِنْ لَبِسَ ثَوْبًا سُدَاهُ مِنْ غَزْلِهَا، وَاللُّحْمَةُ مِنْ غَيْرِهِ،
-
فَإِنْ كَانَ قَالَ: لَا أَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا، لَمْ يَحْنَثْ.
-
وَإِنْ قَالَ: لَا أَلْبَسُ مِنْ غَزْلِهَا، حَنِثَ،
-
بِخِلَافِ الْخَيْطِ، فَإِنَّهُ لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ مَلْبُوسٌ.
-
فَرْعٌ
-
يُرَاعَى مُقْتَضَى اللَّفْظِ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَنَظَائِرِهِمَا فِي تَنَاوُلِ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ أَوْ أَحَدِهِمَا،
-
فَإِذَا قَالَ: لَا أَلْبَسُ مَا مُنَّ بِهِ عَلَيَّ، فَإِنَّمَا يَحْنَثُ بِلُبْسِ مَا تَقَدَّمَتِ الْمِنَّةُ بِهِ بِالْهِبَةِ وَغَيْرِهَا،
-
وَلَا يَحْنَثُ بِمَا يَمُنُّ بِهِ فِيمَا بَعْدُ.
-
وَإِذَا قَالَ: لَا أَلْبَسُ مَا غَزَلَتْهُ فُلَانَةُ، فَإِنَّمَا يَحْنَثُ بِمَا غَزَلَتْهُ مِنْ قَبْلُ دُونَ مَا تَغْزِلُهُ فِيمَا بَعْدُ.
-
وَلَوْ قَالَ: لَا أَلْبَسُ مَا يُمَنُّ بِهِ، أَوْ مَا تَغْزِلُهُ، حَنِثَ بِمَا تَحْدُثُ الْمِنَّةُ بِهِ وَغَزْلُهُ دُونَ مَا سَبَقَ.
-
وَلَوْ قَالَ: لَا أَلْبَسُ مِنْ غَزْلِهَا، دَخَلَ فِيهِ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلُ.
-
السَّابِعَةُ: حَلَفَ: لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا، حَنِثَ بِلُبْسِ الْقَمِيصِ وَالرِّدَاءِ وَالسَّرَاوِيلِ وَالْجُبَّةِ وَالْقَبَاءِ وَنَحْوِهَا، وَسَوَاءٌ الْمَخِيطُ وَغَيْرُهُ، وَالْقُطْنُ وَالْكَتَّانُ وَالصُّوفُ وَالْإِبْرَيْسَمُ، وَسَوَاءً لَبِسَهُ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمُعْتَادَةِ
-
١١/٥٨١١/٥٨
أَوْ بِخِلَافِهَا، بِأَنِ ارْتَدَى أَوِ اتَّزَرَ بِالْقَمِيصِ، أَوْ تَعَمَّمَ بِالسَّرَاوِيلِ،
-
وَلَا يَحْنَثُ بِلُبْسِ الْجُلُودِ وَمَا يُتَّخَذُ مِنْهَا،
-
وَلَا بِلُبْسِ الْحُلِيِّ وَالْقَلَنْسُوَةِ،
-
وَلَا بِوَضْعِ الثَّوْبِ عَلَى الرَّأْسِ،
-
وَلَا بِأَنْ يَفْرِشَهُ وَيَرْقُدَ عَلَيْهِ.
-
وَلَوْ تَدَثَّرَ بِهِ، لَمْ يَحْنَثْ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى لُبْسًا،
-
وَلَوْ قَالَ: لَا أَلْبَسُ حُلِيًّا، حَنِثَ بِالسُّوَارِ وَالْخَلْخَالِ وَالطَّوْقِ وَالدُّمْلُجِ، وَخَاتَمِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ،
-
وَلَا يَحْنَثُ بِالْمُتَّخَذِ مِنْ شَبَهٍ أَوْ حَدِيدٍ، وَيَحْنَثُ بِمِخْنَقَةِ اللُّؤْلُؤِ وَالْجَوَاهِرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا ذَهَبٌ،
-
وَلَا يَحْنَثُ بِتَقَلُّدِ السَّيْفِ الْمُحَلَّى. وَفِي الْمِنْطَقَةِ الْمُحَلَّاةِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: أَنَّهَا مِنْ حُلِيِّ الرَّجُلِ، وَيَحْنَثُ بِلُبْسِ الْخَرَزِ وَالسَّبَجِ إِنْ كَانَ الْحَالِفُ مِنْ قَوْمٍ يَعْتَادُونَ التَّحَلِّيَ بِهِمَا، كَأَهْلِ السَّوَادِ. وَفِي غَيْرِهِمْ وَجْهَانِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ غَيْرُ الْبَدَوِيِّ: لَا يَدْخُلُ بَيْتًا، فَدَخَلَ بَيْتَ شَعْرٍ.
-
وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَلْبَسُ شَيْئًا، حَنِثَ بِلُبْسِ الثِّيَابِ وَالْحُلِيِّ وَالْقَلَنْسُوَةِ وَالْجُلُودِ وَفِي الدِّرْعِ وَالْخُفِّ وَالنَّعْلِ وَالْجَوْشَنِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: يَحْنَثُ، وَقَدْ يَطَّرِدُ الْخِلَافُ فِي الْحُلِيِّ وَالْقَلَنْسُوَةِ.
-
وَلَوْ قَالَ: لَا أَلْبَسُ قَمِيصًا، فَارْتَدَى أَوِ اتَّزَرَ بِقَمِيصٍ، حَنِثَ عَلَى الْأَصَحِّ،
-
وَلَوْ فَتَقَهُ وَقَطَعَهُ وَارْتَدَى، أَوِ اتَّزَرَ بِهِ، لَمْ يَحْنَثْ، لِفَوَاتِ اسْمِ الْقَمِيصِ.
-
وَلَوْ قَالَ: لَا أَلْبَسُ هَذَا الْقَمِيصَ، فَارْتَدَى بِهِ أَوِ اتَّزَرَ، أَوْ قَالَ: لَا أَلْبَسُ هَذَا الرِّدَاءَ، فَاتَّزَرَ بِهِ، أَوْ تَعَمَّمَ، حَنِثَ عَلَى الصَّحِيحِ، لِتَعَلُّقِ الْيَمِينِ بِعَيْنِ الْقَمِيصِ.
-
وَلَوْ قَالَ: لَا أَلْبَسُ هَذَا الثَّوْبَ، وَكَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ قَمِيصًا أَوْ رِدَاءً، فَفَتَقَهُ وَاتَّخَذَ مِنْهُ نَوْعًا آخَرَ، بِأَنْ جَعَلَ الْقَمِيصَ رِدَاءً، أَوِ الرِّدَاءَ جُبَّةً أَوْ تِكَكًا، أَوِ الْخُفَّ نَعْلًا،
-
ثُمَّ لَبِسَ الْمُتَّخَذَ، حَنِثَ عَلَى الْأَصَحِّ، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ لَا يَلْبَسُهُ مَا دَامَ عَلَى تِلْكَ الْهَيْئَةِ.
-
فَلَوْ لَمْ يَذْكُرِ الثَّوْبَ، بَلْ قَالَ: لَا أَلْبَسُ هَذَا الْقَمِيصَ، أَوْ هَذَا الرِّدَاءَ، فَفَتَقَهُ، وَاتَّخَذَ مِنْهُ نَوْعًا آخَرَ
-
١١/٥٩١١/٥٩
وَلَبِسَهُ، فَفِيهِ الْوَجْهَانِ، لَكِنَّ الْأَصَحَّ هُنَا: لَا يَحْنَثُ، كَمَا سَيَأْتِي فِي نَظَائِرِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَحْنَثُ، فَأَعَادَ الْهَيْئَةَ الْأُولَى، فَفِي الْحِنْثِ الْوَجْهَانِ فِي الدَّارِ تُعَادُ بَعْدَ الِانْهِدَامِ بِذَلِكَ النَّقْصِ.
-
وَلَوْ كَانَ قَالَ فِي يَمِينِهِ: لَا أَلْبَسُ هَذَا الْقَمِيصَ، أَوِ الثَّوْبَ قَمِيصًا، أَوْ هَذَا الثَّوْبَ أَوِ الرِّدَاءَ رِدَاءً،
-
فَإِنْ تَقَمَّصَ بِالْقَمِيصِ، أَوِ ارْتَدَى بِالرِّدَاءِ، حَنِثَ،
-
وَإِنْ اتَّزَرَ بِالْقَمِيصِ أَوْ تَعَمَّمَ بِالرِّدَاءِ، لَمْ يَحْنَثْ.
-
وَكَذَا لَوِ اتَّخَذَ مِنَ الْقَمِيصِ غَيْرَ قَمِيصٍ،
-
وَمِنَ الرِّدَاءِ غَيْرَ رِدَاءٍ،
-
ثُمَّ لَبِسَهُمَا، وَلَوْ قَالَ: لَا أَلْبَسُهُ وَهُوَ قَمِيصٌ، فَارْتَدَى بِهِ، أَوْ تَعَمَّمَ أَوِ اتَّزَرَ، حَنِثَ، لِأَنَّهُ لَبِسَ وَهُوَ قَمِيصٌ،
-
وَإِنْ اتَّخَذَ مِنْهُ غَيْرَ الْقَمِيصِ وَلَبِسَهُ، لَمْ يَحْنَثْ.
-
فَرْعٌ
-
الْوَجْهَانِ فِيمَنْ قَالَ: لَا أَلْبَسُ هَذَا الْقَمِيصَ، فَاتَّخَذَ مِنْهُ غَيْرَهُ وَلَبِسَهُ، يَجْرِيَانِ فِي صُوَرٍ. مِنْهَا: لَوْ أَشَارَ إِلَى صَبْرَةِ حِنْطَةٍ، وَقَالَ: لَا آكُلُ هَذِهِ، حَنِثَ بِأَكْلِهَا عَلَى هَيْئَتِهَا، وَبِأَكْلِهَا بَعْدَ الطَّحْنِ وَالْعَجْنِ وَالْخَبْزِ وَالطَّبْخِ.
-
وَلَوْ قَالَ: لَا آكُلُ حِنْطَةً، لَمْ يَحْنَثْ بِالْخُبْزِ وَالْعَجِينِ وَالدَّقِيقِ وَالسَّوِيقِ، وَيَحْنَثُ بِأَكْلِ الْحِنْطَةِ نِيئَةً وَمَقْلِيَّةً وَمَطْبُوخَةً وَمَبْلُولَةً.
-
وَلَوْ قَالَ: لَا آكُلُ هَذِهِ الْحِنْطَةَ، حَنِثَ بِأَكْلِهَا نِيئَةً فَقَطْ، وَمَطْبُوخَةً، وَهَلْ يَحْنَثُ بِأَكْلِ دَقِيقِهَا وَسَوِيقِهَا وَعَجِينِهَا وَخُبْزِهَا؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا، وَبِهِ قَطَعَ بَعْضُهُمْ، لِزَوَالِ اسْمِ الْحِنْطَةِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ زَرَعَهَا وَأَكَلَ حَشِيشَهَا. أَوْ قَالَ: لَا آكُلُ هَذَا الْبَيْضَ، فَصَارَ فَرْخًا فَأَكَلَهُ،
-
فَلَوْ قَالَ: لَا آكُلُ مِنْ هَذِهِ الْحِنْطَةِ، فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ، إِلَّا أَنَّ هُنَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ بَعْضِهَا. وَحُكِيَ وَجْهٌ أَنَّهُ إِذَا قَالَ: مِنْ هَذِهِ الْحِنْطَةِ، حَنِثَ بِأَكْلِ كُلِّ مَا يُتَّخَذُ مِنْهَا.
-
وَلَوْ قَالَ: لَا آكُلُ هَذَا الدَّقِيقَ، فَأَكَلَ عَجِينَهُ أَوْ خُبْزَهُ، أَوْ هَذَا الْعَجِينَ، فَأَكَلَ خُبْزَهُ، فَعَلَى الْخِلَافِ.
-
١١/٦٠١١/٦٠
وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ: لَا آكُلُ هَذَا الْحَيَوَانَ، فَذَبَحَهُ وَأَكَلَهُ، حَنِثَ، لِأَنَّ الْحَيَوَانَ هَكَذَا يُؤْكَلُ، وَهُوَ كَمَا لَوْ حَلَفَ: لَا يَلْبَسُ هَذَا الْغَزْلَ، فَلَبِسَ ثَوْبًا نُسِجَ مِنْهُ، حَنِثَ.
-
وَلَوْ قَالَ: لَا آكُلُ لَحْمَ هَذِهِ السَّخْلَةِ أَوِ الْخَرُوفِ، فَصَارَ كَبْشًا فَذَبَحَهُ وَأَكَلَهُ،
-
فَمَنْ قَالَ فِي مَسْأَلَةِ الْحِنْطَةِ: يَحْنَثُ، قَالَ هُنَا: يَحْنَثُ،
-
وَمَنْ قَالَ هُنَاكَ: لَا يَحْنَثُ، قَالَ هُنَا: وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: لَا يَحْنَثُ، وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِيمَا لَوْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُ هَذَا الصَّبِيَّ، فَكَلَّمَهُ بَعْدَ مَصِيرِهِ شَابًّا، أَوْ هَذَا الشَّابَّ فَكَلَّمَهُ بَعْدَ مَصِيرِهِ شَيْخًا.
-
وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُ هَذَا وَأَشَارَ إِلَى عَبْدٍ فَعُتِقَ،
-
ثُمَّ كَلَّمَهُ، حَنِثَ، وَلَوْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُ هَذَا الْعَبْدَ، فَعُتِقَ، فَهُوَ كَمَسْأَلَةِ السَّخْلَةِ.
-
وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ: لَا آكُلُ هَذَا الرُّطَبَ، فَصَارَ تَمْرًا، أَوْ هَذَا الْبُسْرَ فَصَارَ رُطَبًا، أَوِ الْعِنَبَ فَصَارَ زَبِيبًا، أَوْ لَا أَشْرَبُ هَذَا الْعَصِيرَ، فَصَارَ خَمْرًا، أَوْ هَذَا الْخَمْرَ فَصَارَ خَلًّا، أَوْ لَا آكُلُ هَذَا التَّمْرَ، فَاتَّخَذَ مِنْهُ عَصِيدَةً،
-
ثُمَّ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَفِيهِ هَذَا الْخِلَافُ، وَذَكَرَ الصَّيْدَلَانِيُّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - نَصَّ عَلَى عَدَمِ الْحِنْثِ فِي مَسْأَلَةِ الْحِنْطَةِ وَالتَّمْرِ، وَعَلَى الْحِنْثِ فِي الصَّبِيِّ وَالسَّخْلَةِ. فَقِيلَ: قَوْلَانِ:
-
وَقِيلَ: بِتَقْرِيرِ النَّصَّيْنِ. وَالْفَرْقُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَسْأَلَةَ الْحِنْطَةِ وَالتَّمْرِ تَبَدُّلُ الِاسْمِ، وَفِي السَّخْلَةِ وَالصَّبِيِّ تَبَدُّلُ الصِّفَةِ، وَتَبَدُّلُ الصِّفَةِ لَا يُسْقِطُ الْحِنْثَ، وَالثَّانِي: أَنَّ التَّبَدُّلَ فِي الْأَوَّلِ بِمُعَالَجَةٍ، بِخِلَافِ الثَّانِي.
-
فَرْعٌ
-
حَلَفَ: لَا يَلْبَسُ الْخَاتَمَ، فَجَعَلَهُ فِي غَيْرِ الْخِنْصَرِ مِنْ أَصَابِعِهِ، فَعَنِ الْمُزَنِيِّ فِي «الْجَامِعِ» أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، وَتَابَعَهُ الْبَغَوِيُّ، وَقَاسَهُ عَلَى مَا لَوْ حَلَفَ: لَا يَلْبَسُ الْقَلَنْسُوَةَ، فَجَعَلَهَا فِي رِجْلِهِ، وَالَّذِي حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ عَنِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَحْنَثُ.
-
الثَّامِنَةُ: حَلَفَ: لَا يَخْرُجُ فُلَانٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَأَذِنَ بِحَيْثُ لَمْ
-
١١/٦١١١/٦١
يَسْمَحِ الْمَأْذُونُ لَهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ وَخَرَجَ، فَطَرِيقَانِ: الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ وَالَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ: لَا يَحْنَثُ، لِأَنَّ الْإِذْنَ وَالرِّضَى قَدْ حَصَلَ.
-
وَقِيلَ وَجْهَانِ، وَقِيلَ: قَوْلَانِ مَنْصُوصٌ وَمُخَرَّجٌ: أَنَّهُ يَحْنَثُ، وَهُوَ مَخَرَّجٌ مِنْ مَسْأَلَةِ عَزْلِ الْوَكِيلِ. وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إِنْ خَرَجْتِ بِغَيْرِ إِذْنِي، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَأَذِنَ وَخَرَجَتْ وَهِيَ جَاهِلَةٌ بِالْإِذْنِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُشْهِدَ عَلَى الْإِذْنِ لِيُثْبِتَهُ عِنْدَ التَّنَازُعِ.
-
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، فَهِيَ الْمُصَدَّقَةُ بِيَمِينِهَا فِي إِنْكَارِ الْإِذْنِ. وَفِي كِتَابِ ابْنِ كَجٍّ أَنَّ الزَّوْجَ هُوَ الْمُصَدَّقُ، كَمَا لَوْ أَنْكَرَ أَصْلَ التَّعْلِيقِ.
-
ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الْوَرَعُ أَنْ يُحَنِّثَ نَفْسَهُ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْ يَعُدُّهَا مُطَلَّقَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يُطَلِّقَهَا، لِأَنَّا حَكَمْنَا بِأَنَّهَا زَوْجَتُهُ، فَكَيْفَ تَنْكِحُ غَيْرَهُ؟ بَلْ إِنْ كَانَ عَلَّقَ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ، فَالْوَرَعُ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا،
-
وَإِنْ كَانَ الْمُعَلِّقُ طَلْقَةً رَجْعِيَّةً، وَأَرَادَ إِمْسَاكَهَا، رَاجَعَهَا، وَإِلَّا، طَلَّقَهَا لِتَحِلَّ لِلْأَزْوَاجِ،
-
فَإِنْ رَاجَعَهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا طَلْقَتَيْنِ، فَالْوَرَعُ أَنْ لَا يَنْكِحَهَا إِلَّا بَعْدَ زَوْجٍ،
-
وَإِذَا نَكَحَهَا بَعْدَ زَوْجٍ، كَانَتْ عِنْدَهُ بِطَلْقَةٍ،
-
فَإِنْ طَلَّقَهَا، لَمْ تَحِلَّ إِلَّا بِزَوْجٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا بِالْخُرُوجِ شَيْءٌ، وَقَدْ طَلَّقَهَا بَعْدَهُ ثَلَاثًا، وَالزَّوْجُ الثَّانِي قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الثَّلَاثِ لَا أَثَرَ لَهُ.
-
فَرْعٌ
-
حَلَفَ: لَا يَخْرُجُ فُلَانٌ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَوْ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَخَرَجَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، حَنِثَ،
-
وَإِنْ خَرَجَ بِإِذْنِهِ، لَمْ يَحْنَثْ. وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ تَنْحَلُّ الْيَمِينُ حَتَّى لَوْ خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ بِإِذْنٍ أَوْ بِغَيْرِ إِذْنٍ، لَمْ يَحْنَثْ.
-
وَكَذَا لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إِنْ خَرَجْتِ بِغَيْرِ إِذْنِي أَوْ إِلَّا بِإِذْنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ، إِنْ خَرَجَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، طُلِّقَتْ،
-
وَإِنْ خَرَجَتْ بِالْإِذْنِ، لَمْ تُطَلَّقْ، وَتَنْحَلُّ الْيَمِينُ
-
١١/٦٢١١/٦٢
عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ. وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ قَالَ: إِنْ خَرَجْتِ حَتَّى آذَنَ لَكِ، أَوْ إِلَى أَنْ آذَنَ لَكِ أَوْ إِلَّا أَنْ آذَنَ لَكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ. وَحُكِيَ قَوْلٌ أَوْ وَجْهٌ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ وَالْقَفَّالِ، أَنَّهُ لَا تَنْحَلُّ الْيَمِينُ بِخُرُوجِهَا بِالْإِذْنِ، كَمَا لَوْ قَالَ: إِنْ خَرَجْتِ لَابِسَةً لِلْحَرِيرِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَخَرَجَتْ غَيْرَ لَابِسَةٍ، لَا تَنْحَلُّ الْيَمِينُ، حَتَّى لَوْ خَرَجَتْ بَعْدَهُ لَابِسَةً طُلِّقَتْ،
-
وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، لِأَنَّ الْيَمِينَ تَعَلَّقَتْ بِخُرْجَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ الْأُولَى. قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ لَوْ قَالَ: إِنْ خَرَجْتِ غَيْرَ لَابِسَةٍ لِلْحَرِيرِ أَوْ لَابِسَةً، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَخَرَجَتْ لَابِسَةً تَنْحَلُّ الْيَمِينُ، وَهَذَا يُخَالِفُ قَوْلَ الْغَزَالِيِّ: لَوْ قَالَ إِنْ خَرَجْتِ بِلَا خُفٍّ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَخَرَجَتْ بِخُفٍّ، لَا تَنْحَلُّ الْيَمِينُ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الْإِذْنِ بِفَرْقٍ ضَعِيفٍ، فَالْوَجْهُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ، كَمَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ.
-
وَلَوْ قَالَ: كُلَّمَا خَرَجْتِ، أَوْ كُلَّ وَقْتٍ خَرَجْتِ بِغَيْرِ إِذْنِي، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَخَرَجَتْ مَرَّةً بِالْإِذْنِ، لَمْ تَنْحَلَّ الْيَمِينُ، لِأَنَّهَا صِيغَةُ تَكْرَارٍ.
-
فَلَوْ قَالَ: أَذِنْتُ لَكِ فِي الْخُرُوجِ كُلَّمَا أَرَدْتِ، أَغْنَاهُ ذَلِكَ عَنْ تَجْدِيدِ الْإِذْنِ لِكُلِّ خَرْجَةٍ.
-
وَلَوْ قَالَ: مَتَى خَرَجْتِ، أَوْ مَتَى مَا، أَوْ مَهْمَا، أَوْ أَيُّ وَقْتٍ، أَوْ أَيُّ حِينٍ، فَالْحُكْمُ كَمَا لَوْ قَالَ: إِنْ خَرَجْتِ، لِأَنَّ هَذِهِ الصِّيَغُ لَا تَقْتَضِي التَّكْرَارَ. وَفِي «الرَّقْمِ» لِلْعَبَّادِيِّ: إِلْحَاقُ مَتَى مَا، وَمَهْمَا بِ «كُلَّمَا» وَهُوَ خِلَافُ نَصِّهِ فِي «الْأُمِّ» .
-
وَلَوْ قَالَ: إِنْ خَرَجْتِ أَبَدًا إِلَّا بِإِذْنِي، فَأَنْتِ طَالِقٌ، لَمْ يَلْزَمِ التَّكْرَارُ أَيْضًا، بَلْ مَعْنَاهُ فِي أَيِّ وَقْتٍ خَرَجْتِ، قَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ وَإِذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ كَمَا صَوَّرْنَا،
-
ثُمَّ أَذِنَ لَهَا فِي الْخُرُوجِ،
-
ثُمَّ رَجَعَ عَنِ الْإِذْنِ، وَخَرَجَتْ بَعْدَهُ، نُصَّ فِي «الْأُمِّ» أَنَّهَا لَا تُطَلَّقُ، لِأَنَّ الْإِذْنَ قَدْ وُجِدَ، فَزَالَ حُكْمُ الْيَمِينِ، وَالْمَنْعُ بَعْدَهُ لَا يُفِيدُ. وَرَأَى أَبُوبَكْرٍ الْفَارِسِيُّ وَالْمُحَقِّقُونَ تَنْزِيلَ النَّصِّ عَلَى مَا إِذَا قَالَ فِي التَّعْلِيقِ: حَتَّى آذَنَ لَكِ، لِأَنَّهُ جَعَلَ إِذْنَهُ غَايَةَ الْيَمِينِ، وَقَدْ حَصَلَ الْإِذْنُ،
-
فَأَمَّا إِذَا قَالَ: بِغَيْرِ إِذْنِي أَوْ إِلَّا بِإِذْنِي،
-
١١/٦٣١١/٦٣
فَإِذَا رَجَعَ، ثُمَّ خَرَجَتْ، فَهَذَا خُرُوجٌ بِغَيْرِ إِذْنٍ، وَهُوَ أَوَّلُ مَا وُجِدَ بَعْدَ الْيَمِينِ، فَيَقَعُ الطَّلَاقُ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: قَوْلُهُ: إِلَّا بِإِذْنِي مُحْتَمِلٌ أَيْضًا لِلْغَايَةِ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهَا.
-
وَلَوْ قَالَ: إِنْ خَرَجْتِ بِغَيْرِ إِذْنِي لِغَيْرِ عِيَادَةٍ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَخَرَجَتْ لِعِيَادَةٍ،
-
ثُمَّ عَرَضَتْ حَاجَةٌ فَاشْتَغَلَتْ بِهَا، لَمْ تُطَلَّقْ.
-
وَإِنْ خَرَجَتْ لِعِيَادَةٍ وَغَيْرِهَا. فَالْمَذْكُورُ فِي «الشَّامِلِ» مَنْسُوبًا إِلَى نَصِّهِ فِي «الْأُمِّ» أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، وَذَكَرَ الْبَغَوِيُّ أَنَّهُ الْأَصَحُّ. وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ: إِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ بِقَوْلِهِ لِغَيْرِ عِيَادَةٍ مَا هُوَ بِمَعْزِلٍ عَنْهَا، لَمْ يَحْنَثْ، وَهَذَا هُوَ السَّابِقُ إِلَى الْفَهْمِ مِنْهُ،
-
وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ مَا يُغَايِرُهُ فِي الْحَقِيقَةِ، فَمَجْمُوعُ الْعِيَادَةِ وَالْحَاجَةِ الْأُخْرَى يُغَايِرُ مُجَرَّدَ الْعِيَادَةِ.
-
قُلْتُ: الصَّوَابُ الْجَزْمُ بِأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
-
وَإِنْ قَالَ: إِنْ خَرَجْتِ إِلَّا لِعِيَادَةٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ، لِأَنَّهُ يَصْدُقُ أَنْ يُقَالَ: لَمْ تَخْرُجْ لِلْعِيَادَةِ بَلْ لَهَا وَلِغَيْرِهَا.
-
النَّوْعُ الْخَامِسُ فِي الْكَلَامِ وَفِيهِ مَسَائِلُ:
-
إِحْدَاهَا: إِذَا قَالَ: وَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُكَ فَتَنَحَّ عَنِّي، أَوْ قُمْ أَوِ اخْرُجْ، أَوْ شَتَمَهُ، أَوْ زَجَرَهُ، حَنِثَ، سَوَاءً عَقَّبَ هَذَا لِلْيَمِينِ مُتَّصِلًا أَمْ فَصَلَهُ، لِأَنَّهُ كَلَّمَهُ.
-
وَقِيلَ: لَا يَحْنَثُ إِذَا وَصَلَهُ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ تَأْكِيدُ الْيَمِينِ،
-
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. وَلَوْ كَتَبَ إِلَيْهِ كِتَابًا أَوْ أَرْسَلَ رَسُولًا، فَقَوْلَانِ: الْجَدِيدُ: لَا يَحْنَثُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ بِهِ،
-
وَقِيلَ: الْقَدِيمُ إِنَّمَا هُوَ إِذَا نَوَى بِيَمِينِهِ الْمُكَاتَبَةَ.
-
وَقِيلَ: الْقَوْلَانِ فِي الْغَائِبِ،
-
فَإِنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْمَجْلِسِ، لَمْ يَحْنَثْ قَطْعًا،
-
وَالْمَذْهَبُ طَرَّدَهُمَا فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ. وَيَجْرِيَانِ فِي الْإِشَارَةِ بِالرَّأْسِ وَالْعَيْنِ،
-
وَلَا فَرْقَ عَلَى الْجَدِيدِ بَيْنَ إِشَارَةِ الْأَخْرَسِ وَالنَّاطِقِ، وَإِنَّمَا أُقِيمَتْ إِشَارَةُ الْأَخْرَسِ فِي الْمُعَامَلَاتِ مَقَامَ النُّطْقِ لِلضَّرُورَةِ.
-
١١/٦٤١١/٦٤
فَرْعٌ
-
هِجْرَانُ الْمُسْلِمِ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ،
-
فَلَوْ كَاتَبَهُ أَوْ رَاسَلَهُ، فَهَلْ يَزُولُ الْإِثْمُ؟ نُظِرَ إِنْ كَانَتْ مُوَاصَلَتُهُمَا قَبْلَ الْهُجْرَانِ بِالْمُكَاتَبَةِ أَوِ الْمُرَاسَلَةِ، ارْتَفَعَ الْإِثْمُ، وَإِلَّا فَإِنْ تَعَذَّرَ الْكَلَامُ لِغَيْبَةِ أَحَدِهِمَا، فَكَذَلِكَ، وَإِلَّا، فَوَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْجَدِيدِ وَالْقَدِيمِ، حَتَّى لَوْ حَلَفَ أَنْ يُهَاجِرَهُ، فَهَلْ يَحْنَثُ بِالْمُكَاتَبَةِ وَالْمُرَاسَلَةِ؟
-
فِيهِ هَذَا الْخِلَافُ. وَأَطْلَقَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ يَرْتَفِعُ الْإِثْمُ بِالْمُكَاتَبَةِ وَالْمُرَاسَلَةِ،
-
ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُكَاتَبَةَ إِنَّمَا تَرْفَعَ الْإِثْمَ إِذَا خَلَتْ عَنِ الْإِيذَاءِ وَالْإِيحَاشِ، وَإِلَّا، فَهُوَ كَمَا لَوْ كَلَّمَهُ بِالشَّتْمِ وَالْإِيذَاءِ، فَإِنَّهُ لَا تَزُولُ بِهِ الْمُهَاجَرَةُ، بَلْ هُوَ زِيَادَةُ وَحْشَةٍ، وَتَأْكِيدٌ لِلْمُهَاجَرَةِ،
-
وَلَا يَحْنَثُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمُكَاتَبَةِ إِذَا حَلَفَ عَلَى الْمُهَاجَرَةِ.
-
قُلْتُ: تَحْرِيمُ الْمُهَاجَرَةِ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذَا كَانَتِ الْمُهَاجَرَةُ لِحُظُوظِ النُّفُوسِ وَتَعَنُّتَاتِ أَهْلِ الدُّنْيَا،
-
فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَهْجُورُ مُبْتَدِعًا أَوْ مُجَاهِرًا بِالظُّلْمِ وَالْفُسُوقِ،
-
فَلَا تَحْرُمُ مُهَاجَرَتُهُ أَبَدًا،
-
وَكَذَا إِذَا كَانَ فِي الْمُهَاجَرَةِ مَصْلَحَةٌ دِينِيَّةٌ،
-
فَلَا تَحْرِيمَ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا جَرَى لِلسَّلَفِ مِنْ هَذَا النَّوْعِ،
-
وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَزُولُ التَّحْرِيمُ بِالْمُكَاتَبَةِ وَالْمُرَاسَلَةِ، قَالَ صَاحِبُ «الْبَيَانِ» : وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْإِشَارَةُ وَالرَّمْزُ كَالْمُكَاتَبَةِ كَمَا قُلْنَا فِي الْحِنْثِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
-
فَرْعٌ
-
حَلَفَ: لَا يُكَلِّمُهُ، ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِ، حَنِثَ، لِأَنَّ السَّلَامَ كَلَامٌ،
-
وَأَنْ يُسَلِّمَ عَلَى قَوْمٍ هُوَ فِيهِمْ،
-
فَإِنْ قَصَدَهُ بِالسَّلَامِ حَنِثَ. قَالَ فِي «الْبَيَانِ» وَيَجِيءُ أَنْ لَا يَحْنَثُ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ السَّمْنَ، فَأَكَلَهُ مَعَ غَيْرِهِ، لَا يَحْنَثُ وَإِنْ اسْتَثْنَى لَفْظًا، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ اسْتَثْنَاهُ بِالنِّيَّةِ،
-
١١/٦٥١١/٦٥
لَمْ يَحْنَثْ أَيْضًا عَلَى الْمَذْهَبِ.
-
وَإِنْ أَطْلَقَ، حَنِثَ عَلَى الْأَظْهَرِ.
-
وَلَوْ سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ، وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَأْمُومِينَ، فَفِيهِ هَذَا التَّفْصِيلُ.
-
وَلَوْ صَلَّى الْحَالِفُ خَلْفَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، فَسَبَّحَ لِسَهْوِهِ، أَوْ فَتَحَ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةَ، لَمْ يَحْنَثْ،
-
وَلَوْ قَرَأَ آيَةً، فَهِمَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مِنْهَا مَقْصُودَهُ،
-
فَإِنْ قَصَدَ الْقِرَاءَةَ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِلَّا، فَيَحْنَثُ.
-
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: حَلَفَ: لَا يَتَكَلَّمُ حَنِثَ بِتَرْدِيدِ الشِّعْرِ مَعَ نَفْسِهِ، لِأَنَّ الشِّعْرَ كَلَامٌ،
-
وَلَا يَحْنَثُ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالدُّعَاءِ عَلَى الصَّحِيحِ، لِأَنَّ اسْمَ الْكَلَامِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَنْصَرِفُ إِلَى كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ فِي مُحَاوَرَاتِهِمْ.
-
وَقِيلَ: يَحْنَثُ، لِأَنَّهُ يُبَاحُ لِلْجُنُبِ، فَهُوَ كَسَائِرِ الْكَلَامِ،
-
وَلَا يَحْنَثُ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ.
-
قُلْتُ: قَالَ الْقَفَّالُ فِي شَرْحِ «التَّلْخِيصِ» : لَوْ قَرَأَ التَّوْرَاةَ الْمَوْجُودَةَ الْيَوْمَ، لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّا نَشُكُّ أَنَّ الَّذِي قَرَأَهُ مُبَدَّلٌ أَمْ لَا. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
-
الثَّالِثَةُ: حَلَفَ: لَيُثْنِيَنَّ عَلَى اللَّهِ أَحْسَنَ الثَّنَاءِ، فَطَرِيقُ الْبَرِّ أَيَقُولُ: لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ زَادَ إِبْرَاهِيمُ الْمَرْوَزِيُّ فِي آخِرِهِ: فَلَكَ الْحَمْدُ حَتَّى تَرْضَى فَصَوَّرَ الْمُتَوَلِّي الْمَسْأَلَةَ فِيمَا لَوْ قَالَ: لَأُثْنِيَنَّ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِأَجَلِّ الثَّنَاءِ، أَوْ أَعْظَمِهِ، وَزَادَ فِي أَوَّلِ الذِّكْرِ سُبْحَانَكَ وَلَوْ قَالَ: لَأَحْمَدَنَّ اللَّهَ بِمَجَامِعِ الْحَمْدِ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: بِأَجَلِّ التَّحَامِيدِ، فَطَرِيقُ الْبَرِّ أَنْ يَقُولَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا يُوَافِي نِعَمَهُ وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ وَلَوْ قَالَ: لَأُصَلِّيَنَّ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْضَلَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَطَرِيقُ الْبَرِّ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كُلَّمَا ذَكَرَهُ الذَّاكِرُونَ وَكُلَّمَا سَهَا عَنْ ذِكْرِهِ الْغَافِلُونَ. ذَكَرَهُ إِبْرَاهِيمُ الْمَرْوَزِيُّ.
-
١١/٦٦١١/٦٦
قُلْتُ: أَمَّا الصُّورَتَانِ الْأُولَيَانِ، فَذَكَرَهُمَا جَمَاعَةٌ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْخُرَاسَانِيِّينَ، وَلَيْسَ لَهُمَا دَلِيلٌ يُعْتَمَدُ. وَمَعْنَى «يُوَافِي نِعَمَهُ» أَيْ: يُلَاقِيهَا، فَتَحْصُلُ مَعَهُ، «وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ» بِهَمْزَةٍ فِي آخِرِهِ، أَيْ: يُسَاوِي مَزِيدَ نِعَمِهِ وَمَعْنَاهُ: يَقُومُ لِشُكْرِ مَا زَادَ مِنَ النِّعَمِ وَالْإِحْسَانِ.
-
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَدْ ذَكَرَهَا عَنْ إِبْرَاهِيمِ الْمَرْوَزِيِّ وَحْدَهُ، وَقَدْ يَسْتَأْنِسُ لِذَلِكَ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَانَ يَسْتَعْمِلُ هَذِهِ الْعِبَارَةَ، وَلَعَلَّهُ أَوَّلَ مَنِ اسْتَعْمَلَهَا، وَلَكِنَّ الصَّوَابَ وَالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُجْزَمَ بِهِ أَنَّ أَفْضَلَ مَا يُقَالُ عَقِيبَ التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِلَى آخِرِهِ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ، فَقَالَ: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ إِلَى آخِرِهِ.
-
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.