الْوَقْفِ عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ
الفتاوى الهنديةالحنفيةالمسائل ٥٦٬٩٣١ إلى ٥٦٬٩٥٤
-
٦/٣٨٢٦/٣٨٢
(نَوْعٌ آخَرُ فِي الْوَقْفِ عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ) إذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَقِفَ عَلَى أَوْلَادِهِ فَهَذَا عَلَى وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَقُولَ: أَرْضِي هَذِهِ صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى وَلَدِي وَفِي هَذَا الْوَجْهِ يَدْخُلُ تَحْتَ الْوَقْفِ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ يُرِيدُ بِهِ وَلَدَهُ لِصُلْبِهِ وَلَا يُشَارِكُ الْبَطْنُ الثَّانِي الْبَطْنَ الْأَوَّلَ، وَيُرِيدُ بِالْبَطْنِ الثَّانِي وَلَدَ الِابْنِ فَمَا دَامَ وَاحِدٌ مِنْ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ فَالْغَلَّةُ لَهُ،
-
وَإِنْ لَمْ يَبْقَ وَاحِدٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَطْنِ فَالْغَلَّةُ لِلْفُقَرَاءِ وَلَا يَكُونُ لِلْبَطْنِ الثَّانِي مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ،
-
فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ وَوُجِدَ الْبَطْنُ الثَّانِي وَهُوَ وَلَدُ الِابْنِ فَالْغَلَّةُ لِلْبَطْنِ الثَّانِي وَلَا يُشَارِكُهُ مَنْ دُونَهُ مِنْ الْبُطُونِ وَجُعِلَ الْحَالُ فِي حَقِّ مَا بَيْنَ الْبَطْنِ الثَّانِي وَمَنْ دُونَهُ كَالْحَالِ فِي حَقِّ مَا بَيْنَ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي،
-
وَإِنْ عُدِمَ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي وَوُجِدَ الْبَطْنُ الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ وَالْخَامِسُ اشْتَرَكَ الثَّالِثُ وَمَنْ دُونَهُ مِنْ الْبُطُونِ وَإِنْ كَثُرَتْ.
-
(الْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يَقُولَ: أَرْضِي هَذِهِ صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى وَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِي) وَفِي هَذَا الْوَجْهِ اخْتَصَّ بِهِ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي يُرِيدُ بِالْبَطْنِ الثَّانِي وَلَدَ الِابْنِ وَلَا يُشَارِكُهُمَا الْبَطْنُ الثَّالِثُ.
-
(الْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنْ يَقُولَ: أَرْضِي هَذِهِ صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى وَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِ وَلَدِي) وَفِي هَذَا الْوَجْهِ قِيَاسٌ عَلَى أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ الْبُطُونُ الثَّلَاثَةُ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ اشْتَرَكَتْ الْبُطُونُ كُلُّهَا، وَإِنْ سَفَلُوا.
-
(الْوَجْهُ الرَّابِعُ أَنْ يَقُولَ: أَرْضِي هَذِهِ صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى وَلَدِي) وَلَيْسَ لَهُ وَلَدٌ لِصُلْبِهِ وَلَهُ وَلَدُ الِابْنِ وَفِي هَذَا الْوَجْهِ صَرْفُ الْغَلَّةِ إلَى وَلَدِ الِابْنِ،
-
فَإِنْ حَدَثَ لَهُ وَلَدُ الصُّلْبِ صُرِفَ الْغَلَّةُ الْمُسْتَقْبَلَةُ إلَى الْوَلَدِ لِصُلْبِهِ.
-
(الْخَامِسُ إذَا قَالَ: جَعَلْت أَرْضِي هَذِهِ مَوْقُوفَةً عَلَى وَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ وَنَسْلِهِمْ أَبَدًا مَا تَنَاسَلُوا) وَفِي هَذَا الْوَجْهِ يَدْخُلُ تَحْتَ هَذَا الْوَقْفِ كُلُّ وَلَدٍ كَانَ لَهُ يَوْمَ هَذَا الْوَقْفِ وَكُلُّ وَلَدٍ يَحْدُثُ لَهُ بَعْدَ هَذَا الْوَقْفِ قَبْلَ حُدُوثِ الْغَلَّةِ وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ قَبْلَ حُدُوثِ الْغَلَّةِ سَقَطَ حِصَّتُهُ وَمَنْ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ اسْتَحَقَّ نَصِيبَهُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ لِوَرَثَتِهِ وَالْبَطْنُ الْأَعْلَى وَالْبَطْنُ الْأَسْفَلُ فِي ذَلِكَ عَلَى السَّوَاءِ إلَّا إذَا قَالَ عَلَى أَنْ يُبْدَأَ فِي ذَلِكَ بِالْبَطْنِ الْأَعْلَى،
-
ثُمَّ بِالْبَطْنِ الَّذِي يَلِيهِمْ،
-
فَإِذَا قَالَ هَكَذَا فَمَا دَامَ وَاحِدٌ مِنْ الْبَطْنِ الْأَعْلَى لَا يَكُونُ لِلْبَطْنِ الْأَسْفَلِ مِنْ الْغَلَّةِ شَيْءٌ وَمِنْ هَذَا الْجِنْسِ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ كَتَبْتهَا فِي كِتَابِ الْوَقْفِ،
-
ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَقِفَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ وَنَسْلِهِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكْتُبَ فِي الْكِتَابِ وَوَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ أَبَدًا مَا تَنَاسَلُوا بَعْدَ وَفَاتِهِ
-
٦/٣٨٣٦/٣٨٣
فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الْوَقْفُ لِوَلَدِهِ لِصُلْبِهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ وَالْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ لَا تَجُوزُ إلَّا بِإِجَازَةِ بَاقِي الْوَرَثَةِ،
-
فَأَمَّا عَلَى وَلَدِ الْوَلَدِ يَجُوزُ الْوَقْفُ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَا يَكُونُ وَارِثًا حَالَ حَيَاةِ أَبِيهِ وَلَكِنْ يَكْتُبُ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ فَيَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى جَوَازَ الْوَقْفِ عَلَى وَلَدِهِ لِصُلْبِهِ مِنْ غَيْرِ الْإِضَافَةِ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَمِنْ غَيْرِ الْوَصِيَّةِ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى؛
-
لِأَنَّ عَلَى قَوْلِهِمَا وَلَدُهُ لِصُلْبِهِ يَسْتَحِقُّ الْغَلَّةَ حَالَ حَيَاةِ الْوَاقِفِ وَلَا يَكُونُ الِاسْتِحْقَاقُ حَالَ حَيَاتِهِ بِطَرِيقِ الْوَصِيَّةِ فَيَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهِ.
-
ثُمَّ لَا يَبْطُلُ بِمَوْتِ الْوَاقِفِ فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَصِحُّ إلَّا بِالْإِضَافَةِ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ أَوْ بِأَنْ يَكُونَ مُوصًى بِهِ بَعْدَهُ فَيَصِيرُ وَصِيَّةً لِلْوَارِثِ فَلَا صِحَّةَ لِهَذَا الْوَقْفِ عَلَى وَلَدِهِ عِنْدَهُ أَصْلًا فَيُلْحِقُ بِآخِرِهِ حُكْمَ الْحَاكِمِ،
-
ثُمَّ فِيمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ إذَا وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ فِي حَيَاتِهِ لَا يُعْطِي وَلَدَ الْوَلَدِ جَمِيعَ الْغَلَّةِ مَا دَامَ وَلَدُ الصُّلْبِ حَيًّا؛ لِأَنَّ الْوَاقِفَ مَا جَعَلَ كُلَّ الْغَلَّةِ لِوَلَدِ الْوَلَدِ الصُّلْبِ حَيًّا وَلَكِنْ تُقَسَّمُ الْغَلَّةُ فِي كُلِّ سَنَةٍ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِ وَلَدِ الصُّلْبِ وَعَلَى عَدَدِ رُءُوسِ وَلَدِ الْوَلَدِ فَمَا أَصَابَ وَلَدَ الْوَلَدِ فَهُوَ لَهُمْ وَقْفٌ وَمَا أَصَابَ وَلَدَ الصُّلْبِ فَهُوَ لَهُمْ مِيرَاثٌ حَتَّى يُشَارِكَهُمْ الزَّوْجُ أَوْ الزَّوْجَةُ وَغَيْرُهُمَا؛
-
لِأَنَّ الْمِيرَاثَ لَا يَخْتَصُّ بِهِ بَعْضُ الْوَرَثَةِ دُونَ الْبَعْضِ،
-
فَإِنْ مَاتَ وَلَدُ الصُّلْبِ فَالْغَلَّةُ كُلُّهَا تَكُونُ لِوَلَدِ الْوَلَدِ بِحُكْمِ الْوَقْفِ.
-
ذَكَرَ هِلَالٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَقَالُوا هَذَا الْجَوَابُ مُسْتَقِيمٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجَوِّزُ الْإِخْلَاءَ عَنْ الْوَقْفِ فِي زَمَانٍ حَتَّى قَالَ: إنَّ مَنْ وَقَفَ عَلَى نَفْسِهِ،
-
ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ أَنَّ الْوَقْفَ جَائِزٌ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يُجَوِّزُ الْإِخْلَاءَ عَنْ الْوَقْفِ فِي زَمَانٍ حَتَّى قَالَ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ: إنَّ الْوَقْفَ عَلَى الْفُقَرَاءِ لَا يَجُوزُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَصِيرَ جَمِيعُ الْغَلَّةِ بَعْدَ مَوْتِ وَلَدِ الصُّلْبِ وَقْفًا عَلَى وَلَدِ الْوَلَدِ؛
-
لِأَنَّ مَا يُصِيبُ وَلَدَ الصُّلْبِ حَالَ حَيَاتِهِ لَيْسَ بِوَقْفٍ وَإِنَّمَا يَصِيرُ وَقْفًا بَعْدَ وَفَاتِهِ لِوَلَدِ الْوَلَدِ فَقَدْ خَلَا زَمَانٌ عَنْ الْوَقْفِ.
-
وَأَمَّا إذَا وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ حَالَ حَيَاتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى وَلَدِهِ وَإِنَّهُ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ حَالَ حَيَاتِهِ لَغْوٌ مِنْ الْكَلَامِ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ لَا صِحَّةَ لِلْوَقْفِ حَالَ الْحَيَاةِ فَخَرَجَ قَوْلُهُمْ حَالَ حَيَاتِهِ مِنْ الْبَيِّنِ وَبَقِيَ قَوْلُهُ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ فَيَكُونُ وَصِيَّةً لِلْوَارِثِ.
-
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا فَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بَعْضُهُمْ قَالُوا: لَا يَجُوزُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَصِيَّةٌ. وَبَعْضُهُمْ قَالُوا: يَجُوزُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ لَغْوٌ مِنْ الْكَلَامِ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ إلَّا مَا هُوَ ثَابِتٌ بِمُطْلَقِ الْوَقْفِ بَيَانُهُ أَنَّ الْوَقْفَ عِنْدَهُمَا وَقَعَ صَحِيحًا لَازِمًا فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَبْطُلُ بِمَوْتِ الْوَاقِفِ عَلَى مَا مَرَّ قَبْلَ هَذَا، وَكَانَ قَوْلُهُ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ لِتَأْكِيدِ مَا ثَبَتَ بِمُطْلَقِ الْوَقْفِ فَلَا يُوجِبُ بُطْلَانَ الْوَقْفِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.