الْفَصْلُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ فِي الْمُزَارَعَةِ
الفتاوى الهنديةالحنفيةالمسائل ٥٧٬٦٧٧ إلى ٥٧٬٦٨٥
-
٦/٤٣١٦/٤٣١
(الْفَصْلُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ فِي الْمُزَارَعَةِ) الْمُزَارَعَةُ فَاسِدَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - خِلَافًا لَهُمَا، قَالَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ حَتَّى تَجُوزَ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ أَنْ يَتَنَازَعَا إلَى قَاضٍ يَرَى الْمُزَارَعَةَ جَائِزَةً فَيَحْكُمُ بِجَوَازِهَا فَتَجُوزُ عِنْدَ الْكُلِّ.
-
(وَحِيلَةٌ أُخْرَى) أَنْ يَكْتُبَا كِتَابَ الْإِقْرَارِ مِنْهُمَا يُقِرَّانِ فِيهِ أَنَّ رَقَبَةَ هَذِهِ الضَّيْعَةِ لِفُلَانٍ الَّذِي هُوَ مَالِكُهَا وَيُقِرَّانِ فِي هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ هَذِهِ الْأَرْضَ فِي يَدِ فُلَانٍ وَأَنَّ مُزَارَعَتَهَا لَهُ كَذَا كَذَا مِنْ السِّنِينَ فَيَزْرَعُهَا مَا بَدَا لَهُ مِنْ غَلَّةِ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ بِبَذْرِهِ وَنَفَقَتِهِ وَأَعْوَانِهِ، فَمَا رَزَقَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ غَلَّتِهَا فِي هَذِهِ السِّنِينَ فَهُوَ كُلُّهُ لَهُ، وَيُقِرَّانِ أَيْضًا أَنَّ ذَلِكَ صَارَ لَهُ بِأَمْرِ حَقٍّ وَاجِبٍ لَازِمٍ فَإِذَا أَقَرَّا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ نَفَذَ إقْرَارُهُمَا عَلَيْهِمَا وَيَكُونُ كُلُّ الْغَلَّةِ لِلْمَزَارِعِ ثُمَّ إنَّ هَذَا الْمَزَارِعَ يَحْتَالُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ فِي نِصْفِ الْغَلَّةِ أَيْضًا بِحِيلَةِ الْهِبَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
-
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا قَالَهُ الْخَصَّافُ فِي هَذِهِ الْحِيلَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا أَوَّلًا أَنَّهُمَا يَرْفَعَانِ إلَى قَاضٍ يَرَى جَوَازَ الْمُزَارَعَةِ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ يَرْفَعُ إلَى قَاضٍ مُوَلًّى حَتَّى يَقْضِيَ بَيْنَهُمَا بِذَلِكَ فَيَجُوزُ وَفِي كَلَامِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ فِيهِ حُكْمُ الْحَاكِمِ الْمُحَكَّمِ وَكَانَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ النَّسَفِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: بَعْضُ مَشَايِخِنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - مَالُوا عَنْ تَجْوِيزِ حُكْمِ الْحَاكِمِ الْمُحَكَّمِ فِي هَذِهِ الْمُجْتَهَدَاتِ، وَقَالُوا: يُحْتَاجُ إلَى حُكْمِ قَاضٍ مُوَلًّى وَكَذَلِكَ فِي الطَّلَاقِ
-
٦/٤٣٢٦/٤٣٢
الْمُضَافِ، يَعْنِي مَشَايِخَنَا مَالُوا عَنْ تَجْوِيزِ حُكْمِ الْحَاكِمِ الْمُحَكَّمِ فِيهِ، قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
-
وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَجُوزُ حُكْمُ الْحَاكِمِ الْمُحَكَّمِ فِيهِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمُجْتَهَدَاتِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ فِي مَوَاضِعَ أَنَّهُ يَنْفُذُ حُكْمُ الْحَاكِمِ الْمُحَكَّمِ فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَاللِّعَانِ، وَلَكِنْ لَا يُفْتَى لِلْعَوَامِّ بِهَذَا كَيْ لَا يَتَجَاوَزُوا الْحَدَّ وَلَا يَتَخَبَّطُوا بِهِ إلَّا أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ الْمُحَكَّمِ لَا يَلْزَمُ فِي حَقِّ الْقَاضِي الْمُوَلَّى، حَتَّى لَوْ رَفَعَ حُكْمَهُ إلَى قَاضٍ مُوَلًّى يَرَى إبْطَالَهُ وَأَبْطَلَهُ صَحَّ إبْطَالُهُ إذَا شَرْطًا فِي الْمُزَارَعَةِ أَنَّ صَاحِبَ الْبَذْرِ يَرْفَعُ قَدْرَ بَذْرِهِ وَيَكُونُ الْبَاقِي بَيْنَهُمَا فَهَذِهِ الْمُزَارَعَةُ فَاسِدَةٌ؛
-
لِأَنَّ هَذَا شَرْطٌ يَقْطَعُ الشَّرِكَةَ فِي الْخَارِجِ عَسَى.
-
وَمِثْلُ هَذَا الشَّرْطِ يُوجِبُ فَسَادَ الْمُزَارَعَةِ فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَنْظُرَ صَاحِبُ الْبَذْرِ إلَى مِقْدَارِ بَذْرِهِ وَإِلَى مِقْدَارِ مَا يَخْرُجُ مِنْ مِثْلِ تِلْكَ الْأَرْضِ عَادَةً حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ بَذْرَهُ مِنْ الْخَارِجِ كَمْ يَكُونُ،
-
فَإِنْ كَانَ قَدْرُ بَذْرِهِ مِنْ الْخَارِجِ الْعُشْرَ يَشْتَرِطُ لِنَفْسِهِ الْعُشْرَ،
-
وَإِنْ كَانَ قَدْرُ بَذْرِهِ الثُّلُثَ يَشْتَرِطُ لِنَفْسِهِ الثُّلُثَ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ فَافْهَمْ. وَفِي الْقُدُورِيِّ إذَا دَفَعَ بَذْرًا إلَى رَجُلٍ لِيَزْرَعَهُ فِي أَرْضِهِ بِنِصْفِ الْخَارِجِ فَالْمُزَارَعَةُ فَاسِدَةٌ إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنْ طَلَبًا حِيلَةً فِي ذَلِكَ حَتَّى تَجُوزَ بِلَا خِلَافٍ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَشْتَرِيَ صَاحِبُ الْأَرْضِ مِنْ صَاحِبِ الْبَذْرِ نِصْفَ بَذْرِهِ وَيُبَرِّئَهُ صَاحِبُ الْبَذْرِ عَنْ الثَّمَنِ ثُمَّ يَقُولَ صَاحِبُ الْأَرْضِ: ازْرَعْ أَرْضَك بِالْبَذْرِ كُلِّهِ عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَنَا نِصْفَانِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.