الْفَصْلُ السَّادِسُ فِي النِّكَاحِ
الفتاوى الهنديةالحنفيةالمسائل ٥٧٬٠٧٩ إلى ٥٧٬١١٩
-
٦/٣٩٣٦/٣٩٣
(الْفَصْلُ السَّادِسُ فِي النِّكَاحِ) ادَّعَتْ امْرَأَةٌ عَلَى رَجُلٍ نِكَاحًا وَالرَّجُلُ يَجْحَدُ وَلَا بَيِّنَةَ لِلْمَرْأَةِ وَالِاسْتِحْلَافُ لَا يَجْرِي فِي النِّكَاحِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ لِلْقَاضِي: لَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَتَزَوَّجَ؛ لِأَنَّ هَذَا زَوْجِي وَقَدْ أَنْكَرَ النِّكَاحَ فَمُرْهُ لِيُطَلِّقَنِي حَتَّى أَتَزَوَّجَ وَالزَّوْجُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا؛
-
لِأَنَّ بِالطَّلَاقِ يَصِيرُ مُقِرًّا بِالنِّكَاحِ فَمَاذَا يَصْنَعُ، حُكِيَ عَنْ الشَّيْخِ الْإِمَامِ الزَّاهِدِ عَلِيٍّ الْبَزْدَوِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْقَاضِيَ يَقُولُ لِلزَّوْجِ قُلْ لَهَا: إنْ كُنْتِ امْرَأَتِي فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثَةً فَإِنَّ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ الزَّوْجُ لَا يَصِيرُ مُقِرًّا بِالنِّكَاحِ وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَتْ امْرَأَةً لَهُ تَتَخَلَّصُ مِنْهُ وَيُمْكِنُهَا التَّزَوُّجُ بِغَيْرِهِ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
-
رَجُلٌ ادَّعَى عَلَى امْرَأَةٍ نِكَاحًا وَأَرَادَ الْقَاضِي تَحْلِيفَهَا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - فَالْحِيلَةُ لَهَا فِي دَفْعِ الْيَمِينِ عَنْ نَفْسِهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ بِزَوْجٍ فَإِنَّ بَعْدَ مَا تَزَوَّجَتْ لَا تُسْتَحْلَفُ لِلْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ فَائِدَةَ الِاسْتِحْلَافِ النُّكُولُ الَّذِي هُوَ إقْرَارٌ وَلَوْ أَقَرَّتْ بِالنِّكَاحِ لِلْمُدَّعِي بَعْدَ مَا تَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهَا فَلَا تُسْتَحْلَفُ لِانْعِدَامِ الْفَائِدَةِ.
-
إذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يُجَدِّدَ نِكَاحَ امْرَأَتِهِ وَلَا يَلْزَمَهُ مَهْرٌ آخَرُ بِلَا خِلَافٍ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى مَهْرٍ مَعْلُومٍ،
-
ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ثَانِيًا بِمَهْرٍ مُسَمًّى هَلْ يَجِبُ التَّسْمِيَتَانِ، فَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ وَقَدْ مَرَّتْ الْمَسْأَلَةُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ،
-
ثُمَّ إذَا أَرَادَ الزَّوْجُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ مَهْرٌ آخَرُ بِلَا خِلَافٍ يَنْبَغِي أَنْ يُجَدِّدَ النِّكَاحَ وَلَا يَذْكُرَ الْمَهْرَ أَوْ يُجَدِّدَ النِّكَاحَ بِذَلِكَ الْمَهْرِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَهْرٌ آخَرُ.
-
الْأَبُ إذَا زَوَّجَ ابْنَتَهُ مِنْ إنْسَانٍ فَطَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يُقِرَّ بِقَبْضِ شَيْءٍ مِنْ الصَّدَاقِ فَالْإِقْرَارُ بِالْقَبْضِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْمَجْلِسِ يَعْرِفُونَ أَنَّهُ كَذِبٌ حَقِيقَةً وَأَمَّا الْهِبَةُ،
-
فَإِنْ كَانَتْ الْبِنْتُ كَبِيرَةً وَالْأَبُ يَقُولُ: أَهَبُ بِإِذْنِ الْبِنْتِ كَذَا
-
وَكَذَا، ثُمَّ يَضْمَنُ لِلزَّوْجِ عَنْهَا وَيَقُولُ: إنْ أَنْكَرَتْ الْإِذْنَ بِالْهِبَةِ وَرَجَعْت عَلَيْك فَأَنَا ضَامِنٌ لَك عَنْهَا يَكُونُ هَذَا الضَّمَانُ صَحِيحًا لِكَوْنِهِ مُضَافًا إلَى سَبَبِ الْوُجُوبِ،
-
وَإِنْ كَانَتْ الِابْنَةُ صَغِيرَةً فَالْهِبَةُ لَا تَصْلُحُ حِيلَةً وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُحِيلَ الزَّوْجُ بَعْضَ الصَّدَاقِ عَلَى أَبِي الصَّغِيرَةِ وَيُفْرِغَ ذِمَّتَهُ إنْ كَانَ أَبُو الصَّغِيرَةِ أَمْلَأَ مِنْ الزَّوْجِ أَوْ يَعْقِدَانِ الْعَقْدَ عَلَى مَا وَرَاءَ مَا وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى هِبَتِهِ حَتَّى إنَّهُ إنْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمَوْهُوبُ مِنْ الْخَمْسِمِائَةِ مِائَةً يَنْبَغِي أَنْ يُعْقَدَ الْعَقْدُ عَلَى أَرْبَعِمِائَةٍ وَإِذَا جَعَلَ بَعْضَ مَهْرِ ابْنَتِهِ الْبَالِغَةِ مُعَجَّلًا وَالْبَعْضَ مُؤَجَّلًا وَالْبَعْضَ هِبَةً كَمَا هُوَ الْمَعْهُودُ وَطَلَبُوا مِنْ الْأَبِ الضَّمَانَ وَمُرَادُ الْأَبِ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ شَيْءٌ يَقُولُ الْأَبُ: أَهَبُ كَذَا،
-
فَإِنْ لَمْ تُجِزْ الِابْنَةُ الْهِبَةَ فَهِيَ عَلِيَّ،
-
وَلَا يَقُولُ: أَهَبُ بِإِذْنِ الِابْنَةِ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا يُلْزَمُ الْأَبُ بِشَيْءٍ.
-
لَهُ مَمْلُوكٌ سَأَلَهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ أَمَةً أَوْ حُرَّةً فَخَافَ الْمَوْلَى إنْ زَوَّجَهُ يَتَكَاسَلُ فِي أُمُورِهِ أَوْ لَا يَرْغَبَ أَحَدٌ فِي شِرَائِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَالْحِيلَةُ لِلْمَوْلَى أَنْ يَقُولَ: زَوَّجْتُك أَمَتِي هَذِهِ أَوْ هَذِهِ الْحُرَّةَ عَلَى أَنَّ أَمْرَهَا بِيَدِي أُطَلِّقُهَا كَمَا أُرِيدُ،
-
فَإِذَا قَبِلَ الْعَبْدُ نِكَاحَهَا يَصِيرُ الْأَمْرُ بِيَدِ الْمَوْلَى يُطَلِّقُهَا الْمَوْلَى كُلَّمَا أَرَادَ.
-
رَجُلٌ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً فَخَافَتْ الْمَرْأَةُ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ تِلْكَ الْبَلْدَةِ أَوْ خَافَتْ أَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا
-
٦/٣٩٤٦/٣٩٤
أَوْ يَتَسَرَّى فَأَرَادَتْ التَّوَثُّقَ مِنْهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ فَالْحِيلَةُ أَنْ تُزَوِّجَهُ نَفْسَهَا عَلَى مَهْرٍ مُسَمًّى عَلَى أَنْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ الْبَلْدَةِ،
-
وَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنْ الْبَلْدَةِ فَلَهَا تَمَامُ مَهْرِ مِثْلِهَا وَيُقِرُّ الزَّوْجُ أَنَّ مَهْرَ مِثْلِ نِسَائِهَا كَذَا
-
وَكَذَا بِشَيْءٍ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا مِمَّا يَثْقُلُ عَلَى الزَّوْجِ وَيَشْهَدُ بِذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ،
-
فَإِنْ عَزَمَ عَلَى إخْرَاجِهَا مِنْ تِلْكَ الْبَلْدَةِ أَخَذَتْهُ بِتَمَامِ مَهْرِ مِثْلِ نِسَائِهَا، وَكَانَ الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ النَّسَفِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: إنَّمَا يَصِحُّ هَذَا الْإِقْرَارُ مِنْ الزَّوْجِ إذَا كَانَ فِي حَيِّزِ الِاحْتِمَالِ، أَمَّا إذَا كَانَ فِي حَيِّزِ الْمُحَالِ فَلَا يَصِحُّ وَمِنْ الْمَشَايِخِ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - مَنْ قَالَ: مَا ذُكِرَ، إنَّمَا يَسْتَقِيمُ حِيلَةً عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ الشَّرْطَ الثَّانِيَ جَائِزٌ كَالْأَوَّلِ، أَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ الشَّرْطَ الثَّانِيَ لَا يَصِحُّ،
-
فَإِذَا لَمْ يُقِرَّ بِهِ كَانَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ لَا غَيْرُ لَا تَسْتَقِيمُ هَذِهِ الْحِيلَةُ،
-
ثُمَّ إذَا جَازَ هَذَا الْإِقْرَارُ وَجَازَ هَذَا الشَّرْطُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِجَوَازِهِ وَهِيَ تَعْلَمُ أَنَّ الْمُقَرَّ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا فَلَهَا أَنْ تَأْخُذَ جَمِيعَ الْمُقَرِّ بِهِ فِي الْقَضَاءِ.
-
أَمَّا فِيمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَأْخُذَ الزِّيَادَةَ عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا إلَّا إذَا أَعْطَاهَا الزَّوْجُ ذَلِكَ بِطِيبِ نَفْسِهِ،
-
فَأَمَّا إذَا تَزَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْحِيلَةِ فَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَهَا الزَّوْجُ فَأَرَادَتْ حِيلَةً لَا يُمْكِنُهُ إخْرَاجُهَا مِنْ الْبَلْدَةِ فَالْوَجْهُ فِي ذَلِكَ أَنْ تُقِرَّ الْمَرْأَةُ بِالدَّيْنِ مِمَّنْ تَثِقُ بِهِ مِنْ الْوَالِدِ وَالْوَلَدِ وَالْأَخِ وَتُشْهِدَ عَلَى إقْرَارِهَا حَتَّى إنَّ الزَّوْجَ إذَا أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ الْبَلْدَةِ فَالْمُقَرُّ لَهُ بِالدَّيْنِ يَمْنَعُهَا مِنْ الْخُرُوجِ، غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ الْحِيلَةَ، إنَّمَا تَكُونُ حِيلَةً عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛
-
لِأَنَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَصِحُّ إقْرَارُهَا بِالدَّيْنِ فِي حَقِّ نَفْسِهَا لَا فِي حَقِّ الزَّوْجِ حَتَّى لَا يَكُونَ لِلْمُقَرِّ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ الْخُرُوجِ مَعَ الزَّوْجِ،
-
فَإِنْ خَافَ الْمُقَرُّ لَهُ أَنْ يُحَلِّفَهُ الزَّوْجُ بِاَللَّهِ أَنَّ لَك عَلَيْهَا هَذَا الْمَالَ.
-
(قَالَ) يَبِيعُهَا بِذَلِكَ الْمَالِ ثَوْبًا حَتَّى إذَا حَلَفَ لَا يَأْثَمُ وَهَذَا، إنَّمَا يَتَأَتَّى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ لِلْمُقَرِّ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ الْخُرُوجِ مَعَ الزَّوْجِ فَكَانَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَسْتَحْلِفَ الْمُقَرَّ لَهُ بِاَللَّهِ أَنَّ مَا أَقَرَّتْ لَك بِهِ حَقٌّ، وَلَكِنَّ الْحِيلَةَ الَّتِي تَتَأَتَّى عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ أَنْ تَشْتَرِيَ مِمَّنْ تَثِقُ بِهِ شَيْئًا بِثَمَنٍ غَالٍ أَوْ تَكْفُلُ عَنْ غَيْرِهَا مِمَّنْ تَثِقُ بِهِ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَإِنَّ لِلْبَائِعِ وَالْمَكْفُولِ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ الْخُرُوجِ مَعَ الزَّوْجِ عِنْدَ الْكُلِّ إلَى أَنْ تُؤَدِّيَ الثَّمَنَ أَوْ الدَّيْنَ وَإِذَا أَقَرَّتْ بِالْكَفَالَةِ كَانَ لِلْمَكْفُولِ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا عَنْ الْخُرُوجِ عِنْدَ الْكُلِّ فَتَصِيرُ هَذِهِ حِيلَةً عِنْدَ الْكُلِّ أَيْضًا وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ أَقَرَّتْ وَذَكَرَتْ لِلْمُقَرِّ بِهِ سَبَبًا يَصِحُّ إقْرَارُهَا فِي حَقِّ الْمُقَرِّ لَهُ وَفِي حَقِّ الزَّوْجِ عِنْدَ الْكُلِّ حَتَّى كَانَ لِلْمُقَرِّ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا عَنْ الْخُرُوجِ مَعَ الزَّوْجِ عِنْدَ الْكُلِّ وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ أَقَرَّتْ وَلَمْ تَذْكُرْ لِلْمُقَرِّ بِهِ سَبَبًا كَانَ فِي صِحَّةِ إقْرَارِهَا فِي حَقِّ الزَّوْجِ اخْتِلَافٌ عَلَى نَحْوِ مَا بَيَّنَّا.
-
وَإِذَا زَوَّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ مِنْ عَبْدِهِ ثُمَّ مَاتَ السَّيِّدُ فَسَدَ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهَا مَلَكَتْ جَمِيعَ رَقَبَةِ زَوْجِهَا إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا وَارِثٌ وَشِقْصًا مِنْهُ إنْ كَانَ مَعَهَا وَارِثٌ وَأَيُّمَا كَانَ فَسَدَ النِّكَاحُ،
-
فَإِنْ أَرَادَ الْمَوْلَى أَنْ لَا يَنْفَسِخَ النِّكَاحُ بِمَوْتِهِ فَالْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ يُكَاتِبَ لِلْعَبْدِ عَلَى مَالٍ،
-
ثُمَّ يُزَوِّجَ ابْنَتَهُ مِنْهُ وَلَا يَفْسُدُ النِّكَاحُ بِمَوْتِ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ شَيْئًا مِنْ رَقَبَتِهِ بِمَوْتِ الْأَبِ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يُورَثُ لَكِنَّ لَهَا حَقَّ الْمِلْكِ فِي رَقَبَتِهِ وَحَقُّ الْمِلْكِ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ وَلَا يَمْنَعُ الْبَقَاءَ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
-
رَجُلٌ خَطَبَ امْرَأَةً إلَى نَفْسِهَا فَأَجَابَتْهُ إلَى ذَلِكَ وَكَرِهَتْ أَنْ يَعْلَمَ بِذَلِكَ أَوْلِيَاؤُهَا فَجَعَلَتْ أَمْرَهَا فِي تَزْوِيجِهَا إلَيْهِ يَجُوزُ هَذَا النِّكَاحُ،
-
وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ كَرِهَ أَنْ يُسَمِّيَهَا عِنْدَ الشُّهُودِ فَمَا الْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ (قَالَ) الْحِيلَةُ أَنَّهُ إذَا جَعَلَتْ أَمْرَهَا إلَيْهِ فِي النِّكَاحِ، وَكَانَ تَوَافَقَ مَعَهَا عَلَى الْمَهْرِ فَالزَّوْجُ يَجِيءُ إلَى الشُّهُودِ وَيَقُولُ لَهُمْ: إنِّي خَطَبَتْ امْرَأَةً إلَى نَفْسِي وَبَذَلْت لَهَا مِنْ الصَّدَاقِ كَذَا فَرَضِيَتْ بِذَلِكَ وَجَعَلَتْ أَمْرَهَا إلَيَّ لِأَتَزَوَّجَهَا فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ تَزَوَّجَتْ الْمَرْأَةَ الَّتِي جَعَلَتْ
-
٦/٣٩٥٦/٣٩٥
أَمْرَهَا إلَيَّ عَلَى صَدَاقِ كَذَا فَيَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا إذَا كَانَ الزَّوْجُ كُفْئًا لَهَا هَكَذَا.
-
ذَكَرَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي حِيلَةٍ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْخَصَّافُ اكْتَفَى بِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ التَّعْرِيفِ لِجَوَازِ النِّكَاحِ وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا كَانُوا يَقُولُونَ هَذَا رَأْيُ الْخَصَّافِ.
-
وَفِي جَوَازِ هَذَا النِّكَاحِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَصِرْ مَعْرِفَةً وَفِي بَابِ النِّكَاحِ يُسْتَقْصَى فِي التَّعْرِيفِ غَايَةَ الِاسْتِقْصَاءِ وَهَكَذَا حُكِيَ عَنْ مَشَايِخِ بَلْخٍ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّ الْخَصَّافَ كَبِيرٌ فِي الْعِلْمِ وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ هَكَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
-
وَسُئِلَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ أَخَوَيْنِ تَزَوَّجَا أُخْتَيْنِ فَزُفَّتْ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا امْرَأَةُ أَخِيهِ فَلَمْ يَعْلَمُوا بِذَلِكَ حَتَّى أَصْبَحُوا فَذُكِرَ ذَلِكَ لِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَقَالَ: لِيُطَلِّقْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً،
-
ثُمَّ يَتَزَوَّجُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْمَرْأَةَ الَّتِي دَخَلَ بِهَا وَفِي مَنَاقِبِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ذُكِرَ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حِكَايَةٌ أَنَّهَا وَقَعَتْ لِبَعْضِ الْأَشْرَافِ بِالْكُوفَةِ، وَكَانَ قَدْ جَمَعَ الْعُلَمَاءَ لِوَلِيمَةٍ وَفِيهِمْ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَكَانَ فِي عِدَادِ الشُّبَّانِ يَوْمَئِذٍ فَكَانُوا جَالِسِينَ عَلَى الْمَائِدَةِ إذْ سَمِعُوا وَلْوَلَةَ النِّسَاءِ فَقِيلَ: مَاذَا أَصَابَهُنَّ فَذَكَرُوا أَنَّهُمْ غَلِطُوا فَأَدْخَلُوا امْرَأَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ وَدَخَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِاَلَّتِي أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ وَقَالُوا: إنَّ الْعُلَمَاءَ عَلَى مَائِدَتِكُمْ فَسَلُوهُمْ عَنْ ذَلِكَ فَسَأَلُوا فَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيهَا قَضَى عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ الْمَهْرَ وَعَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا الْعِدَّةَ،
-
فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا دَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَنْكُتُ بِإِصْبَعِهِ عَلَى طَرَفِ الْمَائِدَةِ كَالْمُتَفَكِّرِ فِي شَيْءٍ فَقَالَ لَهُ مَنْ إلَى جَنْبِهِ أَبْرِزْ مَا عِنْدَك هَلْ عِنْدَك شَيْءٌ آخَرُ فَغَضِبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَقَالَ مَاذَا يَكُونُ عِنْدَهُ بَعْدَ قَضَاءِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَعْنِي فِي الْوَطْءِ بِالشُّبْهَةِ.
-
فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: عَلِيَّ بِالزَّوْجَيْنِ فَأُتِيَ بِهِمَا فَسَأَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ هَلْ تُعْجِبُك الْمَرْأَةُ الَّتِي دَخَلْت بِهَا قَالَ: نَعَمْ،
-
ثُمَّ قَالَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: طَلِّقْ امْرَأَتَك تَطْلِيقَةً فَطَلَّقَهَا،
-
ثُمَّ زَوَّجَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْمَرْأَةَ الَّتِي دَخَلَ بِهَا وَقَالَ: قُومَا إلَى أَهْلِكُمَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ سُفْيَانُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْت فَقَالَ: أَحْسَنُ الْوُجُوهِ وَأَقْرَبُهَا إلَى الْأُلْفَةِ وَأَبْعَدُهَا عَنْ الْعَدَاوَةِ أَرَأَيْت لَوْ صَبَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ أَمَا كَانَ يَبْقَى فِي قَلْبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْءٌ بِدُخُولِ أَخِيهِ بِزَوْجَتِهِ وَلَكِنِّي أَمَرْت كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَتَّى يُطَلِّقَ زَوْجَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ دُخُولٌ وَلَا خَلْوَةٌ وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا مِنْ الطَّلَاقِ،
-
ثُمَّ زَوَّجْتُ كُلَّ امْرَأَةٍ مِمَّنْ وَطِئَهَا وَهِيَ مُعْتَدَّةٌ مِنْهُ وَعِدَّتُهُ لَا تَمْنَعُ نِكَاحَهُ وَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ زَوْجَتِهِ وَلَيْسَ فِي قَلْبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْءٌ فَعَجِبُوا مِنْ فِطْنَةِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَحُسْنِ تَأَمُّلِهِ وَفِي هَذِهِ الْحِكَايَةِ بَيَانُ فِقْهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي خُتِمَ بِهَا الْكِتَابُ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.