كتاب الأيمان
شرح الوقايةالحنفيةالمسائل ٤٬٥٢٥ إلى ٤٬٦٠٣
-
٣/١٦٤٣/١٦٤
اليمينُ (١) تقوي الخبرَ بذِكْرِ الله، أو التَّعليق (٢) ، (وهي ثلاث) : أي الأيمانُ التَّي اعتبرَها الشَّرعُ ورتَّبَ عليها الأحكام ثلاث، وإنِّما قلنا هذا؛ لأنَّ مطلقَ اليمينِ أكثرُ من الثَّلاث، كاليمينِ على الفعلِ الماضي صادقاً، وعَنَيْنَا بترتُّبِ الأحكامِ عليها ترتُّبِ المؤاخذةِ على الغَمُوس، وعدمِها على اللَّغو، والكفارةِ على المنعقدة.
-
(فحلفُهُ على فعلٍ أو تركٍ ماضٍ كاذباً عمداً غَموس) ، يمكن أن يرادَ بالفعلِ مصطلحُ أهلِ النحاة (٣) ، أو مصطلحُ أهلِ الكلام (٤) ، وهو المصدرُ أعمُّ من أن يكون قائماً بالعقلاء أو بالجمادات، نحو: واللهُ لقد هبَّتِ الرَّيح.
-
فإن قلتَ إذا قيل: والله إن هذا حجر، كيف يصحُّ أن يقالَ: هذا الحلفُ على الفعل.
-
قلتُ: يقدَّرُ كلمةُ كان، أو يكون إن أريدَ في الزَّمانِ الماضي، أو المستقبل (٥) .
-
٣/١٦٥٣/١٦٥
يأثم به، أو ظانَّاً أنَّه حقّ، وهو ضدُّهُ لغو، يرجى عفوه، وعلى آتٍ منعقدة
-
والمرادُ بالتَّرك: عدمُ الفعل.
-
وقولُهُ: كاذباً؛ حالٌ من الضَّميرِ في قولِهِ: فحلفُه.
-
ثُمَّ بَيَّنَ حُكْمَ الغموسِ بقولِهِ: (يأثم به) (١) .
-
ثُمَّ عطفَ على قولِهِ كاذباً، قوله: (أو ظانَّاً أنَّه حقّ، وهو ضدُّهُ لغو) .
-
ثُمَّ بيَّنَ حكمَهُ بقولِه: (يرجى عفوه) .
-
ثُمَّ عطفَ على فعل أو تركٍ قولَهُ: (وعلى آتٍ منعقدة) ، الأحسنُ أن يقال: وآت منعقدة بلا كلمة: على؛ ليكونَ معطوفاً على ماض، فإنَّه إذا ذُكِرَ لفظُ على، يكونُ معطوفاً على فعل أو ترك،
-
ثُمَّ لا بُدَّ أن يقدَّرَ لقولِهِ: آت؛ موصوفٌ، وهو فعلٌ أو ترك، فيكونُ فيه إطنابٌ مع وجوبِ تقديرِ ما ليس بمذكور،
-
ولو أسقط لفظة: على، حتَّى يكون عطفاً على ماض، ففيه إيجاز بلا احتياجٍ إلى (٢) تقديرِ شيءٍ غيرِ ملفوظ.
-
فإنْ قلتَ: الحلفُ كما يكونُ على الماضي والآتي، يكونُ على الحالِ أيضاً، فلم لم يذكره، وهو من أيِّ قسمٍ من أقسامِ الحلف.
-
قلتُ (٣) : إنِّما لم يذكرْهُ لمعنىً دقيق، وهو أن الكلامَ يحصلُ أوَّلاً في النَّفس، فيعبَّرُ عنه باللَّسان، فالإخبارُ المتعلِّقُ بزمانِ الحالِ اذا حصلَ في النَّفس، فيعبَّرُ عنه باللِّسان،
-
فإذا تمَّ التَّعبيرُ باللِّسانِ انعقدَ اليمين، فزمانُ الحالِ صارَ ماضياً بالنِّسبةِ إلى زمانِ انعقادِ اليمين،
-
فإذا قال: كتبت بالقلم (٤) لا بُدَّ من الكتابةِ قبل ابتداءِ التَّكلُّم،
-
وإذا قال: سوف أكتبُ لا بُدَّ من الكتابةِ بعد الفراغِ من التَّكلُّم، بقي الزَّمانِ من ابتداءِ التَّكلُّمِ إلى آخره، فهو زمانُ الحالِ
-
٣/١٦٦٣/١٦٦
وكَفَّرَ فيه فقط إن حنث،
-
ولو سهواً أو كرهاً: حلف أو حنث، والقسم بالله أو باسم من أسمائِه: كالرَّحمن، والرَّحيم، والحقّ. أو بصفةٍ يُحْلَفُ بها من صفاتِه: كعزَّةِ الله، وجلالِه، وكبريائه، وعظمته، وقدرته. لا بغيرِ اللهِ: كالنَّبيّ، والقرآن، والكعبة.
-
بحسبِ العرف، وهو ماضٍ بالنسبةِ إلى آن الفراغ، وهو الآن الذي يكون فيها (١) انعقادُ اليمين فيكونُ الحلفُ عليه الحلفَ على الماضي.
-
(وكَفَّرَ فيه فقط إن حنث) : إنِّما قال: فقط؛ احتزازاً عن مذهبِ الشَّافِعيِّ (٢) - رضي الله عنه - من الكفّارةِ في الغموس.
-
(ولو سهواً أو كرهاً: حلف أو حنث) ، يعني تجب الكفار وإن كان الحلفُ بطريقِ السَّهو، أو بالإكراه خلافاً للشَّافِعِيِّ (٣) - رضي الله عنه -.
-
وقال في «الهداية» : القاصدُ في اليمين والمُكْرَهُ والنَّاسي سواء (٤) .
-
والمرادُ بالنَّاسي: السَّاهي (٥) ، وهو الذي حلفَ من غيرِ قصد، كما يقال: ألا تأتيتنا، فقال: بلى والله، من غيرِ قصدِ اليمين.
-
وكذا إن كان الحنثُ بطرقِ السَّهو والإكراهُ تجب؛ لأنَّ الفعلَ الحقيقيَّ لا يعدمُهُ السَّهو والإكراه،
-
وكذا الإغماءُ والجنون، فتجبُ الكفارةُ بالحنثِ كيفما كان.
-
(والقسم بالله أو باسم من أسمائِه: كالرَّحمن، والرَّحيم، والحقّ (٦) .
-
أو بصفةٍ يُحْلَفُ بها من صفاتِه: كعزَّةِ الله، وجلالِه، وكبريائه، وعظمته، وقدرته.
-
لا بغيرِ اللهِ: كالنَّبيّ، والقرآن، والكعبة.
-
٣/١٦٧٣/١٦٧
ولا بصفةٍ لا يُحْلَفُ بها عرفاً: كرحمتِه، وعلمه، ورضائه، وغضبه، وسخطه، وعذابه. وقولُهُ: لعَمْرُ الله، وأيمُ الله، وعهدِ الله، وميثاقِه. وأقسم، وأحلف، وأشهد وإن لم يقلْ بالله. وعليَّ نذر، أو يمين، أو عهد،
-
وإن لم يضفْ إلى الله.
-
وإن فعلَ كذا فهو كافر،
-
وإن لم يَكْفُرْ علَّقَهُ بماض أو آت، وسَوْكَنْدْ ميخُورَمْ بَخُدَايْ قسم
-
ولا بصفةٍ لا يُحْلَفُ بها عرفاً: كرحمتِه، وعلمه، ورضائه، وغضبه، وسخطه، وعذابه.
-
وقولُهُ: لعَمْرُ الله، وأيمُ الله، وعهدِ الله، وميثاقِه.
-
وأقسم (١) ، وأحلف، وأشهد وإن لم يقلْ بالله.
-
وعليَّ نذر (٢) ، أو يمين، أو عهد،
-
وإن لم يضفْ إلى الله.
-
وإن فعلَ كذا فهو كافر،
-
وإن لم يَكْفُرْ علَّقَهُ بماض أو آت، وسَوْكَنْدْ ميخُورَمْ بَخُدَايْ (٣) قسم).
-
فقولُهُ: لعَمْرُ الله: مبتدأٌ، وقسمٌ: خبرُه، والمرادُ بقاءُ الله، تقديره: لعمرُ اللهِ قسمي.
-
وقولُهُ: وأيمُ اللهِ، قد قيل: هو جمعُ يمين، حذفَتْ النُّون منه خفّةً؛ لكثرةِ استعماله، تقديرُهُ: أيمنُ اللهِ يميني،
-
وقيل: هو من أدوات القسمِ كالواو.
-
وعهدِ اللهِ: بالجرِّ بواسطةِ حرفِ القسم.
-
وقولُهُ: وإن لم يكفرْ، إنِّما قال هذا؛ لأنَّه علَّقَ الكفرَ بالفعلِ المذكور، فيكون قسماً بسببِ التَّعليق، فعدمُ الكفرِ بذلك الفعلِ دلَّ على عدمِ صحَّةِ التَّعليق،
-
فلا يصحُّ القسم، فعدمُ الكفرِ لمَّا أوهمَ عدمَ صحَّةِ القسم، فلدفعِ هذا الوهم، قال: إنَّه قسم وإن لم يكفر، وإنِّما يكون قسماً؛ لأنَّه لمَّا علَّقَ الكفرَ بذلك الفعل، فقد حرَّمَ الفعل، وتحريمُ الحلالِ يمين.
-
وقولُهُ: علَّقَهُ بماض أو آت؛ أي لا يَكْفُر بهذا القولِ سواءٌ علَّقَ الكفرَ بفعلٍ ماض أو مستقبل، وعند البعض (٤) : إن علَّقَه بفعلٍ ماضٍ يَكْفُر؛ لأنَّ التَّعليقَ بفعلٍ يُعْلَمُ أنَّه
-
٣/١٦٨٣/١٦٨
وحقاً، وحقِّ الله، وحرمتِه، وسَوْكَنْدُ خُورَمْ بَخُدَاى يا بطلاق زَنْ،
-
وإن فعلَهُ فعليه غضبُه، أو سخطُه، أو لعنتُه. أو أنا زان، أو سارق، أو شاربُ خمر، أو آكل رباً لا. وحروفُ القسم: الواو، والباء، والتاء، وتضمر: كاللهِ لأفعله. وكفارتُهُ: عتقُ رقبة، أو إطعامُ عشرة مساكين، كما مرَّ في الظِّهار، أو كسوتُهم لكلٍّ ثوبٌ يسترُ عامّةَ بدنِه، فلم يجزْ السَّراويل،
-
فإن عجزَ عنها وقتَ الأداء
-
تنجيزٌ (١) ، لكنَّ الصَّحيح أنَّه لا يَكْفُر إن كان يَعْلَمُ أنَّه يمين،
-
فإن كان عنده أنَّه يَكْفُرُ بالحلفِ يَكْفُر فيهما.
-
(وحقاً (٢) ، وحقِّ الله (٣) ، وحرمتِه (٤) ، وسَوْكَنْدُ خُورَمْ بَخُدَاى (٥) يا (٦) بطلاق زَنْ (٧) ،
-
وإن فعلَهُ فعليه غضبُه، أو سخطُه، أو لعنتُه.
-
أو أنا زان، أو سارق، أو شاربُ خمر، أو آكل رباً (٨) لا.
-
وحروفُ القسم: الواو، والباء، والتاء، وتضمر (٩) : كاللهِ لأفعله.
-
وكفارتُهُ: عتقُ رقبة، أو إطعامُ عشرة مساكين، كما مرَّ في الظِّهار، أو كسوتُهم لكلٍّ ثوبٌ يسترُ عامّةَ بدنِه، فلم يجزْ السَّراويل،
-
فإن عجزَ عنها وقتَ الأداء): أي
-
٣/١٦٩٣/١٦٩
صامَ ثلاثةَ أيَّام ولاء، ولم يجزْ بلا حنث،
-
ومَن حلفَ على معصيةٍ كعدمِ الكلامِ مع أبويهِ حنثَ وكفَّر.
-
ولا كفّارةَ في حلفِ كافر، وإن حنثَ مسلماً.
-
عن الأشياءِ الثَّلاثة وقت إرادة الأداء (صامَ ثلاثةَ أيَّام ولاء، ولم يجزْ بلا حنث) ، التَّكفير قبل الحنثِ لا يجوزُ عندنا حتّى لو كَفَّرَ قبل الحنث،
-
ثُمَّ حنثَ تَجِبَ الكفارةُ خلافاً للشَّافِعِيِّ (١) - رضي الله عنه -، فعنده اليمينُ سببُ الكفارة، والحنثُ شرطُ وجوبِ الأداء، فيجوزُ التَّقديمُ عليه.
-
وعندنا: الحنثُ سببٌ؛ لأنَّ اليمينَ انعقدَتْ للبرّ، والكفارةُ على تقديرِ الحنثِ فلا يكونُ اليمينُ سبباً لها، فالحنثُ سبب، واليمينُ شرط،
-
فلا يتقدَّم على الحنث، وخلافُ الشَّافِعِيِّ (٢) - رضي الله عنه - في الكفارةِ الماليَّة، فإنَّهُ يمكنُ أن يثبتَ نفسُ الوجوبِ لا وجوب الأداء كما في الثَّمن، فنفسُ وجوبِهِ يتعلَّقُ بالمال ووجوبُ الأداءِ بالفعل (٣) .
-
قلنا: المالُ غيرُ مقصودٍ في حقوقِ اللهِ تعالى، فالكفارةُ الماليَّة وغيرُ الماليَّة على السَّواء، على أنّ نفسَ الوجوبِ ينفكُّ عن وجوبِ الأداء في العباداتِ البدنيَّة، فنفسُ الوجوبُ يتعلَّقُ بالهيئةِ الحاصلةِ للعبادات، ووجوب الأداءِ يتعلَّقُ بإيقاعِ تلك الهيئة على ما حقَّقناهُ في «شرح التَّنقيح» (٤) .
-
(ومَن حلفَ على معصيةٍ كعدمِ الكلامِ مع أبويهِ حنثَ وكفَّر.
-
ولا كفّارةَ في حلفِ كافر، وإن حنثَ مسلماً.
-
٣/١٧٠٣/١٧٠
ومَن حرَّمَ ملكَه لا يحرم وإن استباحه كَفَّر. وكلُّ حلٍّ عليَّ حرام فهو على الطَّعام والشَّراب، وقالوا: تطلق عرسُه، وبه يفتى، كحلالٍ بروي حرام، وهَرْجِهْ بَدَسْت رَاسْت كِيْرم بروي حرام للعرف
-
ومَن حرَّمَ ملكَه لا يحرم وإن استباحه كَفَّر (١) .
-
(١٠ (وكلُّ حلٍّ عليَّ حرام فهو على الطَّعام والشَّراب، وقالوا: تطلق عرسُه، وبه يفتى) (٢) (٣) ، كحلالٍ بروي حرام (٤) ، وهَرْجِهْ (٥) بَدَسْت (٦) رَاسْت (٧) كِيْرم (٨) بروي حرام للعرف (٩) (١٠) ) (١١)
-
: أي وإن عاملَ به معاملةَ المباحِ كفَّر؛ لأنَّ تحريمَ الحلال يمين؛ لقولِهِ تعالى: {قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} (١٢) ، على أنّ اليمينَ إن
-
٣/١٧١٣/١٧١
ومَن نذرَ مطلقاً، أو معلَّقاً بشرطٍ يريدُهُ كإن قَدِمَ غائبي، فوُجِدَ وَفَّى، وبما لم يردْهُ كإن زنيت وَفَّى أو كَفَّرَ، هو الصَّحيح،
-
ومَن وصلَ إن شاءَ الله تعالى بحلفِهِ بطل
-
فهو إيجابُ المباح، وإن كان على عدميّ، فهو تحريمُ الحلال (١) .
-
(ومَن نذرَ مطلقاً) : أي غيرُ معلَّقٍ بشرطٍ، نحو: للهِ عليَّ صومُ هذا اليوم، (أو معلَّقاً بشرطٍ يريدُهُ كإن قَدِمَ غائبي، فوُجِدَ وَفَّى، وبما لم يردْهُ كإن زنيت (٢) وَفَّى أو كَفَّرَ، هو الصَّحيح) (٣) إنِّما قال هذا؛ احتزازاً عن القولِ الآخر، وهو وجوبُ الوفاءِ سواءٌ علَّقَهُ بشرطٍ يريدُه أو لا يريدُه، وإنِّما كان هذا صحيحاً؛
-
لأنَّه إذا علَّقه بشرطٍ لا يريدُه، ففيه معنى اليمين، وهو المنع، لكنَّه بظاهره نذر، فيتخيَّر (٤) .
-
أقول: إن كان الشَّرطُ أمراً حراماً كإن زنيت مثلاً، ينبغي أن لا يتخيَّر؛ لأنَّ التَّخييرَ تخفيف، والحرامُ لا يوجبُ التَّخفيف (٥) .
-
(ومَن وصلَ إن شاءَ الله تعالى بحلفِهِ بطل) (٦) . (والله تعالى أعلم بالصواب) (٧) .