فصل [كيفة القطع، وإثباته] (١)
شرح الوقايةالحنفيةالمسائل ٥٬٣٠٨ إلى ٥٬٣٧٤
-
٣/٢٣١٣/٢٣١
(يقطعُ يمينُ السَّارق من زندِه (٢) وتحسم (٣) ،
-
ثُمَّ رجلُه اليُسرى إن عاد،
-
فإن عادَ ثالثاً لا ويسجن حتى يتوب)، إمَّا السِّجن فقط،
-
وإمِّا مع التَّعزير عند بعضِ مشايخنا، وعند الشَّافِعِيِّ - رضي الله عنه - يقطعُ يدُهُ اليسرى،
-
ثُمَّ رجلُهُ اليمنى؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَن سرقَ فاقطعوه، فإن عادَ فاقطعوه، فإن عاد فاقطعوه» (٤) .
-
ومذهبُنا مأثور عن عليّ (٥) - رضي الله عنه -،
-
ولو كان الحديثَ صحيحاً لما خالفَه، ولما أخذَ الصَّحابةُ بقولِه، والطَّحَاوِي قد طعنَ في الحديث، أو هو محمولٌ على السِّياسة.
-
(فإن كان يدُه اليسرى، أو إبهامها، أو إصبعاها، أو رجلُه اليمنى مقطوعة، أو شلاء، أو ردَّه إلى مالكِه قبل الخصومة، أو ملكَه بهبة، أو بيع، أو نقصَتْ قيمتُهُ من النِّصاب قبل القطع، أو سرق فادَّعى ملكَه، أو أحد السَّارقين وإن لم يُبَرْهن، أو لم يطالبْ مالكَها وإن أقرَّ هو بها،
-
فلا قطع) ؛ لأنَّه لو قُطِعَت اليُمنى، وقوةُ البطشِ
-
٣/٢٣٢٣/٢٣٢
فائتةُ في اليُسرى، يلزم تفويتُ جنسِ المنفعة، وهو في الحقيقةِ إهلاك.
-
وكذا إن كانت الرِّجل اليُمنى مقطوعة، أو شلاء؛ لأنَّه إذا لم يكن للإنسان يدٌ ورجلٌ في طرفٍ واحد، فهو لا يقدرُ على المشي أصلاً،
-
وأمَّا من الطَّرفينِ فيضعُ العصا تحت إبطه؛ فيكونُ قائماً مقامَ الرِّجل، الفائتة.
-
وإذا ردَّ المسروقَ إلى مالكِه قبل الخصومةِ لا يمكنُ الدَّعوى، فلا يظهرُ السَّرقة.
-
وعند أبي يوسف - رضي الله عنه - يقطع.
-
و إنِّما قال: ملكه بهبة؛ ليُعْلَمَ أن المرادَ الهبة مع القبض.
-
وعند زُفر والشَّافِعِيِّ (١) - رضي الله عنهم - يقطع.
-
وكذا في نقصانِ القيمةِ يقطعُ عندهما (٢) .
-
وإنِّما لا يقطعُ عندنا؛ لأنَّ النِّصاب لمَّا كان شرطاً عند ظهورِ السَّرقة، وهو حالُ القضاء.
-
وقد ذُكِرَ في كتبِنا أنَّه لا يندفعُ القطعُ عند الشَّافِعِيِّ - رضي الله عنه - بمجرَّدِ دعوى السَّارق أنَّ المسروقَ ملكَه؛ لأنَّه لا يعجزُ سارقٌ عن ذلك، فيؤدِّي إلى سدِّ بابِ الحدّ، لكن في «الوجيز» (٣) ذكرَ خلافَ هذا (٤) ، وعلَّلَ بأنَّه صارَ خصماً في المال، فكيفَ يقطعُ بحلفِ غيرِه.
-
وقولُهُ: أو لم يطالبْ مالكها وإن أقرَّ هو بها فلا قطع؛ أي إن لم يطالبْ مالكَ
-
٣/٢٣٣٣/٢٣٣
فإن سرقا وغاب أحدُهما، فشهدا على سرقتِهما قطعَ الآخر. وقطع بخصومةِ ذي يدٍ حافظةٍ كمودوع، وغاصب، وصاحب ربا، ومستعير، ومستأجر، ومضارب، وقابضٍ على سومِ الشِّراء، ومُرْتَهِنٍ، وبخصومةِ المالك مَن سرق منهم، لا مَن سرقَ من سارقٍ قُطِع، وقُطِعَ عبدٌ أقرَّ بسرقةٍ ورُدَّت إلى مالكِها
-
السَّرقة: أي المسروق، فلا قطع،
-
وإن أقرَّ السَّارقُ بالسَّرقة؛ لأنَّه لمَّا كان الدَّعوى شرطاً لا بُدَّ من مطالبةِ المدَّعي.
-
(فإن سرقا وغاب أحدُهما، فشهدا على سرقتِهما قطعَ الآخر.
-
وقطع بخصومةِ ذي يدٍ حافظةٍ كمودوع، وغاصب، وصاحب ربا): أي باعَ ديناراً بدينارين وقبضهما فسرقا من يده، (ومستعير، ومستأجر، ومضارب، وقابضٍ على سومِ الشِّراء (١) ، ومُرْتَهِنٍ، وبخصومةِ المالك مَن سرق منهم).
-
اعلم أنّ الدَّعوى شرطٌ لظهورِ السَّرقة، وقطعِ اليد،
-
وإن كان من حقوقِ اللهِ تعالى؛ لأنَّه لا شكَّ أنَّ المسروقَ منه أعرف بحقيقةِ الحالِ من الشُّهود،
-
وكذا من السَّارق المقرِّ به، إذ يمكنُ أن يكونَ ملكاً للسَّارق بطريقِ الإرث، أو ملكاً لذي رحمٍ محرَّم، وهو غيرُ عالمٍ به، ففي تركِ المسروق منه الدَّعوى،
-
وكذا في غيبته مظنَّةَ عدمِ وجوبِ القطع.
-
أمَّا غيبةُ المزنيَّة، وإن كان فيها توَّهمُ أنَّها لو كانت حاضرةً ادَّعت أمراً يسقطُ الحدّ،
-
فلا اعتبارَ به؛ لأنَّ المزنيَّةَ راضيةٌ بالزِّنى، فتكون متَّهمةً في دعوى ما يسقطُ الحدّ، فهذا هو الفرقِ الذي وعدتُهُ في «باب شهادة الزِّنا» (٢) .
-
ثُمَّ عطفَ على الضَّمير المستكنِّ (٣) في قولِه: وقطع؛ قولَهُ: (لا مَن سرقَ من سارقٍ قُطِع) : أي لا يقطعُ بطلبِ المالك والسَّارق لو سرقَ من سارقٍ بعد القطعِ لما سيأتي من سقوطِ عصمتِه (٤) .
-
(وقُطِعَ عبدٌ أقرَّ بسرقةٍ ورُدَّت إلى مالكِها) : هذا عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - من غيرِ تفصيل.
-
٣/٢٣٤٣/٢٣٤
وعند زُفر رحمه الله لا يقطعُ من غيرِ تفصيل؛ لأنَّ إقرارَ العبدِ بالحدودِ والقصاصِ لا يصحُّ عنده وإن كان مأذوناً،
-
فإن الإذنَ لم يتناولْهما، أمَّا في ردِّ المال،
-
فإن كان مأذوناً يصحّ، فيردُّ المال،
-
وإن كان محجوراً لا.
-
وأمَّا عندهما فإن كان مأذوناً يقطع ويردُّ المال.
-
وإن كان محجوراً، فالمسروقُ إن كان هالكاً يصحُّ إقراره؛ لأنَّ الواجبَ ليس إلاَّ القطع، وإقرارُهُ به صحيح.
-
وإن كان قائماً، فعند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه - يقطع ويردُّ المسروق.
-
وعند أبي يوسف - رضي الله عنه - يقطع ولا يردُّ المسروق.
-
وعند محمَّدٍ - رضي الله عنه - لا يقطع ولا يردّ.
-
فنقول لزفر - رضي الله عنه - إن إقرارَهُ بما يوجبُ تلفَ نفسِه أو أعضائِه وإن كان يتضرَّرُ به المولى، فهو غيرُ متَّهمٍ فيه؛ لأنَّ ضرَرَهُ فوقَ ضررِ المولى،
-
وإن تخالجَ في صدركِ أن خبثَ نفوسِ بعض المماليكِ يصلُ إلى غايةِ يؤثرونَ إهلاك نفوسِهم ليتضرَّر به مواليهم، فذلك شيء نادرٌ لا يصلحُ لأن يبنى عليه الأحكام.
-
ثُمَّ بعد ذلك الأصل عند محمَّد - رضي الله عنه - ردُّ العين والقطعُ تبعٌ له لشرطية الدَّعوى، وثبوتِ (١) المال بلا قطعٍ من غيرِ عكس، وإقرارِ العبدِ المحجور بالمالِ لا يصحُّ فلا يثبتُ تبعَه، وهو القطع.
-
قلنا: القطعُ ليس تبعاً لردِّ العين؛ لأنَّ ردَّ المالِ ضمانٌ المحلّ، والقطعُ جزاءُ الفعل.
-
فأبو يوسف - رضي الله عنه - لم يجعلْ أحدَهما تبعاً للأخر، فيعتبرُ إقراره في حقِّ نفسِه، وهو القطع لا في حقِّ المولى، وهو ردُّ المال.
-
وأبو حنيفةَ - رضي الله عنه - جعلَ الفعلَ أصلاً (٢) ؛ لأنَّ المحالَ كالشروط.
-
٣/٢٣٥٣/٢٣٥
وما قطعَ به إن بقيَ ردّ، وإلاَّ لا يضمن وإن أتلف،
-
ولا يضمنُ مَن سرقَ مرَّات، فقطعَ بكلِّها، أو بعضِها شيئاً منها،
-
ولا قاطعَ يسار مَن أُمِرَ بقطعِ يمينِه بسرقة ولو عمداً. وقطعُ مَن شقَّ ما سرقَ في الدَّار،
-
ثُمَّ أخرجَه، لا مَن سرقَ شاة، فذبَحها، فأخرج
-
(وما قطعَ به إن بقيَ ردّ، وإلاَّ لا يضمن وإن أتلف) ؛ إنِّما قال:
-
وإن أتلفَ احترازاً عن روايةِ الحَسَن عن أبي حنيفةَ - رضي الله عنه - أنَّه يجبُ الضَّمان في الاستهلاك.
-
وعند الشَّافِعِي (١) - رضي الله عنه - يضمنُ في الهلاكِ والاستهلاك، فعنده القطعُ والضَّمان يجتمعان؛ لأنَّ الضَّمانَ بناءً على عصمةِ المال.
-
ونحن نقول: بانتقالِ العصمةِ إلى الله تعالى، معناه: إن المالَ كان معصوماً حقَّاً للعبد،
-
فإذا وردَ عليه السِّرقة، أوجبَ الشَّارع الحدّ، وهو حقُّ الشَّرع، فالجنايةُ وردتْ على حقِّ الشَّرع، ففي حالةِ السَّرقةِ صارَ المالُ معصوماً حقَّاً للشَّرع، فلم يبقَ معصوماً لحقِّ العبد، فلا يجبُ الضَّمان.
-
(ولا يضمنُ مَن سرقَ مرَّات، فقطعَ بكلِّها، أو بعضِها شيئاً منها) ، المسروقُ منهم إن حضروا حتى كان القطعُ للكلِّ لا يضمنُ لأحدٍ أصلاً،
-
وإن حضرَ البعضُ حتى قطعَ لأجلِهم، فكذا عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وعندهما يسقطُ ضمانُ مَن قُطِعَ لأجله.
-
(ولا قاطعَ يسار مَن أُمِرَ بقطعِ يمينِه بسرقة ولو عمداً (٢) .
-
وقطعُ مَن شقَّ ما سرقَ في الدَّار،
-
ثُمَّ أخرجَه)؛ وإنِّما يقطعُ إذا بلغَ المشقوقَ نصابَ السَّرقة.
-
وعند أبي يوسف - رضي الله عنه - لا يقطع؛ لأنَّ الثَّوبَ صارَ ملكاً للسَّارق بسببِ الخرقِ الفاحش.
-
لهما: إن الأخذَ ليس سبباً للملك، وإنِّما نقولُ بالملكِ ضرورةَ أداءِ الضَّمان؛ لئلا يجتمعَ البدلانِ في ملكِ شخصٍ واحد،
-
ومثلُهُ لا يورثُ الشُّبهة.
-
(لا مَن سرقَ شاة، فذبَحها (٣) ، فأخرج)؛ لأنَّ السرقةَ تمَّت على اللَّحم ولا قطعَ فيه.
-
٣/٢٣٦٣/٢٣٦
ومَن جعلَ ما سرقَ دراهم، أو دنانير قطعَ وردَّت،
-
فإن حمَّره فقطع فلا ردّ ولا ضمان، وإن سودَّه ردّ.