باب جناية الرقيق وعليه
شرح الوقايةالحنفيةالمسائل ١١٬٢٣١ إلى ١١٬٣٠١
-
٥/١٧٦٥/١٧٦
(فإن جنى عبدٌ خطأً دفعَهُ سيِّدُهُ بها) : أي بالجناية، (ويملكُهُ وليُّها أو فداهُ بأرشها
-
٥/١٧٧٥/١٧٧
حالاً، فداهُ فجنى، فهي كالأولى،
-
فإن جنى جنايتَيْن دفعَهُ بهما إلى وليِّهما يقسمانِهِ على قدرِ حقيهِما أو فداهُ بأرشِهما.
-
فإن وهبَه، أو باعَه، أو اعتقَه، أو دبَّرَه، أو استولدَها، ولم يعلمْ بها، ضَمِنَ الأقلَّ من قيمتِهِ ومنَ الأرش،
-
فإن عَلِمَ بها غَرِمَ الأرش، كما لو علَّقَ عتقَهُ بقتلِ زيدٍ أو رميهِ أو شجِّهِ ففعل،
-
فإن قطعَ عبدٌ يدَ حرٍّ عمداً ودفعَ إليه فأعتقَهُ فسرى، فالعبدُ صُلْحٌ بها،
-
وإن لم يعتقْهُ يردُّ على سيِّدِه، فيقتلُ أو يعفي
-
حالاً)، هذا عندنا، وعند الشَّافِعِيِّ (١) - رضي الله عنه -: الجنايةُ في رقبتِه، يباعُ فيها إلا أن يقضيَ المولى الأرش، وثمرةُ الخلافِ تظهرُ في اتِّباعِ الجاني بعد العتق،
-
فإنَّ المجنيَّ عليه يتَّبعُ الجاني إذا عتقَ عند الشَّافِعِيِّ - رضي الله عنه -.
-
(فإن فداهُ فجنى، فهي كالأولى) ، فإنَّهُ إذا فدى طَهُرَ عن الأولى، فصارتْ الأولى كأن لم تكن، فيجبُ بالثَّانيةِ الدَّفعُ أو الفداء،
-
(فإن جنى جنايتَيْن دفعَهُ بهما إلى وليِّهما يقسمانِهِ على قدرِ حقيهِما أو فداهُ بأرشِهما.
-
فإن وهبَه، أو باعَه، أو اعتقَه، أو دبَّرَه، أو استولدَها): أي الأمةُ الجانية، (ولم يعلمْ بها، ضَمِنَ الأقلَّ من قيمتِهِ ومنَ الأرش،
-
فإن عَلِمَ بها غَرِمَ الأرش) ،
-
فإنَّ المولى قبل هذه التَّصرُّفاتِ كان مختاراً بين الدَّفعِ والفداء، ولمَّا لم يبقَ محلاً للدَّفعِ بلا علمِ المولى بالجنايةِ لم يصرْ مختاراً للأرشِ فصارتِ القيمةُ مقامَ العبد،
-
ولا فائدةَ في التَّخييرِ بين الأقلِّ والأكثر، فيجبُ الأقلّ
-
بخلافِ ما إذا عَلِم، فإنَّهُ يصيرُ مختاراً للأرش.
-
(كما لو علَّقَ عتقَهُ بقتلِ زيدٍ أو رميهِ أو شجِّهِ ففعل) : أي قال: إن قتلتَ زيداً فأنتَ حرٌّ، فقتل، أو قال: إن رميتَ زيداً فأنتَ حرّ، فرمى، أو قال: إن شججتَ رأسَه، فأنتَ حرّ، فشجَّه، غَرِمَ الأرش؛ لأنَّهُ يصيرُ مختاراً للفداء، حيث أعتقَهُ على تقديرِ وجودِ الجناية، كما لو قال: إذا مرضتُ فأنت طالقٌ ثلاثاً،
-
فإذا مرضَ يصيرٌ فارًّاً، وعند زفرَ - رضي الله عنه -: لا يصيرُ مختاراً للفداءِ إذ لا جنايةَ وقتَ تكلُّمِه، ولا عِلْمَ بوجودها.
-
(فإن قطعَ عبدٌ يدَ حرٍّ عمداً ودفعَ إليه فأعتقَهُ فسرى، فالعبدُ صُلْحٌ بها،
-
وإن لم يعتقْهُ يردُّ على سيِّدِه، فيقتلُ أو يعفي) ، فإنَّهُ إذا أعتقَ دلَّ على أنّ (٢) قصدَهُ تصحيحُ الصُّلح، إذ لا صحَّةَ له إلا أن يكون صلحاً عن الجناية، وما يحدثُ منها، أمَّا إذا لم
-
٥/١٧٨٥/١٧٨
فإن جنى مأذونٌ مديونٌ خطأً فأعتقَهُ سيِّدُهُ بلا علمٍ بها، غَرِمَ لربِّ الدَّينِ الأقلَّ من قيمتِهِ ومن دينِه، ولوليِّها الأقلَّ منها ومن الأرش،
-
فإن ولدتْ مأذونةٌ مديونةٌ ولداً يباعُ معها لدينِها،
-
ولا يدفعُ معها لجنايتِها،
-
فإن قتلَ عبدٌ خطأً وليَّ حرٍّ زَعَمَ أنَّ سيِّدَهُ أعتقَهُ فلا شيءَ للحرِّ عليه،
-
فإن قال: قتلتُ أخا زيدٍ قبل عتقي خطأً، وقال زيد: بل بعدَه، صُدِّقَ الأوَّل
-
يعتقْ، وقد سرى تبيَّنَ أنَّ المالَ غيرُ واجب،
-
وأنَّ الواجبَ هو القَوَد، فكانَ الصُّلحُ باطلاً (١) ، فيردّ، ويقال للأولياء: اقتلُوه أو اعفوه.
-
(فإن جنى مأذونٌ مديونٌ خطأً فأعتقَهُ سيِّدُهُ بلا علمٍ بها، غَرِمَ لربِّ الدَّينِ الأقلَّ من قيمتِهِ ومن دينِه، ولوليِّها الأقلَّ منها ومن الأرش) ،
-
فإنَّ السيِّدَ إذا أعتقَ المأذونَ المديونَ فعليه لربِّ الدَّينِ الأقلَّ من قيمتِه ومن الدين،
-
وإذا أعتقَ العبدَ الجاني جنايةً خطأً، فعليه الأقلُّ من قيمتِهِ ومن الأرش، فكذا عند الاجتماعِ إذ لا يزاحمُ أحدُهما الآخر؛ لأنَّهُ لولا الإعتاقُ يدفعُ إلى وليِّ الجناية، ثمَّ يباعُ للدَّين.
-
(فإن ولدتْ مأذونةٌ (٢) مديونةٌ ولداً يباعُ معها لدينِها،
-
ولا يدفعُ معها لجنايتِها)،
-
فإنَّ الدَّينَ في ذمَّةِ الأمَةِ متعلِّقٌ برقبتِها فيسري إلى الولد، وفي الجنايةِ الدفعُ في ذمَّةِ المولى لا في ذمَّتِها، وإنَّما يلاقيها أثرُ الفعلِ الحقيقيِّ وهو الدَّفع، والسِّرايةُ في الأمورِ الشَّرعيَّةِ لا الحقيقيَّة.
-
(فإن قتلَ عبدٌ خطأً وليَّ حرٍّ زَعَمَ أنَّ سيِّدَهُ أعتقَهُ فلا شيءَ للحرِّ عليه) : أي قال رجل: هذا العبدُ قد أعتقَهُ مولاه، فقتلَ ذلكَ العبدُ شخصاً خطأ، وذلكَ الرَّجلُ وليُّ جنايتِهِ فلا شيء له؛ لأنَّهُ لمَّا قال: إنَّ مولاهُ أعتقَهُ فادَّعى الدِّيةَ على العاقلة، وأبرأ العبدَ والمولى عن موجبِ الجناية (٣) .
-
(فإن قال: قتلتُ أخا زيدٍ قبل عتقي خطأً، وقال زيد: بل بعدَه، صُدِّقَ الأوَّل) ، فإنَّهُ أسندَ قتلَهُ إلى حالةٍ منافيةٍ للضَّمان، فكان منكراً، فالقولُ قولُه، كما إذا
-
٥/١٧٩٥/١٧٩
إن قال: قطعتُ يدَها قبل إعتاقِها، وقالت: بل بعدَه، صُدِّقَت،
-
وكذا في أخذِ المالِ منها، لا في الجماعِ والغلَّة،
-
فإن أمرَ عبدٌ محجور، أو صبيٌّ صبياً بقتلِ رجلٍ فقتلَه، فالدِّيةُ على عاقلةِ القاتل، ورجعوا على العبدِ بعد عتقِهِ لا على الصَّبي الآمر
-
قال العاقل البالغ (١) : طلَّقتُ امرأتي، وبعتُ داري، وأنا صبيّ، أو أنا مجنون، وكان جنونُهُ معروفاً، فالقولُ قولُه.
-
فإن قلت: ينبغي أن لا يكونَ لقولِ العبدِ اعتبار؛ لأنَّ معنى قولِ الأخ: إنّ دِيَةَ القتلِ على عاقلتِك، ومعنى قولِ القاتل: إن الواجبَ على مولاي الأقلَّ من قيمتي،
-
ومن الدِّيَةِ إن لم يعلمْ بالجناية، والدِّيةُ إن كان عالماً بها،
-
فلا اعتبارَ لقولِ العبدِ في حقِّ المولى.
-
قلت: الأخُ يدَّعي على القاتلِ القتلَ (٢) الخطأَ بعد العتق،
-
ولا بيِّنةَ له، فالقاتلُ إن أقرَّ بذلكِ تلزمُهُ الدِّيَة؛ لأنَّ ما يثبتُ بالإقرارِ لا يتحمَّلُهُ العاقلة، فهو منكرٌ ذلك، بل يقول: قتلُهُ قبلَ العتقِ فيعتبرُ قولُهُ في نفي قتلِهِ بعد العتق، لا في أنَّهُ يثبتُ على المولى شيء؛ لأنَّ قولَهُ لا يكونُ حجَّةً على المولى.
-
(إن قال: قطعتُ يدَها قبل إعتاقِها، وقالت: بل بعدَه، صُدِّقَت،
-
وكذا في أخذِ المالِ منها، لا في الجماعِ والغلَّة) : أي أعتقَ أمَةً ثمَّ قال لها: قَطَعْتُ يدَك، أو أخذتُ منكِ هذا المالَ قبلَما أعتقتُك، وقالت: بل بعدَه، فالقولُ قولُها عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه - وأبي يوسفَ - رضي الله عنه -، وعند محمَّدٍ - رضي الله عنه -: القولُ قولُه، وهو القياس؛
-
لأنَّهُ ينكرُ الضَّمانَ بإسنادِ الفعلِ إلى حالةٍ معهودةٍ منافيةٍ للضَّمان، قلنا: لم يسندْهُ إلى حالةٍ منافيةٍ له؛ لأنَّه يضمنُ لو فعل وهي مديونةٌ، على أنَّ الأصلَ في هذهِ الأمورِ الضَّمان، فقد أقرَّ بسببِ الضَّمان،
-
ثمَّ ادَّعى البراءةَ عنه
-
بخلافِ ما إذا قال: جامعتُها قبلَ الاعتاق، أو أخذتُ الغلَّةَ (٣) قبلَ الإعتاق،
-
فإنَّ تلكَ الحالةِ منافيةٌ للضَّمانِ بسببِ الجماعِ وأخذِ الغلَّة، وأيضاً الظُّاهرُ كونهما في حالةِ الرِّق.
-
(فإن أمرَ عبدٌ محجور، أو صبيٌّ صبياً بقتلِ رجلٍ فقتلَه، فالدِّيةُ على عاقلةِ القاتل، ورجعوا على العبدِ بعد عتقِهِ لا على الصَّبي الآمر) ؛ لأنَّ المباشرَ هو الصبيُّ المأمور، فتضمنُ عاقلتُهُ ثمَّ يرجعونَ على العبدِ إذا أعتق؛ لأنَّهُ أوقعَ الصَّبيَّ في هذهِ
-
٥/١٨٠٥/١٨٠
فإن كان مأمورُ العبدِ مثلَهُ دفعَ السيِّدُ القاتل، أو فداهُ في الخطأ بلا رجوعٍ في الحال،
-
ويجبُ أن يرجعَ بعد عتقِهِ بأقلَّ من قيمتِه ومن الفداء،
-
وكذا في العمدِ إن كان العبدُ القاتلُ صغيراً،
-
وإن كان كبيراً اقتصّ،
-
فإن قتلَ قنُّ عمداً حرَّيْن لكلِّ واحد وليَّان، فعفا أحدُ وليِّي كلٍّ منهما، دفعَ نصفَه إلى الآخرين، أو فداه بدِيَة
-
الورطة، لكنَّ قولَهُ غيرُ معتبرٍ لحقِّ المولى، فيضمنُ بعدَ العتق،
-
ولا يرجعونَ على الصَّبيِّ الآمرِ لقصورِ أهليَّتِه.
-
(فإن كان مأمورُ العبدِ مثلَهُ دفعَ السيِّدُ القاتل، أو فداهُ في الخطأ بلا رجوعٍ في الحال،
-
ويجبُ أن يرجعَ بعد عتقِهِ بأقلَّ من قيمتِه ومن الفداء) : أي إن أمرَ عبدٌ محجورٌ عبداً محجوراً بقتلِ رجلٍ ففي الخطأ دفعَ السيِّدُ القاتل أو فداه،
-
ولا رجوعَ على العبدِ الآمرِ في الحال، وإنَّما قال:
-
ويجبُ أن يرجعَ بعدَ العتقِ إذ لا روايةَ لذلك، فينبغي أن يرجعَ بأقلَّ من قيمتِه ومن الفداء؛ لأنَّ القيمةَ إذا كانت أقلَّ من الفداءِ فالمولى غيرُ مضطرٍ إلى إعطاءِ الزِّيادةِ على القيمة، بل يدفعُ العبد، أقول: ينبغي أن لا يرجعَ بشيءٍ لأنَّ الأمرَ لم يصحّ، والآمرُ لم يوقعْهُ في هذهِ الورطةِ لكمالِ عقلِ المأمور،
-
بخلافِ ما إذا كان المأمورُ صبيَّاً (١) .
-
(وكذا في العمدِ إن كان العبدُ القاتلُ صغيراً،
-
وإن كان كبيراً اقتصّ) : أي في العمدِ دفعَ السيُّدُ القاتلَ أو فداهُ ثمَّ رجعَ على العبدِ الآمرِ بأقلَّ من قيمتِه ومن الفداءِ إن كان العبدُ القاتلُ صغيراً،
-
فإنَّ عمدَ الصَّغيرِ كالخطأ،
-
وإن كان كبيراً يجبُ القصاص.
-
(فإن قتلَ قنُّ عمداً حرَّيْن لكلِّ واحد (٢) وليَّان، فعفا أحدُ وليِّي كلٍّ منهما، دفعَ نصفَه إلى الآخرين، أو فداه بدِيَة)، وسقطَ حقُّ مَن عفا في الدِّيَة، وانقلبَ حصّةُ مَن لم يعفُ مالاً،
-
فإمَّا أن يدفعَ نصفَه أو الدِّيَةِ الواحدة.
-
٥/١٨١٥/١٨١
فإن قتلَ أحدَهما عمداً والآخرَ خطأً، وعفا أحدُ وليَّيْ العمد، فدى بدِيَةِ لوليِّ الخطأ، وبنصفِها لأحدِ وليَّيْ العمد، أو دفعَ إليهم، وقُسِمَ أثلاثاً عولاً عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه -، وأرباعاً منازعةً عندهما،
-
فإن قتلَ عبدُهما قريبَهما، وعفا أحدُهُما، بطلَ كلُّه.