فصل في (٢) التعزيز
شرح الوقايةالحنفيةالمسائل ٥٬١٥١ إلى ٥٬١٨٤
-
٣/٢١٧٣/٢١٧
وهو تأديبٌ دون الحدّ، وأصلُهُ من العزر، بمعنى الرَّدِّ والرَّدع، (أكثرُهُ تسعةٌ وثلاثونَ سوطاً، وأقلُّه ثلاث) : لأنَّ التَّعزيرَ ينبغي أن لا يبلغَ الحدّ، وأقلُّ الحدِّ أربعون، وهي حدُّ العبدِ في القذف والشُّرب، وأبو يوسف - رضي الله عنه - اعتبرَ حدَّ الأحرار، وهوثمانون، ونقصَ عنها سوطاً في رواية، وخمسة في رواية.
-
(وصحَّ حبسُهُ مع ضربِه، وضربُهُ أشدّ (٣) ،
-
ثُمَّ للزِّنا (٤) ،
-
ثُمَّ للشُّرب، ثُمَّ للقذف): قالوا: ليحصلَ الانْزجار بالتَّعزير، وحدُّ الزِّنا ثابتٌ بالنَّص، وحدُّ الشَّرب ثَبَتَ بإجماع الصَّحابة - رضي الله عنهم -، وسببُهُ متيقَّن، وسببُ حدِّ القذفِ محتمل؛ لاحتمالِ الصَّدق.
-
أقول: حدُّ القذفِ ثابتٌ بالنّص، وهو قوله تعالى: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} (٥)
-
٣/٢١٨٣/٢١٨
وعزِّر بقذفِ مملوك، أو كافرٍ بزنا، وبقذف مسلم بيا فاسق، يا كافر، يا خبيث، يا سارق، يا فاجر، يا مخنَّث، يا خائن، يا لوطي، يا زنديق، يا لصّ، يا ديُّوث، يا قَرطبان، يا شارب الخمر، يا آكل الرِّبا، يا ابنَ القَحبة، يا ابنَ الفاجرة، أنت تأوي اللُّصوص، أنت تأوي الزَّواني، يا مَن يلعبُ بالصِّبيان، يا حرام زاده، لا بيا حمار، يا خِنْزير، يا كلب، يا تيس، يا قرد، يا حجَّام، يا ابنُهُ وأبوه ليس كذلك، يا مؤاجِر، يا بغَّا، يا ناكَس، يا ضُحْكَة، يا سُخْرة.
-
ومَن حدَّ أو عزِّر فماتَ هُدِرَ دَمُه.
-
ولو عَزَّرَ زوجٌ عرسَه لا
-
وحدُّ الشُّربِ قيسَ على حدِّ القذف (١) .
-
(وعزِّر بقذفِ مملوك، أو كافرٍ بزنا، وبقذف مسلم بيا فاسق، يا كافر (٢) ، يا خبيث، يا سارق، يا فاجر، يا مخنَّث، يا خائن، يا لوطي، يا زنديق، يا لصّ، يا ديُّوث، يا قَرطبان (٣) ، يا شارب الخمر، يا آكل الرِّبا، يا ابنَ القَحبة، يا ابنَ الفاجرة، أنت تأوي اللُّصوص، أنت تأوي الزَّواني، يا مَن يلعبُ بالصِّبيان، يا حرام زاده، لا بيا حمار، يا خِنْزير، يا كلب، يا تيس، يا قرد، يا حجَّام، يا ابنُهُ وأبوه ليس كذلك، يا مؤاجِر، يا بغَّا، يا ناكَس، يا ضُحْكَة، يا سُخْرة.
-
ومَن حدَّ أو عزِّر فماتَ هُدِرَ دَمُه.
-
ولو عَزَّرَ زوجٌ عرسَه لا) (٤) .
-
٣/٢١٩٣/٢١٩
قيل: القَحبةُ مَن يكونُ لها همَّة الزِّنا، فلا يحدّ.
-
أقول: القَحبةُ في العرفِ أفحشُ من الزَّانية، لأن الزَّانية قد تفعلُ سرَّاً وتأنف منه، والقَحبة مَن تجاهرُ به بالأجرة.
-
والفاجرة تكون بكلِّ معصيَّةٍ فلا حدّ به.
-
ولفظ؛ حرامٌ زاده؛ معناهُ المتولِّدُ من الوطءِ الحرام، وهو أعمُّ من الزِّنا كالواطءِ حالةَ الحيض، لكن في العرفِ لا يرادُ ذلك، بل يرادُ وَلَدُ الزِّنا، وكثيراً ما يرادُ به بالجُرْبُزَ الخِبّ (١) ، فلهذا لا يجبُ الحدّ.
-
والمُؤاجِرُ: يستعملُ فيمَن يؤاجِرُ أهلَه للزِّنا، لكن معناهُ الحقيقي المتعارف، لا يؤذن بالزِّنا، يقال: أجَّرتُ الأجيرَ مؤاجرة، إذا جعلَتْ له على فعلِهِ أجرة.
-
ولفظ بَغَّا: من شتمِ العوام، يتفهوَّهون به،
-
ولا يعرفونُ ما يقولون.
-
والضُّحْكَةُ بوزنِ الصُّفْرةِ: مَن يَضْحَكُ عليه النَّاس، وبوزنِ الهَمْزة: مَن يَضْحَكُ على النَّاس، وكذا السُّخْرَةُ ونحوه.
-
واعلم أنّ الألفاظَ الدَّالةَ على القبائحِ لا تعدُّ ولا تحصى، فالواجب أن يُذْكَرَ لها ضابطٌ يعرفُ به أحكامُ جميعها.
-
فأقول: قد عرفت أن نسبةَ المحصنِ إلى الزِّنا توجبُ حدَّ القذف، فنسبةُ غيرِ المحصنِ كالعبد والكافر إليه لا توجبُ الحدَّ؛ لانحطاطِ درجتِهما، بل توجِبُ التَّعزير؛ لإشاعةِ الفاحشة.
-
ونسبةُ المحصنِ إلى غيرِ الزِّنا لا توجبُ حدَّ القذف، فهل توجبُ التَّعزير أم لا؟
-
فإن نسبَه إلى فعلٍ اختياري يحرمُ في الشَّرع، ويعدُّ عاراً في العرف، يجبُ التَّعزير، وإلاَّ لا إلاَّ أن يكونَ تحقيراً للأشراف.
-
وإنِّما قلنا: إلى فعلٍ اختياري؛ احترازاً عن الأمورِ الخِلْقيَّة،
-
فلا تعزيرَ في: يا حمار؛ لأنَّ معناهُ الحقيقي غيرُ مراد، بل معناهُ المجازي، كالبليدِ مثلاً، وهو أمرٌ خِلْقي،
-
وكذا: القردُ: يرادُ به قبيحُ الصُّورة، والكلبُ: يرادُ به سيءُ الخلق، إلاَّ أنَّ يقالَ لإنسانٍ شريفٍ النَّفسِ كعالم، أو علويّ، أو رجلٍ صالح، فإنِّهم أهلُ الإكرام، فيعزَّرُ بإهانتهم
-
٣/٢٢٠٣/٢٢٠
بخلاف الأرذال إذ يتفوَّهون بأمثالِ هذه الكلماتِ كثيراً،
-
ولا يبالون من أن يقالَ لهم.
-
وإنِّما قلنا: يحرمُ في الشَّرع؛ احترازاً عن أفعال اختياريَّةٍ لا تحرمُ في الشَّرعِ مع أنَّه يعدُّ عاراً في العرف، كالحجَّام ونحوه، يرادُ به دنيءُ الهِمَّة،
-
وكذلك بالفارسيَّة يا ناكَس: إن قيلَ للأشراف عزِّر، ولغيرهم لا، ألاَّ ترى أن السُّوقيَّة، لا يبالونَ بأفعالٍ فيها الخسَّةُ والدَّناءة.
-
وإنِّما قلنا: يعدُّ عاراً في العرف؛ احترازاً عن أفعالٍ اختياريَّةٍ تحرمُ شرعاً،
-
ولا يعدّ عاراً في العرف، كلعبِ النَّردّ (١) ، والغناء (٢) ، وأعمالِ الدِّيوان في زماننا (٣) .
-
ثُمَّ كيفيَّةُ التَّعزيرِ وكميَّتُهُ يفوَّضانِ إلى رأي الإمامِ فيُراعى عِظَمَ الجنايةِ وصغرَها، وحالَ القائلِ والمقولِ فيه (٤) . (والله أعلم) (٥) .