باب الوكالة بالخصومة والقبض
شرح الوقايةالحنفيةالمسائل ٧٬٩١٦ إلى ٧٬٩٦٥
-
٤/١٧٨٤/١٧٨
(للوكيلِ بالخصومةِ القبضُ عندَ الثَّلاثةِ) : أي عندَ أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمَّد - رضي الله عنهم -، خلافاً لزفرَ - رضي الله عنه -، (كالوكيلِ بالتَّقاضي في ظاهرِ الرواية ويفتى بعدمِ قبضهما الآن) ،
-
فإنَّ الوكيلَ بالتَّقاضي يملكُ القبضَ في ظاهرِ المذهب، لكنَّ الفتوى في هذا الزَّمانِ على أنَّ الوكيلَ بالخصومة والوكيلَ بالتَّقاضي لا يملكانِ القبض؛ لظهورِ الخيانةِ في الوكلاء.
-
(وللوكيلِ بقبضِ الدَّينِ الخصومةُ) ، هذا عندَ أبي حنيفة - رضي الله عنه -،
-
وأمَّا (٥) عندهما: لا
-
٤/١٧٩٤/١٧٩
لا للذي يقبضُ العين،
-
فلو قامَ حجَّةُ ذي اليدِ على الوكيل بقبضِ عبدٍ أنَّ موكِّلَهُ باعَهُ منه، يُقْصَرُ يده،
-
ولا يثبتُ البيع، فتقامُ ثانياً على البيعِ إذا حضرَ الغائب، كما يقصرُ يدُ الوكيلِ بنقلِ المرأةِ والعبدِ بلا طلاقٍ وعتق، لو قامتْ حجَّتُهما عليه حتى يحضرَ الغائب، وصحَّ إقرارُ الوكيلِ بالخصومة عند القاضي، وعند غيرِه لا
-
يملكُ الخصومة، (لا للذي يقبضُ العين (١) ،
-
فلو قامَ حجَّةُ ذي اليدِ على الوكيل (٢) بقبضِ عبدٍ أنَّ موكِّلَهُ باعَهُ منه، يُقْصَرُ يده،
-
ولا يثبتُ البيع، فتقامُ ثانياً على البيعِ إذا حضرَ الغائب)، أدخلَ فاءَ التَّعقيبِ في قولِه:
-
فلو قام؛ لأنَّ هذهِ المسألةَ من فروعِ أنَّ الوكيلَ بقبضِ العينِ هل هو وكيلٌ بالخصومةِ أم لا؟ ففي هذهِ المسألةِ قياسٌ واستحسان؛ فالقياس: إنَّ العبدَ يدفعُ إلى الوكيِل،
-
ولا يقبلُ ببيِّنةِ أنَّ الموكِّلَ باعَ من صاحبِ اليد؛ لأنَّ البيِّنةَ قامتْ على غيرِ خصم، وفي الاستحسان: يقصرُ يدُ الوكيلِ من غيرِ أن يثبتَ البيعَ في حقِّ الموكِّل؛ لأنَّهُ خصمٌ في قصرِ اليد،
-
وإن لم يكنْ خصماً في إثباتِ البيعِ على الموكِّل.
-
(كما يقصرُ يدُ الوكيلِ بنقلِ المرأةِ والعبدِ بلا طلاقٍ وعتق، لو قامتْ حجَّتُهما عليه حتى يحضرَ الغائب) : أي إذا جاءَ رجلٌ وقال: أنا وكيلُ زيدٍ الغائب، بنقلِ امرأتِهِ وعبدِهِ إلى موضعِ كذا، فأقامتْ المرأةُ البيِّنةَ على أنَّ موكِّلَهُ طلَّقها، والعبدُ على أنَّهُ أعتقَه، يقصرُ يدُ الوكيلِ من غيرِ أن يثبتَ الطَّلاقُ والعتق، بل إذا حضرَ الغائبُ يجبُ إعادةُ إقامةِ البيِّنة، فقولُهُ: حتى يحضرَ الغائب، يتعلَّقُ بقولِهِ بلا طلاقٍ وعتقٍ: أي لا يقعُ الطَّلاقُ والعتقُ حتى يحضرَ الغائب؛
-
فإنَّهُ إذا حضرَ يقعُ إن أعيدتْ البيِّنة، فإعادةُ البيِّنةِ قد سبقتْ في المسألةِ الأولى، وقد جعلَ حكمُ هذه المسألةِ كالحكمِ (في المسألةِ) (٣) الأوَّلى فيفهمُ إعادةُ البيِّنة.
-
(وصحَّ إقرارُ الوكيلِ بالخصومة (٤) عند القاضي، وعند غيرِه لا)، هذا عند أبي
-
٤/١٨٠٤/١٨٠
كتوكيلِ ربِّ المالِ كفيلَهُ بقبضِ ماله عن المكفولِ عنه، ومصدَّقٌ الوكيلَ بقبضِ دينِهِ إن كان غريماً أُمِرَ بدفعِ دينِهِ إلى الوكيل،
-
ثمَّ إن كذَّبَهُ الغائبُ دفعَ الغريمُ إليه ثانياً، ورجعَ به على الوكيلِ فيما بقي، وفيما ضاعَ لا
-
حنيفةَ - رضي الله عنه - ومحمَّدٍ - رضي الله عنه -، وعند أبي يوسفَ - رضي الله عنه - يجوز وإن كانَ عند غيرِ القاضي، وعند زفرَ - رضي الله عنه - وهكذا عندَ الشَّافعيِّ (١) - رضي الله عنه - لا يجوزُ أصلاً؛
-
لأنَّهُ مأمورٌ بالخصومة، لا بالإقرار، ولنا: أنّ الخصومةَ يرادُ بها الجوابُ، فيتضمَّنُ الإقرار (٢) .
-
(كتوكيلِ ربِّ المالِ كفيلَهُ بقبضِ ماله عن المكفولِ عنه) : أي كما لا يصحُّ توكيلُ ربِّ المالِ الكفيلَ بقبضِ المكفولِ به، عن المكفولِ عنه؛ لأنَّ الوكيلَ مَن يعملُ لغيرِهِ وهنا يعملُ لنفسِه (٣) .
-
(ومصدَّقٌ الوكيلَ بقبضِ دينِهِ إن كان غريماً أُمِرَ بدفعِ دينِهِ إلى الوكيل) : أي ادَّعى رجلٌ أنَّه وكيلُ الغائبِ بقبضِ دينِهِ من الغريم؛ فصدَّقَهُ الغريم، أُمِرَ بتسليمِ الدَّينِ إلى الوكيل،
-
(ثمَّ إن كذَّبَهُ الغائبُ دفعَ الغريمُ إليه ثانياً، ورجعَ به على الوكيلِ فيما بقي، وفيما ضاعَ لا) ؛ لأنَّ غرضَهُ من دفعِهِ براءةُ ذمَّتِه،
-
فإذا لم يحصلْ غرضُهُ؛ ينقضُ الدَّفع، أمَّا إذا ضاعَ لا يضمنُه؛ لأنَّهُ اعترفَ أنَّهُ محقٌّ في القبض، والاستردادُ أسهلُ من التَّضمين، فلهُ ولايةُ ذلك، لا ولايةُ هذا.
-
٤/١٨١٤/١٨١
إلاَّ إذا كان ضَمِنَهُ عند دفعِه، أو دفعَ إليه على ادِّعائهِ غيرَ مصدِّقٍ وكالَتَه،
-
وإن كان مودِعاً لم يؤمرْ بدفعِها إليه،
-
ولو قال: تركها المودعُ ميراثاً لي، وصدَّقه المودع، أُمِرَ بالدَّفعِ إليه،
-
ولو ادَّعى الشِّراءَ منه لم يؤمر،
-
ومَن وُكِّلَ بقبضِ مال، وادَّعى الغريمُ قبضَ دائنِه، دفعَ إليه، واستحلفَ دائنَهُ على قبضِهِ لا الوكيلَ على العلمِ بقبضِ الموكِّلِ الدَّين
-
(إلاَّ إذا كان ضَمِنَهُ (١) عند دفعِه، أو دفعَ إليه على ادِّعائهِ غيرَ مصدِّقٍ وكالَتَه)، بأن قال الوكيل: إذا حضرَ الغائب، وأنكرَ التَّوكيلَ، فإنِّي ضامنٌ لهذا المالِ أو الغريمِ دفعَهُ بناءً على دعوى الوكيلِ من غيرِ أن يصدِّقَ وكالتَهُ، ففي هاتيْن الصُّورتينِ إن أنكرَ الغائبُ فالغريمُ يضمنُ الوكيلَ إن ضاعَ المال.
-
(وإن كان مودِعاً لم يؤمرْ بدفعِها إليه) : أي إن كان مصدِّقُ الوكيل مودعاً لم يؤمرْ بدفعِ الوديعةِ إلى مدَّعي الوكالة؛ لأنَّ تصديقَهُ إقرارٌ على الغير،
-
بخلافِ الدَّينِ فإنَّ الدُّيونَ تقضى بأمثالها، والمثلُ ملكُ المديون.
-
(ولو قال: تركها المودعُ ميراثاً لي، وصدَّقه المودع (٢) ، أُمِرَ بالدَّفعِ إليه (٣) ): أي إن (٤) ادَّعى أنَّ المودعَ مات، وتركَ الوديعةَ ميراثاً لي (٥) وصدَّقَهُ المودع، أُمِرَ بالدَّفعِ إليه.
-
(ولو ادَّعى الشِّراءَ منه لم يؤمر) : أي ادَّعى أنَّهُ اشترى من المودعِ، وصدَّقهُ المودع، لم يؤمرْ بدفعِ الوديعةِ إلى المدِّعي؛ لأنَّ المدِّعي أقرَّ بملكِ الغير، والغيرُ أهلٌ للملكِ؛ لأنَّهُ حيٌّ فلا يصدَّقُ في دعوى البيعِ على ذلك الحيِّ،
-
بخلافِ مسألةِ الإرث؛ لأنَّهما اتَّفقا على موتِ المودع، فكانَ هذا اتِّفاقاً على أنَّهُ ملكُ الوارث.
-
(ومَن وُكِّلَ بقبضِ مال، وادَّعى الغريمُ قبضَ دائنِه، دفعَ إليه، واستحلفَ دائنَهُ على قبضِهِ لا الوكيلَ على العلمِ بقبضِ الموكِّلِ الدَّين (٦) ) (٧) : أي جاءَ الوكيلُ بقبضِ
-
٤/١٨٢٤/١٨٢
ولا يردُّ الوكيلُ بعيبٍ قبلَ حلفِ المشتري، لو قال البائعُ: رضيَ هو به،
-
ومن دفعَ إلى آخرَ عشرةَ ينفقَها على أهلِه، فأنفقَ عليهم عشرةً له، فهيَ بها
-
الدَّينِ من المديون، فادَّعى المديونُ أنَّ الدَّائنَ قد قبضَ دينَه،
-
ولا بيِّنةَ له، يؤمرُ بالدَّفعِ إلى الوكيل،
-
فإذا حضرَ الدَّائن، وأنكرَ القبضَ يستحلفُ،
-
ولا يستحلفُ الوكيلُ بأنَّكَ لا تعلمُ أنَّ الموكِّل قد قبضَ الدِّين؛ لأنَّ الوكيلَ نائبٌ له.
-
أقول: إن ادَّعى المديونُ أنَّكَ تعلمُ أنَّ الموكِّلَ قد قبضَ الدَّين، وأنكرَ الوكيلُ العلمَ ينبغي أن يستحلفَ لأنَّهُ ادَّعى أمراً لو أقرَّ بهِ الوكيلُ يلزمُهُ، ولم يبقَ لهُ طلبُ الدَّين، فإذا أنكرَهُ يستحلف.
-
(ولا يردُّ الوكيلُ بعيبٍ قبلَ حلفِ المشتري، لو قال البائعُ: رضيَ هو به) ، وكَّلَ المشتري رجلاً بردِّ المبيعِ بالعيبِ، وغابَ المشتري، فأرادَ الوكيلُ الرَّدّ، فقال البائع: رضيَ المشتري بالعيب، فالوكيلُ لا يردُّ بالعيبِ حتى يحلفَ المشتري أنَّه لم يرضَ بالعيب.
-
والفرقُ بين هذه المسألة ومسألةِ الدَّين: أنّ التَّداركَ ممكنٌ في مسألةِ الدَّينِ باستردادِ ما قبضَهُ الوكيلُ إذا ظهرَ الخطأُ عند نكولِ ربِّ الدَّين، وهاهنا غيرُ ممكن؛ لأنَّ القضاءَ بفسخِ البيعِ يصحُّ وإن ظهرَ الخطأ عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه -؛
-
لأن القضاءَ ينفذُ ظاهراً وباطناً عنده،
-
فلا يستحلفُ المشتري بعد ذلك،
-
وأمَّا عندهما: فقد قالوا: يجبُ أن يردَّ بالعيبِ كما في مسألةِ الدَّين؛ لأنَّ التَّداركَ ممكنٌ عندهما لبطلانِ القضاءِ،
-
وقيل: الأصحُّ (١) عند أبي يوسفَ - رضي الله عنه - أن يؤخِّرَ الرَّدَّ في الفصلين إلى أن يستحلف.
-
(ومن دفعَ إلى آخرَ عشرةَ ينفقَها على أهلِه، فأنفقَ عليهم عشرةً له، فهيَ بها) ، قيل: هذا استحسان، وفي القياسِ يصيرُ متبرِّعاً بإنفاق ما هو ملكُه، وجهُ الاستحسان: أنَّ الوكيلَ بالإنفاق، وكيلٌ بالشِّراء (٢) ، والحكمُ فيه ما ذكرنا.