[[فصل]
شرح الوقايةالحنفيةالمسائل ٧٬٢٣٣ إلى ٧٬٢٨٢
-
٤/١١٨٤/١١٨
(وصحَّ قضاءُ المرأةِ إلاَّ في حدٍّ وقَوَدٍ)؛ لأنَّ شهادتَها لا تُقْبَلُ فيهما،
-
(ولا يستخلفُ قاضٍ، ولا يوكِّلُ وكيلٌ إلاَّ مَن فُوِّضَ إليه ذلك (٣) ، ففي المفوَّضِ (٤) نائبُهُ لا ينعزلُ بعزلِهِ وبموتِهِ موكَّلاً، بل هو نائبُ الأصيل)، إنِّما قالَ موكَّلاً؛ لأنَّ في الوكالةِ يَنْعزِلُ الوكيلُ بموتِ موكِّلِه، فأرادَ أن يُصَرِّحَ أن الوكيلَ هاهنا لا ينعزلُ بموتِ موكِّلِهِ؛
-
لأنَّهُ في الحقيقةِ ليس نائبُه، بل هو نائبُ الأصيل،
-
وأمَّا في القضاءِ فإنَّ النَّائبَ لا يَنْعزِلُ بموتِ المنوبِ عنه، فخصَّ الموكِّلَ بالذِّكرِ؛ لأن الاشتباه فيه ولا شُبْهةَ في باب القضاء، فلم يذكر،
-
ثم قال: بل هو نائبُ الأصيل؛ ففي التَّوكيل ينعزلُ بموتِ الأصيل، وفي القضاءِ لا يَنْعزِل.
-
(وفي غيرِهِ إن فعلَ نائبُهُ عنده أو أجاز هو، أو كان قَدَّرَ الثَّمَنَ في الوكالةِ صحَّ) : أي في غيرِ المفوَّض، يعني إذا لم يفوِّضْ إلى القاضي والوكيلِ أن يستخلف الغير فاستخلفا، ففعلَ النَّائبُ بحضورِ المنوبِ عنه صحَّ؛ لأنَّهُ إذا فعلَ بحضورِه، ففعلُهُ ينتقلُ إليه،
-
وكذا إن فعلَ بغيبتِهِ فوصلَ الخبرُ إلى المنوبِ عنه فأجاز؛ لأنَّهُ إذا انضمَّ رأيُهُ إلى ذلك الفعلِ صارَ كأنَّه فَعَلَ،
-
وكذا إن قَدَّرَ الوكيلُ الأَوَّلُ الثَّمنَ فباشرَ وكيلُه؛ إذ بتقديرِ الثَّمنِ حصلَ رأيُه.
-
٤/١١٩٤/١١٩
وبِاِعْمَلْ برأيكَ يُوكِّل غيرَهُ، ويُمْضِي حُكْمَ قاضٍ آخرَ في مختلفٍ فيه في الصَّدرِ الأَوَّلِ إلاَّ ما خالفَ الكتابَ، أو السُنّةَ المشهورة، أو الإجماعِ
-
(وبِاِعْمَلْ برأيكَ يُوكِّل غيرَهُ (١) ): أي إذا قال الموكِّلُ للوكيل: اعملْ برأيكَ كان للوكيلِ أن يوكِّلَ غيرَهُ.
-
(ويُمْضِي حُكْمَ قاضٍ آخرَ في مختلفٍ فيه في الصَّدرِ الأَوَّلِ (٢) إلاَّ ما خالفَ الكتابَ (٣) ، أو السُنّةَ المشهورة، أو الإجماعِ) (٤)
-
: أي إذا قضى القاضي ورَفَعَ حُكْمَهُ إلى
-
٤/١٢٠٤/١٢٠
قاضٍ آخرَ يَجِبُ عليه إمضاءهُ إلاَّ أن يكونَ:
-
مخالفاً للكتابِ كمتروكِ التسميةِ عامداً، فإنَّهُ مخالفٌ لقولِهِ تعالى:
-
{وَلَا تَأْكُلُوا مِمِّا لَمْ يُذْكَرْ اِسْمُ اللهِ عَلَيْهِ} (١) .
-
أو السُّنَّةِ المشهورةِ: كالقضاءِ بحِلِّ المطلقةِ ثلاثاً بنكاحِ الزَّوجِ الثَّاني بلا وطءٍ على مذهبِ سعيد بن المسيب (٢) - رضي الله عنه -، فإنَّه مخالفٌ للسُّنَّةِ المشهورةِ، وهي قولُهُ - صلى الله عليه وسلم -: «لا حتَّى تذوقي من عسليتِهِ (ويذوقَ من عسيلتكِ) (٣) » (٤) الحديث.
-
أو للإجماعِ كالقضاءِ بحلِّ متعةِ النِّساء؛ لأنَّ الصحابةَ أجمعوا على فسادِه.
-
فحاصلُ هذا أنَّ القاضي إذا قَضَى في مُجْتَهَدٍ فيه يصيرُ مُجْمَعَاً عليه، فيَجِبُ على قاضٍ آخرَ تنفيذُه، وهذا حُكْمٌ في وفقِ مذهبِه، أمَّا إذا حَكَمَ على خلافِ مذهبِهِ فسيأتي.
-
٤/١٢١٤/١٢١
وفيما اجتمعَ عليه الجمهورُ لا يعتبرُ خلافُ البعضِ
-
ويَجِبُ أن يعلمَ القاضي أن المسألةَ مختلفٌ فيها، وأيضاً هذا إذا كان محلُّ القضاءِ مختلفاً فيه، أمَّا إذا كان نفسُ القضاءِ مختلفاً فيه: كالقضاءِ على الغائبِ، فحينئذٍ يصيرُ مُجْمَعاً عليه، فبعد الإمضاءِ إن رَفَعَ إلى قاضٍ آخرَ يَجِبُ عليه تَنْفِيذُه.
-
(وفيما اجتمعَ عليه الجمهورُ لا يعتبرُ خلافُ البعضِ) : ذُكِرَ في أصولِ الفقه: إنّ العلماءَ اختلفوا في أنّ الاجماعَ هل ينعقدُ باّتفاقِ أكثرِ المجتهدينَ أو لا بُدَّ من اتّفاقِ الكلّ، ففي «الهداية» (١) : اختارَ أن اتّفاقَ الأكثر كافٍ، ففي مقابلةِ اتفاقِ الأكثرِ لا يعتبرُ خلافُ الأقلِّ.
-
وفي كتبِ أصولِ الفقه (٢) : رجَّحوا ذلك المذهبِ، وهو أن خلاف الأقلِّ في مقابلةِ الأكثرِ معتبرٌ،
-
فإنَّ واحداً من الصَّحابةِ - رضي الله عنهم - ربُّما خالفَ الجمعَ الكثير، ولم يقولوا نحنُ أكثرَ منكَ، بل اعتبروا مخالفتَهُ (٣) .
-
وأيضاً قال في «الهداية» : إنّ المعتبرَ الاختلافُ في الصَّدرِ الأَوَّل (٤) : أي الصَّحابةِ - رضي الله عنهم - لكن الأصحَّ أنَّه لا يشترطُ ذلك حتَّى يكونَ اختلافُ الشَّافِعِيِّ - رضي الله عنه - معتبراً.
-
٤/١٢٢٤/١٢٢
والقضاءُ بحرمةٍ أو حلٍّ يَنْفُذُ ظاهراً أو باطناً،
-
ولو بشهادةِ زورٍ إذا ادَّعاه بسببٍ معيّنٍ،
-
فلو أقامَ بيِّنةَ زورٍ أنَّه تزوَّجها وحكمَ به حلَّ لها تمكينُهُ، والقضاءُ في مُجْتَهَدٍ فيه
-
بخلافِ رأيه ناسياً مذهبَهُ أو عامداً لا يَنْفُذُ عندهما، وبه يُفْتَى
-
(والقضاءُ بحرمةٍ أو حلٍّ يَنْفُذُ ظاهراً أو باطناً،
-
ولو بشهادةِ زورٍ إذا ادَّعاه بسببٍ معيّنٍ) (١) ، حتَّى لو ادَّعى جاريةً ملكاً مطلقاً، وأقامَ على ذلك بيِّنةَ زورٍ وقَضَى القاضي به لا يحلُّ له وطؤها بالإجماع؛ لأنَّ الملكَ لا بُدَّ لهس من سبب، وليس البعضُ أَوْلَى من البعض،
-
فلا يمكنُ إثباتُ سببٍ معيَّنٍ يَثْبُتُ به الحلّ.
-
(فلو أقامَ بيِّنةَ زورٍ أنَّه تزوَّجها وحكمَ به حلَّ لها تمكينُهُ) (٢) ، هذا عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه -، وعندهما يَنْفُذُ ظاهراً: أي يُسَلِّمُ القاضي الزَّوجةَ إلى الزَّوجِ، ويأمرها بالتَّمكينِ لا باطناً: أي لا يَثْبُتُ فيما بينَهُ وبينَ اللهِ تعالى، ومذهبهما ظاهر،
-
وأمَّا مذهبُ أبي حنيفةَ - رضي الله عنه - فمشكلٌ جداً،
-
فإنَّ الحرامَ المحضَ كيف يكون سبباً للحلِّ فيما بينَهُ وبينَ اللهِ تعالى.
-
وجوابُهُ: إنَّا لم نجعلِ الحرامَ المحضَ: وهو الشَّهادةُ الكاذبةُ من حيث أنُّه إخبارٌ كاذبٌ سبباً للحلّ، بل حُكْمُ القاضي صارَ كإنشاءِ عقدٍ جديد، وهو ليس حراماً، بل هو واجب؛ لأنَّ القاضي غير عالمٍ بكذبِ الشُّهُود.
-
(والقضاءُ في مُجْتَهَدٍ فيه
-
بخلافِ رأيه (٣) ناسياً مذهبَهُ أو عامداً لا يَنْفُذُ عندهما، وبه يُفْتَى) (٤) ،
-
وأمَّا عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه - إن كان ناسياً مذهبَهُ ينْفُذُ، وإن كان
-
٤/١٢٣٤/١٢٣
ولا يُقْضَى على غائبٍ إلاَّ بحضرةِ نائبِهِ حقيقةً: كالوكيل، أو شرعاً كوصيِّ القاضي، أو حُكْماً بأن كان ما يُدُّعى على الغائبِ سبباً لِمَا يَدَّعى على الحاضر،
-
فإن كان شرطاً لا يصحُّ، ويقرضُ مالَ اليتيم، ويكتبُ ذِكْرَ الحقّ
-
عامداً ففيه روايتان، وعندهما لا يَنْفُذُ في الوجهينِ؛ لأنَّه قضى بما هو خطأٌ عنده، والفتوى على قولِهما.
-
(ولا يُقْضَى على غائبٍ إلاَّ بحضرةِ نائبِهِ حقيقةً: كالوكيل، أو شرعاً كوصيِّ القاضي، أو حُكْماً بأن كان ما يُدُّعى على الغائبِ سبباً لِمَا يَدَّعى على الحاضر) ، كما إذا ادَّعى داراً على رجلٍ أنَّه اشتراها من فلانٍ الغائبِ، فأقامَ البيِّنةَ على ذي اليد،
-
فإنَّ القاضي يقضي بهذه البيِّنةِ على الحاضرِ والغائبِ جميعاً حتَّى لو حضرَ الغائبُ وأنكرَ لا يلتفتُ إلى إنكارِه.
-
(فإن كان شرطاً لا يصحُّ) : أي إن كان ما يدَّعي على الغائبِ شرطاً لِمَا يَدَّعي على الحاضرِ، كما إذا ادَّعى عبدٌ على مولاهُ أنَّه علَّقَ عتقَهُ بتطليقِ زيدٍ زوجتَه، وأقامَ بيِّنةً على التَّطليقِ بغيبةِ زيدٍ، اختلفَ فيه المشايخُ (١) - رضي الله عنه - والصَّحيحُ أنَّه لا يُقْبَلُ، وإنِّما يقبلُ في السَّببِ دونَ الشَّرطِ؛
-
لأنَّ السَّببَ أصلٌ بالنسبةِ إلى المسببِ فيكون الحاضرُ نائباً عن صاحبِ السَّبب، وهو الغائبُ كالوكيل،
-
ولا كذلك إذا كان شرطاً، وإنِّما لا يقضي عن الغائبِ في صورةِ الشَّرطِ إذا كان فيه إبطالُ حقِّ الغائبِ، أمَّا إذا لم يكنْ كما إذا علَّق طلاقَ امرأتِهِ بدخولِ زيدٍ في الدَّارِ تُقْبَل.
-
(ويقرضُ مالَ اليتيم، ويكتبُ ذِكْرَ الحقّ) ، يجوزُ للقاضي إقراضَ مالِ اليتيم (٢) ؛ لأنَّه محافظةٌ، والقاضي قادرٌ على أخذِهِ متى شاء،
-
ولا يجوزُ للوصيّ؛ لعدم قدرتِهِ على الأخذِ،
-
وكذا الأبُ في الأصحّ (٣) ،
-
فلو فعل يَضْمَن، وإذا أقرضَ القاضي كتبَ في ذلك وثيقةً.