فَصْلٌ: لِلزَّوْجِ وَالْوَرَثَةِ
أسنى المطالب في شرح روض الطالبالشافعيةالمسائل ١٦٬٦٣٧ إلى ١٦٬٦٤٦
-
٣/٤٠٦٣/٤٠٦
بَعْدَ مَوْتِهِ (مَنْعُهَا) أَيْ الْمُعْتَدَّةَ (مِنْ الْخُرُوجِ) مِنْ مَسْكَنِ عِدَّتِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ} أَيْ سَكَنِهِنَّ {وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْ بِالْبَذَاءِ عَلَى أَهْلِ زَوْجِهَا (فَإِنْ خَافَتْ) عَلَى نَفْسٍ أَوْ عُضْوٍ أَوْ بُضْعٍ أَوْ دِينٍ أَوْ مَالٍ (انْتَقَلَتْ) ؛
-
لِأَنَّ الْخُرُوجَ لِذَلِكَ أَشَدُّ مِنْ الْخُرُوجِ لِلطَّعَامِ وَنَحْوِهِ (أَوْ اشْتَدَّ أَذَاهَا بِبَذَاءِ الْأَحْمَاءِ) عَلَيْهَا (أُخْرِجُوا) عَنْهَا مِنْ الْمَسْكَنِ (مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ أَضَاقَ أَمْ اتَّسَعَ وَالْأَحْمَاءُ أَقَارِبُ الزَّوْجِ كَأَخِيهِ وَالْبَذَاءُ بِالْمُعْجَمَةِ أَصْلُهُ الْبَذَاءَةُ بِالْمَدِّ فِيهِمَا أَيْ الْفُحْشُ تَقُولُ مِنْهُ بَذَوْت عَلَى الْقَوْمِ، وَأَبْذَأْتُ عَلَيْهِمْ وَفُلَانٌ بَذِئُ اللِّسَانِ وَفُلَانَةُ بَذِيَّةٌ ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ (وَإِنْ بَذَأَتْ هِيَ عَلَيْهِمْ) أَيْ عَلَى أَحْمَائِهَا (فَلَهُ) أَيْ الزَّوْجِ أَوْ وَارِثِهِ (نَقْلُهَا) مِنْ الْمَسْكَنِ لِمَا مَرَّ فِي آيَةِ وَلَا تُخْرِجُوهُنَّ «وَلِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ» لِمَا قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ كَانَ فِي لِسَانِهَا ذَرَابَةٌ فَاسْتَطَالَتْ عَلَى أَحْمَائِهَا (هَذَا إنْ اتَّحَدَتْ الدَّارُ وَاتَّسَعَتْ لَهَا وَلِلْأَحْمَاءِ) وَلَمْ تَكُنْ مِلْكَهَا وَلَا مِلْكَ أَبَوَيْهَا (فَإِنْ ضَاقَتْ) عَنْهُمْ أَوْ كَانَتْ مِلْكَهَا أَوْ مِلْكَ أَبَوَيْهَا (فَهِيَ أَوْلَى بِهَا فَتُخْرِجُ الْأَحْمَاءَ) مِنْهَا (وَتُنْقَلُ) مِنْ مَسْكَنِهَا (إنْ أَبَذَأَتْ عَلَى الْجِيرَانِ وَتَأَذَّتْ بِهِمْ أَوْ هُمْ بِهَا أَذًى شَدِيدًا)
-
بِخِلَافِ الْيَسِيرِ إذْ لَا يَخْلُو مِنْهُ أَحَدٌ، وَقَوْلُهُ بَذَأَتْ فِي الْمَوْضِعَيْنِ صَوَابُهُ بَذَتْ كَمَا عَبَّرَ بِهِ أَصْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَلُّ اللَّامِ كَدَعَتْ (لَا) إنْ بَذَتْ (عَلَى أَبَوَيْهَا إنْ سَاكَنَتْهُمَا) فِي دَارِهِمَا فَلَا تُنْقَلُ وَلَا يُنْقَلَانِ،
-
وَإِنْ تَأَذَّتْ بِهِمَا أَوْ هُمَا بِهَا؛ لِأَنَّ الشَّرَّ وَالْوَحْشَةَ لَا تَطُولُ بَيْنَهُمْ طُولَهَا مَعَ الْأَحْمَاءِ وَالْجِيرَانِ (وَتُعَذَّرُ مُعْتَدَّةٌ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ أَكَانَتْ عَنْ فُرْقَةِ حَيَاةٍ أَوْ وَفَاةٍ أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ حَيْثُ (لَا تَجِبُ نَفَقَتُهَا) وَلَمْ يَكُنْ لَهَا مَنْ يَقْضِيهَا حَاجَتَهَا (فِي الْخُرُوجِ لِشِرَاءِ الطَّعَامِ وَالْقُطْنِ وَبَيْعِ الْغَزْلِ) وَنَحْوِهَا لِلْحَاجَةِ إلَيْهَا (نَهَارًا لَا لَيْلًا) عَمَلًا بِالْعَادَةِ؛
-
لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ نَهَارًا وَالْأَصْلُ فِيمَا قَالَهُ قَوْلُ جَابِرٍ «طَلُقَتْ خَالَتِي ثَلَاثًا فَخَرَجَتْ تَجُدُّ نَخْلًا لَهَا فَنَهَاهَا رَجُلٌ فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ اُخْرُجِي فَجُدِّي نَخْلَك وَلَعَلَّك أَنْ تَصَدَّقِي مِنْهُ أَوْ تَفْعَلِي خَيْرًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد وَاللَّفْظُ لَهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَنَخْلُ الْأَنْصَارِ قَرِيبٌ مِنْ مَنَازِلِهِمْ وَالْجِدَادُ لَا يَكُونُ إلَّا نَهَارًا أَيْ غَالِبًا.
-
(وَلَهَا الْخُرُوجُ لَيْلًا إلَى الْجِيرَانِ لِلْحَدِيثِ وَالْغَزْلِ) وَنَحْوِهِمَا لِلتَّأَنُّسِ بِهِمْ (وَ) لَكِنْ (لَا تَبِيتُ) عِنْدَهُمْ بَلْ فِي مَسْكَنِهَا الْمَاوَرْدِيُّ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَالْبَيْهَقِيُّ «أَنَّ رِجَالًا اُسْتُشْهِدُوا بِأُحُدٍ فَقَالَتْ نِسَاؤُهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا نَسْتَوْحِشُ فِي بُيُوتِنَا فَنَبِيتُ عِنْدَ إحْدَانَا فَأَذِنَ لَهُنَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَتَحَدَّثْنَ عِنْدَ إحْدَاهُنَّ فَإِذَا كَانَ وَقْتُ النَّوْمِ تَأْوِي كُلُّ امْرَأَةٍ إلَى بَيْتِهَا» وَظَاهِرٌ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ ذَلِكَ مَحِلُّهُ إذَا أَمِنَتْ الْخُرُوجَ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهَا مَنْ يُؤْنِسُهَا (وَلَا تَخْرُجُ الرَّجْعِيَّةُ وَالْمُسْتَبْرَأَةُ) وَالْبَائِنُ الْحَامِلُ لِمَا ذُكِرَ (إلَّا بِإِذْنٍ) أَوْ لِضَرُورَةٍ كَالزَّوْجَةِ؛
-
لِأَنَّهُنَّ مَكْفِيَّاتٌ بِنَفَقَتِهِنَّ، وَهَذَا مَا احْتَرَزَ عَنْهُ فِيمَا مَرَّ بِقَوْلِهِ لَا تَجِبُ نَفَقَتُهَا نَعَمْ لِلْبَائِنِ الْحَامِلِ الْخُرُوجُ لِغَيْرِ تَحْصِيلِ النَّفَقَةِ كَشِرَاءِ قُطْنٍ وَبَيْعِ غَزْلٍ وَنَحْوِهِمَا كَمَا ذَكَرَهُ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ (فَإِنْ لَزِمَهَا حَدٌّ أَوْ يَمِينٌ) فِي دَعْوَى (وَهِيَ بَرْزَةٌ) أَيْ كَثِيرَةُ الْخُرُوجِ (خَرَجَتْ لَهُ أَوْ مُخَدَّرَةٌ حُدَّتْ وَحَلَفَتْ فِي مَسْكَنِهَا) بِأَنْ يَحْضُرَ إلَيْهَا الْحَاكِمُ أَوْ يَبْعَثَ إلَيْهَا نَائِبَهُ (وَإِنْ لَزِمَتْهَا الْعِدَّةُ بِدَارِ الْحَرْبِ هَاجَرَتْ) مِنْهَا إلَى دَارِ
-
٣/٤٠٧٣/٤٠٧
الْإِسْلَامِ (إلَّا مَنْ أَمِنَتْ عَلَى نَفْسِهَا) وَغَيْرِهَا مِمَّا مَرَّ (فَحَتَّى) أَيْ فَلَا تُهَاجِرُ حَتَّى (تَعْتَدَّ،
-
وَإِنْ زَنَتْ) مُعْتَدَّةٌ (وَهِيَ بِكْرٌ غُرِّبَتْ) وَلَا يُؤَخَّرُ تَغْرِيبُهَا إلَى انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا وَيُخَالِفُ تَأْخِيرَ الْحَدِّ لِشِدَّةِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ؛ لِأَنَّهُمَا يُؤَثِّرَانِ فِي الْحَدِّ وَيُعِينَانِ عَلَى الْهَلَاكِ وَالْعِدَّةُ لَا تُؤَثِّرُ فِي الْحَدِّ (وَتَخْرُجُ) مِنْ مَنْزِلِهَا (إنْ رَجَعَ مُعِيرُ الْمَنْزِلِ) فِيهِ (أَوْ تَمَّتْ مُدَّةُ مُؤَجِّرٍ) لَهُ (وَلَمْ يَرْضَ) الْمُعِيرُ أَوْ الْمُؤَجِّرُ (بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ) فَأَقَلَّ لِخَبَرِ «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ (فَإِنْ رَضِيَ بِالْأُجْرَةِ لَا الْإِعَارَةِ، وَقَدْ نُقِلَتْ إلَى) مَسْكَنٍ (مُسْتَعَارٍ رُدَّتْ) إلَى الْأَوَّلِ لِجَوَازِ رُجُوعِ الْمُعِيرِ (أَوْ) إلَى (مُسْتَأْجِرٍ فَوَجْهَانِ) أَحَدُهُمَا تُرَدُّ إلَى الْأَوَّلِ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْفِرَاقِ فِيهِ وَثَانِيهِمَا لَا تُرَدُّ بَلْ تَعْتَدُّ فِي الثَّانِي تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الِاسْتِقْرَارِ فِيهِ
-
بِخِلَافِ مَا إذَا رَضِيَ بِالْإِعَارَةِ فَلَا تُرَدُّ إلَى الْأَوَّلِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَحَمُّلِ الزَّوْجِ مِنْهُ الْعَارِيَّةَ ثَانِيًا وَفِي مَعْنَى الْمُسْتَأْجِرِ الْمُوصَى بِسُكْنَاهُ مُدَّةً وَانْقَضَتْ وَفِي مَعْنَى رُجُوعِ الْمُعِيرِ الْحَجْرُ عَلَيْهِ بِفَلَسٍ أَوْ سَفَهٍ أَوْ جُنُونٍ وَزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ بِمَوْتِهِ أَوْ غَيْرِهِ (وَلَا تُعَذَّرُ فِي الْخُرُوجِ لِتِجَارَةٍ وَزِيَارَةٍ وَتَعْجِيلِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ) وَنَحْوِهَا مِنْ الْأَغْرَاضِ الَّتِي تُعَدُّ مِنْ الزِّيَادَاتِ دُونَ الْمُهِمَّاتِ.