بَابُ الْإِحْرَامِ
أسنى المطالب في شرح روض الطالبالشافعيةالمسائل ٤٬٩٥١ إلى ٤٬٩٦٣
-
١/٤٦٧١/٤٦٧
بِمَعْنَى الدُّخُولِ فِي النُّسُكِ وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِاقْتِضَائِهِ دُخُولَ الْحَرَمِ مِنْ قَوْلِهِمْ أَحْرَمَ إذَا دَخَلَ الْحَرَمَ كَأَنْجَدَ إذَا دَخَلَ نَجْدًا أَوْ لِاقْتِضَائِهِ تَحْرِيمَ الْأَنْوَاعِ الْآتِيَةِ (وَلْيَنْوِ) مُرِيدُ النُّسُكِ (الْإِحْرَامَ بِمَا يُرِيدُ) مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ كِلَيْهِمَا أَوْ مَا يَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْهَا، وَهُوَ الْإِحْرَامُ الْمُطْلَقُ أَمَّا غَيْرُ الْمُطْلَقِ فَلِمَا رَوَى مُسْلِمٌ «عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ» وَأَمَّا الْمُطْلَقُ فَلِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ مُهِلِّينَ يَنْتَظِرُونَ الْقَضَاءَ أَيْ نُزُولَ الْوَحْيِ فَأَمَرَ مَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ أَنْ يَجْعَلَ إحْرَامَهُ عُمْرَةً، وَمَنْ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يَجْعَلَهُ حَجًّا» وَيُفَارِقُ الصَّلَاةَ حَيْثُ لَا يَجُوزُ الْإِحْرَامُ بِهَا مُطْلَقًا بِأَنَّ التَّعْيِينَ لَيْسَ شَرْطًا فِي انْعِقَادِ النُّسُكِ وَلِهَذَا لَوْ أَحْرَمَ بِنُسُكِ نَفْلٍ وَعَلَيْهِ نُسُكُ فَرْضٍ انْصَرَفَ إلَى الْفَرْضِ وَبِأَنَّ الْإِحْرَامَ يُحَافَظُ عَلَيْهِ مَا أَمْكَنَ وَلِهَذَا لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ انْعَقَدَ عُمْرَةً كَمَا مَرَّ ذَلِكَ،
-
وَلَوْ أَحْرَمَ بِنِصْفِ حِجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ انْعَقَدَ حِجَّةً أَوْ عُمْرَةً كَمَا سَيَأْتِي، وَتَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ بِمَا قَالَهُ أَعَمُّ مِنْ قَوْلِ الرَّوْضَةِ يَنْوِي الدُّخُولَ فِي الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ أَوْ فِيهِمَا (وَالتَّلَفُّظُ بِهِ) أَيْ بِمَا يُرِيدُهُ مِنْ ذَلِكَ (مُسْتَحَبٌّ) لِيُؤَكِّدَ مَا فِي الْقَلْبِ كَمَا فِي سَائِرِ الْعِبَادَاتِ (وَيُلَبِّي) نَدْبًا فَيَقُولُ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ: نَوَيْت الْحَجَّ وَأَحْرَمْت بِهِ لِلَّهِ تَعَالَى لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ إلَخْ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «إذَا تَوَجَّهْتُمْ إلَى مِنًى فَأَهِلُّوا بِالْحَجِّ» ، وَالْإِهْلَالُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ:
-
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ أَحْرَمَ لَك شَعْرِي وَبَشَرِي وَلَحْمِي وَدَمِي وَإِنَّمَا لَمْ تَجِبْ التَّلْبِيَةُ فِي الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ لَا يَجِبُ فِي أَثْنَائِهَا وَآخِرِهَا نُطْقٌ فَكَذَا فِي أَوَّلِهَا كَالطُّهْرِ وَالصَّوْمِ (وَيَنْعَقِدُ) الْإِحْرَامُ (بِالنِّيَّةِ لَا بِالتَّلْبِيَةِ) لِخَبَرِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَكَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ (وَإِنْ نَوَى حَجًّا وَلَبَّى بِعُمْرَةٍ انْعَقَدَ حَجًّا) أَوْ بِالْعَكْسِ انْعَقَدَ عُمْرَةً وَلَوْ تَلَفَّظَ بِأَحَدِهِمَا وَنَوَى الْقِرَانَ فَقَارِنٌ أَوْ بِالْقِرَانِ وَنَوَى أَحَدَهُمَا فَهُوَ لِمَا نَوَى صَرَّحَ بِذَلِكَ الْأَصْلُ.
-
(فَرْعٌ، وَإِنْ أَحْرَمَ بِحِجَّةٍ أَوْ حِجَّتَيْنِ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ عُمْرَتَيْنِ أَوْ نِصْفِ حِجَّةٍ أَوْ) نِصْفِ (عُمْرَةٍ انْعَقَدَ حِجَّةً) فِي صُوَرِ الْحَجِّ (أَوْ عُمْرَةً) فِي صُوَرِ الْعُمْرَةِ عَمَلًا بِمَا نَوَاهُ فِيمَا إذَا أَحْرَمَ بِحِجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ وَهُمَا مَعْلُومَتَانِ مِمَّا مَرَّ وَقِيَاسًا عَلَى الطَّلَاقِ فِي مَسْأَلَتَيْ النِّصْفِ وَإِلْغَاءً لِلْإِضَافَةِ إلَى اثْنَتَيْنِ فِيمَا إذَا أَحْرَمَ بِحِجَّتَيْنِ أَوْ عُمْرَتَيْنِ لِتَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِإِحْرَامٍ وَاحِدٍ فَصَحَّ فِي وَاحِدَةٍ كَمَا لَوْ نَوَى بِتَيَمُّمِ فَرْضَيْنِ لَا يَسْتَبِيحُ بِهِ إلَّا وَاحِدًا كَمَا مَرَّ وَفَارَقَ عَدَمُ الِانْعِقَادِ فِي نَظِيرِهِمَا مِنْ الصَّلَاةِ بِمَا مَرَّ فِي الْإِحْرَامِ الْمُطْلَقِ (أَوْ) أَحْرَمَ (بِهِمَا) أَيْ بِحِجَّةٍ وَعُمْرَةٍ أَوْ بِنِصْفَيْهِمَا مَثَلًا (انْعَقَدَتَا،
-
وَإِنْ وَقَّتَ) الْإِحْرَامَ (يَوْمَيْنِ مَثَلًا انْعَقَدَ أَبَدًا) عِبَارَةُ الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا مُطْلَقًا كَمَا فِي الطَّلَاقِ وَقِيَاسُ هَذِهِ وَمَسْأَلَتَيْ النِّصْفِ عَلَى الطَّلَاقِ نَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ وَالْمَجْمُوعِ وَفِيمَا نَقَلَهُ نَظَرٌ، زَادَ فِي الْمَجْمُوعِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْعَقِدَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْعِبَادَاتِ، وَالنِّيَّةُ الْجَازِمَةُ شَرْطٌ فِيهَا
-
بِخِلَافِ الطَّلَاقِ فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْغَلَبَةِ وَالسِّرَايَةِ، وَيَقْبَلُ الْأَخْطَارَ وَيَدْخُلُهُ التَّعْلِيقُ.
-
(وَإِنْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ صَرَفَهُ) قَبْلَ الْعَمَلِ (بِالنِّيَّةِ) لَا بِاللَّفْظِ (إلَى مَا شَاءَ) مِنْ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ وَقِرَانٍ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالنِّيَّةِ لَا بِاللَّفْظِ لَكِنْ لَوْ فَاتَ وَقْتُ الْحَجِّ قَالَ الرُّويَانِيُّ صَرَفَهُ إلَى الْعُمْرَةِ وَالْقَاضِي يُحْتَمَلُ أَنْ يَتَعَيَّنَ عُمْرَةً وَأَنْ يَبْقَى مُبْهَمًا فَإِنْ عَيَّنَهُ لِعُمْرَةٍ فَذَاكَ أَوْ لِحَجٍّ فَكَمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ، وَهَذَا الِاحْتِمَالُ هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَالِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ أَقْرَبُ قُلْت قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَكَلَامُ الرُّويَانِيِّ يُوَافِقُهُ لَكِنَّهُ يُوهِمُ الِاحْتِيَاجَ إلَى الصَّرْفِ،
-
وَلَوْ ضَاقَ وَقْتُهُ فَالْمُتَّجَهُ كَمَا فِي الْمُهِمَّاتِ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّ لَهُ صَرْفَهُ إلَى مَا شَاءَ وَيَكُونُ كَمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ (وَلَا يُجْزِئُهُ الْعَمَلُ قَبْلَ النِّيَّةِ) الصَّارِفَةِ لَكِنْ فِي الْبَيَانِ أَنَّهُ لَوْ طَافَ ثُمَّ صَرَفَهُ لِلْحَجِّ وَقَعَ طَوَافُهُ عَنْ الْقُدُومِ وَذَكَرَ مِثْلَهُ الْحَضْرَمِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَمَعَ أَنَّهُ مِنْ سُنَنِ الْحَجِّ، وَقَدْ فَعَلَ قَبْلَ الصَّرْفِ ذَكَرَهُ فِي الْمُهِمَّاتِ وَعَلَيْهِ لَوْ سَعَى بَعْدَهُ يَحْتَمِلُ الْإِجْزَاءَ لِوُقُوعِهِ تَبَعًا وَيَحْتَمِلُ خِلَافَهُ؛
-
لِأَنَّهُ مِنْ الْأَرْكَانِ أَمَّا إذَا أَحْرَمَ مُطْلَقًا فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ قَالَ الْقَاضِي،
-
وَلَوْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا، ثُمَّ أَفْسَدَهُ قَبْلَ التَّعْيِينِ فَأَيُّهُمَا عَيَّنَهُ كَانَ مُفْسِدًا لَهُ (وَالتَّعْيِينُ) لِمَا يُحْرِمُ بِهِ (أَفْضَلُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْإِطْلَاقِ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَلِيَعْرِفَ مَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْإِخْلَاصِ.
-
(وَلَا يُسْتَحَبُّ ذِكْرُ مَا أَحْرَمَ بِهِ فِي التَّلْبِيَةِ) ؛ لِأَنَّ إخْفَاءَ الْعِبَادَةِ أَفْضَلُ وَلِمَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ نَافِعٍ -
-
١/٤٦٨١/٤٦٨
قَالَ سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ أَيُسَمِّي أَحَدُنَا حَجًّا أَوْ عُمْرَةً فَقَالَ: أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا فِي قُلُوبِكُمْ إنَّمَا هِيَ نِيَّةُ أَحَدِكُمْ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ هَذَا فِي غَيْرِ التَّلْبِيَةِ الْأُولَى أَمَّا الْأُولَى فَيُسْتَحَبُّ فِيهَا ذَلِكَ قَطْعًا وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي أَذْكَارِهِ مِثْلَهُ وَنَقَلَهُ فِي مَنَاسِكِهِ وَمَجْمُوعِهِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ لَكِنْ فِي التَّقْرِيبِ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي الْإِمْلَاءِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ فِي الْأُولَى قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ فَهُوَ الصَّوَابُ قَالَ وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَجْهَرُ بِهَذِهِ التَّلْبِيَةِ بَلْ يُسْمِعُهَا نَفْسَهُ
-
بِخِلَافِ مَا بَعْدَهَا فَإِنَّهُ يَجْهَرُ بِهَا وَخَرَجَ بِالتَّلْبِيَةِ النِّيَّةُ فَيُسْتَحَبُّ ذِكْرُ مَا أَحْرَمَ بِهِ فِيهَا كَمَا مَرَّ.