الْبَابُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِ الْقِرَاضِ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ
أسنى المطالب في شرح روض الطالبالشافعيةالمسائل ١١٬٠٠٠ إلى ١١٬٠١١
-
٢/٣٨٥٢/٣٨٥
(الْأَوَّلُ) أَنْ يَتَقَيَّدَ (التَّصَرُّفُ) مِنْ الْعَامِلِ (بِالْمَصْلَحَةِ كَالْوَكِيلِ فَلَا يُعَامِلُ بِنَسِيئَةٍ) بَيْعًا وَلَا شِرَاءً؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَهْلِكُ رَأْسُ الْمَالِ فَتَبْقَى الْعُهْدَةُ مُتَعَلِّقَةً بِالْمَالِكِ وَلَا بِغَبْنٍ فَاحِشٍ وَلَا يَشْتَرِي شَيْئًا بِثَمَنِ مِثْلِهِ وَهُوَ لَا يَرْجُو حُصُولَ رِبْحٍ فِيهِ لِأَنَّ الْإِذْنَ لَا يَقْتَضِيهِ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَلَا يَشْتَرِي بِغَيْرِ جِنْسِ رَأْسِ الْمَالِ (وَعَلَيْهِ حَبْسُ الْمَبِيعِ لِلثَّمَنِ) أَيْ لِقَبْضِهِ كَالْوَكِيلِ (وَيَلْزَمُهُ الْإِشْهَادُ) بِالْبَيْعِ نَسِيئَةً (إنْ أَذِنَ لَهُ فِي النَّسِيئَةِ) وَقِيَاسُ مَا مَرَّ فِي الْوَكَالَةِ بِأَدَاءِ الدَّيْنِ وَنَحْوِهِ الِاكْتِفَاءُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ وَبِمَسْتُورٍ قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ فَإِنْ تَرَكَ الْإِشْهَادَ ضَمِنَ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ مِنْ ثِقَةٍ مَلِيءٍ كَمَا مَرَّ فِي بَيْعِ مَالِ الْمَحْجُورِ (وَفِي الثَّمَنِ) أَيْ وَفِي بَيْعِهِ بِالثَّمَنِ (الْحَالِّ لَا يَلْزَمُهُ الْإِشْهَادُ) لِعَدَمِ جَرَيَانِ الْعَادَةِ بِهِ فِي الْبَيْعِ بِالْحَالِّ وَلِأَنَّهُ يَحْبِسُ الْمَبِيعَ إلَى قَبْضِ الثَّمَنِ كَمَا مَرَّ (فَإِنْ سَلَّمَ الْمَبِيعَ قَبْلَ قَبْضِهِ) أَيْ الثَّمَنِ (ضَمِنَ) كَالْوَكِيلِ (إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي ذَلِكَ) فَلَا يَضْمَنَ لِلْإِذْنِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ:
-
وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ الْإِذْنِ بِالنَّسِيئَةِ أَنْ يَشْتَرِيَ، أَوْ يَبِيعَ سَلَمًا؛ لِأَنَّ عَقْدَ السَّلَمِ أَكْثَرُ غَرَرًا نَعَمْ إنْ أَذِنَ لَهُ فِي الشِّرَاءِ سَلَمًا جَازَ، أَوْ فِي الْبَيْعِ سَلَمًا لَمْ يَجُزْ.
-
قَالَ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وُجُودُ الْحَظِّ غَالِبًا فِي الشِّرَاءِ وَعَدَمُهُ فِي الْبَيْعِ وَقَدْ يُقَالُ الْأَوْجَهُ جَوَازُهُ فِي صُورَةِ الْبَيْعِ أَيْضًا لِوُجُودِ الرِّضَا مِنْ الْجَانِبَيْنِ قَالَ وَلَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ الْبَيْعَ بِالْمُؤَجَّلِ دُونَ الْحَالِّ فَسَدَ الْعَقْدُ (وَيَخْتَصُّ) الْعَامِلُ (دُونَ الْوَكِيلِ بِجَوَازِ الْبَيْعِ بِالْعَرَضِ) لِأَنَّ الْقَصْدَ هُنَا الِاسْتِرْبَاحُ وَالْبَيْعُ بِذَلِكَ طَرِيقٌ إلَيْهِ وَاسْتَشْكَلَهُ الْإِسْنَوِيُّ بِالْمَنْعِ فِي الشَّرِيكِ وَيُجَابُ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَمْنَعُوا فِي الشَّرِيكِ، وَإِنَّمَا قَالُوا لَا يَبِيعُ بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ، وَالْمُرَادُ بِنَقْدِ غَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ: إلَّا أَنْ يَرُوجَ وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ فَلَا إشْكَالَ، وَقِيَاسُ جَوَازِ الْبَيْعِ بِالْعَرَضِ جَوَازُهُ بِنَقْدِ غَيْرِ الْبَلَدِ لَكِنْ جَزَمَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَسُلَيْمٌ وَالرُّويَانِيُّ بِالْمَنْعِ كَالْوَكِيلِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ قَالَ السُّبْكِيُّ وَيُفَارِقُ الْعَرَضَ بِأَنَّهُ لَا يَرُوجُ ثَمَّ فَيَتَعَطَّلَ الرِّبْحُ
-
بِخِلَافِ الْعَرَضِ قُلْت وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ إنْ رَاجَ جَازَ ذَلِكَ وَيُؤَيِّدُهُ كَلَامُ ابْنِ أَبِي عَصْرُونٍ السَّابِقُ وَكَالْبَيْعِ بِمَا ذُكِرَ الشِّرَاءُ بِهِ صَرَّحَ بِهِ الْغَزَالِيُّ فِي وَسِيطِهِ وَابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ (وَ) يَجُوزُ (شِرَاءُ الْمَعِيبِ وَلَوْ بِقِيمَتِهِ) مَعِيبًا (لِلْمَصْلَحَةِ) أَيْ عِنْدَهَا (وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا رَدُّهُ) بِالْعَيْبِ حِينَئِذٍ لِعِلْمِهِ بِالْعَيْبِ وَلِإِخْلَالِهِ بِالْمَقْصُودِ (فَإِنْ جَهِلَهُ) أَيْ الْعَامِلُ الْعَيْبَ (وَفُقِدَتْ الْمَصْلَحَةُ) أَيْ مَصْلَحَةُ الْإِمْسَاكِ وَلَوْ مَعَ فَقْدِ مَصْلَحَةِ الرَّدِّ أَيْضًا (فَلِكُلٍّ) مِنْهُمَا (رَدُّهُ) وَإِنْ رَضِيَ بِهِ الْآخَرُ، وَإِنَّمَا لَمْ يُؤَثِّرْ رِضَا الْمَالِكِ بِهِ؛
-
لِأَنَّ الْعَامِلَ صَاحِبُ حَقٍّ فِي الْمَالِ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ.
-
وَفُهِمَ بِالْأَوْلَى أَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا الرَّدَّ إذَا كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ تَقْتَضِيهِ بَلْ الْقِيَاسُ وُجُوبُهُ عَلَى الْعَامِلِ كَعَكْسِهِ وَتَعْبِيرُهُ كَالْمِنْهَاجِ بِالْمَصْلَحَةِ فِي هَذَا الْبَابِ أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِ الْأَصْلِ بِالْغِبْطَةِ وَهِيَ الزِّيَادَةُ عَلَى الْقِيمَةِ زِيَادَةً لَهَا بَالٌ وَتَعْبِيرُهُ بِفَقْدِ الْمَصْلَحَةِ أَعَمُّ مِنْ قَوْلِ أَصْلِهِ وَلَهُ الرَّدُّ إنْ كَانَ فِيهِ غِبْطَةٌ (وَإِنْ اخْتَلَفَا فِيهَا) أَيْ فِي الْمَصْلَحَةِ أَيْ فِي وُجُودِهَا (رُفِعَ) الْأَمْرُ (إلَى الْحَاكِمِ) لِيَعْمَلَ بِالْمَصْلَحَةِ؛
-
لِأَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا حَقًّا وَهَذَا مُرَادُ الْأَصْلِ بِقَوْلِهِ وَلَوْ تَنَازَعَا فِي الرَّدِّ وَتَرْكِهِ عَمِلَ.
-
٢/٣٨٦٢/٣٨٦
بِالْمَصْلَحَةِ (وَحَيْثُ يَنْقَلِبُ) الْعَقْدُ (لِلْوَكِيلِ) فِيمَا مَرَّ فِي الْوَكَالَةِ (يَنْقَلِبُ لِلْعَامِلِ) هُنَا (وَلَا تَصِحُّ مُعَامَلَتُهُ) أَيْ الْمَالِكِ (لِعَامِلِهِ) كَأَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى بَيْعِ مَالِهِ بِمَالِهِ (كَعَبْدِهِ) أَيْ كَمَا لَا تَصِحُّ مُعَامَلَةُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ الْمَأْذُونِ لَهُ.
-
(فَرْعٌ: لَا يَشْتَرِي) الْعَامِلُ (لِلْقِرَاضِ إلَّا بِقَدْرِ مَالِهِ) رَأْسَ مَالٍ وَرِبْحًا وَجِنْسًا فَلَوْ اشْتَرَى بِأَكْثَرَ مِنْهُ لَمْ يَقَعْ مَا زَادَ عَنْ جِهَةِ الْقِرَاضِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَمَلَكَهُ رَبُّ الْمَالِ وَوَجَبَ عَلَيْهِ ثَمَنُهُ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ فِي تَمَلُّكِ الزَّائِدِ وَلَا فِي شَغْلِ ذِمَّتِهِ بِثَمَنِهِ (فَإِنْ اشْتَرَى لَهُ) أَيْ لِلْقِرَاضِ (عَبْدًا بِقَدْرِهِ) وَلَوْ فِي ذِمَّتِهِ (ثُمَّ اشْتَرَى آخَرَ بِالْمَالِ بَطَلَ) الشِّرَاءُ الثَّانِي؛
-
لِأَنَّ الْمَالَ صَارَ مُسْتَحَقَّ الصَّرْفِ لِلْأَوَّلِ (وَوَقَعَ الْأَوَّلُ لِلْمَالِكِ) قِرَاضًا (فَإِنْ) كَانَ قَدْ (عَقَدَ الثَّانِيَ فِي ذِمَّتِهِ وَقَعَ لِلْعَامِلِ) حَيْثُ يَقَعُ شِرَاءُ الْوَكِيلِ الْمُخَالِفُ لَهُ نَعَمْ لَوْ وَقَعَ الثَّانِي بِالْعَيْنِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ أَيْ لَهُ أَوَّلُهُمَا قَالَ فِي الْمَطْلَبِ فَيُشْبِهُ أَنْ يَأْتِيَ فِيهِ مَا سَبَقَ فِي بَيْعِ الْمَبِيعِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ وَالرَّاجِحُ فِيهِ الصِّحَّةُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَفِيهِ نَظَرٌ؛
-
لِأَنَّ ذَاكَ إنَّمَا هُوَ فِي الْبَائِعِ عَلَى نَفْسِهِ أَمَّا الْوَكِيلُ فَلَا إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ صَرَّحَ بِهِ فِيهِ،
-
وَإِذَا وَقَعَ الْعَقْدُ لِلْعَامِلِ (فَإِنْ سَلَّمَ الْمَالَ فِيهِ) أَيْ فِي ثَمَنِهِ (ضَمِنَهُ) أَيْ دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ لِتَعَدِّيهِ (وَكَانَ الْعَبْدُ الْأَوَّلُ فِي يَدِهِ أَمَانَةً) لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ فِيهِ (فَإِنْ تَلِفَ الْمَالُ) الْمُسَلَّمُ (وَ) كَانَ (الشِّرَاءُ الْأَوَّلُ بِعَيْنِهِ انْفَسَخَ) الشِّرَاءُ لِتَلَفِ الثَّمَنِ قَبْلَ قَبْضِهِ (أَوْ) كَانَ (فِي الذِّمَّةِ فَالثَّمَنُ عَلَى الْمَالِكِ) لِوُقُوعِ الْعَقْدِ لَهُ (وَلَهُ عَلَى الْعَامِلِ مِثْلُهُ) لِمَا مَرَّ أَنَّهُ ضَامِنٌ لِلثَّمَنِ (فَإِنْ سَلَّمَهُ) أَيْ الثَّمَنَ (الْعَامِلُ بِالْإِذْنِ) مِنْ الْمَالِكِ (لِيَرْجِعَ) بِهِ (حَصَلَ التَّقَاصُّ، أَوْ) سَلَّمَهُ (بِلَا إذْنٍ بَرِئَ الْمَالِكُ) مِنْهُ (دُونَهُ) أَيْ الْعَامِلِ فَيَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ لِلْمَالِكِ (وَفَازَ الْمَالِكُ بِالْعَبْدِ) فَيَكُونُ مَالَ قِرَاضٍ.