من يرخص لهم في الفطر، ويجب عليهم القضاء
فقه السنةالفقه المقارنالمسائل ٥٬٣٤٣ إلى ٥٬٣٩٧
-
١/٤٤١١/٤٤١
يباح الفطر للمريض الذي يرجى برؤه، والمسافر، ويجب عليهما القضاء.
-
قال الله تعالى: (ومن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) .
-
وروى أحمد، وأبو داود، والبيهقي، بسند صحيح، من حديث معاذ، قال: " إن الله تعالى فرض على النبي صلى الله عليه وسلم الصيام، فأنزل: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم) إلى قوله: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) فكان من شاء صام. ومن شاء أطعم مسكينا. فأجزأ ذلك عنه.
-
ثم إن الله تعالى أنزل الآية الاخرى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) إلى قوله (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) فأثبت صيامه على المقيم الصحيح، ورخص فيه للمريض والمسافر، وأثبت الاطعام للكبير الذي لايستطيع الصيام ".
-
والمرض المبيح للفطر، هو المرض الشديد الذي يزيد بالصوم، أو يخشى تأخر برئه (١) .
-
قال في المغني: " وحكى عن بعض السلف: أنه أباح الفطر بكل مرض، حتى من وجع الاصبع والضرس، لعموم الآية فيه، ولان المسافر يباح له الفطر، وإن لم يحتج إليه، فكذلك المريض " وهذا مذهب البخاري، وعطاء، وأهل الظاهر.
-
١/٤٤٢١/٤٤٢
والصحيح الذي يخاف المرض بالصيام، يفطر، مثل المريض
-
وكذلك من غلبه الجوع أو العطش، فخاف الهلاك، لزمه الفطر وإن كان صحيحا مقيما وعليه القضاء.
-
قال الله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) .
-
وقال تعالى (وما جعل عليكم في الدين من حرج) .
-
وإذا صام المريض، وتحمل المشقة، صح صومه، إلا أنه يكره له ذلك لاعراضه عن الرخصة التي يحبها الله، وقد يلحقه بذلك ضرر.
-
وقد كان بعض الصحابة يصوم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعضهم يفطر، متابعين في ذلك فتوى الرسول صلى الله عليه وسلم.
-
قال حمزة الاسلمي: يا رسول الله، أجد مني قوة على الصوم في السفر، فهل علي جناح؟ فقال: هي " رخصة من الله تعالى فمن أخذ بها، فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه " رواه مسلم، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة - ونحن صيام - قال: فنزلنا منزلا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم " فكانت رخصة، فمنا من صام، ومنا من أفطر،
-
ثم نزلنا منزلا آخر، فقال: " إنكم مصبحو عدوكم، والفطر أقوى لكم " فأفطروا، فكانت عزمة، فأفطرنا،
-
ثم رأيتنا نصوم بعد ذلك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، في السفر " رواه أحمد ومسلم وأبو داود.
-
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فمنا الصائم، ومنا المفطر،
-
فلا يجد الصائم على المفطر (١) ولا المفطر على الصائم ثم يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفا فأفطر،
-
فإن ذلك حسن. رواه أحمد ومسلم.
-
وقد اختلف الفقهاء في أيهما أفضل؟.
-
فرأى أبو حنيفة، والشافعي، ومالك: أن الصيام أفضل، لمن قوي
-
١/٤٤٣١/٤٤٣
عليه، والفطر أفضل لمن لا يقوى على الصيام.
-
وقال أحمد: الفطر أفضل.
-
وقال عمر بن عبد العزيز: أفضلهما أيسرهما،
-
فمن يسهل عليه حينئذ، ويشق عليه قضاؤه بعد ذلك، فالصوم في حقه أفضل.
-
وحقق الشوكاني، فرأى أن من كان يشق عليه الصوم، ويضره،
-
وكذلك من كان معرضا عن قبول الرخصة، فالفطر أفضل
-
وكذلك من خاف على نفسه العجب أو الرياء - إذا صام في السفر - فالفطر في حقه أفضل.
-
وما كان من الصيام خاليا عن هذه الامور، فهو أفضل من الافطار.
-
وإذا نوى المسافر الصيام بالليل، وشرع فيه، جاز له الفطر أثناء النهار.
-
فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة عام الفتح فصام حتى بلغ كراع الغميم (١) ، وصام الناس معه، فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام،
-
وإن الناس ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر، فشرب، والناس ينظرون إليه، فأفطر بعضهم وصام بعضهم، فبلغه: أن ناسا صاموا، فقال: " أولئك العصاة " (٢) رواه مسلم والنسائي، والترمذي وصححه.
-
وإذا ما نوى الصوم - وهو مقيم - ثم سافر في أثناء النهار فقد ذهب جمهور العلماء إلى عدم جواز الفطر له، وأجازه أحمد وإسحاق.
-
لما رواه الترمذي - وحسنه - عن محمد بن كعب قال: أتيت في رمضان أنس بن مالك، وهو يريد سفرا، وقد رحلت له راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل فقلت له: سنة؟ فقال: سنة،
-
ثم ركب (٣) .
-
وعن عبيد بن جبير قال: ركبت مع أبي بصرة الغفاري في سفينة من الفسطاط (٤) في رمضان، فدفع،
-
ثم قرب غداءه ثم قال: اقترب، فقلت
-
١/٤٤٤١/٤٤٤
ألست بين البيوت فقال أبو بصرة: أرغبت عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم (١) ؟.
-
رواه أحمد، وأبو داود، ورجاله ثقات.
-
قال الشوكاني: والحديثان يدلان على أن للمسافر أن يفطر قبل خروجه، من الموضع الذي أراد السفر منه.
-
وقال: قال ابن العربي:
-
وأما حديث أنس، فصحيح، يقتضي جواز الفطر، مع أهبة السفر.
-
وقال: وهذا هو الحق.
-
والسفر المبيح للفطر، هو السفر الذي تقصر الصلاة بسببه، ومدة الاقامة التي يجوز للمسافر أن يفطر فيها، هي المدة التي يجوز له أن يقصر الصلاة فيها.
-
وتقدم جميع ذلك في مبحث قصر الصلاة ومذاهب العلماء وتحقيق ابن القيم.
-
وقد روى أحمد، وأبو داود، والبيهقي، والطحاوي.
-
عن منصور الكلبي: أن دحية بن خليفة خرج من قرية، من دمشق مرة، إلى قدر عقبة (٢) من الفسطاط، في رمضان،
-
ثم إنه أفطر، وأفطر معه ناس.
-
وكره آخرون أن يفطروا، فلما رجع إلى قريته، قال: والله لقد رأيت اليوم أمرا ما كنت أظن أني أراه، إن قوما رغبوا عن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، يقول ذلك للذين صاموا،
-
ثم قال عند ذلك: اللهم اقبضني إليك.
-
من يجب عليه الفطر والقضاء معا:
-
وجميع رواة الحديث ثقات، إلا منصور الكلبي، وقد وثقه العجلي.
-
اتفق الفقهاء على أنه يجب الفطر على الحائض، النفساء ويحرم عليهما الصيام،
-
وإذا صاتا لا يصح صومهما، ويقع باطلا، وعليهما قضاء ما فاتهما.
-
روى البخاري، ومسلم، عن عائشة، قالت: كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنؤمر بقضاء الصوم،
-
ولا نؤمر بقضاء الصلاة.