الدية
فقه السنةالفقه المقارنالمسائل ١٧٬٢٦٨ إلى ١٧٬٣٢٩
-
٢/٥٥١٢/٥٥١
تعريفها: الدية هي المال الذي يجب بسبب الجناية، وتؤدى إلى المجني عليه، أو وليه.
-
يقال: وديت القتيل: أي أعطيت ديته.
-
وهي تنتظم ما فيه القصاص، وما لا قصاص فيه.
-
وتسمى الدية، ب " العقل " وأصل ذلك: أن القاتل كان إذا قتل قتيلا، جمع الدية من الابل.
-
فعقلها بفناء أولياء المقتول: أي شدها بعقالها ليسلمها إليهم.
-
يقال: عقلت عن فلان إذا غرمت عنه دية جنايته.
-
وقد كان النظام الدية معمولا به عند العرب، فأبقاه الاسلام.
-
وأصل ذلك قول الله سبحانه: " وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا، إلا خطأ.
-
ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله، إلا أن يصدقوا.
-
وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق، فدية مسلمة إلى أهله، وتحرير رقبة مؤمنة،
-
فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، توبة من الله، وكان الله عليما حكيما " (١) .
-
وروى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: " كانت قيمة الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانماية دينار، أو ثمانية آلاف درهم.
-
ودية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلمين.
-
٢/٥٥٢٢/٥٥٢
قال: فكان ذلك كذلك.
-
حتى استخلف عمر رحمه الله، فقام خطيبا فقال: ألا إن الابل قد غلت.
-
قال: ففرضها عمر على أهل الذهب (١) ألف دينار، وعلى أهل الورق اثنا عشر ألفا.
-
وعلى أهل البقر مائتي بقرة.
-
وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة (٢) .
-
قال: وترك دية أهل الذمة لم يرفعها فيما رفعه من الدية.
-
قال الشافعي بمصر: لا يؤخذ من أهل الذهب ولامن أهل الورق إلا قيمة الابل بالغة ما بلغت.
-
والمرجح أنه لم يثبت بطريق لا شك فيه تقدير الرسول الدية بغير الابل، فيكون عمر قد زاد في أجناسها، وذلك لعلة جدت واستوجبت ذلك.
-
حكمتها: والمقصود منها: الزجر، والردع، وحماية الانفس.
-
ولهذا يجب أن تكون بحيث يقاسي من أدائها المكلفون بها، ويجدون منها حرجا وألما ومشقة،
-
ولا يجدون هذا الالم ويشعرون به، إلا إذا كان مالا كثيرا ينقص من أموالهم، ويضيقون بأدائه ودفعه إلى المجني عليه أو ورثته، فهي جزاء يجمع بين العقوبة والتعويض.
-
(٣) قدرها: الدية فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدرها فجعل دية الرجل الحر المسلم: مائة من الابل على أهل الابل (٤) ، ومائتي بقرة على أهل
-
٢/٥٥٣٢/٥٥٣
البقر، وألفي شاة على أهل الشاء، وألف دينار على أهل الذهب، واثني عشر ألف درهم على أهل الفضة، ومائتي حلة على أهل الحلل.
-
فأيها أحضر من تلزمه الدية لزم الولي قبولها، سواء أكان ولي الجناية من أهل ذلك النوع أو لم يكن، لانه أتى بالاصل في الواجب عليه.
-
القتل الذي تجب فيه:
-
ومن المتفق عليه بين العلماء أنها تجب في القتل الخطأ وفي شبه العمد، وفي العمد الذي وقع ممن فقد شرطا من شروط التكليف، مثل الصغير (١) والمجنون.
-
وفي العمد الذي تكون فيه حرمة المقتول ناقصة عن حرمة القاتل، مثل الحر إذا قتل العبد.
-
كما تجب على النائم الذي انقلب في نومه على آخر فقتله.
-
وعلى من سقط على غيره فقتله، كما تجب على من حفر حفرة فتردى فيها شخص فمات، وعلى من قتل بسبب الزحام.
-
وجاء في ذلك عن حنش بن المعتمر، عن علي رضي الله عنه قال: " بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فانتهينا إلى قوم قد بنو زبية للاسد، فبينما هم كذلك يتدافعون إذ سقط رجل فتعلق بآخر، ثم تعلق الرجل بآخر، حتى صاروا فيها أربعة، فجرحهم الاسد، فانتدب له رجل بحربة فقتله، وماتوا من جراحهم كلهم، فقام أولياء الاول إلى أولياء الآخر، فأخرجوا السلاح ليقتتلوا، فأتاهم علي رضي الله عنه على تفئة ذلك، فقال: تريدون أن تقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي.
-
إني أقضي بينكم قضاء، إن رضيتم به فهو القضاء، وإلا حجر بعضكم
-
٢/٥٥٤٢/٥٥٤
على بعض حتى تأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون هو الذي يقضي بينكم فمن عدا ذلك فلا حق له.
-
أجمعوا من قبائل الذين حفروا البئر: ربع الدية.
-
وثلث الدية، ونصف الدية، والدية كاملة.
-
فللاول: ربع الدية، لانه هلك من فوق ثلاثة.
-
وللثاني: ثلث الدية.
-
وللثالث: نصف الدية.
-
وللرابع: الدية كاملة.
-
فأبوا إلا أن يمضوا، وأتو النبي صلى الله عليه وسلم وهو عند مقام إبراهيم، فقصوا عليه القصة، فأجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم ".
-
رواه أحمد، ورواه بلفظ آخر نحو هذا، وجعل الدية على قبائل الذين ازدحموا.
-
وعن علي بن رباح اللخمي أن أعمى كان ينشد في الموسم في خلافة عمر ابن الخطاب، وهو يقول: يا أيها الناس لقيت منكرا - هل يعقل الاعمى الصحيح المبصرا جرا معا كلاهما تكسرا وذلك أن أعمى كان يقوده بصير، فوقعا في بئر.
-
فوقع الاعمى على البصير فمات البصير، فقضى عمر بعقل البصير على الاعمى.
-
رواه الدارقطني.
-
وفي الحديث " أن رجلا أتى أهل أبيات فاستسقاهم فلم يسقوه حتى مات، فأغرمهم عمر رضي الله عنه الدية ".
-
حكاه أحمد في رواية ابن منصور، وقال: أقول به.
-
ومن صاح على آخر فجأة، فمات من صيحته تجب ديته.
-
ولو غير صورتهوخوف صبيا فجن الصبي فإنه يضمن.
-
الدية مغلظة ومخففة: والدية تكون مغلظة ومخففة، فالمخففة تجب في قتل الخطأ، والمغلظة تجب في قتل شبه العمد.
-
وأمادية قتل العمد إذا عفا ولي الدم فإن الشافعي والحنابلة يرون أنه يجب في هذه الحال دية مغلظة.
-
٢/٥٥٥٢/٥٥٥
وأما أبو حنيفة فإنه يرى أنه لادية في العمد، وإنما الواجب فيه ما اصطلح الطرفان عليه.
-
وما اصطلحوا عليه حال، غير مؤجل.
-
والدية المغلظة مائة من الابل في بطون أربعين منها أولادها.
-
لما رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن قبة بن أوس،
-
عن رجل من الصحابة أنه صلى الله عليه وسلم، قال: " ألا إن قتل خطأ العمد بالسوط، والعصا، والحجر فيه دية مغلظة: مائة من الابل، منها أربعون من ثنية (١) إلى بازل عامها، كلهن خلفة " .
-
والتغليظ لا يعتبر إلا في الابل خاصة دون غيرها، لان الشارع ورد بذلك، وهذا سبيله التوقيف والسماع الذي لا مدخل للرأي فيه، لانه من بات المقدرات.
-
تغليظ الدية في الشهر الحرام والبلد الحرام وفي الجناية على القريب: ويرى الشافعي وغيره: أن الدية تغلظ في النفس والجراح بالجناية في البلد الحرام، وفي الشهر الحرام، وفي الجناية على ذي الرحم المحرم، لان الشرع عظم هذه الحرمات، فتعظم الدية بعظم الجناية.
-
وروي عن عمر، والقاسم بن محمد، وابن شهاب: أن يزاد في الدية مثل ثلثها.
-
وذهب أبو حنيفة ومالك: إلى أن الدية لا تغلظ لهذه الاسباب، لانه لا دليل على التغليظ، إذ أن الديات يتوقف فيها على الشارع، والتغليظ فيما وقع خطأ بعيد عن أصول الشرع.