ما جاء فى تحريم الخمر
النوادر والزياداتMalikimasa’il 87816 to 87854
-
14/28214/282
قال ابن حبيب: ذم اللة الخمر فى ايتين، وحرمها فى الثالثة التى أنزلها بعدهما فى سورة المائدة. نسخ بها الآيتين، وهما: (يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير) (١) يقول:
-
ما يجر من دواعى السكر (ومنافع للناس) (٢) كان يشربها الرجل للهم يعرض لة فيسكرة، ومنافع الميسر مقامرتهم بة، وإثمة ما يقع فى خلال ذلك من الشحناء والمنازعة.
-
ثم أنزل اللة الثانية فى النساء (لا تقربوا الصلاة وانتم سكارى) (٣) ثم أنزل الثالثة الناسخة (إنما الخمر والميسر والأنصاب والازلاة) إلى قولة (منتهون) (٤) وأمرة باجتنابها تحريم، كما أوامرة واجبة، وقد قرنها بالميسر والأنصاب وهى الأصنام.
-
قال أبو بكر بن المنكدر (٥) : والخمر التى حرم اللة هى السكر الذى
-
14/28314/283
يثمل كثيرة ويسكر (١) ، ويدعو إلى العداوة والبغضاء ويصد عن ذكر اللة وعن الصلاة.
-
فالخمر لم تحرم لطيب طعم ولا للون ولا لرائحة، ولكن لما يكون عنها.
-
ولا فرق بين مسكر العنب ومسكر التمر وغيرة. وإنما سميت خمرا لمخامرتها العقل، والسكر إنما سمى سكرا لأنة يسكر لمخامرتة العقل. قال اللة عز وجل (ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منة سكرا) (٢) فالسكر الخمر.
-
وقال أنس: إن خمرهم كانت يوم نزل تحريمها من فضيخ (٣) التمر والرطب. وقد أمر (٤) من حضر من الانصار أن يريقها حتى نزلت الآية فلم يشكوا أنها الخمر. وعمر قد قال: نزل تحريمها يوم نزل وهى من خمس،
-
ثم أجمل فقال: ألا وإن لخمر ما خامر العقل، فتبين معناها.
-
ولو كان إلى القياس وجب أن يقاس عصير العنب على (كل) (٥) مسكر التمر وغيرة، لأن السكر مما عدا العنب ليس الغرض منة إلا السكر، فهو أخص بالتحريم، إذ من أجل السكر حرمت واحتيط على العباد فمنعوا (٦) من قليلها إذ كان داعية إلى كثيرها.
-
ومثل هذا فى التعبد كثير، منة الخاطب فى العدة أبيح لة التعريض ومنع ومنع من التصريح؛ ومنة سائق الهدى تطوعا أمر أن لا يأكل منة خيفة التطرق إلى نحرة ثم يدعى عطبة؛ ومنة البيع عند النداء خشية فوت الجمعة فمنع البيع فية.
-
وهذا يكثر ذكرة (٧) .
-
14/28414/284
ومن أحل المسكر فإنما أغمض واستعمل التغافل، وإلا فالأمر واضح. وعارض بعض المتأخرين بأخذ الرجل الدواء المزيل لعقلة. وهذا عجيب، فالزائل العقل من غير المسكر، ذهل عما علية السكران طريح مرض يبكى علية، والآخر، إن كان ذا حياء قل حياؤة، أو عفيفا زالت عفتة،
-
فلا يطعن بالأبا طيل فى أدلة الحق.
-
ومعنى آخر أن المتنازل للسكر قصد وأراد أن يخامر عقلة ليطرب ويلهو، والمتناول للدواء لم يقصد لهذا، وإنما أمر حدث علية.
-
قال غيرة: والعصير من العنب الذى جامعونا علية لم ينقلة إلى اسم الخمر إلا الشدة، فوجب لة ذلك الاسم بحدوثها لقليلة وكثيرة، وصار بحدوثها فية الصفات التى ذكر اللة - عز وجل - تحريم الخمر لها من السكر والصد عن ذكر اللة وعن الصلاة.
-
والخمر والسكر معنى واحد وقد قرن (اللة) (١) النخيل والأعناب فيما يتولد عنهما مما يجب لة هذا الاسم. وثبت أن النبى قال: كل مسكر حرام (٢) وقال: ما أسكر كثيرة فقليلة حرام (٣) وقال: كل مسكر خمر (٤) .
-
وخطب بة عمر على الناس وقال: إن الخمر من خمسة أشياء يوم نزل تحريمها.
-
ثم قال: والخمر ما خامر العقل. وثبت أن النبى سئل عن البتع فقال: كل شراب أسكر فهو حرام (٥) ، وأنة قال للذين سألوة من
-
14/28514/285
اليمن عن شرابهم وأنهم لا يصلحهم إلا ذلك لبرد أرضهم. فقال السكر؟ قالوا نعم. فنهاهم عنة وقال: كل مسكر حرام، ولم يريدوا أنة لا يصلحهم إلا أن يسكروا، وإنما رغبوا فى شربة، فحرمة عليهم وأدخلة فى اسم الخمر التى قامت (١) معانيها فية.
-
ولما كان العصير من عنب أو فضيخ تمر لا يجب لة اسم لخمر أو المسكر إلا بحدوث الشدة دل على ان الشدة الحادثة أوجبت هذا الاسم لقليلة وكثيرة، فصار تحريم قليلة وكثيرة بهذة العلة الحادثة التى نقلت اسمة، فوجب لغيرة من الأشربة حكمة أن يستحق الاسم والمعنى إذا قام فية ما قام فى العصير بالشدة من المعانى التى لها وجب الاسم، ولة حرمت، فصار قليلة وكثيرة معلولا مقيسا علية، إذ وجب اسم الخمر لقليلة بهذا كما وحب لكثيرة.
-
ولو كان قليلة لم يسم خمرا لعلة الشدة ولكن لغير علة، لزمك أن قليل عصير العنب اسمة خمر قبل الشدة، وهذا فاسد. فقد صح أن قليلة حدث لة اسم الخمر بالشدة، وصار فية من العلة التى نقلت اسم ما فى كثيرة.
-
فإن تعسف فقال وجب لها اسم الخمر لقليلها وكثيرها بالشدة حرم كثيرها لما فية من السكر الداعى إلى ما ذكر اللة سبحانة من الصد عن الذكر وعن الصلاة.
-
قيل: قد أعطى أن الخمر هو الداعى إلى ذلك، وأنة لذلك حرمة، فأوضح بذلك أن يدعو إلية قليلة لأنة يدعو إلى كثيرة ويتطرق إلية، كما يدعو كثيرة إلى نهاية تلك الأمور.
-
وكثير فى الشريعة بهذا المعنى يمتنع للجرائر والدواعى. وقد قرن اللة النخيل والأعناب بمعنى واحد فيما يتولد عنهما من السكر الذى هو الخمر.
-
14/28614/286
وقد تعسف بعض المتأخرين فى تحليل النقيع من غير العنب،
-
ولا سلف لهم فية، وتعسفوا فى دفع الآثار وقابلوها بأحاديث لا تثبت واستكرهوا التأويل الفاسد فيما قد ثبت التحريم، وألزمناهم لما أقروا بما ثبت من الحديث في تحريم المسكر، لأن آخر المشروب لا يسكر منفرداً، فقد دخل القليل تحت هذا لاسم، كما دخل اسم الخمر تحت قليلة، فوجب الاسم لقليلة وكثيره، لأن لقليله معنى من مخامرة العقل، كما فيه معنى من موجبات السكر بعد مكابرتهم إلي أن مثل ذلك.
-
تخليل العقار القاتل كثيره، وهو ما ينتج من الطعام وما دونه من الأكل، وهذا مما نحن فيه مفترق لأن الله سبحانه نص لنا على تحريم قليل الخمر وكثيرها، وأجمعت الأمة على أن قليل العقار الضار كثيره جائزة أكله {فهذا} بتحليل قليله، وقام النص بتحريم قليل الخمر، فرد ما اتختلف فيه من الأشربة غلي ما فيه النص فيها أولي بنا من رده إلي الأودية التى هي مستباحة، لأنا إنما نقيس علي الأشبه من الأصلين بالفرع لو سلمنا لك أنه فرع، فكيف ونحن نقول إنه دخل تحت اسم الخمر؟
-
وكيف تلزموننا أن نقيس ما يأخذع على الكراهة والحذر من تلف نفسه على ما ياخذه على الشهوة ويقصد به البلوغ إلي السكر الذي هو آخر أفعاله،
-
ولا يقصد أحد في العقار إلي مثل هذا. وشئ آخر أن أخذ قليل العقار ليس بداعية إلي المزيد منه، وتناول قليل الخمر أو ما يفعل فعله داعية إلي المزيد منه، لأنه يحدث في النفس تطلباً إلي المزيد وطربا واستثارة.
-
وشئ أخر أن من يوجب الحد في السكر من الأشربة يلزمه أن يحد في الكثير من العقار المزيل للعقل،
-
ومن خالف السلف فلم يحد في السكره من كل مسكر وحد في قليل الخمر لزمه أن يحد كل طاعم أو شارب حرام من ميته وخنزير، أو يدفع الحد عنه.
-
14/28714/287
فإن قال: حددنا في قليله لانه داعية إلي كثيره {كما حرم الله عز وجل قليله لأنه داعية إلي كثيره} (١) وليس في غيره من المحرمات دواعي إلي كثيرها،
-
فإن هذا ما قلنا إن قياسك ما خالفتنا فيه من الأشربة غلي ما يشبه معنى وفعلا من الأشربة أولي بك حين دفعت الأحاديث وقدحت في النص على تحريم مسكر الأشربة، وكيفما صرفت قول غيرنا لم تجد له بيانا لا من باب القياس والاستدلال ولا من باب الآثار والله المستعان علي توفيقه.
-
وقد تجد شارباً لمقدار من المسكر لا يسكره إلا أكثر منه، إلا أنه خرج فضربته ريح استحكم فيه السكر الذي لولا الريح لم يسكر فصار عليه حراماً ما كان قبل أن تمسحه الريح حلالاً، وصار يحد ظهره لما دخله من الريح الذي هو سبب سكره.
-
وأصلهم {كذا} أن أواخر الشراب هو المسكر له، وهذا سبب سكره غير الشراب.
-
فإن جعلت ما تقدم له من الشراب معيناً في ذلك، قيل لك: فحرمه عليه إذ له جزء من السكر،
-
فإن أبيت من ذلك فلا يحد صاحب الريح إذ لم يتعد عندك بشراب يوجب سكره، وإنما تعرض للريح بخروجة فكان عن ذلك سكره،
-
ولا حكم عندك لمتقدم الشراب فيما له رفع التحريم والحد.