ذكر فرض الجهاد وتطوعه , وذكر النفير والهجرة
النوادر والزياداتMalikimasa’il 14646 to 14729
-
3/183/18
من كتاب ابن سحنون , قال سحنون , كان الجهاد في أول الإسلام فرضاً على جميع المسلمين ,
-
ثم هو الآن يحمله بعضهم عن بعض , يريد: إلا في الضرورات , قال: والآن هو مرغب فيه. قال: إلا أن يرى الإمام أن يبعث بعثاً نظراً للإسلام , فعلى الناس طاعته فيمن رأى أن يبعث منهم ووعليه أن يجهزهم من بيت المال.
-
قال ابن المسيب: هو فرض على العامة إلا أن يتركوه , وليس كالصلاة على كل أحد. قالت عائشة: من حس نفسه جبناً ,
-
فلا يغز. وقال سحنون: وقد قرنه الله تعالى بالإيمان به فقال جل وعز: " تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله " ,
-
ثم خفف ذلك فقال جل وعز: " إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً " , فدل أن ذلك على كل أحد في خاصته , وهو على الجميع فرض. قال غيره: ولقوله تعالى: " فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة " .
-
قال سحنون: هو فرض على الجميع يحمله بعضهم عن بعض , إلا أن ينزل أمر يحتاج إليهم أجمعين فيكون عليهم فرضاً.
-
ولا ينبغي مع ذلك أن يعطل الإمام الجهاد والدعاء إلى الإسلام. قال سحنون:
-
وأما قول الله تعالى: " انفروا خفافاً وثقالاً " , وقوله " ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله " . قال ابن زيد: آيتان مسنوختان بقوله: " فلولا نفر من كل
-
3/193/19
فرقة منهم طائفة " وقوله: " انفروا خفافاً وثقالاً " كان في أول الإسلام , فلما كثر المسلمون قال: " وما كان المؤمنون لينفروا كافة ". قال: والثقيل: من له ضيعة , والخفيف: من لا ضيعة له.
-
قال سحنون: والنفير فرض يحمله بعض الناس عن بعض. وقال عن الوليد عن بشير بن عبد الله قال: كان الوالي في أيام عمر وعثمان إذا قام في الناس بنفير البعث , فالمتعجل الرائح من عشيته , والغادي من غداة غدة , والرائح من عشية غد مقصر , والغادي من غداة بعد الغد معتذر.
-
قال: وإذا وقع النفير , ورجل معتكف ,
-
فإن حل بموضعه ما لا قوة لمن حضر على دفعة خرج ثم بنى.
-
قال أبو محمد: وقد قيل يبتدىء ,
-
وإن كان فيهم قوة على دفعهم فلا يخرج.
-
ولا ينفر العبد والمكائب ومن فيه بقية رق بغير إذن السيد , إلا من في ثغر فغشيهم ما لا قوة لمن حضر به فلينفر بغير إذن السيد , وقاله الأوزاعي.
-
قال سحنون: ومن عليه دين قد حل وعنده له قضاء فلا ينفر ولا يرابط ولا يعتمر ولا يسافر حتى يقضيه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: مطل الغني ظلم.
-
وإن كان دين لم يحل أو لا وفاء له به فله أن ينفر.
-
ولا أحب لمن له والدان أن ينفر إلا بإذنهما إلا أن ينزل بمكانه من العدو ما لا طاقة لمن حضر بدفعه فلينفر بغير إذنهما.
-
ولو نزل ذلك بساحل بغير موضعه ولا غوث عندهم أو كان الغوث بعيداً منهم فلينفر إليهم بغير إذن الأبوين.
-
قيل لسحنون: فلو نزل العدو بسوسة أينفر إليهم أهل سفاقس والمنستير وهو يخافون أن يخالفهم العدو إلى مواضعهم؟ قال: إن خافوا ذلك حذراً بغير
-
3/203/20
معاينة مراكب ولا خبر فلهم النفير.
-
وإن اشتد خوفهم مثل أن ينزل لهم مراكب وشبه ذلك فليقيموا بموضعهم.
-
وقال نحوه الأوزاعي وسفيان إذا نزل عدو ببعض الثغور: إن لمن أحب من المتطوعة بالمصيصة أن ينفروا إليهم.
-
وروى ابن وهب عن ابن شهاب في قول الله تعالى: " كتب عليكم القتال " , قال: الجهاد على كل أحد غزا أو قعد , فالقاعد إن استعين به أعان ,
-
وإن استنفر نفر ,
-
وإن استغيث به أغاث , وإلا قعد. قال غيره: قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا هجرة بعد الفتح , ولكن جهاد ونية ,
-
وإذا استنفرتم فانفروا. وقد رفع الله ذلك عن ذي العذر من أعمى ومريض وأعرج وشبهه.
-
ومن كتاب ابن سحنون , قال سحنون: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تقطع الهجرة ما قوتل الكفار , وإنما الهجرة اليوم من دار الكفار إلى دار الإسلام , مثل أن يسلم بدار الكفر , عليه أن يهاجر.
-
قلت: قال الحسن: هجرة الأعراب إذا ضمهم ديوانهم , قال: لا هجرة اليوم في الأعراب لأنهم دخلوا في أحكام المسلمين. وقد أسهم لهم عمر حين دون الديوان. وهم أهل البدو , وقد حكم في دياتهم بالإبل.
-
قال ابن حبيب: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من هاجر لعرض من الدنيا ,
-
فلا أجر له , وقوله: من هاجر إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها , فهجرته إلى ما هاجر
-
3/213/21
إليه. وفي حديث آخر: قتل فلان في سبيل الجهاد. وقال عمر: ليس كل من قتل في سبيل الله بشهيد , ولكن الله يعذب عدوه بالبر والفاجر.
-
قال سحنون: وإذا دخل المشركون أرض الإسلام فسبوا النساء والذرية وأخذوا الأموال فواجب على المسلمين إن كانت بهم قوة عليهم استنقاذ ذلك.
-
فإن فصلوا إلى بلدهم فواجب عليهم اتباعهم ما دام لهم طمع باستنقاذ ذلك وفيهم له قوة.
-
فإن صاروا إلى حصونهم ومدائنهم , وبمن اتبعهم قوة على ذلك ورجاء فيه فواجب عليهم استنقاذ ذلك حتى ييأسوا ولا يرجوا ذلك فلهم أن يذبوا عن أهل ذمتهم في أنفسهم وأموالهم مثل ذبهم عن أنفسهم في ذلك كله.
-
ومن بلغه من نال العدو من المسلمين من هذا فعليه النفير لعونهم حتى يستنقذوا ذلك منهم أو يعجزوا عنه أو يقتلوا دونه.
-
ومن كان بعيداً عنهم وإن نفر لم يدركهم حتى يفوتوا فله المقام.
-
وإن غلب أنه يدركهم فعليه النفير لذلك. وهذا إذا لم يكن فيمن هو بإزائهم الذين خرجوا إليهم قوة عليهم والغالب عليهم الخوف. وهم مستطيعون لا يخاف عليهم فهو أخف في إيجاب نصرهم.
-
في الغزو والسفر بغير إذن الأبوين أو غيرهما أو العبد بغير إذن سيده
-
ومن نذر الغزو ثم تخلف لعذر أو لغير عذر
-
وهل يغزو المديان أو من له قرابة
-
من كتاب ابن سحنون وغيره: روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الغزو بغير إذن الأبوين , ونهى عن ذلك كثير من الصحابة والتابعين. قال يحيى بن سعيد: وليطعهما وليقم ما لم ينزل بالناس ما لا قوام لهم به. قال
-
3/223/22
الحسن: وإن أذنت لك أمك وأنت تعلم أن من هواها قعودك فاقعد. ونذر رجل الغزو فتجهز فنهته أمه فأمره أبو هريرة أن يقعد ويدفع جهازه لغيره. قال مالك: لا يكابر في ذلك أبويه وليصبر إلى عام آخر.
-
ومن المختصر وكتاب ابن المواز , قال مالك: لا يغز أحد إلا بإذن أبويه ,
-
فإن أوجبه على نفسه وتجهز فليستأذنهما. قال محمد: إن خرج بغير إذن فليرجع حتى يأذنا له. قال مالك:
-
وإن لم يأذنا له فلا يكابرهما وليدفع جهازه ولا يأكله ,
-
فإن خاف فساده باعه وحبس ثمنه إلا أن يكون ملياً فليصنع به ما شاء حتى يمكنه الغزو.
-
فإن مات قبل ذلك فهو ميراث كصدقة نذرها فلم ينفذها.
-
ولو جعله على يدي غيره فمات على ذلك فهو ميراث إلا أن يشهد على ذلك أشهاداً أن ينفذ بعد موته فيكون من رأس ماله , مات قبل ذلك أو بعده ز قال مالك فيمن تجهز يريد الغزو متطوعاً ثم بدا له: وأحب إلي أن يدفع جهازه لغيره.
-
وذكر ابن المواز مثل ما تقدم أن أبا هريرة أمر بذلك في الناذر تكره ذلك أمه. وذكر ما تقدم من قول يحيى بن سعيد. قال: ورد عمر خداشاً من الشام وقال له: الزم أباك حتى يموت. وروى ابن وهب أن عبداً قاتل يوم أحد , فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أذن لك سيدك؟
-
قال: لا , قال: لو قتلت دخلت النار.
-
قال ابن حبيب: وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أهل الأعراف ناس قتلوا في سبيل الله بمعصية آبائهم. وسمعت أهل العلم يقولون في العبد يغزو مع سيده: إنه لا يقاتل إلا بإذنه إلا أن يدخل العدو العسكر فله أن يدفعه , وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن الشهادة تكفر كل شيء إلا الدين وروي أن الله سبحانه يقضي عنه دينه.
-
3/233/23
وأرخص مالك للذي عليه الدين أن يغزو إن خلف وفاء دينه أو كان بإذن غرمائه. وقال له رجل: علي دين كبير وأردت الغزو ولا مال لي.
-
فإن مت فأحب الموضع إلي ,
-
وإن وجدت مالا ديني , فأباح له أن يغزو. و (وقال له رجل من أهل الأندلس أراد أن يلحق بالمصيصة والثغور , وله ولد وأهل بالأندلس: أترى له في ذلك سعة؟ قال: نعم. قال: أيخشى عليهم الضيعة؟ قال: نعم , فكأنه لم يعجبه ذلك) .
-
ومن كتاب ابن سحنون: وأجاز مالك لمن عليه دين ولا وفاء عنده أن يغزو. قال سحنون:
-
ومن له أبوان أو أحدهما باق فلا يغزو إلا بإذنه ,
-
وإن كانا مشركين , وقال سفيان. قال سحنون:
-
وأما الجد والجدة فبرهما واجب ,
-
ولا يلحقان في هذا بالأبوين , وأحب إلي أن يرفق بهما حتى يأذنا له.
-
فإن أبيا , فله أن يخرج. والعم والعمة من ذلك ,
-
ولا شيء عليه فيهما. وقال سفيان في الجدة المسلمة: لا يغزو إلا بإذنهما. قال الأوزاعي وسحنون: إن لم يأذن له أبواه المشركان فليطعهما , إلا أن يعلم أن منعهما له لا لحاجتهما إليه , لكن ليوهن الإسلام ولا يعين على النصارى فليخرج وإن كرها.
-
قال سحنون: ولا يسع الأبوان منع ولدهما من الغزو.
-
ولو أثما بذلك لوسعه ترك إذنهما. ومنع الجدة ضعيف ,
-
فإذا أذن له أبواه لم ينظر إليها.
-
وإن أراد أن يخرج إلى حج الفريضة فليرفق بهما حتى يأذنا له ,
-
فإن لم يفعلا فله أن يخرج.
-
وأما السفر للتجارة ,
-
فلا إلا بإذنهما.
-
3/243/24
ويكره التجارة إلى العدو وإن كان مأمونا لا يحفر فيه عهد , فكيف إن لم يأذن له أبواه؟ وقد كتبت في كتاب الحج قول مالك في شيخ زمن كره خروج ابنه إلى السفر , فقال مالك: إن كان رجلا وكان رشيدا فله أن يخرج وقيل لسحنون فيمن ليس له أبوان وله زوجة وإخوة وأخوات وأعمام وعمات وأخوال وخالات: هل يغزو بغير إذنهم؟
-
فقال: إن لم يخف ضيعتهم أو كان غيره القائم بهم أو هم عنه في غنى فليخرج وإن كرهوا.
-
وإن خاف أن يضيعوا وهو القائم بشأنهم , فالمقام عليهم أفضل.
-
فإن لم يكن بيده مال يقوم به عليهم ولا في مقامه منفعة لهم فلا بأس أن يخرج.
-
وكذلك إن كان له مال وترك لهم كفاية.
-
وإن كان إنما يعود عليهم بفضل يده فالمقام عليهم أفضل. قال: والزوجة ومن يلزمه الإنفاق عليه من ولده , فله أن يخرج إن ترك لهم النفقة.
-
وإن كان إنما يعود بعمل يده ,
-
فلا يقضى عليه بالمقام ولكن يؤمر بذلك لأنه ليس على الفقير أن يؤاجر نفسه وينفق. وهذا كله في الجهاد.
-
وأما في النفير وما يدهم من العدو فليخرج بغير إذن أبويه ولا يطعهما , وهذا فرض , وإنما يطيعهما في النافلة. ويخرج في النفير العبيد بغير إذن السادة وإن نهوا , والنساء إن قوين ,
-
ومن أطاق القتال من الصبيان وإن كره الأبوان. وعن مليء فرط في الحج حتى ذهب ماله إن له أن يغزو ولا ينتظر أن يكسب ما يحج به. وعن فقير أفاد مالا فيه ما يحج به هل يغزو قبل أن يحج؟
-
قال: إن كان يرجع قبل إبانه فعل , وإلا فلقم حتى يحج.
-
وكذلك لو كان مليا ففرط في الحج حتى افتقر ثم أفاد مالا على ما ذكرنا.
-
ولو طلب تأخيره العام ليغزو فلا يفعل وليبدأ بالحج , تقدم له تفريط وملا أو لم يتقدم.
-
قال سحنون: لا يغزو المكائب إلا بإذن سيده.
-
فإن أذن له فشهد القتال ثم مات وترك وفاء وله ولد في الكتابة فلا يسهم للمكائب في المغنم.