في الفرار من الزحف والانحياز إلى فئة ومن حصر فخاف الهلاك
النوادر والزياداتMalikimasa’il 15000 to 15059
-
3/503/50
ومن يلقي بنفسه من خوف النار إلى غرق أو قتل
-
قال ابن حبيب: اختلف في قول الله سبحانه: (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعيفاً) , الآية. فقيل: وهم الأكثر , يعني: ضعفاً في العدد لا في القوة ولا الجلد ,
-
فلا يحل أن يفر الرجل من رجلين ولا المائة من مائتين من العدو وإن كانوا أشد منهم سلاحاً وأظهر جلداً وقوة إلا أن يكونوا بأرض العدو وموضع مادتهم ولا مادة للمسلمين , فيخافون من استجاشة العدو عليهم فلهم حينئذ في الانحياز عنهم والتولية منهم سعة.
-
وقيل: إنما ذلك في القوة والجلد ,
-
فلو أن مائة مسلم لقوا ثلاثمائة أو خمسمائة ليسوا مثلهم في القوة والجلد , لم يجز لهم التولية عنهم , فإنما الضعف في القوة والجلد لا في العدد. وهذا قول ابن الماجشون وروايته عن مالك وبه أقول. ولم يأخذ مالك بقول عمر: أنا فئة لمن انحاز إلي وهو بالمدينة , وإنما ذلك إلى رأس الجيش وولاته دون والي الطائفة.
-
وإذا دخل والي الجيش المستعظم فانحياز السرية أو الخيل إلى الجيش دون من هو أبعد منه , وانحياز الطوائف والجيوش إلى من هو أقرب إليها من المسلمين ومن إذا دنا منه خيف منه وانتهي عنه. وقال الحسن: لم يكن الفرار من الزحف كبيرة إلا يوم بدر , لأن تلك العصابة لو أصيبت ذهب الإسلام.
-
فلما نصره الله صار الجهاد تطوعاً ,
-
فلو جاء المسلمين عدو لا يطيقونه تحيزوا إلى البصرة.
-
فإن جاء ما يغلبهم تحيزوا إلى الكوفة.
-
فإن جاء ما يغلب فإلى الشام.
-
فإن جاء ما يغلب فإلى المدينة ,
-
ثم إن جاء أمر غالب ,
-
فلا تحيز لهم وصار قتالهم فريضة.
-
3/513/51
قال يزيد بن أبي حبيب: أوجب الله سبحانه لمن فر يوم بدر النار.
-
ثم كانت أحد , فقال جل وعز: (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان , إلى قوله: ولقد عفا الله عنهم) .
-
ثم كانت حنين , فقال فيمن تولى: (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم , إلى قوله:
-
ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء) , فنزل العفو فيمن تولى بعد يوم بدر.
-
ومن كتاب ابن المواز , قال: لا يجوز الفرار من المثلين إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة , كما قال الله سبحانه. ولم فئتهم إذا كان على خوف التهلكة والضعف عن قتالهم , وقاله عبد الملك عن مالك.
-
قال ابن المواز: وإنما الانحياز إلى والي جيشه الأعظم الذي دخل معه , وربما تكوؤن سرية دون سرية , فتنحاز المتقدمة إلى من خلفها ممن يليها ,
-
ثم تنحاز إذا جاءهما أكثر من مثليهما إلى من يليهما حتى يبلغ الانحياز إلى الجيش الأعظم وواليهم الأكبر , وقاله عبد الملك , والله أعلم بما يخرج من سخطه. وقال عن مالك: لا يجوز الانحياز إلا عن خوف بين وعن جيش مستطلع وضعف من السلطان ,
-
فأما عن أمر متناصف في الغلبة لهم طمع فلا.
-
ولا يكون لأمير الجيش ما يكون للسرايا من الانحراف والتولي عنهم. قال: ولهم سعة أن يثبتوا لقتال أكثر من الضعفين والثلاثة وأكثر من أضعاف كثيرة , وهم يجدون مصرفاً عنهم.
-
قلت: فإن علموا أنهم مقتولون إن ثبتوا؟ قال: وأحب إلي أن ينصرفوا عنهم إن وجدوا إلى ذلك سبيلاً ,
-
فإن لم يجدوا (فلهم أن يقاتلوا حتى يقتلوا.
-
فمن احتسب نفسه على الله فهو شهيد.
-
ومن ثبت حتى قتل وهو يجد) منصرفاً وقد علم أنه إن ثبت قتل , فإنه يرجى له أفضل الشهادة , وإنما الشهادة لمن أيقن
-
3/523/52
بالموت قبل أن يموت , فاحتسب كما قال عمر. وروى أشهب عن مالك الكراهية لذلك , ثم ذكر الرواية.
-
وذكر العتبي قال: أشهب عن مالك في الرجل يحمل وحده على الجيش , قال: اخاف أن يكون ألقى بيده إلى التهلكة وليس ذلك سواء من كان في الجيش الكثيف , فيحمل وحده على الجيش , وآخر خلف خلفه أصحابه بأرض الروم أخطأوه , فهو يخاف الأسر فيحمل عليهم , فهذا خفيف.
-
والأول مضطر , ويختلف إن حمل احتساباً بنفسه , وآخر يريد السمعة والشجاعة. قال عمر: والشهيد من احتسب نفسه قال عنه أشهب في الجيش بأرض العدو يصاح فيهم: السلاح , فيأخذ الرجل سلاحه ,
-
ثم يتوجه فيلقى جيشهم:
-
فلا بأس أن ينحاز راجعاً إلى أصحابه.
-
ومن كتاب ابن سحنون: قال عقبة بن عامر: الفرار الأعظم من الزحف الفرار إذا التقت الفئتان. قال عطاء: من فر من مراماة من حصن ,
-
فلا بأس عليه ما لم يفر من الزحف , وللواحد أن يفر من الثلاثة , وقاله ابن عباس.
-
قال سحنون: لا يفر من المثلين ولهم أن يفروا الواحد من الثلاثة والمائة من ثلثمائة.
-
وإذا دهمهم من العدو الأمر الذي لا فراق معه فلهم الفرار ولهم أن يقاتلوهم. وقال في قول الله تعالى " ومن يولهم يومئذ دبره " , الآية , إنه إنما كان ذلك في يوم بدر خاصة. قال محمد: لأنه لم يكن لهم فئة غير النبي صلى الله عليه وسلم.
-
قال إسماعيل بن موسى: أول ما أمر النبي عليه السلام بالقتال , كان من فر عنه فر إلى غير فئة.
-
فأما اليوم فحيثما فر فإلى فئة يفر.
-
3/533/53
وقال أهل العراق: لا يفر اثنا عشر ألفاً من العدو وإن كثروا , لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ولن يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة. قال سحنون: لا أعرف هذا , ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: لا يفروا.
-
وقد كان المسلمون يوم اليرموك ثلاثين ألفاً والعدو مائة الف , فرأى أبو عبيدة وخالد القتال. وقال غيرهم من الصحابة كثير ننحاز إلى فئة ويشاور أمير المؤمنين ,
-
ثم عزم أبو عبيدة على القتال.
-
قيل لمالك: أسمعت أن عمر قال: أنا فئة لكل مسلم؟ قال: قد سمعته ولكن لا أحب أن يتحرفوا إلى فئتهم إلا عن هلكة وضعف. قال مالك في السرية القليلة يلقون أضعافهم فلهم الانحياز إلى عسكرهم. قال عنه علي: إن عملوا أنهم لا ينكون العدو لقلتهم فلينحازوا ولا يلقوهم فيستأسد العدو إذا قتلوهم.
-
وذكر قول عبد الملك الذي ذكره ابن حبيب أول الباب , وحكاه ابن المواز وأجاز قول عبد الملك في ذلك كله واستحسنه.
-
ومن كتاب ابن حبيب:
-
ولا باس أن يحمل الرجل وحده على الكتيبة وعلى الجيش إذا كان لله وكانت فيه شجاعة وقوة , وليس من الإلقاء بيده إلى التهلكة ,
-
فلا يفعل ذلك لغير الله ولا يفعله الضعيف إن كان لله سبحانه , قال القاسم بن محمد والقاسم بن مخيمرة: لا بأس أن يحمل الرجل وحده على عشرة آلاف إذا كانت به عليهم قوة , وليس من الإلقاء إلى التهلكة , وإنما ذلك ترك الإنفاق والجهاد في سبيل الله.
-
وقال أبو أيوب الأنصاري: نزلت حين أردنا أن نقيم في أموالنا نصلحها وندع الجهاد بعد ما نصر الله نبيه وظهر الإسلام , فأنزل الله هذا.
-
ومن كتاب ابن المواز: وقال أشهب في قوم نفروا في طلب عدو فأدركهم واحد من المسلمين أيحمل عليهم؟ قال: إن احتسب ولم يرد الفخر فذلك حسن , وإلا فلينصرف إلى أصحابه أو يتكعكع إليهم. وقال عن مالك في رجل لقي من العدو عشرة أو أكثر أيقاتلهم أو ينصرف إلى عسكره إذا أمكنه؟ قال:
-
3/543/54
ذلك واسع , وأحب إلي أن ينصرف إن لم تكن به قوة على قتالهم. قال محمد:
-
ومن أحاط به العدو وهو وحده , وهو يدعى إلى الأسر , فله أن يقاتل وله أن يستأسر.
-
ومن كتاب ابن حبيب ومن كتاب ابن سحنون , رواه ابن وهب عن ربيعة: وسئل ربيعة عن مدينة حاصرها العدو فضعفوا عن قتالهم وليس عندهم ما يكفيهم: أيخرجون فيقاتلونهم أم يصبرون حتى يموتوا جوعاً أو يقتلوا؟ قال: بل يخرجون للقتال أحب إلي.
-
قال في كتاب ابن سحنون:
-
وإن بلغ بهم الجوع والعطش مبلغاً لا قوة بهم على القتال ,
-
فإن طمعوا أن في الأسر نجاة ومفاداة وقد عرف ذلك من العدو في غيرهم , فليخرجوا إليهم ,
-
وإن كانوا يقتلونهم فليصبروا للموت جوعاً وعطشاً.
-
قال ابن القاسم: ولا يحل للناس إن فر إمامهم أن يفروا من مثلي عددهم. قال ابن القاسم:
-
ومن فر من الزحف وفراره من مثلين لم تقبل شهادته إلا أن يتوب وتظهر توبته.
-
وذكر مسالة المركب يرمي بالنار فيلقي الرجل نفسه في الماء:
-
فإن أيقن بالغرق إذا فعل ذلك فلا يفعل.
-
وإن طمع بنجاة فذلك له.
-
وكذلك سمعت الفقهاء. وقال عن ربيعة: إن أيقن أنه يلقي نفسه إلى ما فيه قتله فلا يجوز له.
-
وإن رجا النجاة فذلك له. قال ابن المواز: وهذا أحب إلينا.