مسألة ١٠٠
التجريدHanafimasa’il 3194 to 3225
-
1/4541/454
إذا أدى صلاة إلى جهة باجتهاده ثم تبين له الخطأ لم يقض
-
قال أصحابنا: إذا أدى صلاة إلى جهة باجتهاده ثم تبين له الخطأ، لم يقض.
-
وقال الشافعي: يقضي. وأما إذا كان ذلك بمكة، فقد ذكر ابن رستم عن محمد أنه: لا يقضي، وكان أبو بكر الرازي يقول: يقضي. واختلف أصحابنا في فرض المصلي إذا بعد عن الكعبة، فقال أبو الحسن وأبو بكر: فرضه الجهة، واختار شيخنا أبو عبد الله أن الفرض عين الكعبة في الحالتين.
-
والدليل على ما قلناه: ما روى عامر بن ربيعة قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ليلة سوداء مظلمة، فلم نعرف القبلة، فجعل كل رجل يصلي بين يديه أحجار، فلما أصبحنا إذا نحن على غير القبلة، فذكرنا ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأنزل الله تعالى: {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله} .
-
وروى قيس بن طلق
-
1/4551/455
عن أبيه أن قوما خرجوا في سفر فصلوا فتاهوا عن القبلة، فلما فرغوا تبينوا ذلك، فذكروه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((تمت صلاتكم) ).
-
وروى جابر قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سرية كنت فيها، فأصابتنا ظلمة فلم نعرف القبلة، فقال طائفة منا: قد عرفنا القبلة هاهنا قبل الشمال -فصلوا، وقالت طائفة: قد عرفنا القبلة هاهنا قبل الجنوب- فصلوا، فلما أصبحنا وجدنا القبلة على غير ذلك، فذكرنا ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فنزلت الآية، فهذا يدل على أن الآية نزلت في حال الاجتهاد، ولم يأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالقضاء، وقال في بعض الأخبار: ((تمت صلاتكم) ).
-
ولا يقال: روى ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على راحلته حين هاجر تطوعًا، فنزلت هذه الآية. وروي أن اليهود تكلموا في شأن القبلة حين حولت، فنزلت هذه الآية، وهذا يوجب تعارض الأسباب،
-
وكذلك أنه لا يمتنع اتفاق هذه الأسباب ونزول الآية على جميعها؛ لأنها لا تتنافى.
-
قالوا: روي عن قتادة أن الآية منسوخة بقوله تعالى: {وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} .
-
قلنا: النسخ لا يثبت بقول الواحد، ولأن قوله: {فولوا وجوهكم شطره} يتناول القادر على التوجه،
-
ولا يتناول من لا يعلم، فكيف ينسخ به ولم يتضمنه.
-
قالوا: حمل الآية على التطوع أولى؛ لأن ظاهرها يقتضي التخيير في جميع الجهات، وذلك لا يكون إلا في التطوع.
-
قلنا: قد نقلنا نزلها في حال الاجتهاد، فكأنه قال: {ولله المشرق
-
1/4561/456
والمغرب فأينما تولوا} حال الاجتهاد، {فثم وجه الله} يعني: فأينما تولوا مما غلب على اجتهادكم أنه قبلة.
-
قالوا: يجوز أن يكون القوم صلوا بالليل تطوعا.
-
قلنا: لم يستفصل النبي - صلى الله عليه وسلم -،
-
ولو كان الحكم يختلف لبين.
-
ولا يقال: إنه يحتمل أن يكون انحرفوا عن يمين القبلة وعن يسارها؛ لأنا روينا أن بعضهم صلى إلى الجنوب وبعضهم إلى الشمال، وهذا تضاد.
-
ويدل عليه: حديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ما بين المشرق والمغرب قبلة) )، وهذا عام. ولأنها جهة تجوز الصلاة إليها مع العلم، فجاز مع الاجتهاد، كجهة القبلة. ولأن الاشتباه عذر، وكل جهة جاز الصلاة إليها حال العذر لم يلزم القضاء عند زواله، كحال الخوف،
-
ولا يلزم إذا كان بمكة؛ لأنا نقول: لا يقضي على رواية ابن رستم.
-
ولا معنى لقولهم: إن حكم العالم بالفعل مع العذر مخالف لحكم من فعله وهو غير عالم؛ بدلالة أنه يجوز الجمع بين الصلاتين فيترك الوقت مع العذر والعلم،
-
ولا يجوز أن يتركه مع الاجتهاد، وتصلي المستحاضة للعذر مع الحدث ولا يجوز صلاتها للاجتهاد مع الحدث؛ وذلك لأن التارك للوقت مع الاجتهاد غير معذور فيه؛ لأن فرض الوقت لم يبن على الاجتهاد،
-
وكذلك المصلي مع الحدث، فاختلف المعذور وغير المعذور، وأمر القبلة مبني على الاجتهاد، والاشتباه عذر كما أن الخوف عذر.
-
ولأنها عبادة ذات أركان فجازت مع الخطأ في بعض شرائطها حال الاجتهاد، أصله: إذا أخطأ الناس في الوقوف فوقفوا يوم النحر.
-
قالوا: هذا دلالة لنا؛ لأن الخطأ في المكان لا يعتد به، كما لو وقفوا في غير مكان الوقوف، وفي مسألتنا الخطأ في المكان فلذلك لم يعتد به.
-
1/4571/457
قلنا: لا فرق بينهما؛ لأن المكان بني على الاجتهاد في مسألتنا فصار كالزمان هناك، والمكان هناك بنى على اليقين فصار كالوقت في مألتنا، فالواجب اعتبار معنى المسألتين دون صورتهما. ولأن فرض التوجه بني على الاجتهاد؛ بدلالة أن من غاب عن الكعبة لا يتوصل إلى فرضه يقينا وإنما فعله باجتهاد،
-
فإذا أخطأ فقد انتقل من اجتهاد إلى اجتهاد فلا ينسخ الأول، كالحاكم إذا حكم باجتهاد ثم بان له اجتهاد آخر،
-
ولا يلزم إذا كان بمكة؛ لأنا نقول: يعيد، على ما قاله أبو بكر؛ لأنه انتقل من اجتهاد إلى يقين.
-
ولا يقال: لأن الخطأ يعد على وجه قد يؤمن مثله في القضاء؛ ألا ترى أنه متى رأى هلال ذي الحجة أمكنه أن يقف بيقين؟ وهذا معنى مجوز ومع ذلك لا يلزمه القضاء.
-
ثم المعنى في الثوب أن المقصود منه ليس هو الاجتهاد، وإنما المعتبر استعمال الثوب الطاهر؛ ألا ترى أنه لو صلى فيه من غير تحر جازت صلاته؟ والمقصود في القبلة الاجتهاد دون إصابة عينها؛ ألا ترى أنه لو صلى إليها من غير اجتهاد لم تجز صلاته،
-
فإذا فعل الاجتهاد فقد حصل المقصود فلم تجب الإعادة؟ على أن قولهم في الصلاة يأمن مثله في القضاء غير مسلم؛ لأن القضاء ليس هو على الفور؛ فيجب أن يسافر ثم يقضي في السفر فيتفق له الغلط.