مسألة ٦٥٣
التجريدHanafimasa’il 21558 to 21615
-
1/26331/2633
بيع وإجارة أراضي مكة
-
قال أبو حنيفة: لا يجوز بيع أراضي مكة، ولا إجارة بيوتها.
-
وروى الحسن عنه جواز ذلك، وهو قول الشافعي.
-
لنا: ما روى إسماعيل بن إبراهيم بن المهاجر، عن أبيه، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا يحل بيع بيوت مكة،
-
ولا إجارتها) ، ذكره الطحاوي.
-
وذكر الدارقطني عن إسماعيل [بن إبراهيم] بن مهاجر/ عن أبيه، [عن عبد الله ابن باباه] ، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (مكة مناخ لا تباع رباعها،
-
ولا تؤاجر بيوتها) .
-
1/26341/2634
وروى أبو حنيفة، عن عبيد الله بن أبي زياد، عن أبي نجيح، عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهم - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (مكة حرام، وحرام بيع رباعها، وحرام أجر بيوتها) .
-
قال الدارقطني: وهم أبو حنيفة في هذا الحديث، فقال: ابن أبي يزيد، وهو ابن أبي زياد، والصحيح أنه موقوف.
-
قلنا: هذا غلط؛ لأن أبا حنيفة روى الحديث وفيه ابن أبي زياد، ذكره محمد في الآثار.
-
وقال الدارقطني في كتابه هكذا،
-
ثم رواه من طريق وفية ابن أبي يزيد،
-
فلو لم يحصل الوهم أنه دخل على ما روي عنه إذا كان المعروف عن أبي حنيفة، وقد بيناه.
-
ويدل عليه: ما روي عن علقمة بن نضلة قال: (توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر وعثمان، ورباع مكة تدعى السوائب، من احتاج سكن، ومن
-
1/26351/2635
استغنى أسكن)، ولو جاز البيع ما دعيت السوائب.
-
ٍوقولهم: - إن هذا اسم للصيد دون الأراضي غلط؛ لأن هذا لكل مال لا ملك عليه.
-
فإن قيل: إنما كان كذلك [لأن أكثرها وقوف.
-
قلنا هذا تجدد بعد العجلة، وفي البراء ما كانت كذلك] على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والأئمة.
-
ولهذا استدل أصحابنا بقوله تعالى: {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنًا} ،
-
فلو لم تكن مواضع نزولهم غير مملوكة عليهم ولا ممنوع منها لم يكن أن يكون قضى به، ولهذا منع النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يحل له ظل بيت، وقال: (منى مناخ لمن سبق) ؛ لأن الناس يحتاجون إلى حضورها لأداء المناسك، فسوى بينهم فيها، وهذا موجود في مكة.
-
فإن قيل: لو كان كذلك لمنع من بنائها.
-
قلنا: دعت الحاجة إلى بنائها يسكنها من يجاور البيت ويقوم بعمارتها، فثبت لهم البناء، ولم يسقط حق جميع الناس بحاجتهم إلى السكنى، ولهذا المعنى ألزم أبو حنيفة الناس أن يسلموا ما جاوروا المسجد ليتوسع به، وقال لهم: أنتم نزلتم على المسجد، وقد احتاج إلى ما أخذتموه لزواره.
-
1/26361/2636
واحتج بقوله تعالى: {والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواءً} الآية.
-
والمسجد اسم للحرم؛ قال ابن عباس - رضي الله عنهم -: (الحرم كله مسجد) ، وقال الله سبحانه: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا} ، الآية، والمراد به: بيت خديجة [رضي الله عنها] .
-
وقال تعالى: {فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} . [وقال] تعالى: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} .
-
فإن قيل: الحقيقة تقتضي المسجد،
-
فلا يعدل عنه إلا بدليل.
-
قلنا: إذا كان في الشرع استعمال الحرم فيه صار حقيقة بالشرع.
-
ولأنه تعالى قال: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم} ، وهذا الحكم
-
1/26371/2637
يتعلق بالحرم ولا يختص بالمسجد.
-
ويدل عليه: ما روي (أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهم - كان يضرب أهل مكة حتى لا يغلقوا بيوتهم ليلًا مخافة أن يطرقهم الغريب) ؛
-
فلو كانت ملكًا لهم لم يمنعهم من إغلاقها [ولأننا نوجب على المحرم أن] يضمن صيدها بالجزاء،
-
ولا يجوز الإحرام بالعمرة منها،
-
ولا يجوز الدخول إليها مع إرادة النسك: الإحرام، فصار كموضع السعي والصفا والمروة.
-
ولأنها بقعة من الحرم؛ فلم يجز بيعها، كالصفا، ومواضع الجمار ومنى.
-
احتجوا: بقوله تعالى: {للفقراء المهاجرين} الآية، فأضاف الديار إليهم، وإنما أخرجوا من مكة، فثبت أنها كانت ملكًا لهم؛ لأنها إضافة ما يملك إلى من يملك، ولأن التمليك يقتضي حقيقة الملك.
-
الجواب: أنا لا نسلم أنه أضاف ما يصح أن يملك، وإنما كقوله: أوقف لفلان.
-
ولأنه أضافه إليهم إضافة سكنى وتخصيص، كما قال الله تعالى: {وقرن في بيوتكن} ، فأضاف بيوت النبي إلى نسائه.
-
قالوا: لو قال هذه الديار لزيد، وقال: أردت أن له سكناها، لم يقبل قوله؛ لأنه أضاف إضافة تقتضي التخصيص.
-
وإن لم يرد الملك فلابد من
-
1/26381/2638
السكنى واليد، وإذا أثبت له اليد كان القول قول المقر له في الملك.
-
احتجوا: بحديث أبي هريرة - رضي الله عنهم -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوم الفتح: (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن،
-
ومن أغلق بابه فهو آمن) .
-
قالوا: روى أسامة بن زيد الليثي: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل مكة يوم الفتح، قيل له: ألا تنزل في دارك؟، قال: وهل ترك لنا عقيل من رباع، لا يرث الكافر المسلم،
-
ولا المسلم الكافر) .
-
وفيه أدلة ثلاثة، أحدها: أنهم أضافوا إليه داره، والثاني: أن أبا طالب كان كافرًا وخلف عقيلًا، وطالبًا، وعليًا، وجعفرًا، وبنتين، فورثه ولداه الكافران، فلم يبق لعلي ولا لجعفر شيء. [والثالث أنه] كانت العادة أن الملك لا يورث طالما كان مشغولًا.
-
(وهل ترك عقيل لنا من رباع؟ (يعني: باعها كلها، فثبت أن بيعها جائز.
-
الجواب: عن هذه الأخبار من وجهين، الجواب الأول: أن الإضافة اختصاص وتصرف وسكنى.
-
والثاني: قال أصحابنا: كانت مملوكة، فجرى بيعها بعد الفتح،
-
1/26391/2639
فالإضافة في تلك الحال كانت صحيحة.
-
قالوا: لم يزل الناس يتبايعون منازل مكة فيؤاجرونها، فصار ذلك إجماعًا.
-
قلنا: لا يعتبر فعل الناس إذا أنكره العلماء، وقد كان عبد الله بن عمر ينكر ذلك، وقد بينا أنها كانت تدعى على عهد الأئمة السوائب.
-
وقال مجاهد: مكة مناخ، لا يحل بيع رباعها، ولا إجارة بيوتها.
-
وكان عطاء بن أبي رباح يكره [القول بأن] فيها ما يمنع من بيعها، فوجب أن يجوز بيعها، كسائر الدنيا.
-
قلنا: لا نسلم أن فيها حدثًا يمنع البيع.
-
ولأن سائر البقاع لا يجب على جميع الناس قصدها، فلم يجز أن ينفرد بها بعضهم، كمواضع السعي.
-
وكما قالوا: أحد الحرمين، فوجب أن يكون منه ما يجوز بيعه، [كالمدينة.
-
قلنا: المدينة بلدة يجوز دخولها بغير إحرام، فكان فيها ما يجوز بيعه]، ومكة بخلافه.