مسألة ٣٢٩
التجريدHanafimasa’il 9612 to 9687
-
1/12921/1292
العشر والخراج لا يجتمعان
-
قال أصحابنا: العشر والخراج لا يجتمعان، ومنهم من قال: لا خلاف في الحقيقة؛ لأن الخراج عندنا أجرة أو ثمن، وعندكم الثمن والأجرة لا ينفيان العشر، وعندك: إن الخراج حق يتعلق بالأرض، وهذا عندنا لا يجتمع مع العشر والكلام في الخراج ما هو يجي في موضعه، لكن الخلاف يتصور في أرض السواد وعندنا لا عشر في الخارج منها.
-
وقال الشافعي: فيه العشر.
-
والدليل على ما قلنا: ما روى أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم، عن علقمة عن ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا يجتمع عشر وخراج في أرض واحدة) وقد روى هذا موقوفا على ابن مسعود - رضي الله عنه -، وذلك لا يقدح فيه؛
-
لأن الراوي يروي ثم يفتي.
-
1/12931/1293
فإن قيل: عندنا لا يجتمعان العشر والخراج في الأرض.
-
قلنا: النبي - صلى الله عليه وسلم - ينفي الشيء الذي يصح به ثبوته، ألا ترى: أنه عليه الصلاة والسلام إذا قال: (لا يجمع بين أختين) كان معناه: لا يجمع بينهما على الوجه الذي [يصح] ثبوت كل واحد منهما.
-
ولا يصح أن يقال: لا يجمع الرجال بين أمه وأجنبية؛ لأن إحديهما لا يصح على الانفراد. ومعلوم أن العشر لا يتعلق بنفس الأرض وإنما يتعلق بالخارج منها فكأنه عليه الصلاة والسلام قال: (لا يجتمع عشر الخارج والخراج في أرض واحدة) .
-
فإن قيل: نحمله على خراج وضع على أرض الكفار التي فتحت صلحا فيكون جزية فلا عشر معه،
-
فإذا أسلموا سقط الخراج؛ لأنه جزية ووجب العشر/.
-
قلنا: هذا تخصيص بغير دليل، ويدل عليه: ما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (منعت العراق قفيزها ودرهمها) . ومعلوم أن من منع الخراج منع العشر، وقد ذمهم على منع الخراج،
-
فلو كان العش واجبا بالعراق لذمهم على منعه، ولكان أولى بالذكر؛ لأن عندهم صدقة وعبادة، والخراج ثمن والذم:
-
1/12941/1294
إنما يكون بالامتناع من القرب،
-
فأما الأثمان: فهي كدين الآدميين.
-
ويدل عليه: إجماع الأمة، أن أئمة العدل وولاة الجور لم يأخذوا من السواد العشر مع الخراج،
-
فمن جمع بينهما فقد خالف الإجماع.
-
ويدل عليه: (ما روي أن دهقانة نهر الملك أسلمت فكتب في ذلك عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، فكتب إن أقامت على أرضها فخذ منها الخرج) ولو كان العشر يجب بالإسلام لبينه وأمر به، وكان بيانه لتجدده أولى من بقاء ما كان واجبا.
-
فإن قيل: إنما بين الخراج ليعلم أنه ليس بجزية وأنه لا يسقط بالإسلام، ولم يبين العشر الذي يجب مع الإسلام.
-
قلنا: حكم العشر أمر قد خفي على الفقهاء، فكيف لا يحتاج إلى بيانه؟ والذي يدل أنه قد سكت عنه لأنه ليس بواجب؛ لأنه لو وجب لأخذ،
-
ولو أخذ لنقل ولأنهما حقان يتعلق كل واحد منهما بالمال النامي فلا يجتمع وجوبهما بسبب مال واحد، كزكاة السوم والتجارة.
-
فإن قيل: العشر يجب لأجل الزرع، والخراج لأجل الأرض.
-
قلنا: الأرض سببهما جميعا، ألا ترى: أن قدر العشر يختلفان باختلاف الأرضي، والزرع يؤثر فيهما، بدلالة: أن قدر الخراج يختلف باختلاف الخارج.
-
1/12951/1295
فإن قيل: زكاة السوم والتجارة سببهما الحول والنصاب، وإسلام المالك والتجارة تراد للنماء، والسوم للنماء. والمستحق لإحدى الزكاتين المستحق للأخرى فلذلك لم يجتمعا، والعشر محله غير محل الخراج، وسبب أحدهما غير سبب الآخر ومستحق أحدهما غير مستحق الآخر.
-
قلنا: زكاة السوم والتجارة حقان مختلفان، بدلالة أن حول أحدهما قد يخالف [حول] الآخر،
-
فلا يجبان بحول واحد، ونصاب أحدهما غير نصاب الآخر، ومحل أحدهما غير محل الآخر؛ لأن زكاة السوم تتعلق بالعين، وزكاة التجارة تتعلق بالقيمة عندهم، فقد يتفقان في وجه ويختلفان في وجوه،
-
وكذلك الخراج والعشر كل واحد منهما حق يختص بالأراضي ويجب لأجل نمائهما، بدلالة: أن الأرض التي لا تصلح للزرع لا خراج عليها ويسقط أحدهما ما يسقط الآخر، وهو غلبة الماء على الأرض وانقطاعه عنها، ومستحق العشر مستحق الخراج،
-
وإن استحق الخراج من لا حق له في العشر فقد اتفق مستحقها من وجه ويتنافى وصفهما ابتداء، وقد يتعلق أحدهما بما يتعلق به الآخر، وهو خراج المقاسمة. ولأنهما حقان لله تعالى يسقطان بقوات منفعة الأرض، فوجوب أحدهما يمنع من وجوب الآخر، أصله: الأرض العشرية لا يجب فيها خراج، ولأنه خارج من أرض الخراج فلم يجب فيه عشر الخضراوات، ولأنه خارج لا يجب العشر في قليله.
-
فلم يجب في كثيره، كالخارج م أرض الذمي والمكاتب.
-
فإن قيل: المعنى في الذمي أن الزكاة لا تجب في أمواله، ولما وجبت الزكاة في أموال المسلم وجب العشر في زرعه.
-
1/12961/1296
قلنا: انتفاء الزكاة لا يدل على انتفاء الحقوق المتعلقة بما يستفاد من الأرضي، بدلالة: الركاز. ولأن كل أرض وجب الخراج عنها لم يجب العشر عن زرعها، أصله: الأرض الخراجية إذا آجرها من ذمي. ولأنه نبت خارج من أرض السواد فلم يجب فيه عشر، كما دون خمسة أوسق.
-
ولأنهما حقان يجبان لأجل نماء الماس أحدهما: يثبت على طريق الشركة والآخر: في الذمة، فلم يجتمعا في الوجوب كربح المضاربة والأجرة لأجل عمله،
-
وكذلك المزارع لا يجب له جزء من الزرع مع الأجرة. ولأنهما حقان لا يجوز ابتداء المسلم بأحدهما ولا ابتداء الكافر بالآخر، فلم يجز اجتماعهما، كالجزية والعشر.
-
ولأن سبب الحقين يتنافى ابتداء بدلالة: أن سبب العشر قسمة [أرض] العنوة، وإسلام أهل الأرض، وسبب الخراج أن يفتح عنوة ولا يقسم، ولهذا لا يجمع بين الحقيق ابتداء فلم يجمع بينهما في الاستيفاء بقاء؛ أصله: القصاص والدية والجزية، والصدقة والأجرة والربح في المضاربة.
-
ولأن الخراج إذا كان مقاسما فلا يخلو إما أن يجب معه العشر أو لا يجب،
-
فإن أسقطه قسنا عليه،
-
وإن أوجبه فلا يخلوا إما أن يوجبه في جميع الخارج، وهذا لا يجوز؛ لأنه يودى إلى إيجاب حق الله تعالى من حقه.
-
ولا يجوز إيجاب العشر فيما سوى الخراج لأنه يؤدي إلى وجوبه في بعض الخارج دون بعض، وهذا لا يصح. ولأن العشر لو وجب استقلت الأرض بحق الفقراء، فلم يجب الخراج في ذمة صاحبها، كما لو غصبها غاصب.
-
احتجوا: بقوله تعالى {ومما أخرجنا لكم من الأرض}
-
1/12971/1297
قلنا: عندكم الخارج من الأرض لا يتعلق به عشر وإنما يتعلق بما ينعقد منه وإنما يصح هذا على قولنا في وجوب العشر في الخضر.
-
قالوا: قال الله تعالى: {وءاتوا حقه يوم حصاده} .
-
قلنا: عند الشافعي لا يجب أداء العشر يوم الحصاد وإنما يجب أداؤه يوم التصفية فوجب حمل الآية على حق يجب أداؤه يوم الحصاد، وذلك الحق الخراج، لأن الزرع إن هلك قبل الحصاد سقط خراجه،
-
وإن هلك بعده لم يسقط.
-
احتجوا: بقوله عليه الصلاة والسلام: (فيما سقت السماء العشر، وما سقى بالسواقي والنضح نصف العشر) .
-
والجواب: إن أرض السواد لا تكتفي بسقي الماء،
-
ولا يكون فيها فعل وإنما هي في أرض العرب، واللفظ يتناول الأرض التي توجد فيها هذه الصفة تارة وهذا تارة، ولأن هذا عموم مخصوص بإجماع الصحابة.
-
قالوا: ما يجب فيما يستفاد من غير أرض الخراج يجب فيما يستفاد من أرض الخراج، أصله: حق المعدن.
-
قلنا: عندنا موضع المعدن من أرض الخراج لا خراج فيه؛ لأنها بقعة لا تصلح للزراعة، فلم نسلم أن حق المعدن يتعلق بما يستفاد من أرض خراج،
-
ولو سلمنا الوصف فالمعنى فيه: أن الخراج لم يوضع لأجل منفعة المعدن، فإيجاب الخمس لا يؤدي إلى إيجاب حقين لمنفعة واحدة،
-
وأما الزروع فالخراج وضع على الأرض لأجل الانتفاع به، ولهذا لا خراج عليهما فيما لا يمكن زرعه، فلم يجب الحق فيه حتى لا يؤدي إلى إيجاب حقين في صفقة واحدة.
-
قالوا: حر مسلم أخذ من ملكه نصابا من القوت يلزمه العشر،
-
1/12981/1298
أصله: الأرض التي لا خراج عليها.
-
قلنا: الأرض التي لا خراج عليها لم يلزمه حق في الذمة لأجل الانتفاع بنمائها، فجاز أن يلزمه حق مقاسمة في الخارج منها.
-
وفي مسألتنا: لما لزمه حق في الذمة لسلامة هذه المنفعة لم يجز أن يلزمه حق مقاسمة، كما ذكرنا في الربح والأجرة.
-
قالوا: كل أرض تعلق ربع العشر بمعادنها لا يتعلق بها عشر؛ لأن موضع المعدن لا يمكن زراعته. ولأنا بينا أن الخراج يوضع لأجل منفعة الزرع،
-
فإذا حصلت لم يجز فيها شيء، ولما كان الخراج لا يوضع لمنفعة المعدن لم يكن وجوب الخراج مانعا من وجوب حق المعدن، والمعني في أرض العشر ما ذكرناه.
-
قالوا: نوع زكاة فلم يمنع وجوب الزكاة [فيه] كسائر الزكوات.
-
قلنا: لا نسلم أن العشر زكاة، ولأن سائر الزكوات لم يوضع الخراج لأجلها فوجوبه لا ينفيها، والزرع وضع الخراج لأجله فلذلك لم يجب عشر مع وجوبه.
-
قالوا: العشر يجب في الحب، والخراج في الأرض كأجرة الدكان والزكاة.
-
قلنا: وقد يجب الخراج في الزرع إذا كان خراج مقاسمة،
-
ولا ينفي ذلك العشر عندهم، ولأن كل واحد من الخراج والعشر حق الأرض إلا أن محل أحدهما الذمة ومحل الآخر: الخارج، ولهذا يسقطان ببطلان منفعتهما ويختلف العشر باختلاف صفتها، فتارة يجب العشر، وتارة يجب نصفه.
-
قالوا: الخراج يجب على الأرض إذا تمكن من زراعتها زرع أو لم يزرع والعشر يجب في الحب.
-
وإذا وجب الحقان عن عينين لم يتنافى الوجوب ولم
-
1/12991/1299
يمنع أحدهما الآخر، أصله الزكاتان في نصابين،
-
وإذا اشترى دكانا وترك فيه متاعا للتجارة.
-
والجواب: ما بينا أن كل واحد من العشر والخراج يجب لسلامة منفعة الأرض، بدلالة: أن فوات المنفعة يبطلها، ولكن محل احد الحقين الذمة،
-
فإذا تمكن من الانتفاع فقد وجد محل الحق، والآخر محله الخارج وذلك لا يوجد بالتمكن حتى يحصل الزرع الذي هو محل الوجوب، يبين ذلك أن الخراج إذا أوجب في الخارج، وهو خراج المقاسمة لم يجب بالتمكن من منافع الأرض، وإنما يجب لحصول محله الذي هو الزرع،
-
فأما زكاة نصابين وأحد النصابين لا يجب زكاته للانتفاع بالنصاب الآخر، وإنما يجب للانتفاع به خاصة، فلذلك اجتمعا، وأجرة الدكان عوض منافعه وهذه المنافع ليس لها تعلق بالزكاة، فلم يمنع منها، ومنفعة الأرض التي وجب الخراج لأجلها يطلب فيها الزرع، فصارت كالشيء الواحد فلم يجب فيها حقان.
-
قالوا: فتفرقهما مختلف فلم يمنع اجتماعهما كالجزاء والقيمة.
-
وربنا قالوا: حقان مختلفان يجبان بسببين مختلفين لصفتين مختلفتين فجاز أن يجتمعا، كالجزاء والقيمة.
-
والجواب: إنه فرق عندهم بين اختلاف الحقين واتفاقهما؛ لأن خراج المقاسمة كالعشر، ويجوز اجتماعها.
-
وقولهم: بسببين مختلفين يدل على أنهما لا يجتمعان، بدلالة أن السببين يتنافى وجودهما، وهذا يدل على التنافي لا على الاجتماع، وأما
-
1/13001/1300
اختلاف المصرف فلا تأثير له في الأصل؛ لأنهما يجتمعان وإن اتفق مصرفهما، كالصيد المنذور، إذا قتله المحرم وجب عليه قيمته مع الجزاء والمصرف واحد، ولأن الجزاء والقيمة يجوز اجتماعهما لحق مستحق واحد.
-
ألا ترى: أن الصيد المنذور إذا أتلفه مالكه وجب ضمانه بالجزاء لحق الله تعالى، وبالقيمة لحقه، فكذلك يجوز لحق المستحقين وأما الحقوق المتعلقة بالأموال إذا كان طريقها واحد لم يجز اجتماعهما لأجل [حق] مستحق واحد، كذلك المستحقين.
-
قالوا: العشر وجب بالنص، والخراج بالاجتهاد، فلم قدمتم ما ثبت بالاجتهاد على ما ثبت بالنص؟
-
قلنا: الخراج ثبت بالإجماع، فهو كما ثبت بالنص،
-
فإذا لم يجز اجتماعهما لما بينا فالخراج أنفع للمسلمين وأعم منفعة؛ لأنه يجب وإن عطلت الأرض، ويستحق ذلك الغني والفقير، فكان إيجابه أولى.