مسألة ١٥٠
التجريدHanafimasa’il 4709 to 4768
-
1/6441/644
سجدة التلاوة واجبة
-
قال أصحابنا: سجدة التلاوة واجبة.
-
وقال الشافعي: مسنونة.
-
لنا قوله تعالى: {واسجد واقترب} ، وقال: {فاسجدوا لله واعبدوا} ؛ وهذا أمر، فاقتضى الوجوب، وقال: {إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا} ، فجهل ذلك من شرط الإيمان وصفته، وهذا يقتضي الوجوب، ويدل عليه قوله تعالى: {فما لهم لا يؤمنون* وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون} ، فذمهم على ترك السجود، والذم يستحق بترك الواجب.
-
قالوا: المراد به الخضوع؛ بدلالة أنه علقه بجميع القرآن، والسجود لا
-
1/6451/645
يجب في جميع القرآن.
-
قلنا: حقيقة السجود عبارة عن خضوع بصفة،
-
فلا يجوز حمله على غير حقيقته.
-
قالوا: فنحن نترك ظاهر السجود وأنتم تتركون ظاهر العموم فتوجبون السجود في بعض القرآن.
-
قلنا: اعتبار الحقوق أولى من اعتبار العموم لأن المتكلم في غالب حاله يقصد الحقيقة، والغالب في العموم دخول التخصيص فيه.
-
قالوا: الآية ذكر فيها الكفار، وفعل السجود لا يصح منهم، فعلم أن المراد بها الخضوع.
-
قلنا: يصح أمر الكافر بالسجود [ويلحقه الذم بتركه،
-
وإن كان لا يصح فعله إلا بتقديم الإيمان، كما يصح أمر المحدث بالسجود] ولا يصح منه إلا بتقديم الطهارة، وقد ذم الله الكفار بترك الزكاة وإن كانت لا تصح إلا بتقديم الإيمان: فقال سبحانه: {وويل للمشركين* الذين لا يؤتون الزكاة} .
-
ولأنها سجدة تختص بما طريقه الأقوال فكان لها مدخل في الوجوب، كالمنذورة. ولأنه فعل مختص بتعظيم القرآن فكان واجبا، كترك مسه مع الجنابة ولأنه يجوز قطع القراءة وترك أفعال الصلاة بها، وما جاز ترك الواجب لأجله كان واجبا. ولأن ما طرأ على التحريمة وجاز للمصلي ترك الصلاة [بما كان واجبا، كتخليص الغريق.
-
ولأنه فعل غير ركن الصلاة،
-
فإذا أفرد عن جملة أركانها] كان واجبا، كصلاة الجنازة.
-
قالوا: لا نسلم أنه فعل أفرد؛ لأن السجدة يجب فيها التحريمة [والسلام وهما ركنان،
-
وكذلك قيام الجنازة يجب فيه التحريمة والقراءة] والسلام فليس بمفرد.
-
قلنا: قد ذكرنا أنه أفرد عن جمل الأركان، وما ذكروه- وإن كان
-
1/6461/646
عندهم ركنا- لم يخرج أن يكون القيام أفرد عن جمل الأركان التي هي الركوع والسجود والقعدة. ولأنها سجدة يتكرر فعلها في الصلاة بتكرار سببها، أو بفعل في الصلاة عقيب سببها، أو بفعل في الصلاة بحكم الشرع، أو ينتقل إليها عن قيام الصلاة، فصارت كسجدات الصلاة.
-
قالوا: المعنى فيها أنها راتبة في الصلاة.
-
قلنا: كونها راتبة [في الصلاة] يدل على وجوبها فيها، وكونها غير راتبة ينفي وجوبها فيها، وعندنا ليست من واجباتها، وكون الشيء غير راتب في الصلاة لا يمنع وجوبه في الجملة، كسائر الواجبات. ولأن السجدة التي يأتي بها المسبوق واجبة عندنا وليست براتبة.
-
قالوا: المعنى في سجدة الصلاة أنها تجوز في السفر راكبا من غير عذر.
-
قلنا: صلاة الفرض لا تفعل في عموم حال المسافر، فلم يكن معذورا في الإيماء والتلاوة بفعلها في غالب حاله، فكان معذورا في الإيماء كما كان معذورا بالنفي، فلم نسلم أنها تفعل من غير عذر.
-
احتجوا: بقوله تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين/ كتابا موقوتا} ، قالوا: وهذه صلاة غير موقوتة، فلم تكن مكتوبة.
-
قلنا: سجدة التلاوة ليست صلاة عندنا،
-
ولو كانت صلاة لم تكن مكتوبة، بل هي واجبة.
-
قالوا: روى طلحة بن عبيد الله أن أعرابيا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإسلام فقال: (خمس صلوات في اليوم والليلة) ، فقال: هل علي غيرها، قال: (لا إلا أن تتطوع) .
-
1/6471/647
والجواب: أن قوله: هل علي غيرها، معناه: صلاة غيرها؛ ألا ترى أن سائر الواجبات لم يفهم سقوطها بهذا الخبر، وإذن تضمن الخبر سقوط وجوب الصلوات، والسجدة ليست بصلاة. ولأنه قال: (خمس كتبهن الله في اليوم والليلة) فقوله: هل علي غيرها، معناه: مكتوبة غيرها، وهذه ليست بمكتوبة.
-
ولأن قوله: (إلا أن تتطوع) فيجب حتى يكون الاستثناء من جنس المستثنى منه، وعندنا أنه يتطوع بالتلاوة، فتجنب السجدة.
-
قالوا: روى زيد بن ثابت أنه قرأ عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سورة النجم فلم يسجد.
-
قلنا: يحتمل أن يكون على غير طهارة أو وقت لا يجوز فيه السجود، ويحتمل أن يكون أخر الفعل ليبين أنها لا تجب على الفور. ولأن زيدا لم يقل: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: [لم أسجد] ، وإنما لم يشاهده سجد، فيجوز أن يكون سجد بغير حضرته.
-
قالوا: نفى نفيا عاما فيجوز أن يكون سمع من النبي - صلى الله عليه وسلم -.
-
قلنا: ويجوز أن يكون لم يشاهده، فبقي على غالب ظنه.
-
قالوا: روي أن عمر بن الخطاب قرأ السجدة على المنبر يوم الجمعة فنزل وسجد، فلما كان في الجمعة الثانية قرأها فتهيأ الناس للسجود، فقال: أيها الناس، على رسلكم، إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء.
-
1/6481/648
قالوا: [روي] إنا: نمر بالسجدة،
-
فمن سجد فقد أصاب وأحسن،
-
ومن لم يسجد فلا إثم عليه.
-
والجواب: أن ترك الجمعة لفعل السجود يدل على وجوبه؛ ألا ترى أن الواجب لا يقطع لفعل ما ليس بواجب، وتأخير الفعل لا يسقط الوجوب؛ لأن الوجوب قد يكون على الفور وعلى التراخي. ولأن قوله: لم يكتبها إلا أن نشاء، يقتضي أنها تكتب بمشيئتنا، وهذا محال، فبقي أن يكون معناها: [إن نشأ تلاوتها فتجب علينا] ؛
-
لأنه نفى أن تكون مكتوبة، وقد بينا أنها واجبة وليست مكتوبة.
-
ولو ثبت عن عمر ما قالوه كان على مخالفنا؛ لأنه روي عنه أنه قال: عزائم السجود أربع: تنزيل السجدة، وحم السجدة، والنجم، واقرأ بسم ربك. والعزيمة عبارة عن الواجب.
-
قالوا: سجود يجوز فعله على الراحلة في السفر، وجب أن لا يكون واجبا، كصلاة النافلة.
-
قلنا: يبطل بسجدة المنذورة: إنها واجبة وتجوز على الراحلة في
-
1/6491/649
السفر. ولأنها إنما جازت على الراحلة لأن سببها وجد من جهته وهو على هذه الحال، فتعلق الوجوب بالحال التي هو عليها.
-
ولا يقال: لو كان كذلك لوجب إذا زالت الشمس وهو راكب أن يصلي على ما هو عليه؛ لأن الوجوب هناك ليس بسبب من جهته.
-
قالوا: فإذا نذر الراكب أن يصلي [لم يجز] بالإيماء وإن كان السبب من جهته.
-
قلنا: ليس كذلك، بل يجوز أن يصلي راكبا وإن أطلق، ذكره أبو الحسن [رحمه الله] .
-
ثم المعنى في صلاة التطوع أنه لا يجوز فعلها في خلال الفرض، وليس كذلك السجدة؛ لأنها سجدة تفعل في خلال صلاة الفرض سجداتها.
-
قالوا: سجود زائد على الراتب في الصلاة، فوجب أن لا يكون واجبا، كسجود السهو.
-
قلنا: يبطل بالسجدة التي يدركها المؤتم مع الإمام. وسجود السهو غير مسلم؛ لأن أبا الحسن كان يقول بوجوبه.
-
ولو سلم فالمعنى فيه أنه لا يتكرر في [الصلاة بتكرار] سببه، أو لا ينتقل إليه عن قيام الصلاة، أو لا يفعل عقيب سببه.
-
قالوا: تلاوة فلا يجب بها السجود، كما لو قرأها ثانيا.
-
قلنا: لا نسلم؛ لأن الثانية تجب عندنا وتتداخل وجوبها [في] وجوب الأولى، فتجزئ السجدة عنها، وهذا المعنى لا يمنع الوجوب كتكرار أسباب الحد.
-
قالوا: هذه عبادة لا فائدة فيها وأسباب الحدود يتعلق بها الوجوب ولا يقال إنها عبادة.
-
قالوا: لو كانت الثانية يتعلق بها الوجوب لم تجزأ الأولى، وقد
-
1/6501/650
وجد الفعل قبل سبب الوجوب.
-
قلنا: لا يمتنع مثل هذا فيما يصح فيه التداخل، كحد القذف إذا استوفى ثم تكرر القذف.
-
ولو قلنا: إن التلاوة الثانية لا توجب لم يدل على أنها لا تجب ابتداء، كالحدث الثاني لا يوجب الوضوء وإن كان الأول يوجب.
-
قالوا: تلاوة لو كررها في المجلس لم يجب فعل الثانية، كذلك إذا تلاها أولا أصله آخر الحج.
-
قلنا: سجدة الحج لما ذكرت مقرونة بركن لم يكن موضع السجدة، كقوله: {واسجدي وأركعي} ، ولما ذكر السجود غير مقرون بركن على طريقة المخالفة للكفار كان موقع سجود واجب.