مسألة ١٢٩٩
التجريدHanafimasa’il 42382 to 42546
-
1/54381/5438
قتل الذمي بالمسلم
-
قال أصحابنا رحمهم الله: يقتل المسلم بالذمي.
-
وقال الشافعي رحمه الله: لا يجب القصاص على المسلم بقتل كافر
-
1/54391/5439
فإن جرحه وهو كافر ثم أسلم أقتص منه.
-
1/54401/5440
لنا: قوله تعالى:} يا أيها الذين أمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى {ولم يشترط في المقتول صفة.
-
ولا يقال: إنه خطاب للمؤمنين، لأنه خاطب المؤمنين الذين عليهم القصاص ولم يشترط الإيمان فيمن له القصاص.
-
فإن قيل: القصاص المماثلة وليس الذمي مماثلًا للمسلم.
-
قلنا: القصاص هو المماثلة في الفعل دون المماثلة في المفعول ومنه قولهم أقتص أثر فلان.
-
1/54411/5441
قالوا: قال الله تعالى:} فمن عفي له من أخيه شيء {والمسلم أخو المسلم، والكافر ليس بأخ.
-
قلنا: يجوز أن يكون المراد بالأخ من النسب والقبيلة وذلك لا يقتضي الأخوة من الدين.
-
يدل عليه قوله تعالى: } ومن قتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطنًا {
-
1/54421/5442
وهذا عام في جميع كل قتيل مظلوم.
-
فإن قيل: لما قال} فلا يسرف في القتل {لم يتناول مسألتنا لأن قتل المسلم بالكافر سرف.
-
قلنا: السرف في القتل هو التجاوز [في الفعل] وذلك لا يتناول اختلاف الأديان.
-
يدل عليه ما روى ربيعة بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن البيلماني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى برجل من المسلمين قد قتل معاهدًا من أهل الذمة فضرب عنقه، وقال: «أنا أحق من وفى بذمته» .
-
1/54431/5443
وقولهم: إن الشافعي قال: هو ضعيف غلط، لأن ربيعة وعبد الرحمن كلاهما في الصحيح، وإرساله لا يمنع الاحتجاج به، لأنه المرسل والمتصل عندنا حجة.
-
وقد روى هذا الحديث مسندًا محمد بن المنكدر الضميري.
-
1/54441/5444
وقوله: وقد عاش إلى [زمن معاوية - رضي الله عنه - غلط، لأن القاتل لم يذكر في الحديث] .
-
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - اقتدى عمرو بن أمية.
-
فإن قيل: يحتمل أن يكون قتله وهما كافران ثم أسلم القاتل.
-
قلنا: تعليله يقتضي وجوب القصاص للوفاء بذمته، وهذا يفيد العموم.
-
1/54451/5445
ويدل عليه قوله [- صلى الله عليه وسلم -] : «كتاب الله القصاص» وقال: «من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين، إن شاءوا أفادوا، [وإن شاءوا أقادوا] ولم يفصل.
-
1/54461/5446
وقال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: قتل نفس بغير نفس» .
-
ولأن كل من وجب عليه القصاص على قاتله الكافر، جاز أن يجب القصاص على المسلم.
-
وإن جرحه في حال السلامة، وأصله المسلم.
-
فلا يمكن القول بوجوب العلة إذا قتل الكافر كافر ثم أسم القاتل.
-
لأن قلنا: جاز أن يجب القصاص على قاتله المسلم.
-
ولا يقال بوجوب العلة في الكافر بجرح الكافر ثم يموت المجروح بعد إسلامه.
-
فإن قيل: المسلم حقن دمه بذمته، والذمي حقن دمه بعقده.
-
قلنا: هذا لا يمنع التساوي كما لا يمنع التساوي في وجوب القطع بسرقة المال،
-
وإن أحد المالين حقن بالدين ولآخر بالعقد.
-
1/54471/5447
قالوا: حقن الدم بالإسلام أكد، بدلالة أنه لا يزول إلا بالردة، وحقن العقد يزول بنقض العهد من الذمي كالردة من المسلم.
-
قلنا: الامتناع من أداء الجزية فإن حصل من واحد لم يؤثر في نقض العهد،
-
وإن حصل من جماعة ممتنعة، فهم كالجماعة من المسلمين إذا امتنعوا من أداء الزكاة، وخروج أهل الذمة وإن حصل من جماعة علينا كخروج المسلمين علينا فلا فرق بينهما.
-
فإن قيل: إذا قتل الأب ابنه والمولى عبده فهو محقون الدم على التأييد،
-
ولا قصاص على القاتل.
-
قلنا: المعتبر في جهة المقتول حقن دم على التأييد، ويعتبر في جهة القاتل أن [يعرى] العلة عن أبيه، والأب له شبة في نفس الابن وماله، والمولى له شبهة في رقبة عبده.
-
ولأن كل من وجب على المسلم القطع بسرقة ماله، جاز أن يجب
-
1/54481/5448
القصاص على قاتله ابتدأ بقتله أصله المسلم.
-
ولا يلزم المكاتب لأنه لا مال له،
-
فلا مدخل على العلة، ولأنه يجب القصاص على قاتله إذا مات عن وفاء وارثه المولى،
-
ولا يلزم المرتدة، لأنا لا نعرف الرواية في وجوب القطع بسرقة مالها.
-
ولا يلزم المرجوم، لأن القطع يجب بسرقة ماله،
-
ويجوز أن يجب القصاص بقتله إذا دخلت شبة بعد القضاء عليه بالرجم.
-
فإن قيل: حرمة النفس أعظم من حرمة المال.
-
قلنا: هذا هو الدليل عليكم، لأن حرمه المال الضعيفة إذا لم يمنع من قطع يد المسلم، فحرمة النفس القوية أولى أن لا يمنع وجوب القصاص على المسلم.
-
قالوا: الرجل إذا سرق من المرأة قطع،
-
ولو قطع يدها لم يقطع، واعتبار قطع الطرف بالطرف أولى.
-
1/54491/5449
قلنا: سارق مالها يقطع،
-
فإن قتلها قتل. [وأما قطع يدها] ، فلان القصاص في الطرف يؤثر فيه اختلاف الأرش ولا يؤثر ذلك في القصاص في النفس.
-
ولأنه فعل لو وجد من المسلم والمسلم أوجب القتل،
-
فإذا وجد منه في الكافر أوجب القتل كالزنا مع الإحصان.
-
ولأن المسلم والذمي إذا اشتركا في قتل الذمي وجب القصاص على الذمي وكل المشركين في القتل إذا وجب به القصاص على أحدهما، جاز أن يجب على لآخر، كالذميين إذا قتلا ذميًا، والمسلمين إذا قتلا مسلمًا.
-
ولأنه محقون الدم على التأييد، فجاز أن يجب القصاص ابتداء على قاتله المسلم كالمسلم. بيان ذلك: أن المسلم محقون الدم لا إلى مدة، والذمي كذلك،
-
ولا يشبه المستأمن، ألا ترى أن قتل الكافر الحربي لحربه، والذمي تارك للحرب على التأييد، فحقن دمه على التأييد. والمستأمن تارك للحرب إلى مدة فحقن دمه إلى مدة.
-
ولا يلزم صبيان المشركين ونساءهم، لأن صبيانهم حظ
-
1/54501/5450
البلوغ، والنساء لم يحظر قتلهن على التأييد. لأنهم إذا ملكوا امرأة قتلناها،
-
وإن كان لها رأي في الحرب قتلناها.
-
وهذه المعاني ليست من فعلها.
-
وإذا اختلط النساء بالرجال حتى لا يتميزون قتلوا [المرأة] .
-
لأن قتلها يستباح لغير قتلها إذا حكم الحاكم بقتلها.
-
والذي يدل على صحة هذه العلة: أن عقد الذمة يقوم مقام الإسلام. ألا ترى أنا ندعوهم إلى الإسلام.
-
فإن امتنعوا دعوناهم إلى الجزية.
-
وإن بذلوا دفع الجزية وجب علينا قبولها كما يجب علينا أن نقبل الإسلام إن بذلوه، وما قام مقام الشيء سد مسده في المقصود، كالتيمم لما قام مقام الوضوء سد مسده في جواز الصلاة،
-
وكذلك العدة بالشهور، والإطعام في الكفارات، والمقصود من العقد حقن الدم، فقام مقام الإسلام في ذلك.
-
1/54511/5451
ولأنه بالعهد حقن ماله، فسوى مال المسلم حتى تعلق به ما يجتمع مع السنة وهو الضمان، وما لا يجتمع معه مغرمًا وهو القطع، كذلك ساوى المسلم في وجوب ضمان الملك بالقتل الذي يجتمع مع السنة، ساوى في القصاص الذي لا يجتمع مع السنة وهذا اعتبار دلت عليه السنة كقوله [- صلى الله عليه وسلم -] : «حرمة مال المسلم حرمة دمه» فيستحيل أن يساوي بغير الأعداد بدلالة أن من أستهل ولدهما لم يلزمه أكثر منه ولا أزيد من صفته.
-
ثم كان الأعداد في الأنفس غير معتبر إذا حصل التساوي في حقن الدم. [لأن الجماعة يقتلون بالواحد،
-
وكذلك الاختلاف فيما صفته لا يؤثر إذا حصل التساوي في حقن الدم] .
-
ولأن إسلام القاتل لو منع وجوب القصاص عليه بقتل الذمي، لكان
-
1/54521/5452
طريانه بعد وجوب القصاص يمنع الاستيفاء. لأن كل معنى إذا وجد في الابتداء منع وجوب القصاص،
-
وإذا طرأ بعد الوجوب منع الاستيفاء، كالولد قتل الأب لم يقتص منه.
-
لو ورث الابن قصاصًا على أبيه لسقط،
-
ولا يلزم العاقل إذا قتل ثم جن، لأنه ذكر في المنتقى: لأنه إن جن قبل تسليمه إلى الولي سقط القصاص،
-
وإن جن بعد تسليمه ليقتل لم يمنع القصاص.
-
لأنه يختلط في تلك الحال من الخوف، فعلى هذا هو طرؤ علينا، ونحمل ما ذكر في الكتاب على المجنون بعد التسليم.
-
ولو جعلناها في الأصل رواية أخرى لم يلزمنا.
-
لأن المجنون إذا قتل لم يجب عليه القصاص، لأن فعله ليس بعمل،
-
1/54531/5453
فإذا قتل وهو عاقل صح العمل منه،
-
فإذا جن بعد الوجوب لم يؤثر جنونه من إخراج الفعل المتقدم من حكم العمل.
-
فإذا المعنى المسقط للقصاص إذا قارب لا يصح إن يطرأ. وهذا كما قلنا إن طلاقه لا يقع.
-
لأن قوله ليس بصحيح،
-
فإذا قال وهو عاقل: أنت طالق إن دخلت الدار،
-
ثم جن ودخلت وقع الطلاق، لأنه الجنون الطارئ لا يخرج قوله المتقدم من حكم الصحة.
-
ولا يلزم إذا أذن لرجل في قتل عيد فشاركه من لم يأذن له لم يلزمه القصاص.
-
ولو قتلاه من غير إذن فعفا عن أحدهما لم يسقط القصاص عن الآخر.
-
لأن المانع أن فعل أحدهما إذا لم يتمحض عمدًا من لا قودا عليه،
-
فإذا لم يتمحض فعلهما ثم طرأ العفو لم يتغير بالطريان ذلك التمحض، فالمعنى المقارب الذي أثر لا يتصور طريانه.
-
ولأن من جاز استيفاء القصاص من بقتل الكافر، جاز إيجاب القصاص عليه ابتدأ بقتل الكافر أصله الكافر.
-
احتجوا بقوله تعالى: } لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الحنة {.
-
1/54541/5454
قلنا: المراد به أحكام الآخرة، بدليل قوله: } أصحاب الجنة هم الفائزون {.
-
احتجوا بقوله تعالى: } ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا {.
-
قالوا: وهذا خبر يراد به الأمر، وإلا وقع مخبره بخلاف الخبر.
-
قلنا: نعلم أن الله تعالى قد جعل للكافرين على المؤمنين السبيل في ضمان الأموال وفي كثير من الأحكام. وإنما المراد بالآية سبيل الحجة،
-
فإذا حمل على ذلك بقي اللفظ على ظاهر الخبر ولم نحتج إلى تعديله إلى الأمر ونترك الظاهر.
-
1/54551/5455
ونحمله على العموم ولا يحتاج إلى التخصيص،
-
فإن هذا مستفاد بالعقل.
-
قلنا: قد يرد الشرع مؤكدا لما في العقل كقوله تعالى:} أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت {وقوله:} ولا تقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق {.
-
احتجوا بقوله [- صلى الله عليه وسلم -] : «المسلمون تتكافأ دماؤهم» .
-
دليله أن غيرهم لا يكافئ المسلم.
-
قلنا: الخبر يقتضي [أن دماء المسلمين تتكافأ مع اختلاف أحوالهم وصفاتهم. ودم غير المسلم هل يكافئ] دم المسلم موقوف على الدليل، وفائدة تخصيص المسلم بالذكر عطف عليه أحكامها تخصيص المسلمين، وفي قوله: « [ويسعى بذمتهم] أدناهم، وهم يد على من سواهم، ويعقد عليهم أولهم، ويرد عليهم أقصاهم» .
-
وهذه [أحكام كلها تختص] بالمسلمين، فلذلك خص المسلمين بالذكر أول الخبر.
-
1/54561/5456
احتجوا: بقوله [- صلى الله عليه وسلم -] : «لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده» .
-
الجواب: أن حرف العطف إذا عطف مفردًا على مفرد بمنزلة حرف التثنية، بدلالة قوله: كأن بين فكها والفك [فأرة مسك ذبحت في سك]
-
يقتضي: لا يقتل مؤمن ولا ذو عهد في عهده بكافر. وفصل
-
1/54571/5457
بالمفعول به بين ما استند إليه الفعل وما عطف عليه. وهذا سائغ.
-
ومنه [قوله تعالى] :} أمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون {وقوله تعالى:} وإن ربك يعلم أنك تقوم {الآية. فالتقدير: إن ربك يعلم أنك تقوم أنت وطائفة من الذين معك أدنى من ثلثي الليل، وآمن الرسول والمؤمنون بما أنزل إلى الرسول من ربه.
-
وقد قرأ أبو جعفر والحسن وابن عامر وأبو عمر وغيرهم: } عليهم ثياب من سندس خضر وإستبرق {جرا. تقدير: ثياب سندس وإستبرق خضر فعطف صفة المضاف بين المضاف إليه وما عطف عليه. قال أبو
-
1/54581/5458
على: وهذه القراءة أقوى، كقوله تعالى: } ويلبسون ثيابًا خضرًا من سندس وإستبرق {فكذلك جواز الفصل في الخبر بين ما استند إليه الفعل وما عطف عليه.
-
ولا يجوز أن يكون الكافر الذي لا يقتل به المعاهد إلا من لا عهد له، وذلك لا يقتل به المسلم عندنا. وهذا وجه تأويل لا يحتاج فيه إلى تقدير حذف. ومخالفنا لا بد أن يقدر في الحديث حذفًا، وهو قوله: لا يقتل مؤمن بكافر لا يقتل ذو عهد في عهده.
-
ولو تساوى التأويلات وقف دليلهم. وكيف إذا قدرنا تقديرًا لا حذف فيه وقدروا تقديرًا حذفوا منه الفعل.
-
وجواب آخر: وهو أن الجملة من المبتدأ والخبر تكون حالًا. قال الله تعالى: } يغشى طائفًة منكم وطائفٌة قد أهمتهم أنفسهم {قال سيبويه:
-
1/54591/5459
فلما وجهوه على طائفة يغشى منكم في هذه الحال، كأنه قال: طائفة قد أهمتهم. وإنما فعلها وقتًا ولم يرد أن يجعلها واو عطف، وإنما هي واو الابتداء.
-
وهذا القول: [خرجت وزيد قائم. فقولهم: وزيد قائم، جملة مبتدأ وخبر وهي حال، كأنه قال] : خرجت [الآن] زيد قائم؟ فعلى هذا تقدير الخبر: لا يقتل مؤمن بكافر، وليس ذو عهد في عهده. ولقد قدرنا ارتفاع العهد عن جميع المعاهدين لم يقتل مؤمن بكافر.
-
ومثله في المعنى إنشاد أبي زيد الأنصاري بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم ولم تكثر القتلى بها حين سُلتْ.
-
وهذا التأويل أيضًا لا يدخل الكلام [حذفًا] ، وما سوى ذلك من تأويلهم لا بد من دخول الحذف. وقد حذفوا في هذا الكلام فقال: قدروي
-
1/54601/5460
الخبر من غير عطف وهو قوله: [لا يقتل مؤمن بكافر] وهذا كلام ضعيف.
-
لأن هذا الخبر واحد روي بعض الرواة بعضه وروي بعضهم تمامه.
-
وقد عاب أصحاب مالك والشافعي بهذا فقالوا: لم يرو من غير عطف. ما لا مقطوع يعدل هذا الخبر المتصل إلى غير مقطوع.
-
1/54611/5461
قالوا: روي عن عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت وابن مسعود [رضي الله عنهم] مثل قولنا ولا مخالف لهم.
-
قلنا: هذا كلام من لم يعرف الحديث. لأن الخبر المشهور أن مسلمًا قتل عباديًا من أهل الحيرة، فذهب أخوه إلى عمر [- رضي الله عنه -] ، وكتب عمر أن يقتل، فجعل يقول: أقتل، فيقول: حتى يجئ (الغيظ) . وكتب عمر أن يودى ولا يقتل.
-
وقد قيل: إن عمر قيل له: إن القاتل فرسان المسلمين، ويجوز أن
-
1/54621/5462
يكون أسقط القصاص لأن الأخ أخبر أنه يقتله غيظًا لا قصاصًا.
-
ولما قتل [عبيد الله] ابنه الهرمزان و (جفينه) ، وكان نصرانيًا من أهل الحيرة، فلما استخلف عثمان [- رضي الله عنه -] ، دعا المجاهرين والأنصار فقال: أشيروا علي في هذا الرجل الذي قد فتق من الدين ما فتق. فاجتمع (المهاجرون) فيه على كلمة واحدة يأمرونه بالشدة عليه ويحثون عثمان على قتله، فكان فوج الناس أعظم مع عبيد الله، يقولون لجفينة والهرمزان: (أبعدهما الله) .
-
1/54631/5463
فهذا يدل من قول المهاجرين أن المسلم يقتل بالنصراني.
-
وروي (أبو الجنوب) الأسدي قال: جاء رجل من أهل الحيرة إلى علي [- رضي الله عنه -] فقال: يا أمير المؤمنين، رجل من المسلمين قتل ابني ولى البينة، فجاء الشهود فشهدوا، وسأل عنهم فزكوا، وأمر بالمسلم فأقعد، وأعطى الحيري سيفا وقال: اخرجوا معه إلى الجبانة فليقته، فتباطأ الحيري، فقال له بعض القوم: هل لك في الدية تعيش بها وتصنع عندنا يدًا، فقال: نعم.
-
وغمد السيف وأقبل إلى علي، فقال له علي: لعلهم منعوك أو هددوك.
-
قال: لا والله يا أمير المؤمنين، ولكن الدية. قال: أنت أعلم.
-
ثم أقبل على القوم فقال: إنما أعطيناهم الذي أعطيناهم ليكون دماؤنا كدمائهم.
-
1/54641/5464
احتجوا: بأنه منقوص بالكفر،
-
وإذا قتله مسلم لم يجب عليه القود كالمستأمن. أو لأنه محقون الدم بعهد،
-
فإذا قتله من حقن دمه بدينه لم يقتل به.
-
وربما قالوا: محقون الدم بعهد بأمان فلم بكن مكافئًا بمحقون الدم بإيمان.
-
قلنا: الكفر نوع نقص وأنواع النقص كلها غير مؤثرة في القصاص في النفس. كذلك هذا النوع يلحق بها، لأن النقص كالكفر لو كان شبة في سقوط القصاص عن المسلم، كان تأثير هذه الشبة في الاستيفاء الذي هو العقوبة أولى من تأثيرهما في الوجوب، لأن الاستيفاء هو (العقوبة) فالتأثير فيه أولى.
-
والمعنى في المستأمن أن دمه لم يحقن على التأييد، وإنما هو موقوف بدلالة إباحة دمه من غير فعل تحدد في جهته،
-
وإذا انقضت المدة فامتنع من الخروج أخرجناه إلى مأمنه ثم حل دمه.
-
وليس كذلك الذمي، لأن حقن دمه مؤبد، بدلالة أنه لا يحل إلا لمعنى يوجد منه، كما لا يباح دم المسلم إلا بحدوث معنى منه.
-
1/54651/5465
وهذه علة متعدية إلى فرع وهو الذمي إذا قتل المستأمن لم يقتل عندنا به لهذه العلة. وعلى هذا الفرق إذا قتل المستأمن مستأمنًا يجب عليه القصاص. لأنه تساوى في حقن دمه.
-
فإنه قيل: هذا الاختلاف لا يمنع التساوي في وجوب الفدية، لأن الزنا بالأجنبية كالزنا بذات محرم في وجوب الحد وإن اختلفا من أن حظر المحرم على التأييد وحظر الأجنبية مؤقت.
-
قلنا: حظر الأجنبية متأبد، بدلالة أنه لا تحل إلا بمعنى يوجد منها كما أن حظر دم الذمي لا يزول إلا بمعنى يوجد منه، ووزان المستأمن وطأ زوجته الحائض لأن الحيض يزول بغير فعلها،
-
وكذلك لا يجب بوطئها حد.
-
فأما ذات الرحم فلا تحل بمعنى يوجد منها.
-
وهذا لا يمنع من أن تساوي الأجنبية مع وجوب الحد. ونظيره من
-
1/54661/5466
القصاص أن قتل العاقل البالغ يوجب القود وإن كان قتله يستباح بفعله، وقتل الصبي والمجنون يوجب القصاص وإن كان لا يباح قتله بفعله.
-
وفرق آخر: وهو أن معنى الإباحة موجود في دم الحربي لأن قتله مباح،
-
ثم تأجلت الإباحة بالعهد، ودخول التأجيل في الحق لا يمنع من ثبوته. وهذا المعنى لا يوجد من الذمي. وهذه المعارضة تقتضي أن المستأمن إذا قتل المستأمن لا يقتل به.
-
فإن قيل: هذا الاختلاف لا يمنع أن يتساوى الذمي والمستأمن في بدل النفس كذلك (لا يمنع) أن يتساويا في القصاص.
-
قلنا: معنى الإباحة يجوز أن يؤثر فيما سقط بالشبة،
-
وإن كان لا يؤثر في الضمان، بدلالة أن وطأ الأب جارية ابنه لا يتعلق به حد لوجود معنى الإباحة.
-
وكذلك إذا سرق الابن من أبيه والأب من ابنه لم يقطع،
-
وإن صار كالأجنبي في وجوب الضمان.
-
وفرق ثالث: وهو أن قبول استئمان الحربي ليس بواجب علينا، بل نحن بالخيار في قبوله أو رده، وبعد قبوله لنا أن ننقض أمانه ونرده، (فذلك) لم يجب بقتله علينا قصاص. واستئمان الذمي يجب علينا قبوله كما يجب قبول الإسلام،
-
ولا يجوز لنا أن ننقضه بعد العهد، (فذلك) (أوجب علينا القصاص بقتله.
-
1/54671/5467
قالوا: حد القذف يجب بهتك حرمة العرض، والقود يجب بهتك حرمة) النفس.
-
ثم ثبت أن المسلم لا يحد بقذف الذمي كذلك لا يقتل بقتله. وتجيزه كل شخصين فضل أحدهما للآخر في حد القذف بهتك عرضه بفضله بسقوط القود بقتله كالوالد مع الولد.
-
وربما قالوا: كل شخصين لا يجب لأحدهما على لآخر حد القذف مع (عفته) ويجب للآخر عليه ولم يجب عليه القصاص بقتله أصله الوالد مع الولد.
-
قلنا: حد القطع إصابة الأموال. وأجمعنا أن المسلم يقطع في مال الذمي ولا يحد بقذفه، واختلفنا في القصاص بقتله. فلم وجب اعتباره بالحد ولم يجب اعتباره كالقطع؟
-
ثم حد القذف أضيق ووجوب القصاص أوسع، بدليل الذمي لا يحد بقذف الذمي ويقتل بقتله.
-
ومن قذف موطوءة بشبهة يجب القصاص بقتلها ولا يجب الحد بقذفها. ولأن الأب لا يحد بقذف ابنه بفضله بدلالة أنه لا يحد مع إحصان الابن،
-
ولو قذفه غيره حد. فلما منعت الفضيلة الحد منعت القصاص في المسلم. إذا قذف الذمي لم يحدا لا للفضيلة، ولكن يعدم حد القذف لفقد إحصان المقذوف.
-
وهذا لا يمنع وجوب القصاص بقتله. بدلالة من قذف صغيرًا أو
-
1/54681/5468
مجنونًا لم يحد، ولو قتلهما قتل.
-
قالوا: كل من (ثبت) ضمانه دمه بالتزام المال لغيره لم يجب القصاص (على) من التزام المال [له] بقتله قياسًا على المكاتب مع (المولى) .
-
قلنا: المولى لا يقطع بسرقة مال (مكاتبه) (لما) له من شبهة الملك في (ماله) .
-
وأما الذمي فيجب القطع على المسلم (بسرقة) ماله لأنه لا شبهة له فيه، كذلك يجب القصاص بقتله.
-
لأنه لا شبهة له في رقبته أعني لشبهة ملكه.