مسألة ١٠٣٠
التجريدHanafimasa’il 33646 to 33739
-
1/43011/4301
إجبار البكر البالغة على النكاح
-
قال أصحابنا: لا يجوز للولي إجبار المرأة البالغة على النكاح.
-
وقال الشافعي: يجوز للأب والجد تزويج البكر البالغة وإن كرهت.
-
1/43021/4302
لنا: ما روى عكرمة عن ابن عباس، أن رجلا زوج ابنته وهي بكر كارهة فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - (فخيرها) ذكره أبو داود.
-
فإن قيل: يجوز أن يكون زوجها غير كفء.
-
قلنا: إذا نقل الحكم مع السبب فالظاهر تعلقه به، وتعليقه بغيره يحتاج إلى دليل وقد نقل الحكم وهو التخيير، والسبب وهو الكراهة. ولم يذكر سببًا آخر.
-
وروى ثابت، عن أنس قال: جاءت جارية إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، إن أبوي زوجاني ولم يستأمراني، فهل لي من شيء، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (اتقي الله في أبويك) . يرددها ثلاثًا.
-
1/43031/4303
وروى ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر، أن رجلا زوج ابنته بكرا فكرهت فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فرد نكاحها.
-
وروى عبد الرحمن بن السلماني، عن ابن عمر، قال: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينزع النساء من أزواجهن ثيبات وأبكارًا إذا كرهن ذلك بعد ما يزوجهن آباؤهن وإخوانهن) ، ذكر هذه الأخبار الثلاثة أبو بكر الرازي بأسانيده.
-
وقد روي أن خنساء بنت خدام زوجها أبوها وهي بكر، رواه ابن المبارك، عن سفيان عن عبد الرحمن بن القاسم عن [عبد الله بن يزيد بن وديعة] عن خنساء بنت خدام قالت: أنكحني أبي وأنا بكر، فشكوت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: (لا تنكحها وهي كارهة) .
-
ولا يعارض هذا ما روى أنه زوجها وهي ثيب؛ لأنه يحتمل أن يكون زوجها وهي بكر.
-
ثم زوجها وهي ثيب فتصح الروايتان.
-
1/43041/4304
وروى يحيى بن أبي كثير، عن [أبي سلمة] ، عن أبي هريرة، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تنكح الثيب حتى تستأمر ولا البكر حتى تستأذن) . قالوا: وكيف إذنها يا رسول الله؟ قال: (الصمت) .
-
فإن قيل: إما أمر باستئذانها لتطيب القلوب، كما روى ابن عمر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أمروا النساء في بناتهن) .
-
قلنا: ظاهر النهي عن التزويج بغير الاستئذان، لن يدل على كون الأمر شرطا،
-
وكذلك أمر بالاستئذان لن يدل على وجوبه فحمله على الاستحباب عدول عن الظاهر، وليس إذا عدل في موضع بالإجماع وجب تركه في غيره.
-
على أن قوله: (أمروا النساء في بناتهن) محمول عندنا على المرأة التي لا ولي لبناتها سواها.
-
1/43051/4305
ولأنه يصح إقرارها بعقد النكاح على نفسها،
-
فلا يصح عقد الغير عليها إلا برضاها كالثيب والغلام، يبين ذلك أنها لو قالت: زوجني أبي فلانًا بإذني فصدقها الزوج،
-
وكذلك الأب كان القول قولها.
-
ولأنها تملك المطالبة بالأزواج،
-
ولو امتنع الأب من تزويجها مع مطالبتها زوجها الحاكم،
-
فلا يجوز تزويجها مع كراهتها كالثيب.
-
ولأن الرضا يعتبر من حق من لا يملك المطالبة، ألا ترى أن المكاتبة لا تملك مطالبة مولاها بالنكاح [ولا تملك] الامتناع من عقده فإذا ملكت البكر مطالبة وليها بالنكاح فلأن يعتبر رضاها أولى.
-
ولأن كل عقد لا يملك إجبار الثيب عليه لا يملك إجبار البكر، كالبيع والإجارة.
-
فإن قيل: المعنى في الثيب أنه يعتبر في جواز العقد عليها نطقها ولما لم يعتبر نطق البكر في العقد عليها لم يعتبر إذنها.
-
قلنا: الثيب [لا يقف] العقد على نطقها؛ لأنها لو كتبت جاز، والبكر قد يعتبر في نكاحها نطقها إذا زوجها غير الولي، فكان الرضا معتبرًا فيهما جميعًا إلا أنه يعتبر في البكر بالسكوت؛ لأن القول يتعذر للحياء في ذلك غير متعذر في الثيب.
-
فإن قيل: المعنى في الثيب أن الأب لا يقبض مهرها إلا بإذنها والبكر يقبض مهرها بغير إذنها.
-
قلنا: عندنا لا يملك الأب قبض مهر البكر بغير إذنها، بدلالة: لو نهته عن قبضه لم يجز أن يقبضه وإنما يقبض ما لم تنهه لأنها راضية بقبضه في العادة فيصير
-
1/43061/4306
مأذونًا من جهتها بالعرف.
-
ولأنه لا يملك تزويج أختها بغير إذنها فلا يملك تزويجها بغير إذنها كالأخ والعم.
-
[فإن قيل: ولاية العم أنقص لأنه لا يلي] في المال ولا يثبت عقده على الصغيرة.
-
قلنا: فالأب لا ولاية له في مال الكبير وإن كانت ولايته عندكم بحالها، وإنما لم يثبت عقده على الصغيرة لمعنى يعود إلى تصرفه في المال.
-
ولأن الأب له في حال الصغر ولايتان: إحداهما في المال، والأخرى في البضع،
-
فإذا زالت إحدى الولايتين بالبلوغ زالت الأخرى.
-
ولأنه عقد بعوض فلا يملك إجبارها عليه، كالبيع.
-
ولأنه عقد يتناول المنافع، كالإجارة.
-
احتجوا بقوله تعالى: {وأنكحوا الأيامى منكم} .
-
الجواب: أن هذا أمر فيحمل على الوجوب،
-
ولا يجب على الولي تزويجها إلا إذا طالبت بذلك ومتى طالبته صح عقده بالإجماع.
-
ولأن هذا خطاب لجميع الأولياء بتزويج الأبكار والثيبات، وقد أجمعوا أن المراد به في غير الأب والجد إذا زوجها بإذنها فكذلك المراد به في الثيب، فيكون هو المراد في الباقي.
-
ولأن اللفظ تناول الجميع على وجه واحد.
-
1/43071/4307
احتجوا: بحديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها) .
-
قالوا: فقابل الأيم بالبكر، وفي مقابلة البكر للثيب جعل الثيب أحق بنفسها من وليها، فدليله أن ولي البكر أحق بنفسها.
-
ولأنه - عليه السلام - فرق بين البكر والثيب ولا فرق بينهما، إلا أن إحداهما [لا تجبر] والأخرى يجوز إجبارها ويكون استئذانها مستحقا لأنه لو كان لا يجوز لقال: إنهما أحق بأنفسهما.
-
الجواب: أن قوله: (الأيم) يتناول التي لا زوج لها بكرا كانت أو ثيبًا وهي في النساء كالعزب في الرجال.
-
الدليل عليه: قوله - عليه السلام -: (إلا أبو أيم ينكحها عثمان) .
-
وقوله: (لا تؤخر الأيم إذا أصيب لها كفؤًا) ولم يرد الثيب خاصة.
-
وأنشدوا فيه:
-
1/43081/4308
فإن تنكحي أنكح وأن تتأيمي .... مدى الدهر ما لم تنكحي أتأيم
-
وقد حكى هذا القول عن الكسائي، وأبي عبيدة، فعلى هذا قد أفاد الخبر أن البكر والثيب أحق بأنفسهما.
-
ثم بين حكمًا آخر تخالف فيه البكر الثيب، وهو صفة الإذن.
-
وأما قولهم: إنه قابل البكر بالثيب. فليس بصحيح؛ لأنا قد بينا أن الأيم اسم للأمرين، فذكر البكر هو بيان الحكم لبعض الأيامى وليس بمقابلة، كقوله تعالى: {يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر ياليتني كنت ترابا} ، ولم يرد بذلك مقابلة الكافر بالمسلم ثم المرء اسم للجميع،
-
ثم خص بعض المذكورين بحكم آخر.
-
فأما قولهم: إنه فرق بين البكر والثيب ولا فرق بينهما إلا الإجبار. فليس بصحيح؛ لأنه سوى بينهما في الحكم الأول وفرق بينهما في الحكم الثاني وهو صفة الإذن.
-
وقولهم: إن الإذن للاستحباب. ترك للظاهر/ ومن أثبت الفرق وحمل ٢٣٥/ أالإذن على الوجوب أولى.
-
1/43091/4309
قالوا: فقد روى: (الثيب أحق بنفسها من وليها) فدليله أن ولي البكر أحق بها.
-
قلنا: قوله (الأيم) أعم، فالظاهر أن أصل الخبر عام؛ لأن الراوي يجوز أن ينقل الخاص بعد سماعه العام،
-
ولا يجوز أن يسمع الخاص فينقل العام،
-
ولا يجوز جعلهما خبرين لما في ذلك من إثبات خبر بالشك، لاسيما والراوي واحد.
-
ولأن الرجوع إلى دليل الخطاب في مقابلة ما رويناه من الأخبار الظاهرة لا يصح، بل الرجوع إلا الألفاظ التي قدمناها وترك دليل اللفظ [المختلف فيه] لأجلها.
-
ولأن لفظة (أحق) عندهم تقتضي الاشتراك، [فدليل اللفظ] يقتضي أن للبكر حقًا وعند مخالفنا لا حق للبكر في نفسها، وإنما لها حق في المطالبة بالعقد.
-
ولأن دليل الخطاب- إذا سلمنا أنه كالنطق- اقتضى عمومه أن ولي البكر أحق بها والدا كان أو غيره،
-
ولا يمكن حمل ذلك على العموم إلا أن يكون معناه أحق بحفظها وضمها إليه، وتفارق في ذلك الثيب؛ لأن ولي الثيب ليس له ضمها
-
1/43101/4310
إلى نفسه بل لها أن تنفرد بنفسها وتكون حيث شاءت، وكان استعمال الدليل على عمومه أولى من تخصيصه.
-
احتجوا: بما روى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (تستأمر اليتيمة في نفسها،
-
فإن سكتت فهو إذنها،
-
وإن أبت فلا جواز عليها) . واليتيمة هي التي لا أب لها، فدليله أن من لها أب لا تستأمر.
-
الجواب: أن اليتم إذا أريد به فقد الأب تناول الصغيرة خاصة، والصغيرة لا تستأمر، والكبيرة التي لا تستأمر لا تسمى يتيمة، فلم يبق إلا أن يحمل الخبر على المرأة التي انفرد عنها الأزواج، وقد حكى ثعلب عن ابن الأعرابي أن تلك تسمى يتيمة.
-
ولو سلمنا ما قالوه: لم يصح اعتبار الدليل؛ لأن اليتيمة اسم وليس بصفة، ودليل الاسم لم نقل به،
-
[ولو جاز اعتباره كان قوله - عليه السلام -: (تستأمر اليتيمة) يدل على أن الجد لا يجبر اليتيمة] وهذا دليل عليهم،
-
ومتى دل نطق الخبر على إبطال قولهم، ودليله على صحته كان التعليق بالمنطوق المتفق على الاستدلال به أولى من التعليق بالدليل المختلف فيه.
-
1/43111/4311
قالوا: كل من لم يفتقر نكاحها إلى نطقها مع قدرتها عليه لم يفتقر إلى رضاها، ودليله: البكر الصغيرة، وعكسه: الثيب.
-
قلنا: [لا نسلم أن نكاح البكر لا يفتقر إلى نطقها؛ لأن أخاها لو زوجها في حياة الأب لم يجز إلا بنطقها، وقولهم] : إن نكاحها لا يفتقر إلى نطقها مع قدرتها عليه غير مسلم؛ لأن النطق يسقط عندنا في البكر لتعذره وحصول المشقة فيه، وهذا المعنى فهم بالشرع ودلت عليه العادة، وقد يسقط الشيء تارة لأنه لا يقدر عليه وتارة للمشقة وإن كان يقدر عليه.
-
بدلالة: المسافر إذا كان معه ماء وهو يخاف العطش، والمعنى في الصغيرة: أن رضاها [لا يعتبر في سائر العقود، كذلك لا يعتبر في نكاحها.
-
أو نقول: لم يعتبر رضاها في العقد على أمتها] فلم يعتبر في العقد على نفسها، ولما اعتبر رضا البالغة في العقد على أمتها كذلك في العقد على نفسها.
-
أو: لأنها لا تملك المطالبة بالعقد فلم يعتبر رضاها، ولما ملكت هذه المطالبة بالعقد لم يصح عليها بغير رضاها.
-
قالوا: باقية على بكارة الأصل، فوجب ألا يعتبر إذنها في تزويج الأب.
-
أصله: قبل البلوغ.
-
قالوا: باقية على بكارة الأصل؛ لأن الشافعي - رضي الله عنه - قال: إن البكارة قد تذهب ثم تعود،
-
فإذا عادت لم يكن لها حكم الأبكار.
-
قلنا: الصغيرة لا يعتبر إذنها لصغرها، وهذه علة موجودة في الأصول،
-
1/43121/4312
بدليل سائر الولايات، فتعليل الأصل بما يؤثر في الولاية بإجماع أولى من تعليله بما لا تأثير له في الأصول.
-
ولأن تخصيص نكاح الأب لا معنى له؛ لأن من ولي الأب عليها ولي غيره عليها،
-
ومتى سقطت ولاية الأب عنها سقطت ولاية غيره، والمعنى في الصغيرة ما قدمنا.
-
قالوا: ما لا يعتبر في نكاح الصغيرة لا يعتبر في نكاح البكر البالغة أصله: النطق.
-
قلنا: لا نسلم الأصل؛ لأن النطق عندنا معتبر في نكاح البكر إذا زوجها غير الولي.
-
ولأن النطق قد سقط فيما يعتبر فيه الرضا، بدلالة: سقوط حق الشفيع إذا سقط عن المطالبة، وسقوط الحق عن الرد بالعيب إذا عرض المشتري السلعة على البائع والإباحة لا يعتبر فيها النطق إذا قدم الرجل طعامه إلى غيره ورضاه معتبر.
-
قالوا: الولاية إذا لم تزل بالبلوغ على الإطلاق فإنه لا يزول شيء منها، أصله: المجنون إذا بلغ.
-
قلنا: إن كنتم تعنون بهذا جواز قبض الأب مهرها فما ذاك بالولاية وإنما هو بالوكالة، بدلالة: أن لها منعه من القبض، ولهذا يقبضه قبل البلوغ [مع الثيوبة
-
1/43131/4313
ولا يقضه بعد البلوغ] إذا وطئت بشبهة.
-
قالوا: ولاية متعلقة بنكاح صغيرة فوجب ألا تزول بالبلوغ، كالولاية في طلب الكفاءة.
-
قلنا: طلب الكفاءة ليس بولاية، وإنما يستوفي الولي بالمطالبة حق نفسه ليدفع عنها الشين، ألا ترى: أنها إذا كانت بالغة ثيبًا فرضيت بترك الكفاءة ثبت له المطالبة،
-
ولو كان ذلك من حيث الولاية عليها سقط برضاها.