مسألة ١١٤
التجريدHanafimasa’il 3652 to 3706
-
1/5111/511
لا تجب على المؤتم قراءة ويكره له فعلها
-
قال أصحابنا: لا تجب على المؤتم قراءة، ويكره له فعلها.
-
وقال الشافعي: تجب القراءة عليه.
-
لنا: قوله تعالى: {وإذا قرئ القرءان فاستمعوا له وأنصتوا} .
-
وري عن ابن عباس - رضي الله عنه - أن نبي الله [- صلى الله عليه وسلم -] قرأ في صلاة مكتوبة، وقرأ أصحابه وراءه فخلطوا عليه، فنزل {وإذا قرئ القرءان فاستمعوا له وأنصتوا} . وعن مجاهد أنها نزلت في الصلاة خلف الإمام، ووجوب الإنصات والاستماع يمنع القراءة.
-
ولا يقال: روي أنها نزلت في شأن الخطبة؛ لأنا قد بينا أنها [في] شأن الصلاة، فيجوز أن يكون نزلت فيهما، وروي ذلك عن مجاهد.
-
قالوا: عندنا يقرأ في سكتات الإمام، فالاستماع واجب.
-
قلنا: لو قرأ مع الإمام جاز عندكم، والآية تنفي هذا.
-
ويدل عليه: ما روى زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال:
-
1/5121/512
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إنما جعل الإمام ليؤتم به؛
-
فإذا قرأ فأنصتوا) . قال الطحاوي: قال الأثرم: قلت لأحمد بن حنبل: من يقول عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (وإذا قرأ الإمام فأنصتوا) ، فقال: حديث ابن عجلان الليثي يرويه أبو خالد،- يعني حديث أبي هريرة-، قال: والحديث الذي رواه جرير عن التيمي، وقد زعموا أن المعتمر رواه، قلت: نعم فإن رواه المعتمر؟
-
قال فأي شيء تريد؟ فصحح الحديثين.
-
وروى أحمد بن إسماعيل ابن علية عن أيوب عن أبي قلابة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة فلما انفتل قال: (أتقرأون في صلاتكم والإمام يقرأ؟) قالوا: نعم، قال: (قلا تفعلوا) . وإرسال هذا الخبر لا يمنع الاحتجاج به، لاسيما مع رواية الأئمة [له] .
-
وروي من غير هذا الطريق، وفيه أبو قلابة عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. ذكره أبو الحسن.
-
وقولهم: إنه لا يقرأ عندنا والإمام يقرأ ليس بصحيح؛ لأنه عندهم يقرأ مع قراءة الإمام في غير حال الجهر،
-
ولو قرأ مع قراءته في حال الجهر جاز. وهذا ضد الخبر.
-
وروى أبو الدرداء - رضي الله عنه - قال: سأل رجل النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ أفي كل صلاة قراءة؟ فقال: (نعم) ، فقال رحل من القوم: وجبت، فقال النبي - عليه السلام -: ما أرى الإمام إذا قرأ إلا كان كافيا).
-
1/5131/513
وروى ابن عباس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (يكفيك قراءة الإمام: خافت أو جهر) . وروى أبو سعيد - رضي الله عنه - قال: سألنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل خلف الإمام لا يقرأ شيئا أيجزيه ذلك؟ قال: (نعم) .
-
وروى عمر بن موسى وجابر وليث بن أبي سليم، عن أبي الزبير عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة) .
-
قالوا: رواه جابر الجعفي وليث بن أبي سليم، وهما ضعيفان.
-
قلنا: ذكره أبو الحسن من طريق إسماعيل ابن علية عن أيوب عن أبي الزبير، وقد روى سالم بن عبد الله عن أبيه معناه ليأتي بالعبارة الأولى؛ لأنا روينا أنه قال له: شراء طعام الفاجر.
-
وروى الأعمش عن أنس - رضي الله عنه - أنه قال: وأصوب قيلا، فقيل له: يا أبا حمزة، إنما هي وأقوم قيلا، فقال: أقوم وأصوب وأهيأ واحد. وقد روي عن جماعة من السلف أن في القرآن كلمات غير العربية. قال: سعيد بن جبير لما قلت قريش: {لولا فصلت ءاياته ءأعجمي وعربي} نزل بعد ذلك في القرآن بكل
-
1/5141/514
لسان. وعن ابن عباس أنه قال: {طوبى لهم} : اسم الجنة بالحبشية، وقال في {ناشئة الليل} : قيام الليل بالحبشية، وقال: القسورة: الأسد بالحبشية، وقال: {سجيل} بالفارسية، وقال أبو موسى: {كفلين} : ضعيفين بالحبشة، وقال عكرمة: {طه} بلسان الحبشة يا رجل، و {وطور سينين} قال: السينين: الحسن بالحبشية.
-
وقال سعد بن عبادة: المشكاة الكوة بالحبشية، وعن سعيد بن جبير: {إذا الشمس كورت} بالفارسية. وقال مجاهد: يدل على أن اختلاف اللغات لا يمنع جواز الصلاة،
-
ومن كون المعبر عنه واحدا؛ لأنه إذا جاز في بعض الكلام جاز في جميعها.
-
احتجوا: بقوله تعالى: {وإنه لتنزيل رب العالمين} إلى قوله: {بلسان عربي مبين} . وقال تعالى: {إنا أنزلناه قرءانا عربيا} ، وقال: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} ، وهذا يدل على أن غير العربي ليس بقرآن، وما ليس بقرآن لا يجزئ الصلاة به لقوله - عليه السلام -: (لا صلاة إلا بقرآن) .
-
والجواب: أن هذه الآية تدل على أن المنزل عربي، وكذلك
-
1/5151/515
نقول؛ لأن القرآن لم ينزل إلا بالعربية، والكلام إذا نقل إلى العجمي هل يكون قرءانا أم لا،
-
فأما أن ندعي أنه منزل فلا. ولأن هذه الآية دلالة لنا؛ لأنه أخبر أنها أنزلت، ووصف المنزل بصفة، وهي العربية. وقد قيل: الصفة لا تغير الموصوف؛ ألا ترى: أن سائر الصفات إذا فقدت فقدنا الموصوف بحالها، فهذا يدل أنه قرءان بغير العربية.
-
قالوا: روي أن عمر بن الخطاب سمع هشاما يقرأ على غير الوجه الذي سمعه فتلبب به وأتيا النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال لكل واحد منهما: (إقرأ) ، فقرأ، فقال: النبي - صلى الله عليه وسلم -: (هو كما قرأت، أنزل القرآن على سبعة أحرف، كلها شاف كاف) .
-
قالوا: فإنكار عمر - رضي الله عنه - يدل على أنه لا يجوز القراءة بغير المسموع، وقوله - عليه السلام -: (أنزل على سبعة أحرف) يمنع من إثبات ما زاد عليها.
-
قلنا: هذا الخبر دليل لنا على ما بيناه: أنه أخبر أن القرآن على سبعة أحرف، ونزل وهو واحد،
-
فلو اختلف- لاختلف الألفاظ- صار كل واحد منهما غير الآخر، وهذا لا يقوله أحد.
-
وأما إنكار عمر فصحيح؛ لأن عندنا وإن كان المنقول قرءانا فيمنع من قراءته [ومن] نقله، وينكر كما ينكر شواذ القراءة.
-
وقولهم: لو جاز النقل لكان أكثر من سبعة أحرف، فليس بصحيح؛
-
1/5161/516
لأنه - عليه السلام - قال: (أنزل القرآن على سبعة [أحرف] ) ومتى نقل إلى لغات يتغير المنزل عما هو عليه.
-
قالوا: روي أن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - [فقال] : إني [لا أستطيع] [أن] أحفظ شيئا من القرآن، [فما أصنع] فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: (قل: سبحان الله والحمد لله) ولم يقل له: أحفظ بأي لغة سهل عليك.
-
قلنا: الرجل عربي، وقد أخبر انه لا يقدر على حفظه [بالعربية] ، فهو على لغة أخرى أعجز، فلذلك لم يذكر له.
-
قالوا: اختلفت الصحابة في التابوت والتابوه، فقال عثمان: اكتبوه بالتاء؛ فإنها لغة قريش، وإنما نزل بلغتها،
-
ولو كان الكل واحدا لم يختلفوا.
-
قلنا: الكل واحد في المعنى والجواز، وليس بواحد في الإنزال، وهم اختلفوا في المنزل دون الجائز.
-
قالوا: القرآن لا يثبت قرءانا إلا بالنقل المستفيض، ولم ينقل أن معناه قرءان. ولأن تسميته قرءانا لا يثبت إلا بالتوقيف، وليس معناه توقيفا.
-
قلنا: قد نقلنا ما يدل على أن اختلاف العبارة لا يوجب اختلاف المعبر عنه، ودللنا عليه بالقرآن والنقل،
-
فلا يحتاج مع ذلك إلى توقيف آخر.
-
قالوا: الاختلاف في الإعجاز على وجهين: منهم من قال: إنه في اللفظ والنظم والمعنى، ومنهم من قال: إن الإعجاز في اللفظ والنظم،
-
فمن قال: عن المنقول
-
1/5171/517
قرءان فقد خالف الإجماع.
-
قلنا: الخلاف فيما وقع في أن الإعجاز هل يعود إلى المعنى واللفظ، أو المعنى خاصة، فعندنا أن الإعجاز في الترتيب والنظم والاختصار دون العبارة.
-
ومن الناس من قال: إن كل واحد من الأمرين معجز،
-
فإن صح الأول فالإعجاز في المنقول قائم،
-
وإن صح الثاني فأصل الإعجاز قد حصل، وجواز الصلاة يتعلق بالمعجز.
-
ولأن الإعجاز في القرآن قد حصل من غير هذه الوجوه أيضا، وهو الخبر عن الغيوب، وهذا المعنى موجود في المنقول.
-
ومتى حصل الإعجاز من وجه لم يلزم من كل وجه.
-
قالوا: القرآن أجل الكلام، ومعلوم أن من أتى بمعاني شعر امرئ القيس لا يقال أتى بقصائده، فبأن لا يقال قد أتى القرآن إذا عبر عنه بغير عبارته أولى.
-
قلنا: من أتى بشعر امرئ القيس منظوما بلغة أخرى على روية ونظمه فقد أتى بشعر بغير لغته، - فهو- كالقرآن- لا يكون شعرا إلا بالنظم، وإنما لا يسمى بذلك لعدم معناه، فهو كمن نقل القرآن ولم يأت بمعانيه، فصارا سواء من هذا الوجه.