مسألة ٥٤٥
التجريدHanafimasa’il 16849 to 16888
-
1/21311/2131
موضع ذبح هدي الإحصار
-
قال أصحابنا: لا يجوز ذبح هدي الإحصار إلا في الحرم.
-
وقال الشافعي: إذا أحصر في الحل: جاز أن ينحر فيه،
-
فإن أحصر في الحرم: لم يجز أن ينحر في غيره،
-
وإن أحصر في الحل، وله طريق إلى الحرم يبعث بالهدي: فهو بالخيار.
-
ومن أصحابنا من قال: يجب أن يبعث به.
-
لنا قوله تعالى: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلفوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله} ، فسماه الله تعالى هديًا، والهدي يختص بالحرم، بدلالة: أن من أوجب هدي شاة لزمه ذبحه في الحرم.
-
ثم قال: {ولا تحلفوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله} ، والمحل عبارة عن المكان، أو عن الوقت، كما يقال: بمحل.
-
وقد وافقنا الشافعي أن ذبحه لا يتوقف، فلم يبق إلا أن يكون المراد بالمحل: المكان.
-
1/21321/2132
ولأنه ذكر محلاً مجملاً، وبين ذلك بقوله تعالى:
-
فإن قيل: قوله تعالى:
-
{فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} ، الفاء للتعقيب، فهذا يدل على: أنه يلزمه الهدي عقيب الإحصار، وهذا يمنع اختصاصه بالحرم.
-
قلنا: معنى الآية: فإن أحصرتم وأردتم التحلل فعليكم ما استيسر من الهدي، فهذا يدل على وجوب الهدي عقيب الإحصار إذا أراد التحلل، وليس الوجوب من الذبح في شيء.
-
فإن قيل: قوله: {حتى يبلغ الهدي محله} ، أي حتى يذبح ويصل إلى مستحقه، بدلالة: أن المحصر في الحرم مراد بالآية والمحل فيه هذا.
-
قلنا: بلوغ المحل الظاهر: أنه عبارة عن المكان،
-
فأما الذبح فلا يكون محلاً للهدي، والمحل هو المكان أو الزمان على ما قدمنا.
-
فإن قيل: روي (أن بريرة كانت تهدى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما تصدق عليها، فذكرت عائشة ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: بريئة، فقد بلغ محله) ، أي وصل إلى يدها، وتمت الصدقة، فيجوز أن يأكله على وجه آخر.
-
ولأنه سبب يتحلل به من الإحرام قبل استيفاء موجبه، فاختص كأقوال العمرة التي يتحلل بها فائت الحج.
-
ولأنه دم يختص الإحرام؛ فاختص بالحرم، كدم المتعة والقران.
-
ولأن كل موضع لا يجوز ذبح المتعة والقران فيه، لا يجوز ذبح دم
-
1/21331/2133
الإحصار [فيه] ، أصله: الحل في حق المحصر في الحرم.
-
احتجوا: بحديث جابر، قال: (أحصرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحديبية، فنحرنا البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة) .
-
قلنا: الحديبية بعضها من الحرم، روى الزهري، عن عروة، عن المسور: (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان بالحديبية، خباؤه في الحل، ومصلاه في الحرم) . ويستحيل أن يقدر على الذبح في الحرم فيذبح في الحل.
-
فإن قيل: الخلاف يخالف القرآن، قال الله تعالى: {هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام} .
-
قلنا: هذا محمول على الصد عن نفس المسجد؛ ولأن المشركين ضربوا وجوه البدن وردوها في طرف الحرم، وهذا معنى قوله تعالى: {والهدى معكوفًا أن يبلغ محله} ، فلما وقع الصلح لم يمنعوهم من الحرم وإن منعوهم من دخول مكة.
-
قالوا: روى المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم في قصة الحديبية: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما فرغ من قضية الكتاب قال لأصحابه: (قوموا فانحروا واحلقوا ولا تفرقوا) .
-
قلنا: لأن الهدايا بعد الصلح دخلت الحرم، فأمرهم بالهدي مطلقًا؛ لأن الهدايا كانت هناك.
-
قالوا: روي أن الصحابة كلهم توقفوا عن النحر، فقالت له أم سلمة: (لا تكلم أحدًا حتى تنحر هديك حيث وجدت) ، ولم ينكر عليها.
-
1/21341/2134
قلنا: أراد تعجيل النحر، ولم يقصد عموم الأماكن، فلهذا لم ينكر عليها، على أنه قد عارض هذا ما روي عن ناحية بن جندب الأسلمي، عن أبيه قال: (أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين صد الهدي، فقلت: يا رسول الله، ابعث معي بالهدي لأنحره في الحرم، قال: [وكيف] تأخذ به؟، قلت: آخذ به في أودية لا يقدرون علىَّ فيها، فبعثه معي حتى نحرته في الحرم) ، وهذا يدل على: أنه لم ينحر في الحديبية، وقوله: (حين صد الهدي) يدل على اختصاصهم بمكان.
-
قالوا: محل الحصر؛ فكان محلاً لهديه، أصله: إذا أحصر في الحرم.
-
قلنا: المعنى في المحصر في الحرم: أنه لما كان محلاً لهديه: لم يجز ذبحه في غيره، ولما كان المحصر في الحل يجوز له الذبح في غير الحل، لم يجز له الذبح فيه.
-
أو نقول: المعنى في الحرم: أنه محل لسائر الدماء المتعلقة بالإحرام، فكان محلاً لدم الإحصار، والحل لما [لم] يكن محلا لسائر الدماء المتعلقة بالإحرام؛ لم يكن محلا لدم الإحصار.
-
قالوا: محل التحلل في غير الإحصار الحرم،
-
ثم كان التحلل للعذر في الحل، كذلك مكان الذبح أيضًا. يبين ذلك: أنه لما جاز التحلل ف يالحل للمشقة التي تلحقه بالوصول إلى الحرم، كذلك تلحقه المشقة بإيصال الهدي إلى الحرم.
-
قلنا: ليس من حيث خفف عنه حتى سقط المعنى عن الإحرام، وجوز له التحلل ليسقط عنه كل حكم يشق عليه، بل لا يمتنع أن يخفف عنه بعض ما وجب عليه،
-
[ولا يخفف عنه جمعيه] ؛ ألا ترى: أن المريض خفف عنه،
-
1/21351/2135
فسقط عنه الصوم، وسقطت صفات الصلاة،
-
ثم لم تسقط عنه الصلاة، كما سقط الصوم وخفف عنه، وفي مسألتنا: يجوز له التحلل، ولم يخفف عنه في إسقاط الهدي وإن تعذر عليه عندنا، وهو أحد القولين لهم، كذلك لا يمتنع أن يخفف عنه اعتبار الحرم في الهدي/ وإن شق ذلك عليه.
-
وقد ارتكب بعضهم [خطأ] ، فقال: كل دم وجب على المحرم ثم أحصر، جاز أن يذبحه في غير الحرم. وهذا خطأ؛ لأن دم الإحصار عندهم إنما جاز في الحل للحاجة إليه، وبقية الدماء لا ضرورة به إلى تعجيلها، فحكم المحصر فيها وغير المحصر سواء.