مسألة ٧٢٥
التجريدHanafimasa’il 24218 to 24368
-
1/29451/2945
الصلح مع الإقرار، والسكوت، والإنكار
-
قال أصحابنا: لا يجوز الصلح مع الإقرار، والإنكار، والسكوت.
-
وقال الشافعي: إذا ادعى عينًا أو دينًا؛ لم يصح الصلح، إلا أن يقربها المدعي عليه،
-
فإن جاء أجنبي إلى المدعى فقال: المال الذي ادعيته على فلان هو مقر لك في الباطن، فصالحني منه، فصالحه صح الصلح، أذن له المدعى عليه أو لم يأذن.
-
ولو قال: أنا أعلم أنك صادق وأنه ظالم في جحود الدين فصالحني، صح الصلح.
-
وإن قال: العين التي ادعيتها أنت صادق في دعواها وأنا أقدر على انتزاعها فصالحني ففعل، صح الصلح،
-
فإن لم يقدر على انتزاعها، انفسخ الصلح.
-
وقال في الإملاء: إذا بنى رجل مسجدًا فادعى مدع أنه له فجحد الباني، فقال قوم من أهل المسجد: نحن نعلم أن الأرض لك وقد بناها مسجدًا فصالحنا منها فصالحهم جاز.
-
1/29461/2946
لنا: قوله تعالى: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا والصلح خير} ، فذكر الله تعالى خوف النشوز بين الزوجين وجوز الصلح، قد يكون عرض النشوز والإعراض بسبب دعوى تدعيها عليه، ويكون لغير ذلك، وقد جوز الله تعالى الصلح عامًا، ولم يفصل.
-
فإن قيل هذه الآية نزلت في رافع بن خديج وزوجته خولة بنت محمد بن مسلمة الأنصاري، وكان رافع قد تزوج عليها أشب منها، فخافت امرأته منه الإقامة على النشوز والإعراض، فنزلت هذه الآية.
-
قلنا: قد روي أنها نزلت في شأن سودة، وهبت يومها لعائشة. وروى [عروة، عن عائشة] : (أنها نزلت في المرأة تكون عند الرجل فيريد طلاقها ويتزوج عليها، فتقول: امسكني ولا تطلقني ثم تزوج وأنت في حل من النفقة والقسم لي) .
-
وروي عن على، وابن عباس رضي الله عنهما: (أن الله/ تعالى أجاز لهما أن يصطلحا على ١٦٦/ب رد بعض مهراها، أو بعض أيامها تجعلها لغيرها) .
-
وقال عثمان - رضي الله عنه -: (ما اصطلحا عليه في شيء، فهو جائز) .
-
1/29471/2947
وإذا اختلف في تأويلها وجب الرجوع إلى عموم اللفظ وإن نزل على سبب خاص.
-
ويدل عليه: قوله تعالى: {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس} ، ولم يفصل.
-
وروي: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل المسجد فرأى اثنين يتنازعان على ثوب، وقد ارتفعت أصواتها، فقال للمدعي: (هل لك إلى الشطر) قال: (لا) ، قال: (هل لك إلى الثلثين) ؟ قال: (نعم) .
-
وهذا يدل على جواز الصلح على الإنكار.
-
فإن قيل: يجوز أن يكون الثوب في أيديهما.
-
قلنا: لو كان كذلك لم يتعين المدعى منهما؛ ويدل عليه: ما روى أبو هريرة - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (المسلمون على شروطهم، والصلح جائز بين المسلمين) .
-
وروى أبو رافع عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (الصلح بين المسلمين جائز) .
-
فإن قيل: هذا بعض الخبر، وتمامه: (إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا) .
-
قلنا: حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - ليس فيه استثناء، وإنما هذا رواه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، فهما خبران راوي كل واحد
-
1/29481/2948
منهما غير الآخر، ولو ثبت أنه خبر واحد لم يمتنع الاستدلال، لأنه - صلى الله عليه وسلم - حكم بجوار الصلح وهذا عام،
-
ثم استثنى صلحا بصفة خاصة،
-
فإن لم يثبت أن الصفة موجودة فيه لم يخرج من الخبر. وقد اختلفنا في الصلح على الإنكار، هل وجدت فيه صفة الاستثناء، فلم يجز إخراجه من الخبر.
-
فإن قيل: الدليل على وجود الصفة فيه: أن المدعي إما أن يكون صادقًا أو كاذبًا؛
-
فإن كان صادقًا وقد حرم عليه العقد أخذ بقية حقه، وكان حلالًا له، فقد حرم عليه حلالًا،
-
وإن كان كاذبًا فقد أخذ ما لخصمه، وهو حرام عليه، فأحل العقد له حرامًا.
-
قلنا: لا يجوز حمل الخبر على تحريم أوجبه العقد، أو تحليل أوجبه، لأنه لو كان كذلك لم يجز الصلح بعد الإقرار أيضا. ألا ترى: أنه إن صالحه على غير جنس حقه فقد أحل له الصلح ما كان حرامًا، وهو العين المعقود عليها،
-
وإن وقع على جنس حقه فقد أحل له الصلح ما كان حرمًا، وهو العين المعقود عليها،
-
وإن وقع على جنس الحق حرم حلالًا، وهو الباقي من حقه، فعلم أن المراد بالخبر غير ما ظنوه، وهو تحليل حرام لا يجوز استباحته بالعقد، أو تحريم حلال لا يجوز تحريمه بالعقد الأول، مثل: أن يصالحه المدعي على قطع يد المدعى عليه، أو يدعي قصاصًا في اليد فيصالحه على قطع عضو آخر، أو يصالح على خمر أو خنزير، أو يصالح المطلقة ثلاثًا على أن يتزوجها، أو يصالح المرأة على أن يزيدها في القسم، هذا كله لا يجوز استباحته بالعقد.
-
النوع الثاني: إذا صالحه على عبد لا يبيعه، أو دار لا يسكنها، فهنا صلح حرم حلالًا لا يجوز تحريمه بالعقد،
-
فأما المال فيجوز تحليله وتحريمه بالعقد، فيجوز الصلح عليه.
-
وأما قولهم: - (إن المدعي إذا كان كاذبًا فقد أحل الصلح حرامًا) -، فههنا الصلح باطل عندنا، ويدل عليه: إجماع الصحابة.
-
1/29491/2949
وروى عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: (ردوا الخصوم إلى أن يصطلحوا،
-
فإن فصل القضاء يورث الضغائن) .
-
وروي: (أن رجلين اختصما إلى على - رضي الله عنه - في بغلة، فجاء هذا بشاهدين، وجاء هذا بخمسة، فقال لأصحابه: ما تقولون، قالوا: يقضي لأكثرهما شهودًا، فقال: لعل الشاهدين خير،
-
ثم قال: فيها قضاء وصلح، أما الصلح فأن يجعل بينهما على عدد شهودهما) ، فلم يشترط الإقرار، وروي: (أن حذيفة - رضي الله عنه - أصاب ناقة في يدي رجل، فاستحقها بالبينة، فقال خصمه: ملكتها منك وأطلب يمينك، فقال حذيفة: خذ مني عشرة ولا تحلفني) .
-
ولأنه صلح عن مال لم يحكم ببطلانه في الظاهر، فصار كالصلح عن المال المقر به.
-
فإن قيل: المال المقر به للعقد وجه صحيح، لأن المدعي يأخذ عوضًا عن مال محكوم به، وفي مسألتنا: لم يحكم بشيء حتى يكون ما يأخذه في مقابلته.
-
قلنا: المال المقر به غير محكوم به إلا بظاهر الإقرار، فجواز الصلح
-
1/29501/2950
أنما هو لتجويز أن يكون الأمر كما قال المقر، لا للحكم به، ألا ترى: أن عينًا لو علمناها ملكًا لزيد فرأيناها في يد غيره يبيعها، وزعم أنه وكله ببيعها،
-
فإن عقده يجوز عليها لجواز أن يكون صادقا وإن لم يحكم بالوكالة.
-
ولو تبرع رجل فصدق المشتري فصالحه جاز الصلح وإن لم يثبت بتصديقه المال على المدعي عليه، بل جاز الصلح لتجويز أن يكون كما قال.
-
ولأنها دعوى دين لم يحكم ببطلانه في الظاهر؛ فوجب أن يجوز الصلح عنه. أصله: إذا شهد شاهد واحد وحلف المدعي مع شاهده ثم صالح.
-
فإن قيل: إذا اعترف العاقد بالدين فقد ثبت في حقه. بدلالة: أنه لو ورث المدعى عليه طولب بالدين،
-
ولو كانت الدعوى في عين يملكها وجب تسليمها.
-
قلنا: المصالح إنما يأخذ عوضًا عما ادعى في ذمة خصمه، وسقط بصلحه ما ادعاه حتى لو اعترف عليه لم يلزمه بعد الصلح شيء، ولم يثبت بتصديق الأجنبي حق في ذمة المدعي عليه حتى يؤخذ عنه العوض، ومع هذا جاز الصلح، فعلم أن العلة في صحته لما لم يحكم ببطلانه.
-
ولأن كل صلح جاز مع إنكاره؛ أصله: إذا صالح الأجنبي وإذا حكم بصحة المال.
-
ولا يمكن القول بموجب العلة،
-
وإذا حكم عليه بشاهد ويمين، لأن هذا أصل العلة.
-
ولأنه أحد جوابي الدعوى؛ فجاز الصلح مع وجوده من المصالح، كالإقرار.
-
ولأن المقصود بالصلح إسقاط الحق، والتمليك تابع، بدلالة: أن من أراد إيفاء ما عليه لم يصالح، وإنما يصالح ويحط عنه، والإنكار لا يمنع إسقاط الحقوق،
-
1/29511/2951
كالبراءة، والعتاق، والطلاق. يبين ذلك: أن من أبرأ من حق مجحود ثم اعترف به من هو عليه، سقطت المطالبة به.
-
قالوا: المقصود بالصلح المعارضة.
-
قلنا: لو كان كذلك لكان بيعًا، فلما سمي باسم آخر دل على اختصاصه بمعنى ليس هو المعاوضة، فهو جائز عندنا، ولم يجز أن يصالح من المائة على خمسين وإن كان معاوضة، كما لم يجز أن يعاوض بذلك، فلما صح علم أن المقصود به: الإسقاط، والمعاوضة تابعة.
-
قالوا: لو كان إسقاط حق لصح لصاحب الحق وحده، كالبراءة، والطلاق.
-
قلنا: في مضمونه تمليك بعوض،
-
وإن كان المقصود منه الإسقاط.
-
قالوا: البراءة تصح من المدعي وحده؛ ففي زعمه أن حقه ثابت،
-
وكذلك العتاق والطلاق يصح بقول المدعي وحده، وفي زعمه أن ملكه ثابت.
-
وفي مسألتنا: يصح الصلح بهما، وفي زعم الباذل أنه لا شيء عليه يصح بدل العوض عنه.
-
قلنا: يبطل هذا إذا أقر الرجل على غيره بالعتق ثم اشترى ذلك العبد منه ففي زعم المشتري أنه لا ملك للبائع يصح بدل العوض عنه، ومع ذلك يصح العقد.
-
فإن قالوا: المشتري يفتدي الحر من ظلم البائع.
-
قلنا: والمدعى عليه يسقط عن نفسه الخصومة واليمين.
-
1/29521/2952
ولأن الصلح مع إنكار عقده أجنبي جاز،
-
فإذا عقده بنفسه جاز، كالبيع من الإنكار تبع الإقرار.
-
ولأن الأجنبي لو عقد الصلح بغير أمره جاز،
-
فإذا عقده بأمره كان أولى بالجواز، كالكفالة.
-
وإذا ثبت أنه يجوز أن يعقده بأمره] ثبت أنه لا يجوز للآمر أن يعقده؛ لأن أحدًا لا يفصل بينهما.
-
ولأن العقود اختلفت أسماؤها لاختلاف معانيها، بدلالة الكفالة والحوالة، كل واحد منها عقد ضمان، إلا أن اسمهما يختلف لاختلاف معناهما.
-
وكذلك النكاح، والإجارة، وإن كان كل واحد منهما عقدًا على المنافع، فلما فرقوا بين الصلح والبيع دل على اختصاص الصلح بمعني يخالف البيع، وما ذاك إلا جوازه مع الإنكار.
-
ولأن معنى الصلح: أنه وضع لقطع الدعوى والمنازعة، وذلك يوجد مع الإنكار،
-
فأما مع الإقرار فصاحب الحق يبرئ أو يستوفي،
-
فلا توجد حقيقة الصلح، لهذين الوجهين.
-
قال أبو حنيفة: أجوز ما يكون الصلح عن الإنكار.
-
ولأن الإقرار سبب لثبوت الحق؛
-
فلا يعتبر وجوده في صحة الصلح، كالبينة.
-
ولأن اليمين تقضي إلى مال، فجاز الصلح عنه بمال كدم العمد.
-
1/29531/2953
احتجوا: بقوله تعالى: {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} .
-
والجواب: أن الله تعالى أجاز أكل المال بالتراضي على وجه التجارة، والمرجع في التجارة إلى العادة،
-
ومن عادة التجار أن يتنازعوا في المعاملات،
-
ثم يصطلحوا، فيجوز ذلك يظاهر الآية.
-
احتجوا: بقوله - صلى الله عليه وسلم - (إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا) ، وقد جعلنا هذا الخبر دلالة لنا.
-
قالوا: المدعي عاوض على ما لم يثبت له، فوجب أن يكون له، وهذا المعنى يقتضي أن يملك بعوضه في الظاهر، كمن باع شيئًا في يده ملك في الظاهر ١٦٧/أعوضه، لأنه يجوز أن يملكه/.
-
فإن قيل: هناك يقتضي الشرع أن المرجع في ملكه إلى قوله، فقد ثبت له.
-
قلنا: الأمر كذلك إلا أن هذا لا يوجب ثبوته، فلزم على الوصف.
-
ويبطل بالأجنبي إذا اعترف بدين ثم صالح المدعى فإنه جائز، ولم يثبت الدين له، بدلالة: إنه إنما صالح عليه لو استحق رجع بالدعوى لا بالدين.
-
ولأن حق الدعي وإن لم يثبت فقد وجب بالدعوى حقٌ على خصمه، فجاز أن يسقط عن نفسه ذلك الحق بعوض إذا كان المدعي يجوز أخذ العوض عنه.
-
والمعنى فيمن باع ملك غيره: أن المشتري لم يستحق بهذا العقد شيئًا،
-
ولا يملك عليه عوضًا، وفي مسألتنا: استحق بهذا العقد قطعُ الخصومة، فجاز أن يستحق عوضًا عليه.
-
ولأن هناك عقد على مالا يملك وههنا عقد على ما يجوز أن يكون ملكه، فاستحق عوضه؛ ألا ترى: أن العقود على الصحة مع التجويز ولا تصح إذا لم
-
1/29541/2954
يكن لها وجه في الجواز.
-
قالوا: صلح عن جحود أو صلح عن دعوى مجردة؛ فوجب أن لا يصح. أصله: إذا ادعى عليه أنه قذفه.
-
قلنا: المعنى فيه: أنه لو كان عن إقرار لم يصح الصلح، كذلك عن إنكار. وفي مسألتنا: يجوز الصلح عن المدعي مع وجود الإقرار، فجاز مع إنكار المدعى عليه، كصلح الأجنبي.
-
قالوا: عاوض على ما لا يجوز أخذ العوض عنه ولا يصح له أو لا تملك العوض، أصله: إذا باع خمرًا، أو خنزيرًا، أو دمًا، أو ميتة، أو حد القذف، أو حق الشفعة، أو خيار الشرط.
-
قلنا: الوصف غير مسلم،
-
فإن المدعي أخذ العوض عن المال الذي ادعاه، والمدعى عليه بذل العوض لإسقاط الخصومة في حق المعاوضة عليه، وكل واحد من الأمرين يصح أخذ العوض عنه عندنا، فصار وصفهم مسألة الخلاف.
-
فأما الخمر والخنزير فلا وجه لصحة العقد عليهما، فلم يصح، والصلح له وجه في الصحة، وهو: أن المدعي يجوز أن يكون صادقًا في دعواه.
-
وأما حد القذف، وخيار الشرط، والشفعة: فحقوق ليس فيها معنى المال،
-
فلا يجوز أخذ المال عنها، واليمين حق يفضي إلى مال، فجاز الصلح عنه.
-
قالوا: مال أخذه على سبيل المعاوضة؛ فوجب أن لا يلزم مع الإنكار.
-
أصله: إذا ادعى رجل على رجل دارًا فأنكره فجاء أجنبي إلى المدعي فصدقه، وقال: صالحني منها على كذا، أو بعينها بكذا،
-
فإن الصلح صحيح لكنه غير لازم، لأنه إذا لم يقدر على الدار رجع عليه.
-
قلنا: إذا عقد الصلح على أن يسلم الدار للعاقد فلم يسلم له، لم يستحق عليه عوضها، وفي مسألتنا: الحق مسلم في يد الخصم أو ذمته، فقد سلم له ما
-
1/29551/2955
عقد عليه, فلذلك استحق عوضه عليه.
-
١٤٥٧٤_ قالوا: أخذ عوض الصلح واجب أن لا يصح حتى يكون محكومًا
-
بملكه لباذله, كالمال المصالح به.
-
١٤٥٧٥_ قلنا: لا فرق بين البدلين عندنا, لأنه لو ادعى كل واحد منهما على
-
صاحبه حقا فتصالحا على أن أسقط كل واحد دعواه جاز الصلح وتساوى حكم عوضه.
-
فأما إذا صالح على مال يأخذه فمتى لم يكن محكومًا به لم يسلم لخصمه شيء فلا
-
يصح الصلح, والمدعي (معارض) ذمة المدعى عليه, وإنما يستفيد بالعلم سقوط
-
المنازعة فيه, وهذا معنى قد سلم له, فلذلك صح العقد فيه وإن لم يحكم به للمدعي.
-
قالوا: لا وجه لاستحقاق المال المبذول, فإنه لا يخلو من أن يكون
-
عوض المال المدعي, أو لترك الدعوى والخصومة, أو لافتداء اليمين, فلا يجوز
-
أن يكون عوضا عن المال المدعي, لأنه لم يثبت له ولم يملكه فلم يجز أن يملكه ما
-
في مقابلته, ولا يجوز أن يكون في مقابلة ترك الدعوى والخصومة, لأن ذلك يقتضي صحة الصلح من دعوى القذف ودعوى النكاح ولا يجوز عندكم فيهما,
-
ولا يجوز أن يكون في مقابلة ترك اليمين, [لأن الصلح يمنع الرجوع عن دعوى المال وإقامة البينة عليه, وسقوط حقه في اليمين لا يمنع من سماع البينة على المال المدعي, فدل هذا على أنه ليس في مقابلة ترك اليمين] , فلم يبق إلا بطلان الصلح.
-
وربما قالوا: لو كان عوضًا عن إسقاط اليمين لم تجب الشفعة في
-
عوضها, فلما وجبت الشفعة في الدار المصالح بها دل على أنها عوض عن الحق.
-
الجواب: أن المال المبذول في حق المدعي في مقابلة حقه الذي زعم أنه له وفي حق خصمه لإسقاط الخصومة وافتداء اليمين, فالعقد حكم من كل واحد
-
من جنبته بخلاف الجنبة الأخرى, ومخالفنا يعتبر حكمه بكل واحد من الأمرين على
-
الانفراد, وهذا لا يصح. يبين ذلك: أن الشاهد على غيره في عتق عبد إذا ردت
-
1/29561/2956
شهادته ثم ابتاع العبد جاز العقد واستحق البائع البدل, وحكم هذا العقد في حق البائع
-
المعاوضة, وما يأخذه عوض عن عبده, وفي حق المشتري حكمه مخالف لذلك, فلو
-
اعتبرنا حكم البيع من الطرفين لم يصح العقد مع اعتراف المشتري بفساده,
-
ولو اعتبرنا حكم المفاداة لم يصح أن يأخذ البائع عوضا عن الحر, فاعتبر في حق كل واحد منهما ما صح معه العقد, كذلك في مسألتنا.
-
فأما قولهم: كيف يأخذ العوض عما لم يحكم بملكه له, قلنا: هذه
-
مسألة الخلاف فكيف يجعل دليلًا؟.
-
ولأنه قد ادعى الملك ويجوز أن يكون الأمر كما قاله, فيصح أن يأخذ
-
العوض في ظاهر الحكم, كمن في يده عبد لا يعلم أنه ملكه إذا باعه, فقولهم: لا
-
يجوز أن يكون عوضًا عن إسقاط الخصومة واليمين؛ لأنه لو كان كذلك لصح الصلح في حد القذف, فهناك عندنا لا تجب اليمين والحق لله تعالى,
-
فلا يسقط بعوض, والخصومة إنما يتعوض عنها إذا كانت فيما يصح أخذ العوض عنها,
-
فأما دعوى النكاح فيجوز الصلح عنها,
-
وإن كان الزوج أخذ المال كان خلعًا في حقه,
-
وإن أخذته المرأة كان ذلك زيادة في المهر.
-
فأما قولهم: (لو كان لإسقاط اليمين لقبلت البينة بعده, كما لو استوفى اليمين ثم أقام البينة) فغلط؛ لأن المدعي لم يتعوض عن اليمين, وإنما تعوض عن المال المدعى, وكيف يصح أن يطالب به, بعد ذلك ويستوفيه؟ وإنما الشبهة على مخالفنا: أنه يعتبر الحكم في إحدى جنبتي العقد مما يقتضيه الحكم في الأخرى مع اختلافهما.
-
قالوا: ما كان معاوضة في إحدى جنبتي العقد كان معاوضة في الجنبة الأخرى.
-
1/29571/2957
قلنا: يبطل بمسألة دعوى العتق,
-
فإن العقد بيع في حق البائع, وليس يبيع عند المشتري.
-
قالوا: العقد مبني على قول من جعل القول قوله في الشريعة, بدلالة: أن المودع إذا ادعى هلاك الوديعة ثم صالح لم يصح الصلح, وبقي العقد على قول المودع الذي جعلت الشريعة القول قوله, وقد جعلت الشريعة القول قول المدعى عليه, فيجب أن يبني العقد على قوله,
-
ولا يصح أخذ العوض عنه, ولهذا قلنا في مسألة العتق: - إذا اشترى العبد يدعي العتق- إن الشراء جائز, لأن الشريعة جعلت القول قول المدعى عليه, ولم تجعل القول للأجنبي,
-
[ثم بني العقد على قول الأجنبي] وصح الصلح، فدل على أن العقد يبني على قول من يدعي صحة العقد دون من يدعي فساده.
-
وأما مسألة المودع: فهي خلاف بين أبي يوسف ومحمد, وقد قال محمد: إن الصلح بعد دعوى هلاك الوديعة صحيح، وليس لأبي حنيفة قول، فلم نسلم لهم،
-
فأما على قول أبي يوسف: فلأن المودع أمين قائم مقام صاحب الوديعة، فقوله كقول صاحب الوديعة.
-
فإذا قال: هلكت، فكأن صاحب الحق اعترف بهلاكها،
-
ولو اتفقا على الهلاك لم يصح الصلح.
-
فإن قيل: إذا ادعى غاصب العبد أنه هلك أو أبق،
-
ثم صالح مالكه على مكيل في الذمة لم يصح،
-
ولو بنى العقد على قول المالك لم يتضمن صحة العقد [ولوجب أن يصح الصلح.
-
قلنا: يجوز، وإن بنينا العقد على قول المالك، لم يتضمن صحة العقد]؛ لأن العبد ليس بقائم في يد الغاصب، فلابد من أن يكون في الذمة، والصلح عما في الذمة على طعام في الذمة لا يصح.