مسألة ١٠١٧
التجريدHanafimasa’il 32947 to 33021
-
1/41971/4197
من هو المسكين
-
قال أصحابنا: المسكين الذي هو أسوأ حالًا من الفقير.
-
وقال الشافعي: المسكين الذي له شيء والفقير الذي لا شيء له.
-
لنا: أن هذا قول الأئمة أهل اللغة السفراء بيننا وبين العرب الذي ق ٥ ولهم حجة.
-
قال يعقوب: في إصلاح المنطق ونقول: رجل فقير الذي له بلغة من العيش وهذا رجل مسكين الذي لا شيء له وقال في الألفاظ.
-
قال يونس: الفقير الذي له بعض ما يقيه والمسكين الذي لا شيء له.
-
قال أبو زيد: الفقير من الفقر فيه بقية من سبب لا لعمره ولا لعمر عياله وإذا جمع.
-
قال يونس وأبو زيد ويعقوب: وجب الرجوع إليه.
-
قال ابن دريد: المسكين الذي لا شيء له وربما جعل الناس المسكين
-
1/41981/4198
في غير موضعه فيجعلونه الفقير.
-
قال أبو عبيدة معمر بن المثني: ليس كذلك لأن الفقير له شيء وإن كان قليلًا والمسكين الذي لا شيء له.
-
وقد اتفق أبو عبيدة مع ابن دريد ويعقوب وهو قول ثعلب.
-
قال يونس: قلت لأعرابي أفقير أنت؟ قال: لا والله بل مسكين وأنشد قول الأعرابي.
-
أما الفقير الذي كانت حلوبته ... وفق العيال فلم يترك له سيد
-
وروى حمولته: فسماه فقيرًا وأخبر أن له حلوبة.
-
فإن قيل: قد خالفهم ابن الأنباري (في ذلك) يرويه وليس بالقوى الذي لا شيء له.
-
وحكي ذلك عن الأصمعي ثقة فيما يرويه وليس بالقوى فيما يستدل
-
1/41991/4199
عليه وبينه بالمعنى يضعف وبينه عندهم في القياس.
-
وحكي مذهبنا وقطع يونس ويعقوب وهو مذكور في منطق يعقوب فلا يعرف ما حكاه عن الأصمعي إلى كتاب (ولا قطع به عليه) كما قطع على يعقوب.
-
فلما قال: روي عن الأصمعي فيجوز أن يكون الحاكي عن الأصمعي لم يصدق في حكايته وكيف يقول الأصمعي خلاف قول يونس وهو يأخذ عن أصحابه وأتباعه؟ فلم يجز أن يقال قولًا هو بحكاية عن الأصمعي لا يعرف من رواها كابن الأنباري وهو أحد أصحاب الأصمعي،
-
ولو قطع بالحكاية عنه.
-
قلنا: قوله بنفسه ثم حكي هذا القول أيًا عن أبي عبيدة وليس ممن يقابل بقوله قول من حكينا مذهبه.
-
قال المازني: قال أبو عبيدة: الحرف الرابع في كتاب سيبويه العين معنى ما يدل على ذلك أن الفقر في اللغة عدم.
-
{أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد} وقال: {إن يكن غنيًا أو فقيرًا أولى بهما} وقال تعالى ( {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء} ) وفي الحماسة:
-
متى ما ير الناس الغني وجاره فقير يقول عاجزًا وجليد.
-
وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ... ولكن أحاظ قسمت وحدود.
-
فإذا كان الفقر زوال الغنى وكان اسم الفاعل من افتقر يفتقر فلا فرق بينه وبين فقر وكل مفارق الغنى فهو فقير وهذه أول رتبة الفقر ثم تتزايد به.
-
1/42001/4200
فلو كان الفقير أسوأ حالًا من المسكين كان المسكين غنيًا والصدقة لا تحل للأغنياء وقد حملت للمساكين فدل على أنها رتبة ثانية من الفقر يستحقها الفقراء إذ لا فاصل بين الفقر والغنى كما لا فاصل بين الصغير والكبير والجليل والرفيق والعظيم والحقير وقد يكون الشرط كان وما دل نحو عاقل غير منكر ثم يدل جمع الفرض وينتج واحدة.
-
وقالوا: السماع قال: نوع من ذلك وتقدم.
-
قالوا: بطل فلو كان فرق ذلك قالوا منه وإن كان فوق ذلك.
-
أليس حكي هذا أبو عبيدة عن العرب؟ كذلك فقير ومسكين أحدهما أزيد رتبته من الآخر وقد بينا أن الفقر هو مقابل الغنى فلابد أن تكون المسكنة رتبة زائدة على ما قدمنا.
-
قال ابن اليربوعي: متى أرى هو سبقني بحرف في العناد وإن قل لم نقر منه الفقر فوضع الظاهر فوضع الظاهر موضع الضمير والمراد (لم يرد) منه قلة المال كقوله تعالى: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} معناه تطمئن قلوبهم فوضع الظاهر موضع الضمير بغير لفظ ما تقدم من الظاهر إذا اتفق المعنى فأما إذا تغالب المعنى فلا سبيل إلى ذلك.
-
وقد اعترض ابن الأنباري/ على حكاية يونس عن الأعرابي قال: لا والله بل مسكين إلى حال أحسن من حال الفقير.
-
وأما قول الراعي: أما الفقير الذي كانت حلوبته فوصفه (بعد أدرهما فمن ابن يونس أنه وصفه بالفقر) حال ملكه لها بأبي بكر.
-
حدثت ابن يونس الغنوي في هذه المسألة ولم يحكي عنه الإجماع بهذه الحكاية ولا بهذا البيت وإنما أولى رحلي وللام يقل أفنيت استدلالًا بها فلما حملت أمره على انه قال عن بطن من حول وإلا حملت أمره على أنه قال ذلك حكاية عن العرب فلم ظننت أنك تستدرك على مثله مع أن أماميك الكسائي والفراء وثقاه وحملا عنه وذكراه في كتبهما بعد الرحلة إليه والإقامة عليه ثم يقول إلى هذا المنحور الذي صنفه غلط.
-
لأن يونس يضطر إلى قصة الأعرابي بمشافهة يعتقد بسببه يستدرك
-
1/42011/4201
بالاحتمال فيه فهو يعيد والفرزدق جلس وأبو عمرو بن العلاء وأبو عبيدة وسيبويه وأبو الحسن بلا مدته وسيبويه يعرض عليه سماعه من وإلى زيد له فأما اعتراضه على البيت فغلط وضد مذاهب الشعر لأن الراعي أن القوم ظلموا الأغنياء فافتقروا لظلمهم والنفس تستعظم ظلم الفقير وما يجب بهذا التأويل البعيد أن يجبه يونس بالاعتراض والرد ثم احتج بن الأنباري بما أحكيه في أثناء ما ذكر المخالفون من الفقهاء.
-
احتجوا بقوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} بدأ بالفقير والبداية تقع بالأهم فدل على أن الفقير أشدهم حالًا وأعظمهم حاجة.
-
والجواب: أن اسم الفقير يعم المسكين (وغيره وكل مسكين فقير وليس كل فقير مسكين) فبدأ تعالى بالفقير لأنه بدأ بالاسم العام (المسلوب الجمع) ثم ثنى بالمسكين وهو الذي احصر وجه التخصيص والتأكيد كقوله تعالى: {وملائكته ورسله وجبريل} وقوله: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} وقال تعالى: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل} ففي كل هذه المواضع قد دخل الثاني في عموم الأول.
-
ثم خصصنا الاسم لمعنى يخصه وعلى طريق التأكيد يذكره كذلك الفقير والمسكين مثله.
-
احتج ابن الأنباري بقوله تعالى: {أما السفينة فكانت لمساكين يعملون
-
1/42021/4202
في البحر} فسماهم مساكين مع إخباره أنهم يملكون سفينة وسفن البحر تساوي مالًا عظيمًا فدل على أن المسكين من يملك بلغة إلا أنه لا يكفيه.
-
والجواب: أن المساكين قد تفاضلوا في المسكنة كما تفاضل الفقراء في الفقر فإذا كان الرجل يعتمل ماله إلا أن الغاية من عمله لا يبلغ قدر حاجته فهو مسكين ولا اعتبار بقيمته بمن إليه لأنها تجري مجرى الحاجة وقوله إنما المعتبر أو يملك ما أن خرج عن يده كانت بمنزلة من لو يفقد جارحه له في التمكن من التصرف.
-
ألا ترى أن ما قد بمنزلة مقطوع اليد لاستحالة الكتابة بها وأصحاب السفينة كانت لهم كالآلة وكانت حرفية لا تجري عليهم ما يفضل عن مبلغ حاجتهم وقتًا وقتًا فإن غصبوها كان فقد حولوا فهم مساكين تبع ملكها وتبع غصبها وإن كانت حالتهم مع غصبها أعظم وأشد ويجوز أن تكون هذه السفينة لجماعة من أهل البحر وهم عدد كبير يعمل بالبحر لبعضهم فيها ولبعضهم في غيرهم.
-
ولو قسم سهمًا على جماعتهم لم يبلغ ما نصيبه أحدهم مبلغًا يكفيه وقتًا واحدًا فهم مساكين في الحقيقة وإن كان ملكهم لها حاصلًا على اللام في قوله تعالى: {لمساكين} تفيد الاختصاص دون الملك كقوله تعالى: {لهم نار جهنم} فيجوز أن يكونوا اختصوا بالسفينة غير مالكين لها إما بأن يكون لهم مأوى وهم يستطعمون من ركبها وإما أن يكون شيئًا من عملها يركب لا إليهم إلا أن جدوى ذلك عليهما لا يفضل بين قدر حاجتهم فلا يبلغها.
-
فلو غصبها الملك في كلا الوجهين لأهلكهم ذلك بأن لا يجد ما يقوم لهم مقامها.
-
وجواب آخر أنها كانت لقوم مرضى جزءًا يعمل فيها غيرهم وأضاف العمل إليهم لأمرهم به فسماهم مساكين على طريق الترجمة وقد يترجم العرب مسكين وبائس ومنه بيت الكتاب.
-
1/42031/4203
فأصبحوا والنوى على نصر سهم .... وليس كل النوى يلقى المساكين
-
قال سيبويه بعد ذكر النصب على المدح والذم
-
والسم على الأنهار والبحر ... على التعريف من كان هذا الرحم
-
والترحم يكون بالمسكين والبائس ونحوه ولا يكون لكل صفة ولا يكون بكل اسم ولكن رحموا بما يرحم به العرب، زعم الخليل أنه يقول: مررت به المسكين على البدل وفيه معنى الترحم وبدل كبدل مررت به أخيك.
-
قالوا: روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ليس المسكين الذي ترده (الشربة والشربتان و) اللقمة واللقمتان ولكن المسكين الذي لا يجد ما يعنيه)، وهذا نص في بيان ما تقوله فلو ثبت ما ورد ولم يدل على ما يعفه عن المسألة على أنه أحسن حالًا من الفقير؛
-
لأن الله تعالى قال: {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربًا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم} .
-
فعلى قود قولهم يقتضي أن يكون للفقير ما يتعفف به.
-
قالوا: روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (كان يتعوذ من الفقر) وهو الفقر اللازم فكان يقول: (اللهم أحيني مسكينًا وأمتني مسكينًا واحشرني في زمرة المساكين) .
-
قلنا: الفقر الذي استعاذ منه وهو الفقر إلى غيره والمسكنة التي سألها
-
1/42041/4204
هي التي لا افتقار معها غلى الغير وقد يفتقر إلى غيره من له شيء ويتعفف عن من لا شيء له يدل على ذلك لأنه مأخوذ من انتشار الفقار هي خرر الطهر الصلب ومأخوذ من فقرت الفاقرة إذا استأصله الحاجة، والمسكين مأخوذ من الخضوع والتضرع والسكون.
-
قلنا: هذا الاحتجاج لا يصح لأنه ليس يلزم في اسم الجنس من أن يكون مشتقًا كما يلزم في اسم الفاعل،
-
وإن لزم ذلك فقد ادعيتم أن الفقير موصوف عن مفقور إلى فقير.
-
كما قيل: مجروح وجريح فلما أنكرتم أن الفقير مشتق من الفقر الذي هو عدم الغنى بمنزلة استحقاق طرف من الطرف فإن قلت إن الفقر مشتق بما ذكرته.
-
كما قيل: استحجر الطين استحجار وما سبق بمصدر اسم الحجر فلما لك اشتق يلزم الاشتقاق في اسم الجنس.
-
وقد كان يعقوب يقول في المنطق: (وقد قفرت البعير أفقره فقرًا) إذا أحرز به تحديدًا أو بوده ثم وضعت على موضع الحرز عليه، وفقر يكون أن له به وبرضة منه.
-
ومنه قيل: عمار الفاقر كما ينكران أن يكون الفقر إنما سمي فقرًا اسم هذا الفقر لما يلحق بعد سبق الغني من الملكة وأما قولهم في المسكين إنه مأخوذ من التضرع فما أنكروا أنه مأخوذ من انتفاء الحركة عند شبهها بالميت قال - عليه السلام - (لكن البائس سعد بن خولة) إن مات.
-
ومن صح غنه يقال له بائس صح إنه يقال له مسكين ومتى كان المسكين أخذ من السكون والسكون المطلق هو الموت وهذه طريقة الاشتقاق.
-
قولهم: والصحيح أنها غير معتمدة وإنها قل ما اقتضت بسالكها إلى ظفر والمعتمد مما قالت العلماء نقلًا عن العرب في المراد باللفظ.
-
قال ابن الأنباري: قال الله تعالى: {أو مسكينًا ذا متربة} معناه قد ألصق بالتراب من شدة الفقر فلما نعته بهذا النعت علمنا أن كل مسكين ليس على هذه الصفة.
-
1/42051/4205
ألا ترى أنك إذا قلت: اشتريت ثوبًا واعلم أن نعته هذا النعت لأنه لنفس كل ثوب له علم كذلك المسكين الأغلب أن له شيء فلما كان المسكين مخالفًا لسائر المساكين.
-
قلنا: هذا نبه على أن الصفة لا تكون إلا لدفع الإلباس وهذا غير لازم لأن صفات الله تعالى وصفات إبليس - لعنه الله - لا تقع لدفع الإلباس فغن قال أنها لله المدح وفي إبليس الذم.
-
قلنا: فما تقول في قوله تعالى: {ومناة الثالثة الأخرى} وقد قال: {أفرءيتم اللات والعزى} وقد علم أن مناة الثالثة تم وصفها بذلك وليس في هذه الصفة وقع الناس فكذلك قوله تعالى: {والنخل ذات الأكمام} لأنه ما من نخل وهو كذلك وهكذا قوله تعالى: {والحب ذو العصف والريحان} وقرأه ابن مسعود وتعجب أبي ثم يقول له الصفة هاهنا مخصصة؛
-
لأن المسكين يقع على الغير على طريق الرحم، فقد جاء مسكنة امرأة بغير زوج فكذلك وصفه الله تعالى المسكين بما وصف به.
-
قال الأزهري في كتابه عن ابن الأعرابي أنه أنشد لبعض العرب:
-
هل لكم في أجر عظيم تؤجره معيب ... مسكينًا قليلًا عسكره عشر شياه سمعه وبصره
-
وقال ابن الأعرابي: عسكره جميع ماله فسماه مسكينًا وله عشر شياه فلا يجوز أن يكون مسكينًا على طريق الترحم لا من حيث الفقر.
-
وعلى أن عهدنا من له عشر شياه يجوز أن يكون مسكينًا إذا كان لا يفضل عن كفايته وقت واحد فإذا فضل ما في يده عن كفايته وقتًا واحد لم يكن مسكينًا وكان فقيرًا فلم يكن في هذا دليل. ومن العجب يحكى/.
-
عن ابن يونس وأبي زيد وابن دريد ما يحكى لنا عن رجل فقير فذكر لنابغة العرب روي عن الأعرابي وهو لم يلق ثعلبًا ينشد شعر الأعرابي لا يعرف مقابل بيت الراعي وهو في درجة جرير وفرزدق وقد أنشده لعبد الملك بن مروان.