مسألة ١٨٥
التجريدHanafimasa’il 5633 to 5685
-
1/7651/765
لا يجوز للجنب الاجتياز في المسجد
-
قال أصحابنا: لا يجوز للجنب الاجتياز في المسجد.
-
وقال الشافعي: يجوز الاجتياز ولا يجوز اللبث.
-
لنا: حديث عائشة [رضي الله عنها] أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج فرأى أبوابا مشروعة إلى المسجد فقال: "سدوا هذه البيوت عن المسجد؛ فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب" ، ومعلوم أن الأبواب [تراد] للاجتياز دون القعود، فدل على أن الاجتياز لا يجوز.
-
ولأن قوله: "لا أحل المسجد" [عام] ، ألا ترى
-
1/7661/766
أن أبلغ التحريم أن يعلق بالعين، كقوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} و {حرمت عليكم أمهاتكم} .
-
ولا يقال: هذا الخبر رواه الأفلت بن خليفة عن جسرة بنت دجاجة عن عائشة، قالوا: والأفلت ضعيف.
-
قلنا: ذكر هذا الخبر أبو داود ولم يطعن فيه. ورواه عن الأفلت عبد الواحد بن زياد، وهو لا روي إلا عن ثقة. وقد طرق الطبري هذا الخبر في تاريخه من وجوه كثيرة فلم يجز الطعن عليه مع شهرته. ولأن كل بقعة [منع] من اللبث [فيها] لمعنى منع من الاجتياز لذلك المعنى، كدار الغير،
-
ولا يلزم عليه الطريق؛ لأنه منع من القعود إذا أضر بغيره،
-
ولا يمنع متى لم يضر. والاجتياز على وجه يضر ممنوع، ومباح على وجه لا يضر.
-
ولأنها بقعة منع القعود فيها فمع من دخلوها للاجتياز، كالدار المغصوبة. ولأنه كائن في المسجد مع الجنابة من غير ضرورة، فصار كالقاعد.
-
ولا يقال: إن القعود في ملك الغير والاجتياز ممنوع منه لمعنى واحد، وهو عدم الإذن فلم يجز أن يجعل أحدهما علة للآخر؛ لأنه لا يمتنع تعليل الأصل بعلل،
-
ولا يمتنع [أيضا] أن يحمل الفرع على الأصل بغير علة الأصل.
-
1/7671/767
قالوا: الاجتياز لا يغير بالقعود؛ بدلالة أن المحتلم في المسجد يجوز له الخروج منه ولا يجوز له اللبث؛ وذلك لأن الخروج إنما يجب للضرورة، واللبث لأجل الضرورة جائز أيضا، وهو إذا خاف السبع. ولأنه إنما يخرج بعد ما يتيمم، واللبث على هذه الصفة عند الحاجة جائز؛
-
بدلالة من لم يجد الماء. ولأن من حاضت في المسجد لا يجوز لها اللبث ويجوز لها الخروج،
-
ولا يجوز لها أن تبتدئ [دخول المسجد] إذا لم يؤمن تلويثه. ولان من احتلم في المسجد ابتدأ الدخول على وجه مباح ثم طرأ الخطر، فصار- كم أذن لغيره في دخول داره ثم نهاه- أن اللبث لا يجوز، وقد يجوز الاجتياز للخروج،
-
ولا يجوز ابتداء الدخول [على وجه مباح] ، فكذلك في مسألتنا.
-
ولأنها مماسة منع الجنب منها لحق الله تعالى، فاستوى فيها القليل والكثير، كمس المصحف.
-
ولأنه حكم يعود إلى منعه لحق الله تعالى،
-
فإذا تعلق باللبث تعلق بالاجتياز، كالوقوف بعرفة.
-
احتجوا: بقوله تعالى: {يا أيها الذين أمنوا لا تقربوا الصلاة وأنت سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عباري سبيل حتى تغتسلوا} ، والصلاة يعبر بها عن مكان الصلاة، كقوله تعالى: {لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد} ، فقد أجاز الله تعالى الاجتياز في المسجد للجنب، والمصلي لا
-
1/7681/768
يسمى عابر سبيل، والمجتاز يسمى بذلك.
-
قالوا: ولأن الصحابة [- رضي الله عنهم -] قد اختلفوا في قوله تعالى: {لا تقربوا الصلاة} فقال ابن مسعود [المراد] المكان، وقال علي وابن عباس: المراد به: الصلاة، قالوا: وحمله على المكان أولى؛ لأنه قال: {لا تقربوا الصلاة} والقرب يكون في الأماكن دون الأفعال.
-
ولأن حمله على الصلاة يقتضي أن يسمى المصلي عابر سبيل، وهذا لا يصح.
-
والجواب: أن حقيقة الصلاة عبارة عن الأفعال، وإنما يسمى المكان [الصلاة] مجازا، وحمل الاسم على الحقيقة أولى.
-
ولأنه قال: {حتى تعلموا [ما تقولون] } ، وصحة الصلاة تقف على القول، والمكان لا تعلق له بالقول.
-
وقد روي أن الآية نزلت في قوم سكروا فلم يحسنوا القراءة في الصلاة على الترتيب.
-
فأما قولهم: إن القرب يقتضي المكان، فليس بصحيح؛ لأنه يقال: قرب يقرب بضم الراء من المكان، ويقال: قرب يقرب بكسر الراء من التلبس بالفعل، والمذكور في الآية: {لا تقربوا} ، فدل على أن المراد به ترك التلبس بالفعل.
-
فأما قولهم: إن المصلي لا يقال عابر سبيل، فإنه لا يقال للمجتاز عابر سبيل، إنما يقال ذلك للمسافر على الإطلاق.
-
قالوا: حمل الآية على ما تقولونه يقتضي إضمار التيمم.
-
قلنا: التيمم مذكور في آخر الآية:
-
فلا نضمره. ولأنا لو أضمرناه
-
1/7691/769
لكان مضمرا بالإجماع، ولأن الإضمار ترك الظاهر، وقد بينا تركهم للظاهر من وجوه،
-
فإن تركنا ظاهرا واحدا- وهم المستدلون- وقف الكلام.
-
قالوا: ظاهر الاستثناء أن يكون من جنس المستثنى منه، وعلى قولكم: استثناء جنب المتيمم من جنب غير متيمم.
-
قلنا: الاستثناء يقتضي أن يكون من لجنس،
-
ولا يقتضي أن يكون على [تلك] الصفة؛ ألا ترى أنه إذا قال: جاءني السودان إلا زيدا، اقتضى أن يكون زيد أسود،
-
ولا يقتضي موافقته السودان في الطول.
-
قالوا: حمل الآية على ما تقولون ترك لعمومها، ونحن نجريها على العموم.
-
قلنا: وأنتم تحملونها على الخصوص أيضا؛ لأنكم تجيزون الاجتياز لحاجة ولا تجوزونه للجلوس.
-
قالوا: فعندكم يجوز لغير المسافر أن يقرب الصلاة مع الجنابة إذا كان مريضا، وعندنا لا يجوز غير الاجتياز، والآية تقتضي تخصيص المذكور.
-
قلنا: المخصوص بالذكر لا يدل على نفي ما عداه. ولأن الله تعالى بين حكم المسافر وجعله تنبيها على غيره.
-
قالوا: [روي] عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها: "ناوليني الخمرة" وكان في المسجد، فقالت: إني حائض فقال: - عليه السلام -: ليست الحيضة
-
1/7701/770
في يدك"، قالوا: وهذا يدل على جواز اجتيازها.
-
والجواب عنه: أنه يحتمل أن يكون في مسجد بيته، وهذا هو الظاهر؛ لأنه لا يعرض النساء للخروج إلى مسجد الجماعة،
-
ويجوز أن يكون في موضع [من] المسجد لا يحتاج في المناولة إلى دخوله.
-
قالوا: روى هشيم عن أبي الزبير عن جابر أنه قال: كان أحدنا يمر في المسجد وهو جنب مجتاز.
-
والجواب: أنا لا نعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علم بذلك فأقر عليه. وقد روي عن علي وابن عباس منع الاجتياز، فصار خلافا بينهم.
-
قالوا: مكلف أمن تلويث المسجد فجاز ألاجتياز فيه، كالمحدث.
-
قلنا: المعنى في المحدث أنه يجوز له القعود فجاز له الاجتياز، ولما كان الجنب لا يجوز له القعود من غير عذر لم يجز له الاجتياز. ونعكس هذه [العلة] فنقول: فوجب أن يستوي فيه القعود والاجتياز، كالمحدث.
-
فإن قيل: قولكم مكلف لا يؤثر في العكس لأنه لا يحتاج في علتهم إليه أيضا، ألا ترى أنهم احترزوا به عن الصبي والمجنون، والاحتراز ارتفع عنه بقولهم:
-
1/7711/771
أمن من تلويث المسجد، وهذه العلة تنتقض على أصلهم بالكافر؛ لأنه مكلف يؤمن منه تلويث المسجد،
-
ولا يجوز له دخول المسجد الحرام.